Arabic source text

📘 ফাতহু জিল জালালি ওয়াল ইকরাম বিশারহি বুলুগিল মারাম ত্বা আল-মাকতাবাতুল ইসলামিয়্যাহ (ইবনে উসাইমীন - মৃত্যু 1421 হিজরী)

📘 فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية (ابن عثيمين - ت 1421 هـ)

📘 ফাতহু জিল জালালি ওয়াল ইকরাম বিশারহি বুলুগিল মারাম ত্বা আল-মাকতাবাতুল ইসলামিয়্যাহ (ইবনে উসাইমীন - মৃত্যু 1421 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
بالكمأة وخرج إلى البحر فاصطاد سمكًا هذا كله عمله بيده فهو أفضل ما يكون؛ لأنه عمل ليس فيه شبهة إطلاقًا؛ لأنه أخذه مما أخرجه الله عز وجل من الأرض، وهل يدخل في ذلك الصنائع؟ نعم، قد نقول: إنه يدخل فيها الصنائع وإن كان في النفس منها شيء في دخولها في الحديث؛ لأن الصنائع كالبيع والشراء يكون فيها غش ويكون فيها نسيان ويكون فيها غلط، فيكون دخولها حينئذ فيه شيء من الشبهة لكن ممكن أن ندخلها بالدفع على شرط أن يكون هذا الصانع العامل ناصحًا في صنعته تمامًا، وإلا فما أكثر الذين يصنعون ثم تكون صنعتهم من أردأ الصناعات، ويدخل عندهم الغش أكثر مما يدخل في البيع والشراء، يوجد جماعة بنوا جدارًا لشخص فقالوا: من يذهب إلى صاحب الجدار يأتي بالأجرة؟ فقال بعضهم: من يمسك الجدار حتى لا يسقط وحتى نأخذ الأجرة؟ الجدار الآن غير جيد في بنائه يستمسك فقط، يأخذون الأجرة ويذهبون.
على كل حال: الصنائع في الحقيقة قد تدخل في الحديث وقد لا تدخل، فتدخل الحراثة والزراعة في الحديث؛ لأن الغالب أن الحارث يخلص لنفسه مثل ما يختار الحطب الجيد لبيعه بأكثر، هذا يخلص حرث الأرض والزرع الطيب والسقي فهو عمله بيده، ولهذا قال بعض الفقهاء: الزارعة أفضل مكتسب، وفي الزراعة أيضًا صلة أخرى وهي: ما ينتفع بهذا الزرع من مخلوقات الله، الحشرات تنتفع، والنمل، والذر، والكلاب، والطيور، وكل شيء ينتفع مما يمكن أن يفع بهذا الزرع ففيه أيضًا مصلحة.
الثاني قال: "وكل بيع مبرور"، ما هو البيع المبرور؟ البيع المبرور بينته السُّنة في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن صدقا وبيَّنا بورك لهما في بيعهما"، فالبيع المبرور هو: ما كان مبنيّاً على الصدق والبيان، الصدق: في الوصف، والبيان: في العيب؛ يعني مثلًا: لا يقول لك: هذا طيب وهو رديء، ولا يكون هذا الشيء معيبًا ثم يكتمه بل يبين: "إن صدقا وبيَّنا بورك لهما في بيعهما"، فهذا هو البيع المبرور المبني على الصدق والبيان، نزيد شيئًا ثالثًا: ووافق الشرع، فإن خالف الشرع فهو وإن كان مبنيّاً على الصدق والبيان فليس بمرور، لو باع لشخص ما يحرم بيعه وصدقه في وصفه وفي عيبه لا نقول: هذا بيع مبرور.
إذن ما وافق الشرع واشتمل على الصدق والبيان فهو البيع المبرور، وعكس ذلك ما خالف الشرع كبيع المحرمات كالملاهي وغيرها أو ما كان مبنيّاً على الكذب كأن يقول: هذه

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 459)

السلعة من أحسن ما يكون وهي ما أردأ ما يكون، أو على كتم العيب بأن تكون معيبة ويخفى عيبها فهذا ليس بيعًا مبرورًا، وسمي الأول مبرورًا لاشتماله على البر، والله سبحانه وتعالى يحب البّر، بل قد قال: {وتعاونوا على البرّ والتَّقوى} [المائدة: 2].
في هذا الحديث عدة فوائد: الفائدة الأولى: حرص الصحابة رضي الله عنهم -على السؤال عن أفضل الأعمال لقوله: "سئل أي الكسب أطيب؟ "، والصحابة رضي الله عنهم -إذا سألوا عن الكمال لا يريدون مجرد العلم بالكمال لكنهم يطبقون ويعملون، ليسوا كحال أكثر الناس اليوم حيث إن أحدهم يسأل عن الكمال وعن الأفضل ثم لا يعمل به! لم يكن حال الصحابة هكذا إنما هم لا يسألون إلا من أجل أن يعلموا، وهذه صفة المؤمن، وهؤلاء هم المؤمنون الذين إذا علموا الحق عملوا به، أما أن يعلموه ويجعلوه في صدورهم كنسخ من الكتب لا تتجاوز الصدور فهذا ليس من خصال المؤمنين وليس من صفاتهم، صفة المؤمن أنه متحرك عامل لا يتأخر، لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم النساء بالصدقة ماذا فعلن؟ صارت المرأة تأخذ قرطها من أذنها وخاتمها من أصبعها وتلقيه في ثوب بلال بدون تأخر وبدون تردد وبدون مشاورة أحد، فهكذا ينبغي للمسلم بل يجب على المؤمن أن يكون هكذا كلما علم شيئًا أفل عمل به ما استطاع، إذن الصحابة رضي الله عنهم يسألون عن الأفضل لا من أجل أن يعلموا الأفضل، ولكن من أجل أن يعلموا ويعلموا به.
ومن فوائد الحديث: أن المكاسب تختلف فمنها الطيب والخبيث والأطيب دليله: "أي الكسب أطيب؟ " فأقرهم على التفاضل.
ومن فوائده أيضًا: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أعطي جوامع الكلم، وهذا مما اختصه الله به، فإنه أعطي جوامع الكلم واختصر له الكلام اختصارًا، من أين يؤخذ؟ من هاتين الكلمتين: "عمل الرجل بيده"، تشمل أشياء كثيرة ليس لها حصر، وقد ذكرنا منها شيئًا قليلًا: احتشاش، احتطاب، اصطياد، حراثة وأشياء كثيرة.
"كل بيع مبرور"، كذلك هذا يعتبر ضابطًا يدخل فيه أنواع كثيرة من البيع إذا اشتملت على الأوصاف الثلاثة وهي: موافقة الشرع، والصدق، والبيان، فإن انضاف إلى هذا مصالح أخرى

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 460)

زاد فيها الطيب، مثل: لو كانت تجارة الإنسان في سلاح للمجاهدين في سبيل الله يحصل على فائدة وأجر، لو كانت في كتب ينتفع بها طلاب العلم ازداد أجرًا وصار تجارة دنيوية وأخروية، لو كان في أشياء تعين على البر ازداد أيضًا طيبًا، المهم أن وجوه الفضل كثيرة جدًا لا حصر لها.
ومن فوائد الحديث: عمل الرجل بيده، والمرأة داخلة في ذلك؛ لأن الأصل ما ثبت في حق الرجل يثبت في حق المرأة، وما ثبت في حق المرأة ثبت في حق الرجل إلا ما خص بدليل.
ومن فوائد الحديث: أن البيوع منها: بيع مبرور، ومنها: بيع غير مبرور لقوله: "وكل بيع مبرور".

‌‌تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام:
749 - وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنَّه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح، وهو بمكَّة: "إنَّ الله ورسوله حرَّم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام. فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنَّها تطلى بها السُّفن، وتدهن بها الجلود، ويستصبح بها النَّاس؟ فقال: لا، هو حرام، ثمَّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله تعالى لمَّا حرَّم عليهم شحومها جملوه، ثمَّ باعوه، فأكلوا ثمنه". متَّفق عليه.
هذا الحديث داخل في قول المؤلف: "وما نهي عنه"، فيكون في كلام المؤلف أو في سياق المؤلف للحديث وبين الترجمة لفٍّ ونشر غير مرتب؛ لأنه بدأ بالشروط وثنى بما نهي عنه ولكنه بدأ بما نهي عنه إلا أن يدعي مدَّع أن قوله: "كل بيع مبرور" يتضمن الشروط إجمالًا، لا لأننا قلنا: ما وافق الشرع واشتمل على الصدق والبيان إن كان كذلك فالتركيب مرتب.
يقول: "سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح … إلخ"، ذكر جابر رضي الله عنه الزمان والمكان فقال: "عام الفتح" هذا الزمان، "وهو بمكة" هذا المكان، وكان عما الفتح في السَّنة الثامنة من الهجرة في رمضان، وإنما قال: "وهو بمكة"؛ لأنه قد يقول هذا القول عام الفتح وهو في المدينة يقول: "إن الله حرم بيع الخمر … إلخ"، "حرَّم" التحريم في اللغة: المنع، ومنه حريم البئر؛ لأنه يحميها ويمنع من العدوان عليها، "حرم بيع الخمر والخمر"، كل ما خامر العقل قاله عمر رضي الله عنه والنبي صلى الله عليه وسلم ذكره بلفظ أوضح، فقال: "كل مسكر خمر".
فالخمر إذن كل مسكر من أي شيء كان سواء من العنب أو التمر أو البر أو من أي نوع كان، فما أسكر فهو خمر، ولكن ما هو السُّكر؟ السُّكر: تغطية العقل على وجه اللذة والطرب،

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 461)

وليس تغطية العقل على وجه الخمور والغيبوبة، بل على وجه اللذة والطرب هذا السَّكر، فالإسكار لا يجعل الإنسان في غيبة لكن يجعله في نشوة وفرح كأنما يريد أن يطير لكنه لا ينضبط من شدة الفرح، وتعلمون أن الإنسان من شدة الفرح ربما يتكلم بكلام لا يمكن أن يتكلم به في حال ركود الذهن، فها هو الرجل قال: "اللهم أنت عبدي وأنا ربك" أخطأ من شدة الفرح، الخمر - والعياذ بالله - يغطي العقل حتى يجعل الإنسان يشعر بأنه ملك وشجاع وربما شعر بأنه ملك فوق البشر ولهذا تجده يتكلم بكلام يتخبط فيه، مرّ بحمزة بن عبد المطلب ناضحان لعلي بن أبي طالب، أي: بعيران ينضح بهما الماء، وكان عنده جارية تغنيه فغنته وأغرته بالإبل، فقام وأخذ السيف فجب أسنمتهما وبقر بطونهما وأكل من كبدهما، كل هذا فعله وهو سكران لا يدري ماذا يفعل، لكن هيجته حتى قام وفعل هذا الفعل، فجاء علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى رسول صلى الله عليه وسلم يشكو عمه، فقام النبي صلى الله عليه وسلم إليه فلما أقبل عليه وجده ثمل - سكران - إلى الآن فكلمه فقال له حمزة: وهل أنتم إلا عبيد أبي يعني: جعل المسألة تحدث نفسه حتى أبوه صار الآن سيدًا للرسول صلى الله عليه وسلم، فتأخر النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه رأى الرجل لم يصح بعد، وهذا كان قبل أن تحرم الخمر؛ لأن حمزة استشهد في أحد في السَّنة الثالثة، والخمر حرمت في السَّنة السادسة.
المهم: أن الخمر يصل بصاحبه إلى هذا الحد وله أحكام كثيرة مذكورة في الفقه لا نطيل بذكرها، لكن لأجل مضرته العقلية والاجتماعية حرّمه الشارع، فبيعه حرام لا يستثنى منه شيء حتى في حال إباحة الخمر لا يستثنى منه شيء، لكن يباح شرب الخمر لدفع لقمة غص بها ولا حضره غيره، نقول: يجب عليك أن تشرب هذه لدفع الغصة، مثال آخر: بدأت النار تحرق بيتك وليس حوله إلا صفيحة من الخمر وذهب لصاحبه فقال: أعطني إياها فقال: لا إلا بمائة ريال، فهو لا يجوز، لكن هنا يدفع المحتاج الدراهم لطلبها لا على أن بيع لكن لأجل أن ينقذ نفسه من الحريق.
وعلى كل حال: الخمر لا تجوز حتى في حال إباحتها استعمالًا أو شربًا لا يجوز، لماذا؟ لأن إباحتها على وجه نادر، والعبرة بالأكثر.
"الميتة" يقول: حرم الرسول بيع الميتة، ما هي الميتة أولًا؟ نقول: كل ما لم يمت بذكاة شرعية هذا الضابط لا يتحرم، فشمل ما مات بغير ذكاة، وشمل ما مات بذكاة غير شرعية، إما لعدم أهلية المذكي أو لخلل في الذكاة، وشمل ما لا تبيحه الذكاة كميتة الحمار، فشمل كم

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 462)

صورة؟ ثلاث صور: ما مات حتف أنفه بدون ذكاة، وما مات بذكاة غير شرعية، وما لا تحله الذكاة وإن ذكي، فلو أن شخصًا عنده حمار وأضجعه وقال: باسم الله، والله أكبر، وقطع الحلقوم والمريء هذا ليس بذكاة ولا تنفع؛ لأن الذكاة لا تبيحه، هذه كلها حرام بيعها حتى في حال الحل، ولو كان هذا الرجل مما يحل له أكل الميتة للضرورة فلا يجوز أن يشتريها، لكن إن لم يتوصل إليها إلا بدفع شيء فليدفع ويكون الإثم على البائع، وهذه صورة بيع وليست بيعًا شرعًا، وهل الميتة هنا على العموم؟ لا، المراد بالميتة: الميتة المحرَّمة احترازًا من الميتة الحلال كميتة السمك والجراد هذه يجوز بيعها؛ لأنها حلال تؤكل بكل حال وبدون ضرورة، وهل يستثنى من الميتة شيء؟ سيأتي - إن شاء الله - في الفوائد أنه يستثنى شيء منها.
قال: "والخنزير" وهو حيوان معروف خبيث يأكل الأنتان والعذرة، معروف بعدم الغيرة، ربما يمسك أنثاه لذكر آخر، ثم هو نفسه خبيث لقوله تعالى: {فإنه رجس} [الأنعام: 145]. فلا يحل بيعه حتى في الحال التي يباح أكله وحتى في حال الضرورة، إذا أبيح للإنسان أن يأكله لا يجوز له بيعه، فإن اضطر إليه ولم يحصل عليه إلا بدفع عوض دفعه، ولكنه ليس بيعًا شرعيًّا.
قال: "والأصنام" وهي جمع صنم، وهو ما عبد من دون الله كالشجرة والحجر وغير ذلك وهي ليست لذاتها، ولكن لما يراد بها من الشرك، والشرك أعظم الذنوب، فلو كان الإنسان في مكان تعبد فيه شجرة معينة عنده وجاء واحد يمشي في السوق ويقول: من يشتري هذا الصنم فلا يجوز أن يشتريه أبدًا، اللهم إلا إذا لم تتوصل إلى إتلافه إلا بذلك فهذا جائز، لكنه بيع صوري؛ لأنه لا ثمن له شرعًا، ومثل الصنم أيضًا التمثال الذي يعبد من دون الله، والتمثال صنم لكنه أخرس؛ لأن الصنم: كل ما عبد من دون الله من أشجار وأحجار وتماثيل وغير ذلك، والتمثال: ما صنع على هيئة معينة كأن يصنع على شكل عالم أو عابد أو سلطان أو ما أشبه ذلك، فإن كان الشيء يعبد من دون الله وأكثر الناس لا يعبدونه كالبقرة فهي عند قوم تعبد من دون الله هل نقول: إذا كنا في أرض يعبد أهلها البقر لا يجوز أن نبيع البقرة؟ لا، بل نقول: يجوز بيعها إلا من اشتراها لهذا الغرض.
هذه أربعة أشياء: الخمر والميتة والخنزير والأصنام، والحكمة من ذلك: أما الخمر فلأنها مفسدة للعقل مفسدة للمجتمع، وأما الميتة والخنزير فلأنهما طعام خبيث لا ينال المرء منهما إلا المضرة والمرض، وأما الأصنام فلأنها مفسدة للأديان، فصارت الحكمة من تحريم بيع هذه الأشياء حماية العقول والأبدان والأديان، وإن شئت فقل: والفطرة، وهذا يتحقق في الخنزير؛ لأن الخنزير إذا كان كما يقولون: ليس له غيرة فهو ديوث، وعليه فالذي يتغذى به يكون مثله، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع وعن كل ذي مخلب من الطير لئلا يتغذى بها

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 463)

الإنسان فيتكسب من سبعيتها وعدوانها، الخنزير هذا إذا صح انه لا غيرة له ففيه إفساد الفطرة والأخلاق فيكون الحكمة من تحريم هذه الأشياء: حماية العقول والأبدان والأديان والفطرة، والدين الإسلامي جاء بحماية هذه الأشياء، ولو شئنا لقلنا: من مجموع هذه الأشياء يكون في ذلك حماية الأموال، كيف ذلك؟ لأن بذل الأموال في مثل هذه الأشياء بذلك ما لا فائدة فيه، بل بما فيه مضرة فيكن إضاعة للمال، إذن للعقول والأديان والأبدان والفطرة والأموال خمسة، حماية لهذه الخمسة حرم الله عز وجل بيع هذه الأشياء وإن كان فيها مكسب، كما قال الله تعالى في الخمر: {يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيما إثم كبير ومنافع للنَّاس وإثمهما أكبر من نفعهما} [البقرة: 219]. والله عز وجل لا يمنع عباده الشيء إلا لأن ضرره أكثر، وذلك لأن العطاء أحب إليه من المنع ورحمته سبقت غضبه.
قوله: "فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة فإنه تطلى بها السفن؟ " أولًا: قولهم: "قيل: يا رسول الله"، القائل مبهم ولا يعنينا أن نعرف عين القائل، لأن المهم هو الحكم، أما عين الشخص فالغالب ألَّا نحتاج إليه، فلهذا دائمًا تأتي مثل هذه الصيغة فقيل: يا رسول الله؛ لأنه لا يهتم بالقائل أهم شيء معرفة القضية والحكم، وقولهم: "يا رسول الله" هذا النداء الذي أرشدهم الله إليه في قوله: {لّا تجعلوا دعاء الرسول … } [النور: 63]. يعني: لا تقولوا: يا محمد، بل صفوه بما كلَّفه الله به وبما يختص به من الوصف وهو "رسول الله"، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتكنى أحد بكنيته لئلا يشاركه أحد عند المناداة فيقال مثلًا: يا أبا القاسم، فيظن أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا خص كثير من أهل العلم النهي بالتكني بكنيته بما كان في حياته فقط لئلا يشاركه أحد، فإذا نودي بين الناس: يا أبا القاسم يظن من لا يعرفه أن هذا هو الرسول صلى الله عليه وسلم، إذن هذا من أدب الصحابة ولا أحد يناديه باسمه إلّا من كان جاهلًا كأعرابي يأتي إلى المدينة يقول: يا محمد.
يقول: "أرأيت شحوم الميت؟ " هذا التركيب يوجد كثيرًا في القرآن، ومعناه على سبيل الإجمال: أخبرني؛ لأن التقدير: أرأيت كذا وكذا، فأرني ما رأيت، أي: أخبرني، أما من حيث الإعراب فنقول: إن "رأى" هنا علمية، و"شحوم" مفعولها الأول، ومفعولها الثاني محذوف ويكون غالبًا جملة استفهامية، هنا نقول: "شحومها" مفعولها الأول، ومفعولها الثاني محذوف: "قال: أيحل"، ثم ماذا نقدر الفاعل؟ قال بعض العلماء: التقدير أن نقول: أيحل هذا فيها؟ يعني: أن تطلى بها السفن ويستصبح بها الناس وتدهن بها الجلود، أو يكون التقدير أحيل بيعها؟ فقد اختلف العلماء رحمهم الله ماذا يقدر الفاعل؟ أو البيع أو هذه المنافع؟ الصحيح: أنه البيع؛ لأن السياق في البيع وهي أن هذه الأشياء التي تعلوها ما تحدث عنها النبي صلى الله عليه وسلم حتى يقال:

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 464)

أرأيت هذا هل يحل؟ وهو لم يتحدث عن تحريم المنافع إطلاقًا، إنما كان يتحدث عن البيع، لكن لما رأوا هذه المنافع ظنوا أن هذه المنافع تقتضي حل بيعها كما أن المنافع في الإذخر اقتضت حل حشَّه في الحرم لما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا يحش حشيشها" قال العباس: "إلا الإذخر … إلخ"، فظنوا رضي الله عنهم أن هذه المنافع تقتضي حل البيع كما اقتضت المنافع في الإذخر حل حشه، وكما نعلم الآن كل هذه الأحاديث ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم في تحريم مكة، وهذا الحديث ذكره في أيام الفتح، فالصحابة كأنهم استذكروا ما رخص فيه الرسول صلى الله عليه وسلم من جواز حش الإذخر من أجل منافعه فظنوا أن هذه المنافع تقتضي حل البيع، وأن هذا يكون مخصّصًا لعموم تحريم الميتة، هذا هو الصواب المتعين في الحديث أن المسئول عنه ليست هذه المنافع وإنما هو بيعها الذي تقتضي هذه المنافع حلَّه.
وقول: "شحوم" جمع شحم، قال بعضهم: الشحم هو اللحم الأبيض، وقال بعضهم: الشحم معروف أيهما أصرح؟ الثاني أصرح؛ لأنك إذا قلت: الشحم هو اللحم الأبيض؛ ذهب السامع يبحث ما هو اللحم الأبيض؟
وعلى كل حال: يقال الشحم معروف، أما الميتة فهي الميتة التي عناها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: "إن الله حرم بيع الميتة".
ثم علل فقال: "فإنها - أي: الشحوم - تطلى بها السفن"، أي: المراكب البحرية تدهن بالشحم، لماذا؟ من أجل ألا يتشرب الخشب الماء؛ لأن الخشب إذا تشرب الماء ثقل وغرقت السفينة، وإذا كان على جدران السفينة هذا الطلاء من الشحم منع تشرُّب الخشب للماء فتبقى السفينة محمية بهذا الطلاء من أن تتشرب الماء.
قال: "وتدهن بها الجلود"، أي جلود؟ الجلود التي تدبغ؛ لأن الدهن يلينها.
قال: "ويستصبح بها الناس" "يستصبح" يعني: يجعلونها مصابيح، أي: سرجًا، يضعون في الشحم إذا ذوبوه خرقة ثم يشبونه في رأسهم ثم تأخذ بالإضاءة ما دام هذا الشحم أو الدهن باقيًا، وهذا نسمع الناس يتحدثون عنه وإن كنا ما أدركناه لكن على عهد قريب والناس يستعملونه، حتى إنه في بعض الوصايا عندنا أوصى بأن يوقد سراج المسجد ولو وصل الصاع - صاع الودك - ريالًا وكان في ذلك الوقت الريال عندهم أكثر من ألف ريال، على كل حال: هذا الاستصباح يوضع الشحم المذوب في إناء ويوضع فيه فتيلة وتوقد النار في رأسها وتكون مصباحًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا" يعني: لا يحل؛ لأن السؤال عن الحل، وما الذي لا يحل؟ قلنا:

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 465)

قولان لأهل العلم: قول لا يحل هذا العمل طلي السفن والاستصباح ودهن الجلود، وقيل: بل البيع وه والصواب، بل إن السياق يعينه.
ثم قال: "هو حرام"، أي: البيع، لماذا يكون حرامًا؟ لأن الميتة حرام، وجواز بيعها لهذه الأغراض يستلزم تداولها بين الناس والاستهانة بها؛ لأنه - كما يقال - إذا كثر الإمساس قلَّ الإحساس، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "قاتل الله اليهود"، "قاتل" بمعنى: أهلك، وقيل بمعنى: لعن، واللعن: هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وكون المقاتلة بمعنى: اللعن بعيد من الاشتقاق؛ لأن قاتل مشتقة من قتل وليس فيها شيء من حروف اللعن إلا اللام وليس بينهما اشتقاق لا أكبر ولا أصغر ولا أوسط، ولكن نقول: إن معنى "قاتل": أهلك؛ لأن من قتله الله فهو هالك قطعًا فيكون الدعاء بالمقاتلة، أي: قتال الله لهؤلاء معناه الدعاء بالهلاك وهذا هو المناسب لمادة هذه الكلمة، وإن كان كثير من المفسرين يفسرون القتل باللعن كقوله تعالى: {قتل الخراصون} [الذاريات: 10] أي: لعنوا، لكن الأظهر أن المراد بالمقاتلة: الإهلاك؛ لأن تفسير الشيء بما يطابق مادته أولى من تفسيره بأمر بعيد.
ثم قال: "قاتل الله اليهود" وهم الذين يدَّعون أنهم يتبعون موسى عليه الصلاة والسلام -وهم من بني إسرائيل، ولكن لماذا وصفوا أو لقِّبوا بهذا اللقب؟ قيل" إنه نسبة إلى أبيهم جدهم يهوذا أحد أبناء يعقوب عليه السلام وأنه مع التعريب تحول إلى يهود بالدال، وقيل: إنه من "هاد يهود" لقولهم: {إنا هدنا إليك} [الأعراف: 156]. أي: رجعنا، وعلى كل حال: سواء هذا أو هذا فإن اليهود معروفون بالمكر والخداع، كما فعلوا في الحيتان حين حرم عليهم صيد السمك في يوم السبت فابتلاهم الله عز وجل وصارت الحيتان تأتي يوم السبت على ظاهر الماء شرَّعًا وفي غير السبت لا تأتيهم فتحيَّلوا ووضعوا شبكًا في يوم الجمعة فيأتي الحيتان يوم السبت ويدخل في الشبك ثم إذا كان يوم الأحد جاءوا وأخذوها وقالوا: نحن ما صدنا يوم السبت، فعاقبهم الله تعالى عقوبة تناسب ذنبهم قلبهم الله قردة؛ لأن القردة أقرب ما يكون إلى الإنسان كما أن عملهم هذا قريب من الصحة، يعني: ظاهره أنه ليس فيه صيد، وهذا القرد قريب من الإنسان فهو في صورة إنسان لكن معناه حيوان.
إذن المهم: اليهود لما حرم الله عليهم شحومها، وفي لفظ الشحوم، والشحوم أعم؛ لأنه يشمل شحوم الميتة وغير شحوم الميتة، ومن المعلوم أن الله عز وجل حرم عليهم الشحوم: {وعلى الذين هادوا حرَّمنا كلَّ ذي ظفر ومن البقر والغنم حرَّمنا عليهم شحومها} [الأنعام: 146].

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 466)

حرم الله عليهم شحوم البقر والغنم إلا ما حملت ظهورها أو الحوايا أو ما اختلط بعظم، لكن ماذا فعلوا؟ يقول: "جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه"، جملوه، أي: أذابوه، وقالوا: لا نأكله لكن ذوَّبه وبعه واشتر بثمنه ما تأكله، فهذه حيلة على محارم الله عز وجل، ودعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بان الله يقاتلهم تحذيرًا من فعلهم وتنفيرًا عنه؛ لأن من فعل كفعلهم استحق ما يستحقون؛ إذ إن البشر عند الله على حد سواء: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13]. فالعاصي من هذه الأمة بما عصت به بنو إسرائيل يوشك أن يلحقه من العقوبة ما لحق بني إسرائيل.
وهذا الحديث -كما نشاهد -فيه فوائد كثيرة منها: أولًا: حرص النبي صلى الله عليه وسلم على إبلاغ الأمة في المناسبات، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم في فتح مكة أرشد الأمة إلى أحكام كثير تتعلق بمكة وإلى أحكام كثيرة كان المشركون قد تعلقوا بها، ففيه: مراعاة المناسبات في الخطب والتوجيهات والمواعظ، ويتفرع على هذا: أنه ينبغي للداعية والخطيب أن يتحرى المناسبات اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن فوائد هذا -أي: مراعاة المناسبات -: أن الشيء إذا جاء والناس يتشوفون إليه كان أوقع في نفوسهم وأشد تأثيرًا، ولهذا لو أن أحدًا في هذا اليوم قام يخطب الناس أو يعظ الناس فيما يتعلق بالصيام أو بالحج هل يكون له تأثير كما لو فعل ذلك في أيام الصيام أو الحج؟ الجواب: لا، وإنما كل شيء في مناسبته له تأثير أكثر وأبلغ.
ومن فوائد هذا الحديث: عظم هذا البيع الذي بين الرسول تحريمه؛ لأن نسبة التحريم إلى الله يدل على العناية به، ولأن نسبة التحريم إلى الله أشد وقعًا على المؤمن مما لو قيل لا تبع كذا لو قال لا تبع الخمر والخنزير والأصنام لا شك أن المؤمن يتأثر بهذا ولكن لو قال: "إن الله حرم" هذا يكون أشد وأبلغ في النفس.
ومنها أيضًا: هذه الصيغة كما أنها أبلغ من حيث إنها نسبت إلى الله عز وجل فهي أبلغ من حيث إنه صرح فيها بالتحريم: "إن الله حرم"، لو كان نهيًا هكذا "لا تبيعوا" لادعى مدي أن النهي للكراهة لكن بعد أن قال: "إن الله حرم" لا يمكن دعوى الكراهة بل هي نص في التحريم.
ومن فوائد الحديث: تحريم الخمر والميتة والخنزير والأصنام؛ لأن ما حرم بيعه فهو محرم ثمنه، أي: ثمنه المقابل لهذا الشيء المحرّم، فانتبهوا لهذا القيد لأجل ألَّا يرد علينا أن الحمار حرام وبيعه حلال بالإجماع، لكن لو اشترى الحمار ليأكله صار حرامًا، ولهذا نقول: إن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه إذا كان الثمن مقابل هذا الشيء المحرم.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 467)

ومن فوائد الحديث: حرص الشرع على حماية العقول والأبدان والأخلاق والأديان والأموال، وكما قال بعض الإخوان: الفرد والمجتمع لأن هذه الأشياء حرام حتى وإن لم يكن في المكان إلا رجل واحد فهي حرام.
وظاهر الحديث: أن الخمر بيعه حرام مطلقًا، فهل يستثنى من ذلك شيء؟ لا يستثنى من ذلك شيء حتى وإن كان بيع خمر من مسلم لكافر فإنه لا يجوز من كافر لمسلم من باب أولى، أمَّا من كافر لكافر فيصح بناء على ما يعتقدونه، ولهذا لما ذكر لأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أنهم كانوا يأخذون الخراج من الخمر ثم يبيعونه عليهم نهاهم عن ذلك وقال: "ولُّوهم بيعها وخذوا أثمانها"، يعني: اجعلوهم هم يبيعونها وهذا يدل على أن بيعها صحيح، ولولا ذلك ما صحَّ أن نأخذ ثمنه؛ لأن ثمن ما كان بيعه محرمًا محرم وفيه - أي: في قول عمر - فائدة عظيمة وهي أن من عامل بمعاملة يعتقد حلها وأنت تعتقد تحريمها فإن ما تأخذه منه حلال وجائز، لو اشترى شيئًا تعتقد أن هذا الشراء حرام وأن الملك لم ينتقل به يجوز أن تشتري منه أنت، لماذا؟ لأنه يعتقد حلَّه، وهكذا كل الأشياء الخلافية إذا وقعت ممن يعتقد حلها وليس هناك نص في التحريم بحيث لا يسوغ له أن يجتهد، فإن كل إنسان يعامل بما يقتضيه رأيه مثلًا لو وجدنا واحدًا يشرب الدخان وهو يعتقد حل شرب الدخان فلا يسوغ لي أن أنكر عليه ما دام يعتقد أنه حلال، لو رأيت رجلًا أكل لحم إبل وملأ بطنه ثم قام يصلي بلا وضوء وهو يعتقد أنه لا يجب الوضوء من لحم الإبل فلا أنكر عليه، والصلاة بغير وضوء أعظم من شرب الدخان، حتى إن أبا حنيفة رحمه الله في مذهبه أنَّ من صلى محدثًا فهو كافر؛ لأنه مستهزئ بآيات الله، ومع ذلك إذا كان هو يرى أنه لا ينقض الوضوء فلا ننكر عليه، وأثر عمر هذا رضي الله عنه هو الأصل في هذا، فلو أكلت لحمًا أنا ورجل من الشافعية وهم يرون أن لحم الإبل لا ينقض الوضوء وقمنا للصلاة فتوضأت وهو لم يتوضأ هل أقول له: يا أخي، اتق الله هذا حرام، وأنكر عليه؟ لا، ما رأيكم فيمن يصلي بغير وضوء فهذا ينكر عليه، لماذا لا أنكر على هذا؟ لأنه يعتقد أنه على وضوء وأنه ليس حرامًا عليه أن يصلي، نفس الأشياء الأخرى الشيء الذي فيه الخلاف وليس فيه نص يمنع الإنسان من الاجتهاد فيما يذهب إليه لا ينكر عليه، لأنه يقول: أنت تعتقد أنه حرام، وأنا لا أعتقد أنه حرام، فقولك ليس حجة علي وقولي ليس حجة عليك.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 468)

إذن أنا ربما أقول: إذا أنكرت عليّ فعله وقلت: إنه حرام - أنا أيضًا أنكر عليك أقول: لماذا تحرمه والأصل الحل؟ لماذا تمنع عباد الله مما خلق الله؟ فمشكلة هذه أننا نحن الآن هنا في السعودية لا أحد من علمائنا فيما أعلم يقول: إن الدخان حلال، وعلى هذا فلو جاء عاميّ يقول: أنا والله أقلد ناسًا آخرين خارج المملكة لا يحرمونه لا نقره على ذلك؛ لأن العامي ليس أهلًا للاجتهاد، لكن لو يأتي واحد طالب علم من بلاد أخرى يقول: أنا ما تبين لي التحريم فلا ننكر عليه؛ لأنه ليس عندنا نص يقول: إن الدُّخان حرام، تحريمه داخل في عمومات، والرسول صلى الله عليه وسلم لما نهى عن أكل البصل قال الصحابة: إنها حرَّمت أنها حرمت، فقال: "إنه ليس لي تحريم ما أحل الله"، عمر رضي الله عنه لما قالوا: إنهم يأخذون من أهل الذمة الخراج أو الجزية يأخذون خمرًا ويبيعونه ويدخلون ثمنه في بيت المال نهاهم قال: ولُّوهم بيعها وخذوا أثمانها، بيع الخمر بالنسبة للمسلمين حرام، أمَّا بالنسبة للذمي حلال، اجعلوهم يبيعون الخمر؛ لأنهم يعتقدون حلها وخذوا أثمانها منهم مع أني الآن أعلم أن هذا الرجل باع الخمر وأخذت الثمن -ثمن الخمر -وجعلته في بيت المال يقاس على الخمر ما يشبهه أو أشد ضررًا منه مثل الأفيون والحشيش والمخدرات، وهل يقاس عليه الدُّخان أو لا؟ هو لا يسكر وأظنه أيضًا لا يخدر لكنه يدخل فيما يأتي في بيع الميتة أو الخنزير لكنه في بيع الميتة ألصق.

‌‌تحريم بيع الميتة مثل الدخان والدم:
قال: "والميتة"، يعني: حرم بيع الميتة، وهذا كما نعلم لفظ عام؛ لأنه مفرد محلى بـ "أل"، والأصل في المفرد المحلى بـ "أل" أنه للاستغراق، عام لأنه لا يخرج عن الاستغراق إلا بدليل مثل أن يكون للعهد، أو لبيان الحقيقة.
إذن فكل ميتة فبيعها حرام، إذن لدينا عمومات عموم لجميع الميتات حيث قلنا "كل ميتة بيعها حرام" وعموم الميتة نفسها حيث قلنا: "كل الميتة بيعها حرام"، أما الأول وهو العموم في أعيان الميتات فهذا يستثنى منه شيء يستثنى منه ما كان ميتته حلالًا، مثل: السمك والجراد فإن بيعها حلال.
فإن قال قائل: أين الدليل على إخراج هذا من العموم؟
قلنا: الدليل: أولًا: السُّنة، وثانيًا: المعنى، أما السُّنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سياق هذا الحديث: "إن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه"، فعلم من هذا التعليل أن الميتة التي يحرم بيعها هي

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 469)

الميتة المحرمة؛ لقوله: "إن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه"، أما المعنى: فنقول: إنما حرم بيع الميتة لأنه لا ينتفع بها، والميتة الحلال ينتفع بها، وما كان منتفعًا به على وجه حلال فإن الشرع لا يمكن أن يمنع بيعه لما في ذلك من الحجر على الناس في تعميم الانتفاع به؛ لأنَّا لو قلنا: هذا الشيء الحلال لا يجوز بيعه معناه: أننا حجرنا على الناس في تعميم الانتفاع به فصار لا ينتفع به إلا من كان بيده أو إذا ما أعطاه على سبيل الهدية والصدقة وما أشبه ذلك. صار يستثنى من هذا أي شيء؟ الميتة الحلال كالسمك والجراد، وقد عرفتم الدليل والتعليل في ذلك.
العموم الثاني: قولنا: "كل الميتة"، أي: كل أجزاء الميتة حرام بيعها هذا أيضًا ليس على عمومه؛ لأنه يستثنى منه ما لا تحله الحياة، فبيعه حلال بالاتفاق كالشعر والوبر والصوف والريش هذا بيعه حلال بالاتفاق؛ لأنه لا يدخل في مسمى الميتة، ولهذا يجزَّ وينتفع: {ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثًا ومتاعًا إلى حين} [النحل: 80]. ولو كان من الميتة لكان إذا جزّ لا ينتفع به؛ لأن ما أبين من حي فهو كميتته.
إذن يستثنى من الميتة ما لا تحله الحياة؛ كالشعر والوبر والصوف والريش، هذه الأربعة ما الفرق بينها؟ الصوف للضأن، والوبر للإبل، والشعر للمعز، والبقر والريش للطير، هذه يجوز بيعها فإذا ماتت البهيمة مثلًا وجز الإنسان صوفها أو شعرها أو وبرها فله بيعه، وكذلك لو قص ريشها فله بيعه بالاتفاق؛ لأن الحياة لا تحله، وهل تباع الأظلاف؟ الأظلاف للبهيمة التي بمنزلة الأظفار للإنسان هل تباع؟ الظاهر أنها من جنس الظفر بعضها تحله الحياة وتتألم به وبعضها لا، فما لا تحله الحياة كالظفر فإنه يجوز بيعه إن انتفع به، وإن لم ينتفع به منع من بيعه لا لأنه جزء ميتة، ولكن لأن في بذل المال فيه إضاعة للمال.
عظام الميتة تحل بيعها؛ لأنها تدخل في عموم قوله: "الميتة" واختار شيخ الإسلام رحمه الله جواز بيع العظام معللًا ذلك بأن الحياة لا تحل العظم، لأنه ليس فيه دم؛ ومدار تحريم الميتة على الدم، ولهذا إذا كان الحيوان مما لا دم فيه فعظم ميتته طاهرة وما ليس فيه دم فإن ميتته طاهرة.
قال: إذن فالعظام طاهرة، وإذا كانت طاهرة جاز بيعها، لكن جمهور أهل العلم على خلاف قوله وهو الأقرب من لفظ الحديث؛ لأن الميتة في الواقع إذا قيل "ميتة" فلا يتبادر إلى الذهن إلا أن لفظ شامل لكل الميتة، وقول شيخ الإسلام: إن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما حرم من الميتة أكلها والعظام لا تؤكل. جوابه أن يقال: بل قد تؤكل.
هل يشمل هذا الحكم الجلد - جلد الميتة - أو لا؟ نقول: الحديث يشمله؛ لأن الجلد جزء من الميتة تحله الحياة، إذن فلا يجوز بيع جلد الميتة وإن سلخ وانفصل منها؛ لأنه جزء منها،

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 470)

فكما لا يجوز أن أبيع يدها أو رجلها إذا قطعتها فلا يجوز أن أبيع جلدها إذا سلختها، وهل يشمل هذا ما إذا دبغ الجلد؟ يقول بعض العلماء: إنه يشمل ما إذا دبغ، وهذا مبني على أنه لا يطهر بالدباغ وعلى أنه لا ينتفع به إلا في الشيء اليابس، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، والصحيح أنه يطهر بالدبغ، وأنه ينتفع به في اليابسات والمائعات؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مر بشاة يجرونها ميتة فقال: "هلَّا أخذتم إهابها فانتفعتم به". قالوا: إنها ميتة. قال: "يطهرها الماء والقرظ" وقال: "دباغ جلود الميتة ذكاتها"، وهذا يدل على أن الدبغ يطهرها ويجعلها حلًّا حيث شبهها بالذكاة، شبه الدباغ بالذكاة، وعلى هذا القول يجوز بيعه بعد الدبغ؛ لأنه عين مباحة النفع على وجه عام شامل فيباح بيعه بعد الدبغ.
هل يباح بيع جلود السباع بعد دبغها؟ هذا ينبني على أن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" هل يشمل ما لا تبيحه الذكاة كالسباع أو يختص بما تبيحه الذكاة لقوله: "دباغ جلود الميتة ذكاتها" وفيه خلاف بين العلماء أيضًا، لكن إذا قلنا بان جلود السباع تطهر بالدبغ فإنه يجوز بيعه كجلود الميتة.
لو قال قائل: إذا قلتم إنه يطهر بالدبغ، فقولوا: يجوز بيعه قبل الدبغ كما تقولون بجواز بيعه؛ لأنه يمكن أن يطهر وينتفع به، فاجعلوا جلد الميتة قبل الدبغ كالثوب المتنجس، وقولوا: يجوز بيعه لمن يريد أن يدبغه ويطهره؛ لأنه قد يكون هذا صاحب الشاة التي ماتت وسلخ جلدها قد لا يكون عنده ما يدبغ به الجلد، ويأتي إنسان آخر يقول: أنا أشتريه وأدبغه فهل تجيزون ذلك؟
الجواب: لا، والقياس نقول: لا يصح القياس؛ لأن هذا الجلد جزء من الميتة فنجاسته عينية أصلية، فلا يمكن أن نجيز بيعه حتى يخرج عن حكم الميتة، أما الثوب المتنجس فالنجاسة طارئة عليه وأصله طاهر ليس جزءًا من ميتة أو جزءًا من نجس بل أصله طاهر، فلهذا أجزنا بيعه قبل غسله، إذن الميتة فيها عمومان من حيث الميتات وأنواعها، ومن حيث أجزاء الميتة، تقدير العموم الأول: أن نقول: بيع كل ميتة، وتقدير العموم الثاني: بيع كل الميتة، وعرفنا الآن ما الذي يستثنى من ذلك.
ولو قال قائل: لو اضطر إنسان إلى بيع ميتة هل يجوز بيعها عليه؟ الجواب: لا للعموم، ولأنه عند الضرورة يجب أن يبذل له ما يدفع ضرورته حتى وإن كانت مذكاة، فإن أبى صاحب الميتة أن يعطي المضطر إلا ببيع فليدفع له والإثم على البائع.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 471)

والقرون يجوز بيعها؟ مثل الظفر الذي انفصلت عن الحياة لا يجوز وما لا فلا، يقاس على الميتة ما كان ضارًّا بالبدن، فكل ما يضر بالبدن فإنه يدخل في حكم الميتة مثل الدخان؛ لأنه مضر، ولا شك في ضرره فيحرم بيعه، وإذا حرم بيعه حرم تأجير المحلات لمن يبيعه؛ لأن هذا إعانة على الإثم والعدوان، وقد قال الله تعالى: {وتعاونوا على البِّر والتَّقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدان} [المائدة: 2]. وحرم أيضًا إعانة شاربه على حصوله لأي سبب، وبناء عليه لو قال الأب لابنه: خذ يا بني هذه العشرة ريالات واشتر لي علبة دخان يلزمه طاعته؟ لا يلزمه، ويحرم عليه؛ لأن الله تعالى قال: {وإن جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علمٌ فلا تطعهما} [لقمان: 15]. إذا قال له: اشتر لي وإلا طلقت أمك هل هذا ضرورة؟ الظاهر أنه ضرورة؛ لأنه ربما يتجرأ هذا الغشيم -الأب- ويطلق الأم وقد تكون هذه آخر التطليقات فتنفصم عرى الأسرة.
المهم: إذا دعت الضرورة إلى ذلك فهو كغيره من المحرمات التي تبيحها الضرورة، أما إذا لم يكن ضرورة فإنه يجب عليه أن يعصي والده في ذلك، فإن قال: أفلا أعد عاقًّا إذا كان والدي لا يستطيع أن يخرج إلى السوق ويشتري لمرض أو كبر؟ فالجواب: أنه لا يعد عاقًّا لوالديه.
وهل يقاس على الميتة السُّم؟ إن اشترى للمضرة فهو حرام، كذا وإن اشترى للمنفعة فهو حلال، ومن ذلك المبيدات التي تشتري لأمراض الأعشاب والزهور وما أشبهها، فنقول: هذه الأشياء إذا كان لا يمكن الانتفاع بها إلا على سبيل المضرة فبيعها حرام وإلا فبيعها حلال؛ لأن فيها منفعة. والدم هل يجوز بيعه أو لا؟ بيع الدم حرام سواء بيع للأكل أو الشرب أو الحقن لا يجوز بيعه، في الأكل كيف ذلك يمكن أن يكون جامدًا ويأكله الإنسان أكلًا أو يشربه شربًا إذا كان ساخنًا حقنًا إذا كان مريضًا يحتاج إلى حقن دم، نقول: بيعه حرام.
فإن قال قائل: أليس الدم يجوز عند الضرورة؟
قلنا: أوليس الميتة تجوز عند الضرورة؟ فسيقول: بلى في المسألتين، نقول: إذا كانت الميتة تباح للضرورة ومنع الشارع بيعها فكذلك الدم لا يجوز، فإن اضطر إنسان إليه ولم يجد من يبذله له إلا بعوض فالإثم على البائع، أما هو فيجوز أن يدفع ضرورته بذلك وهذا على أي دم: دم الإنسان دم البهيمة.

‌‌تحريم بيع الأصنام وما يلحق بها من الكتب المضلة والمجلات الخليعة:
الأصنام قلنا: إن كل ما اتُّخذ ليعبد من دون الله فهو صنم، سواء على صورة إنسان أو شجر أو حجر أو غير ذلك، وذكرنا في أثناء الشرح أن العلة في ذلك حماية الأديان وعلى هذا نقول: الأصنام يحرم بيعها، لكن لو أراد شخص أن يصنع صنمًا لمن يعبد الأصنام مثل أن يصنع صورة بوذا لمن يعبده نقول: هذا حرام لا يجوز بيعه حتى على من يعبده؛ لأن عادة

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 472)

الأصنام ما أحلت بأي شريعة كانت، كل الشرائع تحارب الشرك، ليس هناك شريعة أنزلها الله عز وجل تبيح الأصنام، فإن اشتريت الأصنام لتكسر وينتفع بموادها فظاهر الحديث أن ذلك حرام، ويحتمل أنه ليس بحرام؛ لأنه ليس المقصود من الشراء هنا شيئًا محرمًا؛ إنما المقصود شيئًا مباحًا، ومثل ذلك لو اشتراها ليتلفها فإن هذا لا بأس به بشرط أن يعلن ذلك حتى لا يظن أحدٌ أنه اشتراها من أجل الانتفاع بها على وجه محرم، إذن يستثنى من الأصنام شيئان: الشيء الأول: إذا كانت مادتها ينتفع فاشتراها ليكسرها وينتفع بمادتها كما لو كانت من حديد أو خشب يصلح أن يكون ألواحًا أو أبوابًا أو ما أشبه ذلك.
ثانيًا: إذا اشتراها ليتلفها يعني: هو لا ينتفع بمادتها لكن اشتراها ليتلفها فهذا لا بأس به، بشرط أن يبين ذلك ويظهره لئلا يتخذ ذريعة إلى جواز بيعها، ويقاس على ذلك.
من فوائد الحديث أيضًا: أنه يحرم بيع الكتب المضلة الداعية للبدع أيًّا كانت إلا إذا اشتراها ليعرف ما فيها من بدع ثم يرد عليها، فهذا لا بأس به إذا كان لا يتوصل إلى ذلك إلا بالشراء، كما لو اشترى الأصنام من أجل إتلافها ولا يتوصل إلى إتلافها إلا بذلك، ويقاس على ما سبق من بيع الخمر والأصنام، أيضا لا يجوز شراء الكتب المدمرة للأخلاق مثل المجلات والصحف التي تشتمل على صور خليعة مغرية مفسدة للأخلاق، فإن شراءها لا يجوز وبيعها حرام، فإن اشتراها لإتلافها ولا يتمكن من إتلافها إلا عن طريق الشراء فلا بأس؛ لأن هذا لا يقصد به اقتناؤها، وإنما يقصد به إتلافها وإزالتها، وكل شيء ذكرناه من الأصنام وغيرها مما قلنا يجوز شراؤه لإتلافه وهذا إذا لم يتمكن من إتلافه بغير الشراء، فإن تمكن فإن شراءها إضاعة مال ولا يجوز له أن يشتريها في هذه الحال.
ومن فوائد الحديث: حماية الإسلام للعقول والأبدان والأخلاق والأديان والأموال والفرد والمجتمع والفطر؛ لأن كل هذا تفسد ما ذكر، فإذا حرم الشارع بيعها فإنما ذلك لحماية هذه الأمور التي لا بد للمجتمع من حمايتها.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز تأجير المحلات لمن يبيعون هذه الأشياء، من أين يؤخذ؟ من أن الإعانة على المحرم حرام؛ لقوله تعالى: {ولا تعاونوا على الإثم والعدان} [المائدة: 2]. فلا يجوز أن يؤجر الإنسان بيته لبائع الخمر أو لبائع الخنزير أو لبائع الأصنام أو لبائع المجلات الخليعة أو لبائع الكتب المنحرفة، وما أشبه ذلك؛ لأن هذا من باب التعاون على الإثم والعدوان.
ومن فوائد الحديث: فقه الصحابة رضي الله عنهم وذلك من قولهم: "أرأيت شحوم الميتة؟ … إلخ"، وجه ذلك: أنهم أرادوا أن يجعلوا من الانتفاع بهذه الأشياء -هذا الانتفاع المباح- سببًا لحل بيعها؛ لأنه يتوصل بيعها إلى شيء مباح وهو طلي السفن ودهن الجلود والاستصباح.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 473)

ومنه أيضًا -من فوائد الحديث-: أن الشرع يأتي بما فوق العقل، بمعنى: أن العقل قد يدرك الشيء على وجه ناقص فيأتي الشرع ويكمله، وجه هذا: أن الصحابة قالوا: إذا كانت هذه الشحوم تطلى بها السفن وتدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فهذا يقتضي جواز بيعها لتحصيل هذه المنافع، ولكن الشرع أقوى من ذلك وأعمق؛ حيث منع منها الرسول صلى الله عليه وسلم مطلقًا لما في ذلك من الحماية التامة؛ لأنه لو أجيز بيع الشحوم لهذه الأغراض لتوصل الناس إلى شيء آخر ولقالوا: إذن يجوز بيع لحوم الخنزير لهذا الغرض، لكن الرسول بيّن أن هذا ممنوع.
ومن فوائد الحديث: جواز طلي السفن بشحوم الميتة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقرهم على ذلك.
ومن فوائد الحديث أيضًا: جواز الاستصباح بشحوم الميتة، لكن قال أهل العلم: إنه لا يجوز أن يستصبح بها في المساجد، وهذا القول مبني على أن النجاسة لا تطهر بالاستحالة؛ لأن دخان النجاسة نجس، أما على القول بأنها تطهر بالاستحالة فإن دخانها طاهر، وحينئذٍ لا مانع من أن يستصبح بها في المساجد.
ومن فوائد الحديث: جواز الانتفاع بالنجس على وجه لا يتعدى لقوله هنا: "فإنها تطلى بها السفن"، فإن كان على وجه يتعدى مثل أن يستعمل النجس على ثوبه أو بدنه ويذهب إلى الصلاة، فإن هذا لا يجوز، أو يستعمل النجس في أكله وشربه فإن هذا لا يجوز؛ لأن التغذي بالنجاسة لا يجوز.
هل يستفاد منه: جواز استعمال الكحول على وجه لا يتعدى كما لو ادهن بها أو ما أشبه ذلك؟ نعم، قد يقال بذلك، وقد يقال: إن عموم قوله: {فاجتنبوه} [المائدة: 90]. يدل على أنه لا يستعمل لا شربًا ولا دهانًا.
ومن فوائد الحديث: جواز الدعاء على الأمة إذا عملت ما يكون معصية على سبيل العموم؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "قاتل الله اليهود"، فيجوز لك أن تقول: قاتل الله أهل هذا البلد إذا كانوا يتعاملون معاملة سيئة أو يفعلون معصية تدعو عليهم بأن يقاتلهم الله، وسبق معنى المقاتلة.
ومن فوائد الحديث: أن اليهود أصحاب مكر وخديعة؛ لأن الله لما حرم عليهم الشحوم صاروا يذيبونها ثم يبيعونها ويأكلوا ثمنها.
ومن فوائده: أن من تحيل على محارم الله من هذه الأمة ففيه شبه من اليهود، فيكن التحيل حرامًا؛ لأنه تحيل على المعصية، ولأن فيه مشابهة لمن؟ لليهود.
ومن فوائد الحديث: أن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه، وبناء على ذلك فإن ما ذكرناه قبل قليل من شراء الأصنام لإتلافها أو الكتب المنحرفة لإتلافها يكون الثمن حرامًا على البائع لماذا؟ لأن هذا حرام عليه فيحرم عليه ثمنه.

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 474)

ومن فوائد الحديث: جواز تصرفات الكفار المالية لقوله: "ثم باعوه فأكلوا ثمنه"، فإن هذا البيع إذا قال: "أكلوا ثمنه" يدل على أن هذا البيع صح؛ إذ لا يحل الثمن إلا بعد صحة البيع. وهذه الفائدة فيها شيء من القلق لكن قد يوحي قوله: "ثم باعوه" على جواز تصرف الكفار، وهذا أمر لا شك فيه، يعني: من حيث الجملة، لكن هل هذا الحديث يدل عليه هذا هو محل قلق في النفس، وأما جواز تصرف الكفار ومعاملاتهم فهذا شيء معروف.
ومنها: جواز استعمال "أرأيت" في مخاطبة الرؤساء وذي الشرف والجاه لقول الصحابة: "أرأيت شحوم الميتة؟ "، ولا يقال: إن هذا سوء أدب في الخطاب؛ لأن الصحابة -وهم أكمل الناس أدبًا- خاطبوا به من هو أعظم الناس في وجوب التأدب معه، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم.
ومنها: جواز توكيد الحكم لقوله: "لا، هو حرام"، فإن قوله: "هو حرام" تأكيد لقوله: "لا"؛ إذ لو اقتصر على قوله: "لا" لكفى، وقد يقال: إنه لا يكفي؛ لأن النفي قد يكون للكراهة لا للتحريم، وبناء على ذلك تكون الجملة -"هو حرام"- تأسيسية لا توكيدية.
750 - وعن ابن مسعودٍ رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا اختلف المتبايعان وليس بينهما بيِّنةٌ، فالقول ما يقول ربُّ السِّلعة أو يتتاركان". رواه الخمسة، وصحَّحه الحاكم.
قوله: "إذا اختلف المتبايعان وليس بينهما بينة"، المتبايعان هما: البائع والمشتري، وأطلق عليهما اسم المتبايعين من باب التغليب على أننا نقول: البائع بائع، والمشتري مبتاع.
وقوله: "وليس بينهما بينة"، البيِّنة: ما يبين الحق ويوضحه وهي في الأموال: رجل وامرأتان أو رجلان أو رجل ويمين المدعي.
وقوله: "فالقول ما يقول رب السلعة"، من هو رب السلعة؟ فسرت ذلك في لفظ آخر وهو البائع وتفسيره يرد قول من يقول: إن المراد برب السلعة: المشتري؛ لأن مالك السلعة عند الاختلاف هو المشتري وليس البائع؛ لأن البائع قد باعه وانتقل ملكه عنه، ولكن تفسير اللفظ الثاني يأبى هذا المعنى، ويكون المراد برب السلعة: البائع على كل حال، وظاهر الحديث: أن هذا عام في جميع الاختلافات سواء كان البائع هو المدعي أو كان المشتري هو المدعي، وحينئذٍ يكون بينه وبين قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "البينة على المدعي واليمين على المدعي عليه" يكون بينهما

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 475)

عموم وخصوص من وجه، وجه ذلك: أن الحديث "البينة على المدعي" يعم كل السلع ويخص اليمين بالمدعى عليه، وأن هذا الذي معنا يختص بالمتبايعين ويعم كل اختلاف بينهما، إذن هنا عموم وخصوص، فإذا اتفقا في صورة ما فلا إشكال؛ يعني: بأن كان البائع هو المدعى عليه، فإذا كان البائع هو المدعى عليه فالقول قوله بيمينه على الحديثين، هذا والذي أشرنا إليه من قبل، وصورة ذلك: أن يقول المشتري للبائع: إنك قد اشترطت عليّ أن الشاة ذات لبن! فقال البائع: ما اشترطت عليك، فهنا القول قول البائع أنه لم يشترط على الحديثين جميعًا، يعني: على مقتضى هذا الحديث وعلى مقتضى البينة على المدعي، واليمين على المدعي عليه؛ لأن المدعي عليه الآن، هو البائع، وهنا يكون القول ما قال رب السلعة وهو البائع، فإذا اتفق مدلول الحديثين في صورة ما فالأمر واضح أن القول قول البائع، لكن المشكل إذا اختلفا مثل أن يقول البائع: قد بعتها عليك بعشرة، فيقول المشتري: بل بثمانية، فهنا البائع هو المدعي؛ لأنهما اتفقا على الثمانية واختلفا في الزائد في العشرة وما فوق بثمانية زائد، فالقول به دعوى، فهل نقول: القول قول البائع، أو نقول: القول قول المشتري؛ لأنه مدعى عليه؟ فيه خلاف؛ منهم من رجح اليمين على المدعى عليه، وقال: هنا المشتري مدعىٍ عليه؛ لأنه قد ادعى عليه أن الثمن عشرة فيكون القول قوله، ويحلف أنها ليست بعشرة وتكون له، ومنهم من يقول: بل القول قول البائع؛ لأن المشتري مدعٍ. ما وجه كونه مدعيًا. قالوا: لأنه ادعى أن البائع أخرجها من ملكه بثمانية، والأصل بقاء ملك البائع، فالبائع يقول: ما بعت إلا بعشرة، وهذا يقول: بعت بثمانية، إذن هو مدعٍ، وحينئذٍ يصدق الحديثان في هذه الصورة؛ لأن قولنا: القول قول البائع على حسب هذا الحديث، وعلى حسب حديث: "البينة على المدعي"، ولكن العلماء اختلفوا في هذه المسألة؛ فمنهم من قال: القول قول البائع بمقتضى هذا الحديث وقال: إن معنى حديث: "البينة على المدعي … إلخ" يطابق هذا الحكم؛ لأن المشتري يدعي أن البائع أخرجه من ملكه بثمانية، والبائع ينكر، والأصل بقاء الملك -ملك البائع- فيكون القول قول البائع كما سيأتي.
ومن العلماء من قال: إن القول قول المشتري؛ لأنهما اتفقا على البيع واتفقا على ثمانية واختلفا فيما زاد على الثمانية، فالمشتري يدعيها والبائع ينفيها، فالبينة على المدعي، فيقال للبائع هات البينة وإلا فليس لك إلا ثمانية.
ومنهم من قال: بل يتحالفان، وهذا هو المذهب، قالوا: لأن كل واحد منهما مدعٍ ومدعى عليه؛ فجمعوا بين القولين. وقالوا: إن البائع مدعٍ والمشتري مدعٍ أيضًا، والبائع مدعى عليه

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 476)

والمشتري مدعى عليه، إذن كيف نعمل؟ قالوا: يتحالفان، فيحلف البائع أولًا ما بعته بثمانية وإنما بعته بعشرة، فإن رضي المشتري ثبت ما قال البائع، وإن لم يرض حلف المشتري ويقول: والله ما اشتريته بعشرة وإنما اشتريته بثمانية، وبعد التحالف يفسخ البيع وترد السلعة إلى ربها والثمن إلى ربه.
هذا الحديث لو نظرنا إلى عمومه لقلنا: كل اختلاف يقع بين المتبايعين فالقول قول البائع، فإن لم يحلف ترادَّا البيع، يعني: فسخاه، ولكن هذا الحديث ليس على هذا الإطلاق باتفاق العلماء، فإن العلماء لم يتفقوا على أن القول قول البائع في كل صورة، بل اتفقوا على أنه ليس القول قول البائع في كل صورة، وأن من الصور ما لا يمكن فيه قبول قول البائع بالاتفاق، ومن الصور ما القول فيه قول المشتري بالاتفاق، إذن صار هذا الحديث ليس على إطلاقه، وإنما يرجع فيه إلى الحديث الأصل وهو: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر"، ثم إذا كان كل منهما مدعيًا ومدعى عليه فإننا نجري ما قاله الفقهاء رحمهم الله بأن نحلِّف كل واحد منهما على نفي دعوى صاحبه، وإثبات دعواه، وإذا وقع التحالف فلكل واحد منهما الفسخ، وإذا اختلف في عين، فقال المشتري: إني اشتريته وهو معيب، وقال البائع: بل اشتريته سليمًا من العيب، فمن القول قوله؟ هذا الحديث يدل على أن القول قول البائع، وهو كذلك مطابق للأصول؛ لأن الأصل عدم العيب، والأصل سلامة المبيع. وقال بعض الفقهاء: إن القول قول المشتري وهو المذهب، وإذا اختلفا في حدوث العيب فالقول للمشتري، لماذا؟ قالوا: لأن الأصل عدم قبض الجزء الفائت بالعيب، لأن العيب نقص في المبيع، والأصل عدم قبض هذا الجزء الفائت بالعيب، فإذا ادعاه المشتري وقال: ما قضيت هذا الجزء الفائت بالعيب فالقول قوله، لكن هذه العلة عليلة جدًّا؛ لأن كون الأصل سلامة البيع أقوى مما قالوه رحمهم الله هذا ما لم يكن هناك بينة على قول أحدهما كما لو كان العيب أصبعًا زائدًا، فهنا القول قول المشتري؛ لأن الزائد لا ينبت يكون من أصل الخلقة، أو كان العيب جرحًا طريًّا يثعب دمًا، والبيع له أربعة أيام، فهنا القول قول البائع؛ لأنه لا يمكن أن يبقى الجرح يثعب دمًا لمدة أربعة أيام، ولكن القول الصحيح: أن القول قول البائع؛ لما ذكرناه من أن الأصل سلامة المبيع، فإن اتفقا على أن العيب عند البائع وقال البائع: قد اشترطته عليك، وقال المشتري: لم تشترطه، فما هو الأصل؟ ننظر أولًا هل اتفقا على العيب؟ قال البائع: نعم، صحيح به عيب، لكنني اشترطت عليك. وقال المشتري: لم تشترطه علي ولا بينته، فالقول قول المشتري؛ لأن الأصل عدم الشرط إلا إذا وجدت قرينة قوية تشهد للبائع بأن يكون البائع معروفًا بالصدق وحسن المعاملة، وأنه لا يمكن أن يكتمه عليه، وأن المشتري معروف بسوء المعاملة أو قرينة أخرى

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 477)

مثل: أن يكون قد باع عليه هذا الشيء والقيمة مرتفعة ورضي بالعيب، ولما نزلت القيمة ادعى أنه لم يشترطه عليه من أجل أن يرد البيع فهذه أيضًا قرينة، لكن إذا خلت المسألة من القرينة فإن القول قول المشتري؛ لأن الأصل عدم الشرط.
ومن فوائد الحديث: العمل بالبينة، وهل البينة معينة بالنوع أو عامة لكل ما يبين الحق؟ الصحيح: أنها عامة لكل ما يبين الحق، والمذهب: أنها في الأموال رجلان أو رجل وامرأتان أو رجل ويمين المدعي، ولكن الصواب أن البينة: اسمٌ لما يبين الحق ويوضحه بأي وسيلة كانت.
ومن فوائد الحديث: جواز وصف الإنسان بالرب؛ لقوله: "رب السلعة"، وهذا جائز، وقد جاءت أحاديث كثيرة في هذا المعنى، منها قوله صلى الله عليه وسلم في علامات الساعة في رواية للبخاري: "أن تلد الأمة ربها"، وكذلك في اللقطة: "حتى يجدها ربُّها"، فوصف الإنسان بالرب لما يملكه جائز ولا بأس به، لكن من المعلوم أنه لا يجوز أن يقول: فلان رب كل شيء؛ لأن هذا وصف خاص بالله فلا يجوز أن يطلق على بشر، كما لا يجوز أن يقول: قاضي القضاة، وملك الملوك وما أشبه ذلك.
ومن فوائد الحديث: الرجوع إلى الأصل والعمل به لقوله: "القول ما قال ربُّ السلعة"؛ لأن الأصل أنه لم يخرج السلعة إلا على قوله هو، فالأصل مثلًا: أني ما بعتها عليك بثمانية، الأصل أني لا أخرج من ملكي إلا ما أرضاه وأنا ما رضيت إلا عشرة، فهذا عمل بالأصل، والعمل بالأصل موجود وله أدلة كثيرة في القرآن وفي السُّنة: أننا نعمل بالأصل وهو أيضًا مقتضى النظر؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان"، ومن أمثلة ذلك: رجل توضأ ثم شك هل أحدث أم لا؟ فالأصل بقاء طهارته، ورجل أحدث ثم شك هل توضأ أم لا؟ فالأصل بقاء حدثه، فلو تيقنت أنك أكلت لحم إبل بعد المغرب ثم شككت هل توضأت أو لا؟ فلا تصلي العشاء إلا بوضوء جديد، ولو توضأت لصلاة المغرب ثم شككت هل انتقض وضوءك أو لا؟ لم يلزمك الوضوء؛ لأن الأصل بقاء الوضوء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل يشكل عليه أخرج منه شيء أو لا قال: "لا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتًا أو يشم ريحًا".
أسئلة:
- ما المراد: بـ"المتابيعان"؟

(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 478)