معه" وهذا الحديث يقول المؤلف: إن في سنده لينا، واللين معناه: أنه ليس بالقوي؛ لأن اللين ضد القوي، فيكون في هذا الحديث ضعف، ولهذا كان بعض أهل العلم يقولون: إن سجدة التلاوة ليس لها تكبير، وبعضهم يقول: لها تكبيرتان: تكبير عند الانحطاط، وتكبير عند النهوض، كما أنهم قد اختلفوا في إثبات التسليم لسجود التلاوة أيضًا، فللعلماء- في ذلك-؛ أي: في أن سجدة التلاوة يكبر لها ويسلم لهم على ثلاثة أقوال:
الأول: أنه إذا سجد يكبر للسجود وعند الرفع يسلم، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ولكنه ضعيف؛ لأنه لا دليل عليه، والعبادات توقيفية لا تثبت إلا بدليل.
والقول الثاني: أنه لا يكبر للسجود ولا يكبر للرفع من السجود ولا يسلم لها؛ لأن ذلك لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأهل هذا القول ضعفوا هذا الحديث الذي رواه أبو داود، وقالوا: إن الضعيف لا تقوم به حجة.
والقول الثالث: هو وسط أنه يكبر إذا سجد، ولا يكبر إذا قام ولا يسلم، قالوا: لأن هذا التكبير ورد فيه هذا الحديث، وأما التكبير إذا قام والتسليم فلم يرد فيه حديث أصلًا، ولكنه على الخلاف في غير ما إذا كان السجود في صلب الصلاة، أما إذا كان السجود في صلب الصلاة فلابد من التكبير عند السجود، وعند الرفع منه؛ لأنه إذا كان السجود في الصلاة فله حكم سجود الصلاة؛ ولهذا جميع الواصفين لصلاة النبي صلى الله عليه وسلم - ومنهم أبو هريرة رضي الله عنه الذي روى عنه أنه سجد في سورة الانشقاق في صلاة العشاء- كل الذين يذكرون التكبير يقولون: إنه كان يكبر كلما خفض وكلما رفع، ولا يستثنوا من ذلك شيئًا، فإذا جاءت العبارة عامة كلما خفض وكلما رفع قد علم منها أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يسجد سجود التلاوة في صلاة الفريضة، فإن هذا العموم يتناول سجود التلاوة، وعلى هذا فنقول: إذا كنت في صلاة وسجدت للتلاوة فكبر إذا سجدت وإذا رفعت، وإذا كنت خارج الصلاة فكبر إذا سجدت، ولا تكبر إذا قمت ولا تسلم.
سجود الشكر:
333 - وعن أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: "كان إذا جاءه أم يسره خر ساجدًا لله". رواه الخمسة إلا النسائي.
334 - وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: "سجد النبي صلى الله عليه وسلم فأطال السجود، ثم رفع رأسه فقال: إن جبريل أتاني فبشرني، فسجدت لله شكرًا". رواه أحمد وصححه الحاكم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 221)
335 - وعن البراء بن عازبٍ رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عليًّا إلى اليمن- فذكر الحديث- قال: فكتب علي رضي الله عنه بإسلامهم، فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب خر ساجدًا شكرًا لله تعالى على ذلك". رواه البيهقي، وأصله في البخاري.
هذه الأحاديث الثلاثة تدل على مشروعية سجود الشكر، قال أهل العلم: وإنما يشرع إذا تجددت النعمة، أما النعمة المستمرة فإنه لا يشرع لها السجود؛ لأن الإنسان دائمًا في نعمة اله كما قال الله تعالى: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها" (إبراهيم: 34). لكن المراد: النعم المتجددة مثل: أن يبشر بولد، أو يبشر بنجاح، أو يبشر بوجود مال ضائع، أو يبشر بانتصار المسلمين أو بدء الفتنة عنهم، أو ما أشبه ذلك، أو يحصل له حادث لولا لطف الله تعالى لأضر به فيسجد الله سبحانه وتعالى شكرًا لاندفاع هذه النقمة.
والحاصل: أنه يستحب سجود الشكر عند تجدد النعم واندفاع النقم، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، والظاهر أنه يكبر إذا سجد ولا يكبر إذا قام ولا يسلم، والمذهب: أنه يكبر إذا سجد وإذا رفع ويسلم كسجود التلاوة، ولو قال قائل: بأن سجود الشكر لا يشرع فيه التكبير عند الانحطاط، نقول: إن الأمرا لم يكن بعيدًا؛ لأن التكبير إنما ورد في سجود التلاوة، وكما قلنا- قبل قليل- إن العبادات مبنية على التوقيف، ولكن ماذا تقول إذا سجدت للشكر؟ تسبح "سبحان ربي الأعلى"؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "اجعلوها في سجودكم" وتثني على الله عز وجل بما له من كمال الإنعام والإفضال، وإذا ذكرت النعمة نفسها كان ذلك أولى، فتقول -مثلًا-: "اللهم لك الحمد على ما أنعمت علي من هذه النعمة أو على ما دفعت عني من هذه النقمة" وتدعو بالدعاء المناسب.
****
9 - باب صلاة التطوع
336 - عن ربيعة بن مالك الأسلمي رضي الله عنه قال: "قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: سل. فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. فقال: أو غير ذلك؟ فقلت: هو ذاك، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود". رواه مسلم.
فوله: "باب صلاة التطوع"، هذا من باب إضافة الشيء إلى نوعه، يعني: الصلاة تنقسم إلى فريضة وإلى تطوع، وهكذا الزكاة والصيام والحج، وهذا من رحمة الله تعالى وحكمته أن جعل
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 222)
لهذه الفرائض تطوعات؛ لن الإنسان قد يخل بالفرائض فتكون هذه التطوعات تكميلًا لها، كما جاء في الحديث: "أن الفرائض تكمل بالنوافل يوم القيامة".
صلاة التطوع أقسام متعددة منها: التطوع المطلق الذي يسن للإنسان كل وقت ما عدا أوقات النهي، ومنها: التطوع المقيد بوقت، ومنها: التطوع المقيد بفرض، ومنها: التطوع المقيد بسبب، فهذه أربعة أقسام: مقيد بوقت كالوتر، ومقيد بفرض كالرواتب، ومقيد بسبب كتحية المسجد، ومطلق وهو ما عدا المقيد.
قال المؤلف: "عن ربيعة بن مالك الأسلمي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: سل"، يعني: أسأل، وكان قد قضى حاجة للرسول صلى الله عليه وسلم، فطلب منه النبي صلى الله عليه وسلم أن يسأل شيئا لأجل أن يكافئه لكن كانت همة هذا الرجل عالية جدًا قال: أسألك مرافقتك في الجنة" هذا سؤال يزن الدنيا كلها، لو جاءت الدنيا كلها ما صارت شيئًا بالنسبة إلى هذا المسئول: "أسألك مرافقتك في الجنة"، الرسول صلى الله عليه وسلم ما أجابه بـ"نعم" ولا أجابه ب"لا"، ولكنه رجاه وقال: "أعني على نفسك بكثرة السجود"، أي: بكثرة الصلاة، لكنه خص السجود؛ لن السجود من أركانها، وقد يعبر عن الشيء بما هو من أركانه، كما في قوله تعالى: {واركعوا مع الراكعين} (البقرة: 43) ، يعني: صلوا مع المصلين، كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا} (الحج: 77). يعني صلوا صلاة ذات ركوع وسجود، فمعنى كثرة السجود: أن يكثر الصلاة.
فيستفاد من هذا الحديث عدة فوائد: أولًا: كرم النبي صلى الله عليه وسلم وحسن خلقه، وأنه لا يدع لأحد معروفًا إلا كافأه عليه، وهذا هو المشروع يعني: أن يكافأ الإنسان على المعروف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صنع إليكم معروفًا فكافئوه"، وفي المكافأة على صنع المعروف تشجع لأهل المعروف على فعله؛ لأن الإنسان إذا كوفئ على معروف تشجع، بخلاف ما إذا لم يكافأ صاحب المعروف، كما أن في المكافأة على المعروف رفعًا لشأن الذي صنع فيه المعروف، فإنك قد تجد ذلًا أمام هذا الذي أدى المعروف، فإذا كافأته صرت معه مساويًا له، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اليد العليا خير من اليد السفلى"، فإذا أحد أدى إليك معروفًا صارت يده بالنسبة إليك عليا، وإذا كافأته علوت أنت وصرت كفؤًا له، وفي المكافأة للمعروف امتثالًا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ينبغي أن يكون على رأس الفوائد، وامتثال أمر النبي صلى الله عليه وسلم كله خير وكله بركة، ولو لم
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 223)
يكن من امتثال الإنسان لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أنه يشعر أن الرسول إمامه أمامه يعني: كأنه بين يديه يتابعه ويترسم خطاه ويمشي تبعًا له لكفاه ذلك شرفًا، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم لا شك أنه في قبره في المدينة، لكن إذا فعلت الشيء امتثالًا لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم صار النبي صلى الله عليه وسلم كأنه أمامك تتبعه فيما قال:
ويستفاد من هذا الحديث: علو همة ربيعة بن مالك رضي الله عنه حيث لم يسأل شيئًا من الدنيا وإنما سأل مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة.
ومن فوائده: فضل كثرة الصلاة، وأنها سبب لأن يكون الإنسان رفيقًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة، لقوله: "أعني على نفسك بكثرة السجود".
ومنها أيضًا: أنه كون الإنسان يعمل عملًا صالحًا فإنه يكون محسنًا لنفسه؛ لقوله: "أعني على نفسك بكثرة السجود" فأنت إذا أكثرت السجود فهذا مصلحة لنفسك ومعونة لها، أي: معونة على ما فيه خيرها وصلاحها.
السنن الرواتب:
337 - وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: "حفظت من النبي صلى الله عليه وسلم عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل الصبح". متفق عليه.
- وفي رواية لهما: "ركعتين بعد الجمعة في بيته"
- ولمسلم: "كان إذا طلع الفجر لا يصلى إلى ركعتين خفيفتين".
هذه من السنن المقيدة بالفرائض، ويقال لها: الرواتب وهي -كما في حديث ابن عمر- عشر، قال: "حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر ركعات .. الخ".
فيستفاد من هذا الحديث: أنه ينبغي للإنسان أن يحافظ على هذه الرواتب، "ركعتين قبل الظهر" يعني: بعد الأذان وقبل الإقامة، "وركعتين بعدها" إلى وقت العصر، يعني: يمتد وقت الركعتين التي بعد الصلاة إلى أن يدخل وقت الصلاة الأخرى، "وركعتين بعد المغرب: إلى أن يدخل وقت العشاء، وركعتين بعد العشاء إلى منتصف الليل؛ لأن وقت العشاء منتهاه: منصف الليل، "وركعتين قبل الفجر"، وكان صلى الله عليه وسلم لا يصلي بعد أذان الفجر إلا ركعتين خفيفتين كما ثبت ذلك من حديث ابن عمر، ومن حديث ابن عباس، ومن حديث عائشة، وفيه: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يخفف هاتين الركعتين؛ يعني: ركعتي الفجر، حتى تقول عائشة: "حتى أقول: أقرأ بأم
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 224)
القرآن؟ " من تخفيفه لهما صلى الله عليه وسلم، هذه الرواتب عشر في حديث ابن عمر الركعتان اللتان قبل الظهر يبتدأ وقتهما من زوال الشمس إلى صلاة الظهر، واللتان بعدها من صلاة الظهر إلى دخول وقت العصر، والركعتان بعد المغرب من صلاة المغرب إلى دخول وقت العشاء، والركعتان بعد العشاء من صلاة العشاء إلى منتصف الليل، والركعتان قبل الفجر من طلوع الفجر إلى صلاة الفجر، أما العصر فليس لها سنة راتبة يداوم عليها الرسول صلى الله عليه وسلم، قال أهل العلم: إذا فاتتك الركعتان قبل الظهر فصلهما بعد الصلاة؛ لن فعلهما قبل الصلاة تعذر وهذا يقع دائمًا بان يأتي الإنسان إلى المسجد فيجدهم قد أقاموا الصلاة، ففي هذه الحال يقضيها بعد صلاة الظهر، لكن يصلي الراتبة التي بعد الظهر قبل الراتبة التي قبلها.
إنسان جاء والناس يصلون الظهر فلم يتمكن من سنة الظهر، إذا صلى الظهر يصلي ركعتين بنية الراتبة البعدية، ثم بعد ذلك يقضي الراتبة القبلية، هكذا روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث رواه ابن ماجه، صلاة الفجر إذا فاتته سنة الفجر قبل الصلاة يقضيها بعد الصلاة، أو إذا أخرها إلى أن ترفع الشمس قدر رمح كل هذا جائز.
أين تفعل هذه الرواتب العشر في المسجد أو في البيت؟ كان الرسول صلى الله عليه وسلم يفعلها في بيته ففي حديث ابن عمر صرح بأن المغرب والعشاء والفجر والجمعة كلها في البيت وسكت عن الظهر، ولكننا حسب ما نعرفه من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي الرواتب في بيته، حتى قال صلى الله عليه وسلم " "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة"، وعلى هذا فالأفضل أن تصلي الرواتب في البيت قبل أن تأتي إلى المسجد حتى لو كنت في مكة أو كنت في المدينة، فالأفضل أن تصلي الرواتب في بيتك لا في المسجد الحرام ولا في المسجد الحرام ولا في المسجد النبوي؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي هو في مسجده- المسجد النبوي- ومع ذلك يصلي النوافل في البيت.
ويستفاد من هذا الحديث: أن راتبة الفجر ينبغ أن تخفف، وتختص راتبة الفجر بأمور ثلاثة: الأول: أنها أفضل الرواتب، حتى قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها". الثاني: أنها تفعل حضرا أو سفرًا، بخلاف راتبة المغرب والعشاء والظهر، فإن الإنسان إذا كان مسافرًا لا يصلي رواتب هذه الصلوات الثلاث، أما الفجر فتفعل.
الثالث: أن لها قراءة مخصوصة، يعني: يقرأ فيها بشيء معين من القرآن وهو {قا يأيها
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 225)
الكافرونْ} (الكافرون) في الركعة الأولى، {قل هو الله أحد} (الإخلاص). في الركعة الثانية، أو الركعة الأولى: {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحدٍ منهم ونحن له مسلمون} (البقر: 136). وفي الركعة الثانية يقرأ: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمةٍ سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولوا فقولوا أشهد بأنا مسلمون} (آل عمران: 64). وهل هذا يعني: أنه مخير في الأمر بحيث إن شاء قرأ: {قل يا أيها الكافرون} و {قل هو الله أحد} دائمًا أو يقرأ: {قولوا آمنا بالله} و {قل يا أهل الكتاب} دائمًا، أو الأفضل أن يفعل هذا مرة وهذا مرة؟ الثاني: لأن كليهما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم لكن إذا كان لا يحفظ الآيتين التين أولاهما في سورة البقرة والثانية في آل عمران فليقرأ: {قل يا أيها الكافرون} و {قل هو الله أحد} فهل تصح الصلاة إن قرأ بغيرهما؟ نعم، ولو اقتصر على الفاتحة صحت أيضًا الصلاة؛ لأنه من سورة معينة في القرآن تجب قراءتها إلا الفاتحة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة لمن يقرأ بأم القرآن".
338 - وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم "كان لا يدع أربعًا قبل الظهر وركعتين قبل الغداة" رواه البخاري.
سبق لنا في حديث بن عمران أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخفف الركعتين لصلاة الفجر فالسنة إذن تخفيفهما.
فلو قال قائل: أليس من الأفضل أن أثقلهما، وأزيد في القراءة، وأزيد في التسبيح، وأزيد في الدعاء؟ قلنا: لا بل التخفيف أفضل؛ أن الله عز وجل يقول: {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا وهو العزيز الغفور} (الملك: 2). ولم يقل: أيكم أكثر عملًا، بل قال: {أيكم أحسن}، وكلما كان للشرع أوفق كان أحسن، ولهذا قلنا: إن ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم فإن الأفضل الاقتصار فيه على ما ورد، وذكرنا من تلك القواعد فوائد، منها: لو قال قائل في رمضان: أنا أحب أن أصلي ثلاثًا وعشرين ركعة، أو تسعًا وثلاثين ركعة، أو إحدى وسبعين ركعة، أو أصلي إحدى عشرة ركعة، فأيها أفضل؟ قنا: إحدى عشرة ركعة أفضل، فإذا قال قائل: إن الرسول صلى الله عليه وسلم حث على كثرة الركوع والسجود والصلاة، قلنا: لكن هذا الحث مطلق، فالشيء المطلق يقيد بما جاءت به السنة فإن عائشة لما سئلت كيف كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ قالت: "كان لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة"، فالأفضل على هذا ألا نتجاوز، كما لو قال قائل: أنا
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 226)
أريد أن أسبح أدبار الصلوات ثلاثمائة مرة، نقول له: بل الأفضل لاقتصار على ما ورد، ثم يشرع أن تسبح ما شئت، لكن لا تنو أنه تسبيح مقيد بالصلاة؛ أي: لا تزد على ما جاء به الشرع بالتسبيح المقيد بالصلاة.
هكذا أيضًا نقول: الأفضل للإنسان في راتبة الفجر أن يخففها، حتى قالت عائشة رضي الله عنها "حتى إني أقول: أقرأ بأم القرآن"، من شدة تخفيفه صلى الله عليه وسلم.
وماذا يقرأ في هذه الرواتب؟ أما راتبة الظهر والعشاء فلم يرد فيها شيء، وأما راتبة المغرب فقد ورد فيها حديث فيه نظر وفيه أنه يقرأ {قل يا أيها الكافرون} و {قل هو الله أحد}، وأما الفجر فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ فيها: {قل يا أيها الكافرون}، وفي الركعة الثانية: {قل هو الله أحد} أو في الركعة الأولى {قل يا أيها الكافرون}، وفي الركعة الثانية {قل يا أهل الكتاب تعالوا} الآية. وفي حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدع أربعًا قبل الظهر وركعتين قبل الغداة، في هذا الحديث دليل على أن راتبة الظهر قبلها أربع ركعات، فهل نأخذ بحديث ابن عمر أو بحديث عائشة أو نقول: إن السنة هذا وهذا؟ يرى بعض أهل العلم: أن نأخذ بحديث عائشة؛ لأن فيه زيادة علم، ويرى آخرون أن نأخذ بحديث ابن عمر؛ لأنه قال: "حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "، ولكن الراجح: أن هذا، وهذا أيضًا سنة، من اقتصر على ركعتين فقد أصاب، ومن زاد إلى أربع فقد أصاب، ولكن المرجح: أن يصلي أربعًا، وذلك لأنه وردت أحاديث تدل على فضيلة الأربع قبل الظهر.
فضل ركعتي الفجر:
339 - وعنها رضي الله عنها قالت: "لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على شيءٍ من النوافل أشد تعاهدًا منه على ركعتي الفجر". متفق عليه.
- ولمسلم: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها".
هذا الحديث أيضًا تقول عائشة رضي الله عنها: "على شيء من النوافل"، المراد بالنوافل: النوافل التابعة للصلوات، فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يتعاهد شيئًا منها أكثر من تعاهده لركعتي الفجر، ولهذا كان لا يدعهما حضرًا ولا سفرًا، وليس شيء من الرواتب يصليه النبي صلى الله عليه وسلم إلا راتبة الفجر فقط، وانتبه لقولي: من الرواتب، احترازًا من بقية النوافل، فإن بقية النوافل كان الرسول صلى الله عليه وسلم يصليها، لكن الرواتب لا يصلي منها إلا راتبة الفجر، ما الذي بقى من الرواتب؟ راتبة الظهر وراتبة
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 227)
المغرب وراتبة العشاء، هذه لا تصلي، وأما الوتر فليس من الرواتب؛ لأن الرواتب هي: السنن التابعة للصلوات الخمس، والوتر ليس منها، ولهذا نقول: إن المسافر يصلي الوتر، ويقوم الليل، ويصلي الضحى، ويصلي الاستخارة، ويصلي تحية المسجد، وينتفل تنفلًا مطلقًا، كل المواطن مشروعة في حقه، باقية على مشروعيتها، أما الرواتب- وهي النوافل التابعة للصلوات المكتوبة- فلا يصلي منها إلا راتبة الفجر، فإنه لا يدعها حضرًا ولا سفرًا، وفي صحيح مسلم: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها"، (ركعتا الفجر)، كيف ركعتا الفجر: بالفتج مع أنه مبتدأ؛ لأنه مثنى لكن تسقط الألف لأن الذي بعدها همزة وصل، وقد قال ابن مالك.
إن ساكنان التقيا اكسر ما سبق … وإن يكن لينا ففتحه استحق
وهذا لين "ألف" فيفتح، ولا حاجة إلى أن تتوقف وتقول: ركعت الفجر، بل نقول: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" وهذا نظير قوله تعالى: {ولقد أتينا داود وسليمان علمًا وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين} (النمل: 15). لا نتوقف ونقول: "وقال الحمد لله، ليس هناك داعٍ، بل نقول: {الحمد لله الذي فضلنا على كثيرٍ من عباده المؤمنين}؛ لأن الألف تسقط عند التقائها بهمزة الوصل، وهنا "ركعتا الفجر خير من الدنيا وفيها". أي دنيا هي؟ الدنيا كلها في كل زمان ومكان ركعتان خير من الدنيا كلها، والخيرية هنا ظاهرة؛ لأن ثواب هاتين الركعتين باق، والدنيا كلها زائلة وما فيها زائل: {كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} (الرحمن: 26 - 27). تصور كيف كانت حال الدنيا .. من مضى من الملوك والعلماء والتجار وغيرهم ماذا كانوا بعد أن ذهبوا؟ كانوا كما كانوا قبل أن يولدوا مضوا وكأن لم يكونوا بعد! يقول الله عز وجل في سورة الإنسان {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا} (الإنسان: 1) ثم ذكر بعد ولادته وإذا مات صار حبرًا من الأخبار:
بينا يرى الإنسان فيها مخبرًا … حتى يرى خبرًا من الأخبار
كان يتحدث بالناس، ولكن الآن صار الناس يتحدثون به، فركعنا الفجر خير من الدنيا وما فيها، لو ذكر للواحد أنه يوجد في بلد بعيد، يوجد قصر (فيلا) إذا جاء الإنسان إليها فإننا نعطيها إياه مجانًا جزاء له على سفره الطويل أيذهب الناس إليها أم لا؟ لا شك أنه يذهب الناس إليها مع التعب الشديد، مع أنها ربما تنهدم قبل أن يموت صاحبها، أو يموت ويدعها! لكن "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" فضل عظيم، ولولا أنه ثابت عن الرسول صلى الله عليه وسلم لقال قائل: كيف يكون هذا الفضل العظيم بهذا العمل القليل: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" وهذا يدل
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 228)
على تأكدها، وأنه لا ينبغي للإنسان أن يدع ركعتي الفجر، بل الواجب عليه أن يحرص عليها ويحافظ عليها.
فإن قال إنسان: إذا جئت والإمام قد أقام الصلاة هل أصليها، يعني: أنا أعلم علم اليقين أنني سأدرك الإمام قبل أن يركع؛ لأني أعرف أن عادة الإمام أنه يقرأ ويطيل القراءة، فسوف أتمكن من صلاة الراتبة ثم أدخل معه، فما الجواب؟
نقول: لا يصليها، ولو صلاها فهي باطلة مع إثمه، يأثم وتبطل الصلاة؛ والدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة"، و"لا" نافية، والنفي هنا بمعنى النهي وهو نفي للصحة، يعني: لا تصلوا فإن صليتم فلا صلاة لكم، ولكن يصليها بعدما يسلم الإمام ويأتي بالذكر الوارد، وإن أخرجها حتى تطلق الشمس قيد رمح فلا حرج عليه، لكن كثيرًا من الناس بقول: إني لو تركتها لنسيتها، أو لتهاونت لها وثقلت علي، فإذا كان الإنسان يخشى من هذا فالأفضل أن يصليها بعد الصلاة.
340 - وعن أم حبيبة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بني له بهن بيت في الجنة". رواه مسلم وفي روايةٍ" "تطوعًا".
- وللترمذي نحوه، وزاد: "أربعًا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الفجر".
هذا الحديث يؤيد ما سبق من حديث عائشة رضي الله عنها مع أن حديث ابن عمر فيه أن هذه الثنتي عشرة لو صلاها الإنسان بني الله له قصرًا في الجنة؛ أي: قصرًا في الجنة دائمًا أبديًا "أربع قبل الظهر" بسلام واحد أو بسلامين؟ بسلامين؛ لن هذا المطلق يحمل على المقيد، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى"، ولا يستثنى من ذلك إلا الوتر في بعض صفاته، فمثلًا إذا أوتر بثلاث فله أن يفردها جميعًا بسلامٍ واحد وتشهد واحد، وإذا أوتر بخمسٍ فالسنة أن يسردها جميعًا بسلام واحد وتشهد واحد، وإذا أوتر بسبع فالسنة أن يسردها جميعًا بتشهد واحد وبسلام واحد، وإذا أوتر بتسع فالسنة أن يسردها جميعًا بسلام واحد وتشهدين، وإذا صلى ثمان ركعات جلس وتشهد، ثم قام وأتى بالتاسعة فتشهد وسلم، أما إذا أوتر بإحدى هشرة فإنه يصلي ركعتين ركعتين؛ أي: مثنى مثنى، وعلى هذا فنقول: إن محافظة الإنسان على اثنتي عشرة ركعة كل يوم وليلة أفضل من الاقتصار على عشر ركعات لهذا الحديث.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 229)
النفل قبل العصر والمغرب:
341 - وللخمسة عنها: "من حافظ على أربع قبل الظهر وأربعٍ بعدها؛ حرمة الله تعالى على النار".
342 - وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رحم الله امرأ صلى أربعًا قبل العصر". رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسنة، وابن جزيمة وصححه.
343 - وعن عبد الله بن مغفل المزني رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صلوا قبل المغرب، وصلوا قبل المغرب، ثم قال في الثالثة: لمن شاء كراهية أن يتخذها الناس سنة". رواه البخاري.
- وفي رواية لابن حبان: "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى قبل المغرب ركعتين".
344 - ولمسلم عن أنس رضي الله عنه قال: "كنا نصلي ركعتين بعد غروب الشمس، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرانا، فلم يأمرنا ولم ينهنا".
هذه الأحاديث فيها بيان شيء من السنن ولكنها ليست برواتب، "أربع قبل الظهر وأربع بعدها"، ويمكن أن يراد بالأربع التي قبل الظهر: الأربع الرواتب، ويمكن أن يكون المراد: أربعًا غير الرواتب، أما "أربع بعدها" فتدخل فيها الراتبة التي بعد الظهر وهي ركعتان، فإذا حافظ على أربع قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار، كما هو مقتضي هذا الحديث، وفي إسناده ما فيه.
وأما الثاني: فهو أربع قبل العصر، لقوله: "رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعًت"، وهذا أيضًا فيه نظر، ولكنه على تقدير ثبوته فإنه يدل على استحباب أربع قبل العصر، ولكنها ليست براتبة.
أما الركعتان بعد أذان المغرب وقبل صلاة المغرب فقد اجتمع فيها أنواع السنة الثلاثة: القول، والفعل، والإقرار، ففي حديث عبد الله بن مغفل أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "صلوا قبل المغرب" ثلاث مرات، وقال في الثالثة: "لمن شاء" كراهية أن يتخذها الناس سنة، ومعنى (سنة) أي: طريقة ثابتة راتبة، وفي هذا دليل على أنه يفرق بين الشيء الراتب الذي اتخذ سنة وطريقة
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 230)
وبين الشيء العارض، وهذه القاعدة ذكرها أهل العلم وقالوا: الشيء قد يكون جائزًا في بعض الأحوال إذا لم يتخذ سنة راتبة، ومن ذلك صلاة الجماعة في النافلة، لا بأس بها أحيانًا كما لو صلى الإنسان صلاة الليل مع صاحب له ليكون ذلك أنشط له، فإن ذلك جائز فعله النبي صلى الله عليه وسلم حين صلى معه ابن عباس رضي الله عنه وعن أبيه)، فصلى معه صلاة الليل، وفعله أيضًا ومعه حذيفة بن اليمان رضي الله عنها، وفعله ومعه عبد الله بن مسعود، لكنه ليس من الأمور التي يسن لها الجماعة إنما إذا صليت صلاة الليل جماعة أحيانًا فلا حرج فيها كذلك سنة المغرب ينبغي للإنسان أن يصلي قبل المغرب يعني بين الآذان وبين الإقامة لكن لا يتخذ ذلك سنة راتبة إنما يفعله أحيانًا أو في أكثر الأحيان هذا غير تحية المسجد أما تحية المسجد فمتى دخل الإنسان المسجد فغنه يصليها، ومن العجيب أنك ترى بعض الناس يأتي إلى المسجد بعد أذان المغرب ويجلس ولا يصلي، وهذا خطأ، هذا خلاف السنة التي قال فيها الرسول صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين" وخلاف السنة التي قال فيها الرسول صلى الله عليه وسلم: "صلوا قبل المغرب"، وثبت ذلك من فعله أنه كان يصلي قبل المغرب ركعتين، وثبت ذلك من إقراره، وذلك أن الصحابة كانوا يصلون قبل المغرب والنبي صلى الله عليه وسلم يراهم فلم يمنعهم من ذلك، فهذه النافلة ثبت فيها أنواع السنة الثلاثة: القولي، والفعلي، والإقراري، وبعض الناس لا يفعلها حتى ولو دخل المسجد، وهذا جهل منهم، وينبغي أن يبلغوا بأن هذا خلاف السنة.
فإن قال قائل: كيف يجمع بين هذه الأحاديث في سنة المغرب- والأحاديث الأخرى التي تدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي المغرب ويبادر بها فيصليها إذا وجبت الشمس؟
الجمع بين الحديث وهذه الأحاديث أن يقال: إن السنة التي بين أذان المغرب وصلاة المغرب تكون خفيفة لا يطيل فيها، هكذا جمع ابن حجر بين الأحاديث، ويمكن أن يقال: إن صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم المبادرة لا ينافي أن يصلي الإنسان بعدها ركعتين، ولو كانتا غير خفيفتين؛ لأن إثبات أن هاتين الركعتين خفيفتان بدون دليل في القلب منه شيء.
التخفيف في ركعتي الفجر والاضطجاع بعدها:
345 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح، حتى إني أقول: أقرأ بأم الكتاب". متفق عليه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 231)
346 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعتي الفجر: {قل يا أيها الكافرون} (الكافرون). و {قل هو الله أحد} (الإخلاص). رواه مسلم.
347 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن". رواه البخاري.
348 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا صلى أحدكم الركعتين قبل صلاة الصبح، فليضطجع على جنبه الأيمن". رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وصححه.
أما تخصيص الركعتين اللتين قبل صلاة الفجر فقد تقدم الكلام عليهما، وأما السنة في راتبة الفجر فأن يصليها الإنسان خفيفة، وأما الاضطجاع بعدهما على الجنب الأيمن فقد ذكرت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على جنبه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن فيؤذنه بالصلاة، فدل هذا على مشروعية النوم على الجنب الأيمن بعد سنة الفجر، ومن المعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يفعلها في بيته، فإذا أذن الفجر فصلى ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على الجنب الأيمن، وهل هذا سنة مطلقًا كما اختاره بعض أهل العلم وقالوا: يسن أن يضطجع على الجنب الأيمن إذا صلى سنة الفجر مطلقًا، أو هو سنة لمن يقوم الليل فقط، لأجل أن يأخذ راحة قبل صلاة الفجر؟ اختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الثاني، وقال إن الاضطجاع بعد سنة الفجر سنة لمن كان يقوم الليل، أما من لا يقوم الليل فإن ذلك ليس سنة في حقه، وأغرب ابن حزم رحمه الله يعني: ذهب إلى قول غريب- وقال: إن الاضطجاع بعد سنة الفجر شرط لصحة صلاة الفجر، وأما من لم يضطجع إذا تسنن للفجر على الجنب الأيمن فإن صلاة الفجر باطلة وهذا من الأقوال الغريبة جدًا؛ لأنه رحمه الله يرى صحة حديث أبي هريرة الذي ذكره المؤلف وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر إذا صلى الإنسان سنة الفجر أن يضطجع بعدها، لكن هذا الحديث قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنه لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالاضطجاع، إنما صح ذلك من فعله لا من قوله، قم نقول لابن حزم -عفا الله عنه: حتى لو فرض أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بالركعتين بعد الأذان على الجنب الأيمن فما علاقة ذلك بصلاة الفجر؟ هذا من جهة، ومن جهة أخرى إن بعض أهل العلم أكد هذا الاضطجاع الذي يكون بعد سنة الفجر.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 232)
قيام الليل:
349 - وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صلاة اليل مثنى مثنى، فإذا خشى أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة، توتر له ما قد صلى". متفق عليه.
- وللخمسة، وصححه ابن حبان بلفظ: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى". وقال النسائي: هذا خطأ.
350 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل". أخرجه مسلم.
هذه الأحاديث تدل على صلاة الليل: حكمها وعددها وهئتها، أما حكمها: فإنها سنة مؤكدة، وهي أفضل من صلاة النهار، يعني: المطلق من صلاة الليل أفضل من المطلق من صلاة النهار، وأن المقيد من صلاة النهار في الرواتب فهو أفضل من المطلق من صلاة الليل.
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "أفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل"؛ أن صلاة الليل أبعد عن الرياء، فإن الإنسان فيها يكون خاليًا بربه عز وجل لا يطلع عليه إلا الله، وصلاة الليل أشد وطأ كما قال الله عز وجل: {غن ناشئة اليل هي أشد وطئًا وأقوم قليلًا} (المزمل: 6)، يعني يتواطأ عليه القلب واللسان والجوارح، فهي أخشع من صلاة النهار، ولأن صلاة الليل تدل على الرغبة الأكيدة في فعل العبادة؛ لأن الإنسان يدع فراشة ويدع راحته ويقوم إلى الصلاة، فهي أدل على حرص الإنسان على عبادة ربه تبارك وتعالى؛ لأن صلاة الليل توافق في غالبها وقت النزول الإلهي، وقت نزول الله عز وجل إلى السماء الدنيا، فإن الرب سبحانه وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، ويقول: "من يسألني فأعطيه؟ ومن يستغفرني فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر"، يقول ذلك عز وجل كل ليلة، ونزوله هنا حق؛ أي: يكون على حقيقته وظاهره لكن ليس كنزول المخلوقين، بل يجب علينا أن نؤمن ونقول: الله أعلم بكيفيته، لكننا نعلم أنه لا يماثل نزول المخلوقين؛ لأن الله تعالى يقول: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} (الشورى: 11)، ولا يحل لأحد أن يعرف معناه ويقول: إن معنى "ينزل ربنا" يعني: تنزل رحمته، أو ينزل ملك من ملائكته، أو ينزل أمره؛ لأن هذا التحريف يعني: إخراج لكلام الرسول صلى الله عليه وسلم عن معناه، فإن هذا
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 233)
التحريف يأباه سياق اللفظ، يقول الرسول: "ينزل ربنا إلى سماء الدنيا فيقول: من يدعوني "ينزل فيقول" هل الرحمة تقول هذا الكلام؟ لا، الأمر لا يقول هذا الكلام، الملك لا يقول هذا الكلام، لا يقول الملك: من يدعي فأستجيب له؟ إنما الذي يقول الرب سبحانه وتعالى، وأيضًا نزول رحمة الله تعالى وأمره لا تختص بالسماء الدنيا، يدبر الأمر من السماء إلى الأرض وليس إلى السماء الدنيا، ثم أي فائدة لنا إذا نزلت الرحمة إلى السماء الدنيا ولم تنزل إلى الأرض فتعمنا.
فالحاصل: أن الذين حرفوا ذلك قالوا: ينزل أمره حوموا -والعياذ بالله- من طعم معنى هذا الحديث وشعور الإنسان بقرب الرب منه عز وجل، ولكنه سبحانه وتعالى مع كونه ينزل إلى السماء الدنيا هو قريب في علوه قريب عال فوق سمواته، وعلى عرشه؛ لأن الله ليس كمثله شيء في صفاته، فلهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "أفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل"، لهذه المعاني وغيرها.
وأما كيفية صلاة الليل فهي مثنى مثنى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "صلاة الليل مثنى مثنى"، يعني: على ركعتين ركعتين، ويستثنى من ذكر الوتر، إذا أوتر بثلاث فله أن يقرنها بسلام واحد، وبتشهد واحد، وإذا أوتر بخمس فالأفضل أن يقرنها جميعًا بسلام واحد وتشهد واحد، وإذا أوتر بسبع فالأفضل أن يقرنها كلها بسلام واحد وتشهد واحد، وإذا أوتر بتسع فإنه يقرنها كلها بسلام واحد، لكن بتشهدين التشهد الأول في الركعة الثامنة والتشهد الأخير في الركعة التاسعة، وإذا أوتر بإحدى عشرة صلى ركعتين ركعتين، كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يفعل، وكذلك صلاة النهار مثنى مثنى ليس فيها صلاة رباعية غير الفرائض.
ويستفاد من هذا الحديث: أن حديث عائشة التي قالت فيه لما سئلت عن كيفية صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم في رمضان: "ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعًا فلا تسأل عن طولهن وحسنهن، ويصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ويصلي ثلاثًا"، فإن ظاهر هذا الحديث أنه يصلي أربعًا بسلام واحد، ولكنه يحمل هذا المطلق على المقيد، ويقال: يصلي أربعًا لكن بسلامين وتشهدين؛ لأن صلاة الليل مثنى مثنى، ولكن كأنها تريد أنه يصلي أربعًا، ثم يصلي ثم يصلي أربعًا آخر، وبهذا تجتمع الأدلة.
وأما عدد ركعات الليل، فعدد ركعات الليل لم يكن فيها توقيف عن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لا تزيد ولا تنقض، ولكن كان فعله صلى الله عليه وسلم أنه لا يزيد على إحدى عشرة ركعة، فيصلي الإنسان نشاطه، والأفضل إذا كان معه وقت ونشاط أن يطيل النشاط حتى لا تتجاوز في العدد إحدى
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 234)
عشرة ركعة، فإذا كان الإنسان معه ساعتان، وقال لو صليت إحدى عشرة ركعة أنهيت في ساعة نقول له أطل الركوع والسجود والقيام ما دمت تريد أن تبقى ساعتين في الصلاة، حتى لا تزيد على إحدى عشرة ركعة، ومع هذا لو زاد فلا حرج؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لما سئل عن صلاة الليل قال: "مثنى مثنى" ولم يحدد، فدل ذلك على أنه لا بأس بالزيادة.
وأما من قال: إنه تحرم الزيادة على إحدى عشرة ركعة فقول لا وجهة له، وكذلك من قال: إن الأفضل في رمضان أن يزيد على إحدى عشرة ركعة، ويصلي ثلاثًا وعشرين أو ما أشبه ذلك، فإن قوله مردود، والصواب: أنه لا يزيد على إحدى عشرة ركعة، ولكن ليس على سبيل الوجوب. قال بعض الناس في قيام رمضان: إنه لا يزيد على إحدى عشرة ركعة إذا كان يريد أن يطيل القراءة في الصلاة، أما إذا كان لا يريد الإطالة فإنه يصلي ثلاثًا وعشرين، أو تسعًا وثلاثين وما أشبه ذلك، ولكن هذا ليس وجه؛ لأننا نقول: أنت إذا خففت الصلاة وزدت العدد خالفت فعل الرسول صلى الله عليه وسلم من وجهين: من وجه التخفيف، ومن وجه زيادة الركعات، ولكنك إذا قدر أنك أبقيت العدد على ما هو عليه؛ يعني: إحدى عشرة وخففت من أجل عدم إرهاق المصلين فقد خالفت في مسألة واحدة وهي التطويل وحافظت على العدد، ولا شك أن الموافقة والمخالفة في شيء أهون من المخالفة في شيئين وهذا أمر معلوم، ولذلك لو أن الناس اقتصروا في التراويح على إحدى عشرة ركعة مع التأني والخشوع والتطويل الذي لا يشق، لكان ذلك أفضل بكثير من تلك التراويح التي يصلونها كأنهم مطرودون تجد الواحد منهم يقول: "إن اليوم خرجت الأول" كأن الصلاة عندهم منافسة يتفاخرون فيما بينهم أيهم الذي يسلم أولًا، وهذا لا شك أنه إخلال بالصلاة، لاسيما أن وراء الإمام من لا يستطيع الموافقة لكونه ضعيفًا أو فيه أذى من مرض أو ما أشبه ذلك.
***
صلاة الوتر:
351 - وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الوتر حق على كل مسلم، من أحب أن يوتر بخمسٍ فيفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدةٍ فليفعل". رواه الأربعة إلا الترمذي، وصححه ابن حبان، ورجح النسائي وقفه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 235)
352 - وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "ليس الوتر بحتم كهيئة المكتوبة، ولكن سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ". رواه الترمذي والنسائي، وحسنة الحاكم وصححه.
نحن الآن في صلاة التطوع، وهي: الصلوات التي ليست بمفروضة، ومنها الوتر، وقد اختلف أهل العلم في الوتر، وهو ختم صلاة الليل بركعة، فقال بعض أهل العلم: إن الوتر واجب، لقول النبي صلى الله عليه وسلم "الوتر حق، فمن لم يوتر فليس منا".
وقال بعض العلماء: إنه ليس بواجب؛ لأن الله تعالى إنما فرض خمس صلوات فقط، وقد سئل الرسول صلى الله عليه وسلم هل علي غيرها؟ فقال للسائل: "لا" إلا أن تطوع".
وقال بعض أهل العلم: من كان له ورد من الليل فإنه يجب عليه الوتر، ومن لا فلا.
وأختار شيخ الإسلام هذا القول وقال: إن الوتر واجب على من له من الليل يصليه، فإنه يجب عليه أن يوتر، استدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا" وهذا أمر وبقوله: "أوتروا يا أهل القرآن"، وأهل القرآن كانوا يتهجدون في الليل ويقرءون القرآن، ولكن جمهور أهل العلم أن الوتر سنة وليس بواجب مطلقًا، وأن الأوامر الواردة فيه تحمل على الاستحباب، وما ذكر فيه أنه حق فإنه يحمل على التأكيد؛ لأن النصوص الأخرى صريحة بأنه لا يجب إلا خمس صلوات فقط، وقد قال الله عز وجل في ليلة المعراج بعد مراجعة النبي صلى الله عليه وسلم له حتى صارت الصلوات خمسًا قال: "قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي"، فقوله: "أمضيت فريضتي" يدل على أن هذا هو الذي فرضه الله على عباده فقط، ولكن الوتر سنة مؤكدة حدًا لا ينبغي للإنسان تركه، حتى قال الإمام أحمد: من ترك الوتر فهو رجل سوء لا ينبغي أن تقبل له شهادة، فقال: "لا ينبغي"، والإمام أحمد رحمه الله إذا قال: "لا ينبغي" يدل على أنه أمر مؤكد لا تقبل له شهادة؛ لان رجلًا يحافظ على ترك الوتر، والوتر ركعة واحدة فقط، هذا ليس فيه خير، ولهذا قال إنه رجل سوء لا ينبغي أن تقل له شهادة، وعليه فينبغي للإنسان أن يوتر، وأن يرشد أهله أيضًا إلى الوتر؛ لأن كثيرًا من النساء في البيوت والأولاد الذين لم يقرءوا يظنون أن الوتر ليس بمؤكد، فينبغي أن نبلغ أهلنا بأن الوتر سنة مؤكدة لا ينبغي للإنسان أن يدعه.
***
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 236)
353 - وعن جابر رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام في شهر رمضان، ثم انتظروه من القابلة يخرج، وقال: إني خشيت أن يكتب عليكم الوتر". رواه ابن حبان.
المشهور في هذا الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قام بهم ثم تأخر، وقال: "إني خشيت أن تفرض عليكم"، يعني: قيام الليل في رمضان، فأخر النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى ثلاث ليال، وقال: "إني خشيت أن يفرض عليكم القيام".
فإذا قال قائل: كيف يخشى أن يفرض القيام وقد قال الله عز وجل: "أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي"؟
قلنا: لأنه ربما إذا ألزم الناس أنفسهم بأمر أن يلزمهم الله به كما ألزم بني إسرائيل الرهبانية التي ابتدعوها ولم يفرضها الله عليهم، لكن لما ابتدعوها لأنفسهم ألزموا بها.
354 - وعن خارجه بن حذافة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله أمدكم بصلاةٍ هي خير لكم من حمر النعم. قلنا: وما هي يا رسول الله؟ قال: الوتر، ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر". رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الحاكم.
355 - وروى أحمد: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده نحوه.
هذا الحديث فيه بيان متى يكون الوتر؟ وما وصفه؟ بين النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أنه ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، وقوله: "ما بين الصلاة والعشاء"، يعني: وسن فيها قيام الليل إذا أراد أن يقوم لقوله: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا"، لكن لو أن الإنسان لم يرد أن يصلي راتبة العشاء وأوتر بعد صلاة الفريضة فالوتر صحيح؛ لأن وقته يدخل من بعد صلاة العشاء، وقوله: "ما بين صلاة العشاء" ولم يقل: ما بين وقت العشاء، يدل على أن الإنسان لو أوتر قبل صلاة العشاء فإنه لا وتر له، فلو أن رجلًا قال: إن بعد صلاة العشاء مباشرة عندي شغلًا وسأوتر قبل صلاة العشاء؛ لأنه من حين يسلم أذهب إلى شغلي، قلنا هذا: الوتر لا يصح؛ لأن الوتر لا يكون إلا من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، وعلم من ذلك: أنه إذا طلع الفجر انتهى وقت الوتر، فمن لم يستيقظ إلا بعد طلوع الفجر فإنه لا يوتر طلوع الفجر، وصلاة الفجر لأنه انتهى الوقت، ولكن الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم انه يصلي ما فاته من صلاة الليل
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 237)
يصليها في النهار، وكان صلى الله عليه وسلم إذا صلاها لا يوتر بل يشفع فيصلي إذا غلبه نوم أو وجع، ولم يقم بالليل يصلي من النهار ثنتي عشرة ركعة.
356 - وعن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوتر حق، فمن لم يوتر فليس منا". أخرجه أبو داود بسند لين، وصححه الحاكم.
357 - وله شاهد ضعيف عن أبي هريرة ط عند أحمد.
358 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاثًا. قالت عائشة، فقلت: يا رسول الله، أتنام قبل أن توتر؟ قال: يا عائشة، إن عيني تنامان ولا ينام قلبي". متفق عليه.
- وفي رواية لهما عنها: "كان يصلي من الليل عشر ركعاتٍ، ويوتر بسجدةٍ، ويركع ركعتي الفجر، فتلك ثلاث عشرة ركعة.
هذا في بيان ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل، كم ركعة يصلي؟ سئلت عائشة رضي الله عنها كيف كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ فقالت: "ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره عل إحدى عشرة ركعة"، ثم فصلت هذه الركعات فقالت: "يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهم وطولهن، ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا"، كم الجميع؟ إحدى عشرة ركعة، وقولها رضي الله عنها: "يصلي أربعًا"، يحتمل أن يصليهن بسلام واحد ثم يصلي أربعًا أخرى بسلام واحد، ثم يصلي ثلاثًا بسلام واحد، ويحتمل أنه يصلي أربعً متشابهات في الطول، لكن يسلم من كل ركعتين، ثم يفصل ثم يصلي أربعًا متشابهات في الطول، ثم يسلم من كل ركعتين ثم يوتر بثلاث، أما الاحتمال الأول فإنه يؤيده ظاهر اللفظ، وأما الاحتمال الثاني فإنه يؤيده قول النبي صلى الله عليه وسلم: "صلاة الليل مثنى مثنى"، وكذلك حديث ابن عباس رضي الله عنه: : أن الرسول صلى الله عليه وسلم قام يصلي من الليل فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر"، فهذا يسلم من كل ركعتين.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 238)
وعلى كل حال: الذي يظهر لي أن الاحتمال الثاني أقرب، بمعنى: أن يصلي أربعًا متشابهات، لكن على ركعتين ركعتين ليوافق الأحاديث العامة في أن صلاة الليل مثنى مثنى، ولكن لما كانت هذه الأربعة الأولى متشابهات، ثم يفصل، ثم يأتي بأربع أخرى قالت: "يصلي أربعًا، ثم يصلي أربعً"، فهذا يدل على أن الأفضل للإنسان ألا يزيد على إحدى عشرة ركعة، لكن إذا كان نشيطًا ومعه وقت فيطل القراءة والركوع والسجود والقعود، وإن كان الوقت قليلًا أو ليس عنده نشاك فليقصر، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل، فإنه كان يقوم ويصوم ويترك الصون والقيام- يعني: طول القيام- كل ذلك بحسب حاله، وهكذا ينبغي للإنسان في عبادة ربه أن يعطي النفس حظها، فإذا كلت من عمل معين واتجهت إلى آخر- وكل منهما ليس بواجب- فإنه قد يكون الخير في المفضول، لاتجاه النفس بله وقبولها إياه، فيكون الإنسان في عبادة الله عز وجل بسحب انشراح صدره، وطمأنينة قلبه، وهذا في غير الواجبات، أما الواجبات فلابد منها.
وفي هذا الحديث دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم تنام عيناه ولا ينام قلبه، فالأشياء المحسوسة ينام عنها، وأما الأشياء التي تتعلق بالقلب فإنه لا ينام عنها، ولذلك لما ساروا في الليل في بعض أسفاره وعرسوا في آخر ولما نزلوا قال: "من يرقب لنا الصبح؟ "، فقال بلال: أنا يا رسول الله، ولكنهم ناموا جميعًا حتى طلعت الشمس، فلم يعلم النبي صلى الله عليه وسلم بطلوع الفجر؛ لأن عينه تنام، وطلوع الفجر أمر حسي يدرك بالرؤية، وأما الأمر الذي يتعلق بالقلب والعقل فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لا ينام عنه، ولذلك قال أهل العلم: أن نوم النبي صلى الله عليه وسلم لا ينقض وضوءه، وقال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يحتلم؛ لأن الاحتلام من الشيطان، ولأن الاحتلام لا يكون إلا إذا نام القلب، أما مع يقظة القلب فالاحتلام لا يأتي، وهذا كله داخل في قوله صلى الله عليه وسلم: "إن عيني تنامان ولا ينام قلبي"، فما يدرك بالقلب فالرسول صلى الله عليه وسلم لا ينام عنه، وما يدرك بالعين وبالحس فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كغيره من الناس ينام عنه.
صفات صلاة الوتر:
359 - وعنها رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس، لا يجل في شيء إلا في آخرها".
360 - وعنها رضي الله عنها قالت: "من كل الليل قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتهى وتره إلى السحر". متفق عليهما.
هذا الحديث الأول أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يوتر أحيانًا بخمس ركعات لا يجلي إلا في آخرهن، وهذا أحد صفات الوتر؛ لأن الوتر قد يكون بركعة وبثلاث وبخمس وبسبع وبتسع
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 239)
وبإحدى عشرة، إذا أوتر بثلاث فله الخيار بين: أن يصلي ركعتين ويسلم ثم يصلي الثالثة، أو أن يصلي الركعات الثلاث كلها بسلام واحد وتشهد واحد، فيكون سردًا بتشهد واحد لئلا يشبهها بصلاة المغرب، وإذا أوتر بخمس فإنه لا يجلس إلا في آخرهن يسردهن سردًا، كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يفعل، وكما روته عنه عائشة رضي الله عنها، وإذا أوتر بسبع فإنه يسردهن سردًا أيضًا، فلا يجلس إلا في آخرهن كما روت ذلك أم سلمة رضي الله عنها وإذا أوتر بتسع فإنه يسرد ثمانيًا ويجلس ويتشهد التشهد الأول ثم يقوم ويصلي التاسعة ويتشهد الأخير ثم يسلم، وإذا أوتر بإحدى عشرة فإنه يسلم من كل ركعتين ويوتر بواحدة كما وصف ذلك ابن عباس رضي الله عنه لصلاة النبي صلى الله عليه وسلم حين نام عنده، فإنه ذكر أنه صلى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم واحدة، فهذه صفات الوتر الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأي صفة فعلت الوتر أجزاك ذلك، ولكن هذا على حسب نشاطك وقوتك.
وأما قولها في الحديث الثاني: "من كل الليل قد أوتر النبي صلى الله عليه وسلم: من أوله وأوسطه وآخره، وانتهى وتره إلى السحر"، فالمعنى: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يوتر من أول الليل أحيانًا، ومن وسطه أحيانًا، ومن آخره إلى السحر أحيانًا حسب نشاطه صلى الله عليه وسلم، لكن الغالب آخر الليل، وفي قولها: "انتهى وتره إلى السحر" دليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما يستمر في الوتر إلى طلوع الفجر، بل إلى السحر؛ لأن الغالب أن الرسول صلى الله عليه وسلم ينام قبل الفجر، كما في صحيح البخاري أنها قالت معنى الحديث: أنك ما ألفيته سحرًا إلا نائمًا، يعني: أنه صلى الله عليه وسلم ينام قبل الفجر في السحر في آخر الليل، وهذا يوافق الحديث الثابت في الصحيحين: "أفضل القيام قيان داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه"، أما وقت الوتر المحدد الواجب فهو إلى طلوع الفجر كما سبق.
الحث على قيام الليل والوتر:
361 - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عبد الله، لا تكن مثل فلانٍ، كان يقوم من الليل، فترك قيام الليل". متفق عليه.
حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما نهاه الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون مثل شخص لم يعين، وهذا إما أم يكون مبهمًا في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، ويمكن أن يكون مبهمًا في كلام عبد الله بن عمرو؛ يعني: يمكن أن يكون الرسول عينه لا تكن مثل فلان وسماه، وابن عمرو كتمه سترًا عليه، ويحتمل أن
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 240)