وحفظ كتاب (التنبيه) في الفقه الشافعي لأبي إسحاق الشيرازي (ت 476 هـ)(1)، وعرضه وشرحه وعمره ثماني عشرة سنة(2)، وما زال يحفظه ويستحضره إلى آخر وقت(3).
ثم أقبل بعد ذلك على تحصيل العلوم بأنواعها، وحفظ متون الأحاديث، ومعرفة الأسانيد، والعِلل ومعرفة الرجال، والتاريخ، وجدّ واجتهد حتى برع فيها(4)؛ وهذا إنْ دلَّ على شيء فإنما يدلّ على همة عالية، وحافظة قوية مميزة، وإرادة تعشق العلم، ورغبة في الاستزادة منه(5).
ولم يتوان ابن كثير عن السعي في طلب العلم وتحصيله في كل مكان، ولما كانت روحه شغوفة بالعلم وحب المعرفة ارتحل إلى الحجاز ومصر، والقدس، وغيرها من المدن والبلدان للقاء العلماء والشيوخ، وحضور مجالسهم؛ فكان أن ظَفِرَ بالسَّماع ونال الإجازات.
وصَاحَبَ شيخيه المزي وابن تيمية، لازمهما، وتعلَّق بهما كثيرًا، وانتفع بكلامهما وعِلْمُهما، واعتنق بعض آرائهما وفتواهما، وعكف على مؤلفاتهما يلخّصها، وأضافها إلى مؤلفاته، وقرأ عليهما كتبه.--------------------------------------------
(1) أبو إسحاق الشيرازي هو: أبو إسحاق إبراهيم بن عليّ بن يوسف الفيروزاباديّ، الشيرازيّ، الشافعي، الفقيه، مدرّس النظامية، قال عنه ابن العماد: "انتهت إليه رئاسة المذهب في الدنيا" مات في عام 476 هـ. البداية والنهاية لابن كثير (13/ 212 - 213)، شذرات الذهب لابن العماد (4/ 45).
(2) إنباء الغمر لابن حجر (1/ 45)، شذرات الذهب لابن العماد (6/ 432)، الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: 53 - 54).
(3) طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (3/ 115) شذرات الذهب لابن العماد (6/ 432)، الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: 54).
(4) طبقات المفسرين للداوودي (1/ 112)، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (3/ 113 - 114).
(5) ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: 119).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)