فضل الصلاة في المسجد الحرام والمسجد النبوي:
744 - وعن ابن الزُّبير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، صلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجد هذا بمائة صلاة". رواه أحمد، وصحَّحه ابن حبَّان.
قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "صلاة في مسجدي هذا أفضل" هذا قد يشكل من الناحية العربية؛ حيث ابتدأ بالنكرة، فما الجواب؟ الجواب: أنها أفادت بالوصف "في مسجدي هذا" وقد قال ابن مالك:
ولا يجوز الابتدا بالنَّكرة … ما لم تفد - ثم جعل مثلا لهذا فقال: -كعند زيد نمره
وهل فتًى فيكم فما خلٌّ لنا … ورجل من الكرام عندنا
الحديث يطابق المثل الذي ذكره ابن مالك في قوله: "ورجل من الكرام عندنا".
وقوله: "أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام"، المسجد الحرام أفضل بمائة صلاة في المسجد النبوي، فيكون أفضل من مائة ألف صلاة فيما عداه إلى المسجد النبوي فهو أفضل منه بمائة يقول الرسول صلى الله عليه وسلم حاثًّا مرغبًا على الصلاة في هذين المسجدين؛ لأن ذكر الفضل في العمل يتضمن الحث عليه والترغيب فيه، ولولا أنه يتضمن ذلك لكان من باب اللغو والعبث؛ يعني: فإذا أثنى الشارع على فاعل أو فعل، فهذا يدل على الحث عليه؛ إذ لو لم يكن كذلك لكان عبثًا لا فائدة منه.
وقوله: "صلاة في مسجدي هذا" أشار إليه؛ لأنه مشاهد محسوس، قال: "مسجدي هذا"، والإشارة -كما عرف -تعيين الشيء بواسطة الإشارة بالإصبع فهي إشارة حسية في الأصل لكن قد تكون إشارة معنوية كقول المؤلف: "هذا كتاب فيه كذا وكذا".
وقوله: "في مسجدي هذا" يعني" مسجد المدينة، وأضافه النبي صلى الله عليه وسلم إلى نفسه؛ لأنه هو الذي بناه وابتدأه، فإنه صلى الله عليه وسلم أول ما قدم المدينة فأول شيء بدأ به اختيار مكان المسجد وبنائه.
وقوله: "أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه" أي: من المساجد، بدليل قوله: "إلا المسجد
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 438)
الحرام"، والأصل في المستثنى أن يكون من جنس المستثنى منه، فهو أفضل من ألف صلاة فيما عداه من المساجد إلا المسجد الحرام.
وقوله: "إلا المسجد الحرام"، "المسجد الحرام" يعني: الذي له الحرمة والتعظيم وهو مسجد مكة خاصة لقوله تعالى: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للنَّاس} [المائدة: 97]. ولقوله: {وصدُّوكم عن المسجد الحرام} [الفتح: 25]. والنصوص في هذا كثيرة.
وقوله: "صلاة في المسجد الحرام أفض من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة" يدل على أن المسجد الحرام أفضل من المسجد النبوي بمائة صلاة فيكون أفضل من غيره بمائة ألف يعني: لو صليت جمعة واحدة في المسجد الحرام صارت أفضل من مائة ألف جمعة فيما عداه، كما مائة ألف جمعة من السَّنة؟ السنة فيها حوالي خمس وخمسين جمعة فيكون حوالي ألفين سنة، على كل حال: فضل عظيم في الصلاة في هذا المسجد.
نعود إلى الحديث: "صلاة في مسجدي هذا" الإشارة تدل على تعيُّن المشار إليه، فهل المراد المسجد الذي في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وما زيد فيه فلا يدخل فيه، أم نقول: إن المراد المسجد وما زيد فيه؟ في هذا خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال: المراد به مسجد النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو مسجده، وأما ما زيد فيه فلا يدخل في هذا التفضيل، وحجتهم في ذلك الإشارة؛ لأن الإشارة تعين المشار إليه: "مسجدي هذا … "، وإلا لأطلق، وقال: "في مسجدي" وسكت، فلما قال: "هذا" علم أنه لا يتناول ما زيد فيه، وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم وقالوا: إن الزيادة لا شك أن لها فضل لكنها لا يحصل فيها هذا الفضل، وقال بعض أهل العلم: بل إن ما زيد فيه فله حكمه، واستدلوا بحديثين ضعيفين جاء فيهما أن مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم لو بلغ صنعاء فهو مسجده، وهذا الحديث ضعيف، لكن يعضد فعل الصحابة وإجماعهم رضي الله عنهم، فإن الصحابة أجمعوا على الزيادة التي زادها عمر، وأجمعوا أيضًا على الصلاة في الزيادة التي زادها عثمان رضي الله عنه، ومعلوم أن الزيادة العثمانية قبلي المسجد، وأن الصحابة كانوا يصلون في قبلي المسجد في الصف الأول ولم يذكر أنهم كانوا يتأخرون حتى يكونوا في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا شبه إجماع من الصحابة على أن ما زيد فيه فله حكمه، وهذا هو الصواب بلا شك، وقد صرّح به شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره أن ما زيد في المسجد فهو منه.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 439)
مسألة مهمة:
هل المراد بالمسجد الحرام جميع الحرم، أو المراد به مسجد الكعبة خاصة؟ في هذا أيضًا نزاع بين أهل العلم؛ فمنهم من قال: المراد به كل الحرم، فإذا صليت في أي مكان من الحرم ولو كان في خارج حدود مكة فصلاتك أفضل من مائة ألف صلاة إلا المسجد النبوي، واحتج هؤلاء بقوله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى} [الإسراء: 1]. وقرروا هذه الحجة بأن الرسول صلى الله عليه وسلم أسرى به من بيت أم هانئ رضي الله عنها، ومعلوم أن بيت أم هانئ خارج مسجد الكعبة، واستدلوا أيضًا بقوله تعالى: {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصدٌّ عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرّام وإخراج أهله منه أكبر عند الله} [البقرة: 217]. فقالوا: {وإخراج أهله منه}، ومعلوم أن هؤلاء إنما أخرجوا من بيوتهم وديارهم وليسوا من المسجد نفسه؛ لأنهم ليسوا ساكنو المسجد بل هم في بيوتهم، وهنا قال: {وإخراج أهله منه أكبر عن الله}، واستدلوا أيضًا بقوله تعالى: {هم الذين كفروا وصدُّوكم عن المسجد الحرام والهدى معكوفًا أن يبلغ محلَّه} {الفتح: 25]. وهم إنما صدوهم عن مكة وعن المسجد الحرام ولا شك، واستدلوا أيضًا بقوله تعالى: {يا أيُّها الذين آمنوا إنَّما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة: 28]. قال: لا يقربوا المسجد الحرام، وهم ممنوعون من دخول مكة، فدل هذا على أن المراد بالمسجد الحرام كل الحرم، واستدلوا أيضًا بقوله تعالى: {إن الذَّين كفروا ويصدُّون عن سبيل الله والمسجد الحرام الَّذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد} [الحج: 25]. هو: المديم المكث؛ لأن الاعتكاف طول المكث، والناس إنما يمكثون في بيوتهم، فقالوا: إن هذه الآيات تدل على أن المراد بالمسجد الحرام: جميع مكة، أما من السنة فقد قالوا: إنه قد روى الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديبية كان مقيمًا في الحلّ، وكان إذا حانت الصلاة دخل فصلى في الحرم، وهذا يدل على أن الصلاة في الحرم كله يشملها التضعيف في الأجر، وربما يستدلون بالمعنى والنظر فيقولون: لو خصصناه بالمسجد الحرام الذي هو مسجد الكعبة لضيقنا على الناس؛ لأن كل واحد في مكة لا يرغب أبدًا في أن يدع مائة ألف صلاة وبينه وبينها هذه المسافة القريبة، بل لابد أن يذهب ويصلي، وحينئذ يحصل الضيق والمشقة على الناس، قالوا: ويدل لهذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أقام في الأبطح أربعة أيام قبل الخروج إلى منى ولم يكن ينزل إلى المسجد الحرام ليصلي فيه مع قرب المسافة وسهولتها، كل هذه الأدلة استدلوا بها على أن المراد بالمسجد الحرام جميع الحرم.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 440)
وقال آخرون -وهو ظاهر كلام الحنابلة رحمهم الله: إن المراد بالمسجد الحرام مسجد الكعبة فقط، وقالوا: عندنا دليل لا يمكنكم معه الكلام إطلاقًا وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال - فيما رواه مسلم - من حديث ميمونة رضي الله عنها: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد الكعبة"، هذا لفظ الحديث في مسلم، فقال: "إلا مسجد الكعبة"، وهذا صريح في أن المراد بالمسجد الحرام في مثل هذا الحديث مسجد الكعبة الذي فيه الكعبة، وبأن حديث أبي هريرة: "لا تشدّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام … "، وهناك رواية في مسلم أيضًا: "لا تشد الرّحال إلّا إلى ثلاثة مساجد مسجد الكعبة، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى"، فصرّح بأن المراد بالمسجد الحرام مسجد الكعبة، وهذا لو قال قائل: الحديث واحد، نقول: إن كان هذا اللفظ -"المسجد الحرام هو مسجد الكعبة" - من النبي صلى الله عليه وسلم فقد فسّر بقوله: وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل اللفظين فقد فسّره الصحابي وهو أعلم بمدلول كلام الرسول صلى الله عليه وسلم وإن لم يكن من تفسير الصحابي فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال أحد اللفظين، وما دام لا مرجح بينهما فيكون كل واحد منهما مقابلًا للآخر، ويكونان سواء.
على كل حال: هذا الحديث - ولاسيما حديث ميمونة؛ لأن نص في الموضوع - يعتبر فيصلًا في النزاع وهو: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد الكعبة"، وعندي أن هذا يكفي عن كل شيء، لكن مع ذلك لابد من الإجابة من أدلة القائلين بأن يعم جميع الحرم، يقولون أيضًا: عندنا دليل آخر: "لا تشد الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام … "، فهل تقولون: إنه يجوز للإنسان أن يشد الرحل إلى مسجد الشَّعب والجدرية وأدنى مسجد في مكة؟ الجواب: ما أظنهم يقولون بذلك، اللهم إلا إن كان التزامنا عند المضايقة؛ لأنه عند المناظرة قد يلتزم الإنسان بما لا يعتقده، لكن كما يقال: فك المشكلة.
فنحن نقول: إذا كنتم لا تجيزون أن تشدّ الرِّحال إلى مسجد من مساجد مكة سوى مسجد الكعبة فما الفرق بين قوله: "لا تشدّ الرِّحال إلا ثلاثة مساجد: المسجد الحرام"، وبين قوله: "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام"؟ لا فرق، ثم إن المعنى يقتضيه وهو أنه إنما جاز شدّ الرِّحال إلى هذه المساجد، لماذا؟ لتميزها في الفضل، فإذا قلتم: إن الذي تشدّ إليه الرَّحل هو مسجد الكعبة؛ فقولوا: إن الذي فيه الفضل هو مسجد الكعبة وإلا لصار ذلك تناقضًا.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 441)
أما الجواب عن الأدلة التي استدل بها هؤلاء: فأما قوله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى .... } [الإسراء: 1]. فالثابت في الصحيحين أن الرسول صلى الله عليه وسلم أسري به من حطيم الكعبة: "بينما أنا نائم في الحطيم"، أو قال "مضطجع أتاني آت"، وحينئذ يكون الإسراء به من المسجد الحرام الذي هو مسجد الكعبة لا غير، ورواية بيت أم هانئ إن صحت فقد جمع بينها وبين هذا الحديث واضطجع فيه أو نام ثم أسري به من هناك.
وأما قوله: {يا أيها الذين آمنوا إنَّما المشركون نجس .... } فهذا أحرى أن يكون دليلًا عليهم لا دليلًا لهم؛ لأن الله عز وجل لم يقل: فلا يدخلوا المسجد الحرام، بل قال: {فلا يقربوا}، ولا يمكن أن يقرب الناس حول حدود الحرام أو أن يقرب المشركون حول حدود الحرم، ومن المعلوم أنكم لا تقولون بذلك، تقولون: إن المشرك ممكن أن يدنو من حدود الحرم إلى مسافة شبر أو أصبع، بينما لو أخذنا بالآية وقلنا: إن المسجد الحرام هو كل الحرم لكان يجب أن يبتعدوا عن حدود الحرم بعدًا ينتفي فيه القرب، وأنتم لا تقولون به؛ إذن {فلا يقربوا المسجد الحرام}: لا يدخلوا حدود الحرم؛ لأنهم إذا دخلوا حدود الحرم فقد قربوا من المسجد الحرام فامنعوهم.
وأما قوله تعالى: {هم الذين كفروا وصدُّكم … } النبي صلى الله عليه وسلم إنما جاء في الحديبية هل جاء يزور مكة وأقاربه فيها وبيوته ثم يرجع، أو جاء ليصل إلى البيت الحرام؟ هذا هو المقصود، ولو قدر أن الإنسان صدّ عن كل مكة ولكن نزل في المسجد الحرام ما همُّه المقصود الذي عنه الصّد هو المسجد الحرام مسجد الكعبة، وحينئذ لا دليل في الآية.
وأما قوله تعالى: {وكفر به والمسجد الحرام … } فهذه هي أقوى دليل، لو كانت دليلًا لكانت هي أقوى دليلًا لمن قال: إن المسجد الحرام كل الحرم؛ لأن أهل الحرم أهل لكل حرم، ولكن نقول: أهل الحرم إنما يفتخرون بانتسابهم إلى المسجد الحرام هم أهل المسجد كما قال الله تعالى تبارك وتعالى في سورة الأنفال: {وما لهم ألَّا يعذّبهم الله وهم يصدُّون عن المسجد الحرام وما كانوا أوليآءه} [الأنفال: 34]. فهنا نقول: هم أهم المسجد الحرام؛ لأنهم إنما يشرفون به، وكل ما قرب من المسجد إنما هو شرف بالمسجد؛ فهذا هو المقصود، فلهذا سمي هؤلاء أهل له، ثم نقول: أهل المسجد الحرام الذي يعمرونه بطاعة الله وهم إنما يعمرونه بطاعة الله، مسجد الكعبة هو محل الصلاة والطواف وغير ذلك.
كذلك قوله: {إن الذَّين كفروا ويصدُّون عن سبيل الله … } [الحج: 25]. نقول: إنهم يصدون الناس عن العمرة والحج وهذا لا يصح إلا بالوصول إلى المسجد الحرام، فتبين بهذا أن المراد
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 442)
بالمسجد الحرام هو مسجد الكعبة؛ لأن هذا هو الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يقطع كل نزاع، لكن الإجابة عما احتجوا به لإزالة الشبهة.
بقى أن يقال: لو فرض أن المسجد الحرام زاد هل يدخل في الفضيلة أو لا؟ نقول: نعم يدخل أولًا؛ لأنه ليس كالمسجد النبوي فيه التعيين بالإشارة، بل قال: "المسجد الحرام"، فكل ما كان مسجدًا حول الكعبة فهو داخل في الحديث.
لو قال قائل: لو صلى حول المسجد في السوق هل ينال هذا الأجر؟
نقول: فيه تفصيل إن كان المسجد ممتلئًا والصفوف متصلة فهو القوم لا يشقى بهم جليس فينال أجر هؤلاء، أما إذا كان المكان واسعًا في المسجد وصلى هذا في سوقه فلا ينال هذا الأجر.
ثم نرجع الآن إلى هذا التفضيل: هل يشمل الفرائض والنوافل، أو هو خاص بالفرائض؟ قال بعض أهل العلم: إنه خاص بالفرائض، وأن صلاة الفريضة في المساجد الثلاثة مفضلة على غيرها بل في المسجدين؛ لأن الثالث ما ذكر في الحديث، وأما النافلة فلا، والصحيح: أنه شامل الفريضة والنافلة، وأن صلاة الفريضة في المساجد المفضلة وصلاة النافلة سواء المفاضلة، ولو صلى الإنسان تراويح في المسجد الحرام لكان خيرًا من مائة ألف صلاة تراويح فيما عداه من المساجد، وتحية المسجد في المسجد الحرام خير من مائة ألف تحية في غيره وعلى هذا فقس.
مسألة مهمة:
هل نقول: إن هذا يقتضي أن فعل النافلة في مكة في المسجد أفضل من فعلها في بيتك، أو فعل النافلة وأنت في المدينة في المسجد خير من فعلها في بيتك؟
الجواب: لا النافلة في البيت في مكة أو في المدينة أفضل منها في المسجد؛ لأن الذي فضل مسجده على غيره من المساجد هو الذي قال: "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة"، وعلى هذا فإذا أردت أن تصلي الوتر وأنت في مكة فهل الأفضل أن تذهب إلى المسجد الحرام وتصلي فيه، أو الأفضل أن تصلي الوتر في بيتك؟ الثاني هو الأفضل، وكذلك لو كنت في المدينة هل تصلي الوتر في بيتك أو في المسجد النبوي؟ الجواب: في بيتك للحديث المذكور ولفعل الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتنفل في بيته مع أنه قال للناس: "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما عداه إلا المسجد الحرام"؛ إذن ما هو الجواب الذي يكون منضبطًا؟
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 443)
نقول: ما فعل في المسجد النبوي أو في المسجد الحرام فهو أفضل من غيره من المساجد بالتفصيل الذي ورد.
ولكن إذا سئلنا: هل الأفضل أن نفعل النوافل في المسجد أو في البيت؟
نقول: ما شرع في المسجد فالأفضل في المسجد كصلاة الكسوف على قول من يرى أنها سُّنة وكصلاة تحية المسجد والصلاة في قيام رمضان والاستسقاء إن فعل في المسجد، أما إذا كان تطوعًا مطلقًا لا يسن فعله في المسجد ففي البيت أفضل ولو كان في المساجد الثلاثة.
من فوائد الحديث، وهي عديدة منها: الترغيب في الصلاة في هذا المسجد بل المسجدين؛ لأنه لم يذكر المسجد الثالث وهو الأقصى، مسجد مكة ومسجد المدينة، ولكن هل يقال: إن هذا أفضل من الصلاة في البيت، أو يقال: ما يشرع أن يكون في البيت فكونه في البيت أفضل؟ الجواب: الثاني، وأظننا ذكرناه، وقلنا: إن الذي قال: "إن الصلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه"، هو الذي قال: "خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة"، وكان هو يصلي النوافل في بيته، ومن ثم حمل بعض العلماء هذا الحديث على أن المراد بالصلاة هنا صلاة الفريضة؛ أي: الصلوات الخمس، ولكن ينبغي أن يقال: لا، كل ما فعل في هذه المساجد من صلاة فهو أفضل مما سواه في المساجد الأخرى، ويبقى النظر هل أفضل في البيت أو في المسجد؟ هذا له أدلة أخرى مثل تحية المسجد في المسجد الحرام خير من مائة ألف تحية فيما سواه، كذلك أيضًا لو أن أحدًا تقدم إلى المسجد وصلى وصار يتنفل حتى أقيمت الصلاة فهذا النفل الذي كان يفعله بانتظار الصلاة خير من مائة ألف صلاة فيما عداه وفي المسجد النبوي خير من ألف صلاة.
ومن فوائد الحديث: أن الأعمال تتفاضل باعتبار المكان، والدلالة فيه واضحة: "خير من ألف صلاة"، وهل يتناول هذا جميع الأعمال، أو هو خاص بالصلاة فقط؟ يرى بعض العلماء أنه خاص في الصلاة فقط وأن ما عاداها من الأعمال كالصدقة والصيام وطلب العلم وما أشبه ذلك فلا يفضل هذا الفضل وإن كان في الحرم، لكن لا يصل إلى هذا الفضل وهذا هو الصحيح إن لم يوجد أدلة صحيحة عن الرسول صلى الله عليه وسلم في المفاضلة في بقية الأعمال، ووجه ذلك: أن التفاضل أو إثبات الفضل في العمل أمر توقيفي لا يتعدى فيه الشرع فنقول: الثواب ورد في هذا الفضل وما عداه يتوقف على ثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أخرج ابن ماجه بسند فيه نظر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صام رمضان في مكة كان بمائة ألف شهر"، فإن صحّ هذا الحديث ألحقنا به الصيام، وإلا فلا نلحق به شيئًا، والدليل على عدم الإلحاق أولًا: إن إثبات الفضائل للأعمال
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 444)
توقيفي، ثانيًا: أن الصلاة شأنًا ليس لغيرها من بقية الأعمال فهو آكد وأفرض أعمال البدن، حتى إن القول الراجح أن تاركها يكون كافرًا، وإذا كانت بهذه الميزة فلا يمكن أن يلحق بها ما دونها إلا بنص.
ومن فوائد الحديث: إثبات التفاضل في الأعمال، وقد سبق لنا أن الأعمال تتفاضل بحسب المكان والزمان والعامل وجنس العمل ونوع العمل وكيفيته، كل هذه وجوه للفضائل، في الأعمال، المكان هو كما رأيتم، الزمان، {ليلة القدر خير من ألف شهر}، "ما من أيام العمل الصالح أحبُّ إلى الله فيهن من هذه الأيام العشر"؛ يعني: عشر ذي الحجة، في العامل: "لا تسبُّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه"، في العمل في كيفيته: {ليبلوكم أيُّكم أحسن عملًا} [لملك: 2]. في جنسه: "ما تقرب إليّ عبدي بشيء أحبُّ إليَّ مما افترضته عليه"، في نوعه: الصلاة أفضل من الزكاة، والزكاة أفضل من الصيام، والصيام أفضل من الحج.
ومن فوائد الحديث: أنه إذا ثبت وقد ثبت تفاضل الأعمال لزم من ذلك تفاضل العامل، ثم يلزم منه أيضًا شيء آخر، تفاضل الناس في الإيمان، فيكون في الحديث دليل على أن الإيمان يزيد وينقص، وهذا هو مذهب أهل السُّنة والجماعة، لكن بماذا تكون الزيادة؟ نقول: بكل ما ذكرنا من أنواع المفاضلة يزيد، فيزيد بالفرائض أكثر مما يزيد في النوافل، ومن العجب أن الشيطان يضحك علينا يجعلنا نعتقد أن النافلة أفضل من الفريضة؛ ولهذا تجد كثيرًا من الناس يحسنون النوافل تمامًا والفرائض يتساهلون فيها، وهذا من الغرائب، وهذا من البلاء الذي يصاب به الإنسان، فالواجب أن يعلم الإنسان ويعتقد أن صلاته الفريضة أفضل من النافلة، وأنه يجب أن يعتني بالفريضة أكثر مما يعتني بالنافلة، ولولا محبة الله لها ولولا أهميتها عنده عز وجل ما أوجبها على عباده، فإيجابها على العباد يدل على أنها أحب إلى الله، وأنها أولى بالعناية من النافلة.
إذ قال قائل: أيهما أفضل: المجاورة في مكة، أو المجاورة في المدينة؟
اختلف في هذا أهل العلم؛ فمنهم من قال: إن المجاورة في مكة أفضل؛ لأن مكة أفضل من المدينة بلا شك، والنبي صلى الله عليه وسلم قال -وهو بالحذورة في مكة -: "إنك أحبُّ البقاع إلى الله،
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 445)
ولولا أن قومي أخرجوني منك ما خرجت"، وهذا صريح، وأما ما يرويه بعض الناس من أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال في مكة: "إنها أحبُّ البقاع إلى الله"، وفي المدينة: "إنها أحبَّا البقاع إليَّ"، فهذا ليس بصحيح، وقال بعض أهل العلم: إن المجاورة في المدينة أفضل؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم حثّ على السُّكنى فيها، وقال: "المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون".
وقال بعض أهل العلم: المجاورة في مكان يقوى فيه إيمانه وتكثر فيه تقواه أفضل من أي مكان، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: إذا فرضنا أن الإنسان في مكة يضعف إيمانه وتقواه ويقل نفعه فليخرج كما فعل الصحابة، ذهبوا إلى الشام والكوفة والبصرة وإلى مصر يلتمسون ما هو أنفع وأفضل، وسكنوا وصاروا يعلَّمون الناس ويدرسونهم العلم، وتركوا المدينة ومكة، وهذا القول أصحّ، لكن لو فرضنا أن الإنسان يتساوى عنده البقاء في مكان ما، وفي مكة والمدينة، قلنا: في مكة والمدينة أفضل من غيرهما بلا شك، أما المفاضلة بين مكة والمدينة فهي عندي محل توقف بالنسبة للمجاورة، أما بالنسبة لفضل مكة فلا شك أن مكة أفضل.
يتفرع على تفاضل العمل في مكة والمدينة: هل تتضاعف السيئات في مكة والمدينة؟ الجواب: أما بالكمية فلا، وأما بالكيفية فنعم، العقوبات على السيئات في مكة أعظم من العقوبات على السيئات في غيرها، وفي المدينة أعظم أيضًا، ودليل ذلك قوله تعالى: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون} [الأنعام: 160]. وهذه الآية في الأنعام مكية، وبهذا نعرف بطلان ما يذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "لا أسكن في بلد حسناته وسيئاته سواء"، لما قيل له: ألا تسكن في مكة؟ فقال هذا القول، فإن هذا لا يصح عن ابن عباس رضي الله عنهما، وابن عباس أفقه وأعلم من أن يقول مثل هذا الكلام.
* * * *
6 - باب الفوات والإحصار
"الفوات: مصدر أو اسم مصدر لفات يفوت، والمصدر: فوزتًا، واسم المصدر فوات، والفوت: هو السَّبق الذي لا يدرك، فإذا سبقك إنسان ولم تدركه تقول: فاتني، هذا هو الفوات أما في الاصطلاح فالوات: طلوع فجر يوم النحّر قبل أن يقف الحاج بعرفة، هذا الفوات في الاصطلاح، ومعناه: لو أن أحدًا أحرم بالحج واتجه إلى المشاعر وطلع الفجر عليه قبل أن يصل
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 446)
إلى عرفة فهذا هو "الفوات"، نقول: هذا الرجل فاته الحج، ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الحج عرفة"، فإنه يدل على أن من فاته الوقوف فاته الحج هذا الفوات.
"الإحصار" في اللغة: المنع، يقال: حصر، ويقال: أحصره، وفي القرآن" {فإن أحصرتم … } [البقرة: 196]. وفيه أيضًا: {الفقراء الذين أحصروا في سبيل الله} [البقرة: 273]. أي: منعوا فالإحصار في اللغة: المنع، وفي الاصطلاح: منع الناسك من إتمام نسكه، وهل يشترط أن يكون بعدو أو بأي مانع يكون؟ فيه خلاف بين أهل العلم؛ منهم من قال: إنه يشترط أن يكون الإحصار بعدو وأنه لا إحصار بغير عدو، ومنهم من قال: إنه عام في العدو؛ لأن الإنسان قد يحصر بعدو وقد يحصر بمرض أو كسر أو ضياع أو ما أشبه ذلك، فصار عندنا الآن تعريف الفوات وتعريف الإحصار.
745 - عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال: "قد أحصر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلق وجامع نساءه، ونحر هديه، حتَّى اعتمر عامًا قابلًا". رواه البخاريُّ.
"قد أحصر" أي: منع من الوصول إلى البيت، وذلك في عام الحديبية حين منعه المشركون من أن يتمم عمرته صلى الله عليه وسلم؛ لماذا منعوه؟ قالوا: لا يتحدث العرب أننا أخذنا ضغطة، يعني: أنك دخلت قهرًا علينا، فصار هذا المنع حمية الجاهلية كما قال تعالى: {إذ جعلنا الذين كفروا في قلوبهم الحميَّة حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التَّقوى وكانوا أحقَّ بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليمًا} [الفتح: 26]. منعوا الرسول صلى الله عليه وسلم أن يؤدي العمرة وهم -والله -أحق أن يمنعوا من البيت من رسول الله؛ لأن الله يقول: {وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتَّقون} [الأنفال: 34]. لكن الله تعالى في قضائه وقدره حكم عظيمة، فهم منعوا الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فحلق رأسه وجامع نساءه ونحر هديه حتى اعتمر عامًا قابلًا"، ابن عباس رضي الله عنهما أتى بهذه الأفعال مرتبة بالواو، والمراد بها مطلق الجمع، فمثلًا حلق رأسه وجامع نساءه ونحر هناك، اختلاف في الترتيب بحسب الواقع؛ لأن الواقع أن الرسول صلى الله عليه وسلم نحر أولًا، ثم حلق ثانيًا، ثم تحلل تحللًا كاملًا، وجامع أهله، ولو نظرنا إلى الحديث لكان مقلوبًا تمامًا أوفيه اختلاف: "حلق رأسه"، ثم بعد ذلك "جامع نساءه ونحر"، والواقع أنه نحر، ثم حلق، ثم جامع، لكن الواو لا تقتضي الترتيب، ومراد ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم تحلل بعد هذا الإحصار تحللًا كاملًا، والدليل على أنه تحلُّل كامل قال: "وجامع أهله".
قال: وحتى اعتمر عامًا قابلًا" من العام الثاني اعتمر عمرة تسمى عمرة القضاء؛ بمعنى: القضية،
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 447)
يعني: عمرة المقاضاة، وليس قضاء للعمرة التي أحصر منها؛ لأن العمرة التي أحصر منها كتبت تامة؛ ولهذا يقال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر؛ منها العمرة التي صدَّ عنها فهو اعتمر كاملًا، لكن الثانية عمرة جاءت بحسب المقاضاة التي صارت بينه وبين قريش.
وفي هذا الحديث: دليل على أن الحصر يكون في العمرة وهو كذلك، ويدل عليه أيضًا القرآن: {وأتموا الحجَّ والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} [البقرة: 196].
وفيه أيضًا: أنه يشرع الحلق لقوله: "وحلق رأسه"، ولكنه هل يجب؟ الصحيح: أنه يجب فقد مرَّ علينا في حديث المسور بن مخرمة أن الرسول صلى الله عليه وسلم حلق رأسه وأمر أصحابه، ولما تأخروا قليلًا غضب صلى الله عليه وسلم، فيجب الحلق عند الإحصار، و"نحر" هل يجب النحر؟ نعم يجب النحر، لكن إن كان قد ساق الهدي نحر هديه كله الذي ساقه، وإن لم يسقه فالواجب عليه أدنى ما يسمى هديًا لقوله تعالى: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي}.
ومن فوائده: أن المحصر يعتمر من السنة القابلة أو من الشهر القادم، المهم: إذا زال الإحصار اعتمر، وهل هذه العمرة قضاء للعمرة السابقة أو لا؟ فيه خلاف بين أهل العلم؛ فمن العلماء من قال: إن المحصر يجب عليه القضاء إذا زال إحصاره، وهل يقضي من مكان الإحصار أو يستأنف نسكًا جديدًا؟ نقول: يستأنف نسكًا جديدًا؛ لأن النُّسك لا يتجدد، فإن هذا الرجل حل وجامع وفعل جميع المحظورات، فكيف يبني على ما سبق، فهو يجب عليه أن يقضي سواء كان الذي أحصر عنه هو الفريضة أو كان تطوعًا، حجتهم في ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى العمرة التي أحصر عنها، وهذا استدلال بالأثر، قالوا: والأصل أنه صلى الله عليه وسلم أسوة أمته: {لَّقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} [الأحزاب: 21]. وقد قضى ما أحصر عنه فلنقض، وقالوا أيضًا: لنا دليل نظري، وهو أن النُّسك من حج أو عمرة إذا شرع الإنسان فيه وجب عليه إتمامه ولو كان نفلًا، فإذا كان يجب عليه إتمامه وجب عليه قضاؤه إذا أحصر عنه وصار فائت الحصر أنه يتحلل ويترخَّص ويذهب، هذا فائدة الحصر، أما براءة ذمته به فلا لابد أن يقضي، واستدلوا أيضًا بأن العمرة التي أتى بها الرسول صلى الله عليه وسلم تسمى عمرة القضاء، والأصل أن القضاء لما فات كما نقول: إذا خرجت الصلاة وصليت بعد الوقت قضاء، وكما نقول: إذا أفطر الإنسان في رمضان فإنه يقضي كما قالت عائشة: "فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان"، وقال بعض أهل العلم: إنه إذا أحصر عن النسك لا يلزمه القضاء إلا إذا كان هذا النُّسك واجبًا مثل أن يكون في فريضة الإسلام أو يكون واجبًا بنذر فإنه يلزمه قضاؤه إذا أحصر عنه؛ لأن ذمته لم تزل مشغولة بهذا الواجب حتى يتمه، أما إذا كان تطوعًا فإنه لا يلزمه القضاء، واستدلوا بأثر ونظر، أما الأثر
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 448)
فقالوا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لما أمر أصحابه أن يحلُّوا لم يأت عنه حرف واحد يقول: واقضوا من العام القادم، ولو كان واجبًا لبيّنه لهم؛ لأنه يجوز أن يذهب بعضهم إلى أهله ولا يلتقي بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأما أهل المدينة، فقد يقال: إنه سيعلمهم بعد ذلك، لكن ليس كلهم من أهل المدينة، فلما لم يرشدهم الرسول صلى الله عليه وسلم أنه واجب علم أنه ليس بواجب؛ لأنه لو كان واجبًا لوجب على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبلِّغهم.
ثانيًا: أن الذين قضوا العمرة من العام القابل كما قال الشافعي وغيره لم يكونوا جميع الذين حضروا صلح الحديبية بل كانوا أقل؛ لأن الذين حضروا صلح الحديبية كانوا ألفًا وأربعمائة، والذين قضوا العمرة دون ذلك، وهذا يدل على أن القضاء ليس بواجب؛ إذ لو كان واجبًا لحضر كل من كان معه في الحديبية، واستدلوا بالنظر قالوا لأن هذا واجب تعذر عليه إتمامه؛ يعني: أن الحج والعمرة يجب إتمامه، لكن هذا واجب عجز عنه، والقاعدة الشرعية: أن الواجبات تسقط بالعجز، فيكون هذا الذي أحصر سقط عنه وجوب الإتمام بالعجز عنه، فنرجع الآن لما سقط وجوب الإتمام بالعجز نرجع إلى الأصل، ما هو الأصل؟ أنه تطوع الذي شرع فيه أم واجب؟ تطوع، فنقول: لا شك أن الأفضل أن تأتي به، ولكنه ليس بواجب، ولهذا أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم، أما أن نوجبه وهذا الرجل إنما ترك الإتمام لعجزه عنه، فإننا لا نوجبه عليه وهذا هو الحق وهو الصحيح أنه لا قضاء عليه، ولكن إذا كان هذا الشيء واجبًا كما قلنا فإنه يجب عليه القضاء؛ لأنه مطالب به بالدليل الأول بماذا نجيب عن الذين أوجبوا القضاء؟ نقول: قولكم إن الرسول صلى الله عليه وسلم فعله والأصل أنه أسوة لنا نقول: إن القاعدة المعروفة عند العلماء: أن مجرد الفعل لا يدل على الوجوب، ونحن نوافقكم على أن الأفضل أن نأتي به، لكن الوجوب شيء والأفضل شيء آخر. هذا واحد، ثانيًا: نقول: إن قولهم: قضاء هذا من المقاضاة أو القضية، وليس من باب القضاء المعروف عند الفقهاء.
الاشتراط عن الإحرام وأحكامه:
746 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "دخل النَّبي صلى الله عليه وسلم على ضباعة بنت الزُّبير بن عبد المطَّلب ك، فقالت: يا رسول الله، إنِّي أريد الحجَّ، وأنا شاكية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حجِّي واشترطي: أنَّ محلِّي حيث حبستني". متَّفق عليه.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 449)
"ضباعة" بنت عم النبي صلى الله عليه وسلم، وقولها: "شاكية" أي: مريضة، والمؤلف رحمه الله أتى بهذا الحديث في هذا الباب وإن كان له مناسبة أن يذكر في أول باب الإحرام عند الإحرام، لكن هذا الباب له فيه مناسبة وهي أن الإنسان إذا اشترط عند عقد الإحرام أن محلَّه حيث حبس ثم حبسه حابس فإنه يتحلل بدون شيء: بدون دم، بدون حلق، بدون قضاء إن لم يكن فرضًا، حتى على قول من يقول: إن المحصر يجب أن يقضي وإن كان نفلا، في هذه الحال إذا اشترط؛ يعني: يحل هذا وجه المناسبة لسياق هذا الحديث في باب الفوات والإحصار.
وهذا الحديث -كما ترون -في حجة الوداع، ففيه عدة فوائد كثيرة منها: أن صوت المرأة ليس بعورة، المرأة الأجنبية التي ليست من المحارم صوتها ليس بعورة، والدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم كلم ابنة عمه.
فإن قال قائل: ألا يحتمل أن تكون من محارمه بالرضاع؟
قلنا: بلى، ولكن الأصل عدم ذلك.
فإن قال قائل: ألا يحتمل أن هذا من خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم كما كان من خصائصه جواز كشف الوجه له؟
قلنا: بلى، يمكن أن يكون من خصائصه، لكن نقول من خصائصه لو كان هناك نص يدل على أن صوت المرأة عورة، وأنه يحرم مخاطبة المرأة لكن لا يوجد نص، بل المعروف أن النساء يتكلمن مع النبي صلى الله عليه وسلم بحضرة الصحابة ولا يمنعهن النبي صلى الله عليه وسلم، إذن فصوت المرأة ليس بعورة، ولكن لا يجوز للإنسان أن يتلذذ بصوت المرأة لا تلذذ شهوة ولا تلذذ تمتع، فتلذذ الشهوة أن يحس بثوران الشهوة عند مخاطبتها والتمتع أن يعجبه صوتها وكلامها ويستمر كما يتمتع بمنظر الأشجار والبناء الجميل والسيارة الفخمة وما أشبه ذلك، المهم: أن صوت المرأة ليس بعورة، فتجوز محادثتها إلا إذا كان هناك فتنة وذلك بالتلذذ بمحادثتها إما تلذذ شهوة أو تلذذ تمتع.
ومن فوائد الحديث: أنه يجوز الاشتراط عند الإحرام للمريض، الدليل أنها قالت: "إني أريد الحج .... إلخ"، ولكن هل يسن الاشتراط أو لا يسن، أو في ذلك تفصيل؟ فيه خلاف بين العلماء؛ منهم من أنكر الاشتراط مطلقًا، وقال: لا اشتراط في الإحرام؛ لأن الإحرام واجب، يعني: إذا دخل الإنسان في النُّسك وجب عليه الإتمام، واشتراط التحلل ينافي ذلك ويناقضه، هذا تعليل، وأما الدليل ففعل الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه حج واعتمر ولم يشترط لا في عمرة الحديبية ولا في عمرة القضاء ولا في عمرة الجعرانة ولا في حجة الوداع، مع أنه لا يخلو من خوف، فلا
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 450)
يسن الاشتراط مطلقًا ولا يفيد، أيضًا قالوا: ولو كان يفيد ما كان للإحصار والفوات فائدة وخيمة، ومنهم من فصل وقال: إن الاشتراط سنة لمن كان يخشى مانعًا من مرض أو غيره، وليس بسنَّة لمن لا يخشى مانعًا، وهذا القول هو الذي تجتمع به الأدلة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وعلى هذا فلا نقول لكل من أراد أن يحج أو يعتمر: اشترط إلا إذا كان هناك خوف يخاف من مانع يمنعه من إتمام نسكه، فنقول: اشترط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ضباعة بنت الزبير ولم يشترط هو، وهذا جمع بين الأدلة واضح.
فإن قال قائل: أفلا تستحبون الاشتراط في هذا الوقت مطلقًا لكثرة الحوادث؟
فالجواب: لا، لا نستحب ذلك له؛ لأن الحوادث الواقعة في عصرنا إذا نسبتها إلى المجموع وجدت أنها قليلة جدًا، ومطلق الحوادث موجود في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن الصحابي الذي وقصته ناقته في عرفة مات بحادث؛ إذن نقول: إن وجود الحوادث في زمننا هذا لا يوجب أن نستحب له الاشتراط، نعم لو كان الإنسان مريضًا وخاف ألا يستطيع الإتمام فليشترط.
ومن فوائد الحديث: أن المرض اليسير لا يمنع وجوب الحجَّ؛ لأنه قال: "حجي واشترطي"، ولم يأذن لها بالترك.
ومن فوائد الحديث: جواز الاشتراط في العبادات، وهل نقول: إن الاشتراط في العبادات في كل عبادة، أو نقول: هو خاص في الحج لطول مدته ولصعوبته ومشقته؟ قد يقول قائل: إنه يجوز في كل عبادة، مثل: أن يشترط الإنسان عند دخوله في الصلاة أن يقول: إن استأذن عليّ فلان فلي أن أقطع الصلاة وهي فريضة، وقد نقول بعد الجواز، للفرق بين الحج وغيره وهو طول الزمن والمشقة، لكن الصلاة زمنها قليل والصيام كذلك زمنه قليل، وإلا قد يقول: إذا جاء رمضان وهو مريض يدخل في الصوم ويقول: إن شقّ عليّ فلي أن أفطر، نقول: الواقع أنه ليس في حاجة للاشتراط؛ لأن الإنسان إذا كان مريضًا وشقَّ عليه يفطر؛ سواء اشترط أو لم يشترط، بخلاف الحج.
ومن فوائد هذا الحديث: أن المشترط يحل مجانًا؛ أي: بدون حلق وبدون دم وبدون قضاء لقوله -في اللفظ الآخر -: "فإنَّ لك على ربِّك ما استثنيت".
ومن فوائده: أنه إذا قال: "محلِّي حيث حبستني"، فإنه بمجرد ما يحصل المانع يتحلل، ولكن لو قال: "فلي أن أحلّ حيث حبستني" صار بالخيار، وأيهما أحسن أن يقول: "فلي أن أحل" أو "فمحلِّي حيث حبستني"؟ قد يقول قائل: الأول أحسن ليكون الإنسان بالخيار إن شاء استمر وإن شاء أحلّ، وقد يقول آخر: إن اللفظ الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم لا يعدل به شيء؛ يعني: أنه أفضل من غيره على أن قوله: "فمحلِّي حيث حبستني" يظهر لي أن المراد به الإباحة؛ يعني:
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 451)
مثل "فأحلني"، والأمر عند توهم المنع يفيد الإباحة فقط وأنه لا يعني أنه بمجرد ما يحصل المانع يحل الإنسان بل هو بالخيار إن شاء مضى وإن شاء حلّ.
إذن ما الفائدة من الاشتراط؟ الفائدة: أنه يحل مجانًا ليس عليه هدي ولا قضاء ولا حلق ولا تقصير إن كان امرأة، لكن لو لم يفعل ذلك لكان حكمه ما سبق.
هل يؤخذ من هذا الحديث: ترجيح قول من يقول: إن الإحصار عام؟ نعم قد يؤخذ منه ترجيح قول من يقول: إن الإحصار عام في كل مانع لقوله: "إن حبسني حابس"، وهي إنما شكت المرض لم تشكو غيره.
747 - وعن عكرمة، عن الحجَّاج بن عمرو الأنصاريِّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كسر أو عرج؛ فقد حلَّ وعليه الحجُّ من قابل، قال عكرمة. فسألت ابن عبَّاس وأبا هريرة عن ذلك؟ فقالا: صدق". رواه الخمسة، وحسَّنه التِّرمذيُّ.
قال: "من كسر أو عرج"، كسر في يده أو رجله أو أي عضو من أعضائه الذي يمنعه من إتمام النُّسك، أو عرج هذا في الرَّجل أصابه مرض في رجله وصار أعرج لا يستطيع المشي فماذا يصنع؟ قال: "فقد حلّ وعليه الحج من قابل" "فقد حل" تحتمل هذه الجملة معنيين: المعنى الأول: فقد جاز له الحلّ، والمعنى الثاني: فقد حلّ فعلًا، ونظير هذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم". هل المراد: فقد حلّ له الفطر أو قد أفطر فعلًا؟ فقد حلّ له الفطر هذا أحد القولين، القول الثاني: فقد أفطر حكمًا يعني: انتهى صومه، هنا "فقد حلّ" تحتمل معنيين المعنى الأول: "فقد حلّ" أي: فقد جاز له الإحلال من نسكه، والثاني: "فقد حلّ" أي: تحلل، سواء كان مختارًا للحل أم لا.
قال: "وعليه الحج من قابل"، لماذا؟ لأنه محرم بالحج فلزمه الحج، قال عكرمة: فسألت ابن عباس وأبا هريرة عن ذلك فقالا: صدق.
هذا الحديث - كما نشاهد - من باب الإحصار وليس من باب الفوات.
فيستفاد منه: أن الإحصار يحصل بغير العدو؛ لأن الكسر والعرج ليس عدوًّا.
ويستفاد منه أيضًا: أنه إذا حصل ذلك جاز للإنسان أن يتحلل، فماذا يصنع؟ يذبح هديًا ويحلق رأسه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بحلق الرأس، والله في القرآن أمر بالهدي: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} [البقرة: 196]. ويذهب إلى أهله كما رجع النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة الحديبية إلى المدينة بدون اعتمار.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 452)
ويستفاد من هذا الحديث: وجوب القضاء؛ لقوله: "فعليه الحج من قابل"، أضفه إلى حديث ابن عباس السابق: "حتى اعتمر عامًا قابلًا"، فيدل على أن المحصر يلزمه القضاء، وإلى هذا ذهب الإمام أحمد في المشهور عنه وكثير من أهل العلم، والقول الثاني: أنه لا يلزمه القضاء إذا أحصر إلا إذا كان الحج الذي أحصر فيه فريضة الإسلام أو كان واجبًا بنذر، فيلزمه القضاء لا من أجل الإحصار، ولكن من أجل الأمر السابق الفريضة أو النذر.
الذين قالوا بوجوب القضاء الحديث ظاهر في تأييدهم، لأنه قال: "وعليه الحج من قابل"، والذين قالوا: لا يجب عليه القضاء؛ قالوا: لأن الله لم يذكره في القرآن، وإنما وجب ما استيسر من الهدي، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يذكره في سنته، وإنما أوجب الحلق، وليس في المسألة إجماع حتى يكون دليل علينا، فانتفاء الدليل الموجب يدل على عدم الوجوب؛ لأن الأصل براءة الذمة، ثم قالوا: عندنا دليل إيجابي في عدم الوجوب، وهو أن الواجبات تسقط بالعجز، وهذا الذي شرع في النُّسك وهو ليس بواجب شرع في نفل، ولما شرع فيه وجب عليه إتمامه، وإتمامه عجز عنه بالحصر من عدو أو غيره والواجبات تسقط بالعجز، فهذا دليل على عدم الوجوب، فصار دليل القائلين بعدم الوجوب مركب من دليلين: البراءة الأصلية، ودليل آخر موجب؛ أي: مثبت لعدم وجوب القضاء، البراءة بأي شيء استدللنا بها؟ بأن الله ذكر الحصر، وذكر ما يجب فيه، وهو ما استيسر من الهدي، ولم يذكر القضاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الحصر وأوجب فيه الحلق، ولم يوجب القضاء، هذا دليل براءة الذمة، الدليل الإيجابي أن نقول: إن هذا النُّسك ليس بواجب ابتداء؛ لأنه سنة نفل، وإنما الواجب إتمامه تعذر بالعجز عنه والواجبات تسقط بالعجز، ولم يوجب الله عز وجل على عباده الحج والعمرة إلا مرة واحدة فقط؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الحجُّ مرّة فما زاد فهو تطوُّع". نحتاج الجواب على هذا الدليل، أما حديث ابن عباس أن الرسول صلى الله عليه وسلم اعتمر عامًا قابلًا؛ فنحن إذا قلنا لا يجب القضاء لسنا نقول: لا يجوز القضاء بل ننفي الوجوب دون الجواز، ونقول: يجوز أن يقضي، بل قد نقول: إننا نستحب له أن يقضي اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما الحديث الذي معنا فنقول: "عليه الحج من قابل" يحتمل أن يكون هذا قضاء، ويحتمل أن يكون هذا أداء؛ أي: أنه يحتمل أن الحديث فيمن كسر أو عرج في الفريضة، فصار عليه حج من قابل، ويحتمل أن يكون في نافلة، فيلزم القضاء، والمعروف أنه إذا وجد الاحتمال سقط الاستدلال، وحينئذ يجب حمل الحديث على ما تدل عليه الأدلة السابقة، وهو أن يكون الإحصار في فريضة، ومعلوم أنه إذا كان الإحصار في فريضة فإنه يجب عليه القضاء.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 453)
أسئلة مهمة على الحج:
- هل الذي يرافق المشترط له أن يشترط؟ نعم، الظاهر أن يشترط.
- متى كان فرض الحج؟ في السنة التاسعة.
- بماذا فرض؟
- ما هي الحكمة في تأخر فرضه إلى السنة التاسعة؟
- ما نقول فيمن قال: إن الرجل إذا دخل مكة وجب عليه أن يحج أو يعتمر وإن كان أدّى الفريضة؟
- رجل وجب عليه أن يحج ثم مرض أيحجُّ عنه أم لا؟
- قال أهل العلم إن المواقيت تنقسم إلى أقسام زمانية ومكانية، ما هي المواقيت الزمانية؟
- وما هي المواقيت المكانية؟
- أي الأنساك أفضل؟
- هل يجوز لمن أحرم بالحج أن يحوله إلى عمرة؟
- ما هي محظورات الإحرام؟
- متى كانت حجة الرسول؟
- ما المراد بالرُّكن؟ وما المراد بالاستلام؟
- ما معنى الرمل، وما الحكمة من أصل مشروعيته؟
- ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لما دنا من الصفا؟
- ما يوم التروية، ولماذا سمي به؟
- من اليوم (8) إلى (13) لكل يوم اسم اذكرها؟
- متى خرج النبي إلى الحج من مكة؟
- متى توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى عرفة؟
- أين تقع نمرة من عرفة؟
- أين صلى النبي صلى الله عليه وسلم المغرب والعشاء يوم عرفة؟
- هل عرض عليه أن يصلي في الطريق؟
- لو صلى أحد المغرب في الطريق فما حكم صلاته؟
- ما هي المناسك التي يفعلها الحاج يوم العيد؟
- الرسول صلى الله عليه وسلم من أين دخل مكة، ومن أين خرج؟
- هل يجوز للإنسان ترك المبيت بمنى للحاجة العامة؟
- ما تقول في رجل وكَّل من يرمى عنه؟
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 454)
كتاب البيوع
ويشتمل على:
1 - باب شروطه وما نهي عنه.
2 - باب الخيار.
3 - باب الربا.
4 - باب الرخصة في العرايا وبيع الأصول والثمار.
5 - أبواب السّلم والقرض والرهن.
6 - باب التفليس، والحجر.
7 - باب الصلح.
8 - باب الحوالة والضمان.
9 - باب الشركة والوكالة.
10 - باب الإقرار.
11 - باب الغضب.
12 - باب الشُّفعة.
13 - باب القراض.
14 - باب المساقاة والإجارة.
15 - باب إحياء الموات.
16 - باب الوقف.
17 - باب ××× و××× و××××.
18 - باب اللقطة.
19 - باب الفرائض.
20 - باب الوصايا.
21 - باب الوديعة.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 455)
كتاب البيوع
قال المؤلف: "كتاب"؛ لأن هذا مستقل عما سبق وهو من جنس آخر؛ لأن الأول كله في العبادات وفي معاملة الخالق عز وجل، وهذا في البيوع، وهي معاملة الخلق، وبدأ العلماء بالبيوع بعد العبادات؛ لأنها أكثر تعلقًا بالنسبة للبشر، وإلا فإن النكاح مثلًا له علاقة بالمعاملة وعلاقة بالعبادة، لكن البيوع أكثر تعلقًا بالنسبة للبشر؛ لأن الإنسان يحتاج إليها في أكله وشربه ولباسه ومسكنه ومركوبه ومنكحه وغير ذلك، فهي أعم تعلقًا، ولهذا أعقبها أهل العلم أي: جعلوها عقب العبادات.
وقال المؤلف: "كتاب البيوع" جمعها باعتبار أنواعها وإلا فإنها جمع بيع والبيع مصدر، والمصدر لا يجمع إلا إذا قصد به النوع، فإذا قصد به النوع جاز جمعه باعتبار أنواعه.
والأصل في البيوع الحلّ لقول الله تعالى: {وأحلَّ الله البيع} [البقرة: 275]. فكل صورة من صور البيع يدَّعى أنها حرام فعلى المدعي البينة؛ يعني: الدليل؛ لأن الأصل هو الحل، وشرع الله البيع وأحلَّه لعباده لدعاء الضرورة إليه أحيانًا والحاجة إليه أحيانًا أخرى والتَّنعم إليه أحيانًا، فأحيانًا تدعو الضرورة إليه كما لو كان مع إنسان دراهم وهو عطشان ومع إنسان آخر ماء فهنا الضرورة تدعو إلى عقد البيع؛ لأن هذا العطشان لا يتوصل إلى الماء إلا بطريق البيع إذا لم يبذله صاحبه له، وليس كل أحد يتمكن من البذل، فأحيانًا تكون الضرورة للمشتري وأحيانًا تكون الضرورة للبائع، مثل: أن يكن شخص معه طعام ولكنه عطشان يحتاج إلى بيع الطعام ليشتري الماء، فهنا الضرورة من البائع، وأما الحاجة التي تدعو إليه فما يحتاج الإنسان إليه في أمور دينه ودنياه مما ليس بضرورة كحاجته إلى ثوب آخر مع ثوبه الأول في أيام الشتاء ونحو ذلك، وأما التَّنعم فكما لو كان عند الإنسان كل ما يضطر إليه وكل ما يحتاج إليه، لكن يجب أن يتنعم وينبسط بما أحل الله له وليس له طريق إلى ذلك إلا البيع فهنا نقول: لم تدع الضرورة ولا الحاجة لكنه من باب التنعم بنعم الله عز وجل وجه مباح؛ لهذا كان من الحكمة إباحة البيع للعباد لتندفع بها ضروراتهم وتقوم بها حاجاتهم ويتم بها تنعمهم؛ لأنه ليس كل إنسان يضطر إلى طعام أو شراب يجد من يبذله له ولا كل إنسان يحتاج إلى مكمّلات بيته مثلًا يجد من يبذلها له، ولا كل إنسان يريد أن
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 457)
يتنعم بما أعطاه الله تعالى من الخير يجد من يبذل له ما يتنعم به، لهذا كان من الحكمة أن الله عز وجل أحل لعباده.
* * * *
1 - باب شروطه وما نهي عنه
وكان المتوقع أن يقول: شروطها؛ لأنها "بيوع" جمع، والجمع يحتاج أن يكون الضمير الراجع إليه ضمير جمع، لكن المؤلف رحمه الله لما رأى أن البيوع هنا جمع من أجل الأنواع والجنس واحد أعاد الضمير باعتبار الجنس لا باعتبار الأنواع، وقد سبق لنا أن الشروط جمع شرط، وهو في اللغة: العلامة، ومنه قوله تعالى: {فهل ينظرون إلَّا السَّاعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها} [محمد: 18]. أي: علامتها، وفي الشرع: ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود.
وأما قوله: "وما نهي عنه" أي: ما نهي عنه من البيوع، والمنهي عنه من البيوع أقل بكثير مما أبيح؛ لأن المنهي عنه معدود، والمباح محدود، والمعدود أقل من المحدود؛ لأنه محصور بعدده، وقوله: "ما نهي عنه" يشمل ما نهى الله عنه أو نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم.
أطيب الكسب:
748 - عن رفاعة بن رافع رضي الله عنه: "أنَّ النَّبي سئل: أيُّ الكسب أطيب؟ قال: عمل الرَّجل بيده، وكلُّ بيع مبرور". رواه البزَّار، وصحَّحه الحاكم.
"سئل" من السائل؟ السائل لا يهم سواء أكان رجلًا أم امرأة، لكن السائل صحابي، وقد مر علينا أنه لا شك أن من تمام العلم أن نعلم المبهمات، ولكن ليس من ضروريات العلم؛ إذ إن المقصود هو الحادثة أو القضية التي وقعت حتى نعرف الحكم.
وقوله: "سئل أي الكسب أطيب؟ "، الكسب: ما يكتسبه الإنسان ويربح فيه من تجارة أو إجارة أو شركة أو غير ذلك، فهو شامل، والإنسان قد يكتسب الشيء بالبيع أو بالإجارة أو بالمشاركة أو بتملك المباحات كالصيد والحشيش ونحو ذلك فأيُّهما أطيب؟
قال: "عمل الرجل بيده" هذا أطيب المكاسب، لماذا؟ لأن عمل الرجل بيده يكون في الغالب خاليًا من الشبهات؛ إذ إنه حصَّله بيده مثل الاحتشاش، إنسان خرج إلى البرَّ واحتش وأتى بالحشيش أو خرج إلى البرّ واحتطب وأتى بالحطب، أو خرج إلى البرِّ وافتجع، يعني: أتى
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 458)