الأحاديث الواردة في الابتلاء (حسين بن غازي التويجري)القسم: التخريج والأطراف
الكتاب: الأحاديث الواردة في الابتلاء جمعا ودراسة [بحث محكَّم]
المؤلف: أ. د. حسين بن غازي التويجري
الناشر: (الناشر المتميز- الرياض)، (دار النصيحة - المدينة النبوية)
الطبعة: الأولى، 1443 هـ - 2022 م
عدد الصفحات: 92
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 16 رجب 1446
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1)
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة:
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(1)
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}(2)
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}(3)
أما بعد:
فالابتلاء سنة الله في هذه الحياة، قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ--------------------------------------------
(1) سورة آل عمران، (102).
(2) سورة النساء، (1).
(3) سورة الأحزاب، الآيتان (70 - 71).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 5)
وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ}(1)، والابتلاء تتعد صوره، وتتنوع أشكاله: فتارة يكون فيما يحبه الإنسان، وتارة أخرى فيما يكره، فمرة بالخير يكون الابتلاء، ومرة بالشر، قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}(2)، وقد شرع الرسول صلى الله عليه وسلم لكل ابتلاء ما يناسبه، فالابتلاء بالخير والنعماء مما يحبه الإنسان يناسبه الشكر والثناء على الله عز وجل، والابتلاء بالشر، وفيما يكره الإنسان من أمراض وحوادث مؤلمة ونحوها يناسبه الصبر واحتساب الأجر والثواب، وعدم التسخط على قضاء الله وقدره، فَعَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ"(3)، ومن أجل هذا كله ينبغي للمسلم أن يوطن نفسه على هذا، وأنه منذُ جرى عليه قلم التكليف فهو مبتلى بالسراء والضراء، فيبتلى بنعمة الصحة ونعمة البصر والسمع واللسان ونحوها، مبتلى بوجود الوالدين والزوجة والأولاد وغيرها، ومبتلى بضدها من أمراض وفقد للحواس أو بعضها،--------------------------------------------
(1) سورة الملك (2).
(2) سورة الأنبياء (35).
(3) سيأتي تخريجه ح 7
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 6)
وفقد للوالدين، والأودلاد وغيرها، ولأهمية هذا الموضوع حاولت أن أجمع الأحاديث الواردة في الابتلاء ودراستها، وشرحها، وقد اسميت البحث:
الأحاديث الواردة في الابتلاء جمعًا ودراسةً
منهج البحث:
قسمت البحث إلى مقدمة، ومبحثين، وخاتمة:
فالمقدمة ذكرت فيها أهمية هذا البحث، وخطة البحث، والمنهج الذي سرت عليه في جمع أحاديث الموضوع، وطريقة تخريج الأحاديث.
والمبحث الأول: يحتوي على مطالب ثلاثة:
المطلب الأول: تعريف الابتلاء.
المطلب الثاني: ذكر الابتلاء في القرآن الكريم.
المطلب الثالث: من حِكم الابتلاء.
المبحث الثاني: الأحاديث الواردة في الابتلاء، ويحتوي على تسعة عشر مطلبًا:
المطلب الأول: الابتلاء على قدر الإيمان.
المطلب الثاني: البلاء قد يكون سببًا لتكفير السيئات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 7)
المطلب الثالث: السعيد من جنب الفتن، وإذا ابتلي صبر.
المطلب الرابع: تعجيل العقوبة في الدنيا خير من المعاقبة عليها في الآخرة.
المطلب الخامس: مشروعية الرضا بالبلاء وعدم التسخط.
المطلب السادس: حال المؤمن عند الابتلاء بالسراء أو بالضراء.
المطلب السابع: إذا أراد الله بأحد خيرًا أصاب منه.
المطلب الثامن: مواصلة كتابة ثواب الأعمال عند توقفها بسبب الابتلاء.
المطلب التاسع: تنوع البلاء للإنسان فقد يكون في نفسه، أو ماله، أو ولده.
المطلب العاشر: قد يكون البلاء سببًا في وصولك لدرجة عالية في الجنة لاتبلغها بعملك.
المطلب الحادي عشر: الفرق بين بلاء المؤمن والكافر.
المطلب الثاني عشر: مشروعية التعوذ من البلاء.
المطلب الثالث عشر: كثرة الابتلاء في آخر الزمان، مع غلبة ضعف الإيمان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 8)
المطلب الرابع عشر: فضل الدعاء، وأثره على رد البلاء، أو تخفيفه.
المطلب الخامس عشر: مشروعية الهرب من البلاء، وعدم التعرض له.
المطلب السادس عشر: عظم جزاء المبتلين يوم القيامة، وغبطة الناس لهم.
المطلب السابع عشر: مشروعية سؤال الله العافية عند رؤية أصحاب البلاء.
المطلب الثامن عشر: النهي الشديد عن استعجال البلاء.
المطلب التاسع عشر: ذكر بعض البلايا وثواب من صبر عليها:
أولا: فضل الصبر على الحمى.
ثانيًا: فضل الصبر على الصرع.
الثالث: فضل الصبر على فقد الحبيب.
الرابع: فضل الصبر على البنات وتربيتهن.
الخامس: فضل الصبر على فقد البصر.
والخاتمة: ذكرت فيها أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال هذا البحث، ثم وضعت فهرسًا للمصادر والمراجع، وآخر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 9)
للموضوعات.
خطة البحث:
أولًا: جمعت الأحاديث من مصادر السنة المسندة، على الطريقة التالية:
فإن كان الحديث في الصحيحين، أو أحدهما، اكتفيت بالعزو لهما، وربما عزوت إلى السنن الأربعة أو لغيرها من أجل فائدة إسنادية أو متنية.
فإن لم يكن الحديث بالصحيحين أو أحدهما، عزوته لأصحاب السنن الأربعة، مع الحكم عليه، وربما عزوته لغير السنن من أجل فائدة في الإسناد، أو في المتن.
فإن لم يكن في السنن الأربعة أو في أحدها خرجته من بقية الكتب مرتبًا في العزو على سنة الوفاة، مع الحكم عليه، بعد ذكر المتابعات والشواهد إن احتاج الأمر إلى ذلك، ولا أستوعب جميع من أخرج الحديث، طلبًا للاختصار.
أذكر ما وقفت عليه من أحكام أهل العلم على الحديث من غير قصد الاستيعاب.
إذا ثبت حديث الباب فلا أتوسع بذكر الشواهد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 10)
ثانيًا: الترجمة لرجال الإسناد ممن يقتضي المقام الترجمة لهم، على النحو التالي:
أ-إذا كان الراوي من رجال الكتب الستة، فأكتفي بكلام الحافظ ابن حجر في التقريب، ما لم يظهر لي خلافه، فحينئذ أذكر بعضًا من كلام أئمة الجرح والتعديل في تأييد ما ظهر لي من حال هذا الراوي.
ب- إذا لم يكن الراوي من رجال التقريب، فإني أعرَّف به من مظانِّ ترجمته بإيجاز.
ثالثًا: بيان معاني الكلمات الغريبة.
رابعًا: أذكر كلام شراح الحديث في بيان معنى الحديث، وتوجيههم له، وربما ذكرت بعض الفوائد المتعلقة بالحديث.
خامسًا: ضبط الكلمات والأسماء المشكلة.
سادسًا: الالتزام بعلامات الترقيم.
وأسأل الله التوفيق والسداد، وأن يجعل أعمالنا صالحة، ولوجهه خالصة، وهذا وقت البدء بالمقصود، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 11)
المبحث الأول: ويحتوي على ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الابتلاء:
قال ابن فارس: "الباء واللام والواو والياء، أصلان: أحدهما إخلاق الشيء، والثاني نوع من الاختبار، ويحمل عليه الإخبار أيضًا"(1).
وقال الفيومي: "وبلاه الله بخير أو شر يبلوه بلوًا وأبلاه بالألف وابتلاه ابتلاءً بمعنى امتحنه "(2).
قال ابن الأثير: "والابتلاء في الأصل الاختبار والامتحان. "(3).
* * *
المطلب الثاني: ذكر الابتلاء في القرآن (4):
قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ--------------------------------------------
(1) معجم مقاييس اللغة (1/ 292).
(2) المصباح المنير (1/ 62).
(3) النهاية في غريب الحديث (1/ 155).
(4) ذكرت أمثلة على ذلك ومن أراد الاستزادة فليراجع في ذلك كتاب الابتلاء في القرآن الكريم رسالة دكتوراة في جامعة أم القرى لمحمد عبد العزيز الرحالي، فقد أفاد في هذا الباب وأجاده جزاه الله خيرًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 12)
وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}(1)
قال السعدي: "أخبر تعالى أنه لا بد أن يبتلي عباده بالمحن، ليتبين الصادق من الكاذب، والجازع من الصابر، وهذه سنته تعالى في عباده؛ لأن السراء لو استمرت لأهل الإيمان، ولم يحصل معها محنة، لحصل الاختلاط الذي هو فساد، وحكمة الله تقتضي تمييز أهل الخير من أهل الشر، هذه فائدة المحن، لا إزالة ما مع المؤمنين من الإيمان، ولا ردهم عن دينهم، فما كان الله ليضيع إيمان المؤمنين، فأخبر في هذه الآية أنه سيبتلي عباده {بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ} من الأعداء {وَالْجُوعِ} أي: بشيء يسير منهما؛ لأنه لو ابتلاهم بالخوف كله، أو الجوع، لهلكوا، والمحن تمحص لا تهلك.
{وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوَالِ} وهذا يشمل جميع النقص المعتري للأموال من جوائح سماوية، وغرق، وضياع، وأخذ الظلمة للأموال من الملوك الظلمة، وقطاع الطريق وغير ذلك.
{وَالأنْفُسِ} أي: ذهاب الأحباب من الأولاد، والأقارب، والأصحاب، ومن أنواع الأمراض في بدن العبد، أو بدن من يحبه، {وَالثَّمَرَاتِ} أي: الحبوب، وثمار النخيل، والأشجار كلها،--------------------------------------------
(1) سورة البقرة (155).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 13)
والخضر ببرد، أو برد، أو حرق، أو آفة سماوية، من جراد ونحوه.
فهذه الأمور، لا بد أن تقع، لأن العليم الخبير، أخبر بها، فوقعت كما أخبر، فإذا وقعت انقسم الناس قسمين: جازعين وصابرين، فالجازع، حصلت له المصيبتان، فوات المحبوب، وهو وجود هذه المصيبة، وفوات ما هو أعظم منها، وهو الأجر بامتثال أمر الله بالصبر، ففاز بالخسارة والحرمان، ونقص ما معه من الإيمان، وفاته الصبر والرضا والشكران، وحصل له السخط الدال على شدة النقصان.
وأما من وفقه الله للصبر عند وجود هذه المصائب، فحبس نفسه عن التسخط، قولًا وفعلًا واحتسب أجرها عند الله، وعلم أن ما يدركه من الأجر بصبره أعظم من المصيبة التي حصلت له، بل المصيبة تكون نعمة في حقه، لأنها صارت طريقًا لحصول ما هو خير له وأنفع منها، فقد امتثل أمر الله، وفاز بالثواب"(1).
قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}(2)
قال ابن كثير: "أحسبتم أن تدخلوا الجنة ولم تبتلوا بالقتال--------------------------------------------
(1) التفسير ص 75.
(2) سورة آل عمران (142).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 14)
والشدائد، … أي لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تبتلوا ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله والصابرين على مقارنة الأعداء"(1).
وقال السعدي: "هذا استفهام إنكاري، أي: لا تظنوا، ولا يخطر ببالكم أن تدخلوا الجنة من دون مشقة واحتمال المكاره في سبيل الله وابتغاء مرضاته، فإن الجنة أعلى المطالب، وأفضل ما به يتنافس المتنافسون، وكلما عظم المطلوب عظمت وسيلته، والعمل الموصل إليه، فلا يوصل إلى الراحة إلا بترك الراحة، ولا يدرك النعيم إلا بترك النعيم، ولكن مكاره الدنيا التي تصيب العبد في سبيل الله عند توطين النفس لها، وتمرينها عليها ومعرفة ما تؤول إليه، تنقلب عند أرباب البصائر منحًا يسرون بها، ولا يبالون بها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء"(2).
قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}(3)
قال ابن جرير الطبري: "يقول تعالى ذكره: ونختبركم أيها الناس بالشر وهو الشدة نبتليكم بها، وبالخير وهو الرخاء والسعة العافية--------------------------------------------
(1) التفسير (2/ 127).
(2) التفسير ص 150.
(3) سورة الأنبياء (35).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 15)
فنفتنكم به"(1).
قال السعدي: "قال: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} وهذا يشمل سائر نفوس الخلائق، وإن هذا كأس لا بد من شربه وإن طال بالعبد المدى، وعمّر سنين، ولكن الله تعالى أوجد عباده في الدنيا، وأمرهم، ونهاهم، وابتلاهم بالخير والشر، بالغنى والفقر، والعز والذل والحياة والموت، فتنة منه تعالى ليبلوهم أيهم أحسن عملًا ومن يفتتن عند مواقع الفتن ومن ينجو، {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} فنجازيكم بأعمالكم، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر"(2).
قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}(3)
قال السعدي: "يخبر تعالى عن تمام حكمته وأن حكمته لا تقتضي أن كل من قال " إنه مؤمن " وادعى لنفسه الإيمان، أن يبقوا في حالة يسلمون فيها من الفتن والمحن، ولا يعرض لهم ما يشوش عليهم إيمانهم وفروعه، فإنهم لو كان الأمر كذلك، لم يتميز الصادق من الكاذب، والمحق من المبطل، ولكن سنته وعادته في--------------------------------------------
(1) التفسير (18/ 439).
(2) التفسير ص 535.
(3) سورة العنكبوت (2).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 16)
الأولين وفي هذه الأمة، أن يبتليهم بالسراء والضراء، والعسر واليسر، والمنشط والمكره، والغنى والفقر، وإدالة الأعداء عليهم في بعض الأحيان، ومجاهدة الأعداء بالقول والعمل ونحو ذلك من الفتن، التي ترجع كلها إلى فتنة الشبهات المعارضة للعقيدة، والشهوات المعارضة للإرادة، فمن كان عند ورود الشبهات يثبت إيمانه ولا يتزلزل، ويدفعها بما معه من الحق وعند ورود الشهوات الموجبة والداعية إلى المعاصي والذنوب، أو الصارفة عن ما أمر الله به ورسوله، يعمل بمقتضى الإيمان، ويجاهد شهوته، دل ذلك على صدق إيمانه وصحته.
ومن كان عند ورود الشبهات تؤثر في قلبه شكًا وريبًا، وعند اعتراض الشهوات تصرفه إلى المعاصي أو تصدفه عن الواجبات، دلَّ ذلك على عدم صحة إيمانه وصدقه.
والناس في هذا المقام درجات لا يحصيها إلا الله، فمستقل ومستكثر، فنسأل الله تعالى أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يثبت قلوبنا على دينه، فالابتلاء والامتحان للنفوس بمنزلة الكير، يخرج خبثها وطيبها"(1).
* * *--------------------------------------------
(1) التفسير ص 626.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 17)
المطلب الثالث: من حِكَم الابتلاء:
1 - اختبار للإيمان: قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11)}(1)
قال السعدي: "أي: ومن الناس من هو ضعيف الإيمان، لم يدخل الإيمان قلبه، ولم
تخالطه بشاشته، بل دخل فيه، إما خوفًا، وإما عادة على وجه لا يثبت عند المحن، {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ} أي: إن استمر رزقه رغدًا، ولم يحصل له من المكاره شيء، اطمأن بذلك الخير، لا بإيمانه. فهذا، ربما أن الله يعافيه، ولا يقيض له من الفتن ما ينصرف به عن دينه، {وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ} من حصول مكروه، أو زوال محبوب {انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ} أي: ارتد عن دينه، {خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ} أما في الدنيا، فإنه لا يحصل له بالردة ما أمله الذي جعل الردة رأسًا لماله، وعوضًا عما يظن إدراكه، فخاب سعيه، ولم يحصل له إلا ما قسم له، وأما الآخرة، فظاهر، حرم الجنة التي عرضها السماوات والأرض، واستحق النار، {ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} أي:--------------------------------------------
(1) سورة الحج (11).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 18)
الواضح البين"(1).
2 - تكفير السيئات لقوله صلى الله عليه وسلم: " فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ"(2).
3 - رفعة الدرجات لقوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الرَّجُلَ لَتَكُونُ لَهُ الدَّرَجَةُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، فَمَا يَبْلُغُهَا بِعَمَلٍ حَتَّى يُبْتَلَى فِي جَسَدِهِ، فَيَبْلُغُهَا بِذَلِكَ الْبَلَاءِ»(3).
قال ابن القيم: "إنه سبحانه هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته لم تبلغها أعمالهم، ولم يكونوا بالغيها إلا بالبلاء والمحنة، فقيض لهم الأسباب التي توصلهم إليها من ابتلائه وامتحانه، كما وفقهم للأعمال الصالحة التي هي من جملة أسباب وصولهم إليها"(4).
4 - ولابن القيم رحمه الله كلام قيم حول حِكَم الابتلاء فيقول: " إن ابتلاء المؤمن كالدواء له يستخرج منه الأدواء التى لو بقيت فيه أهلكته، أو نقصت ثوابه، وأنزلت درجته، فيستخرج الابتلاء والامتحان منه تلك الأدواء ويستعد به لتمام الأجر، وعلو--------------------------------------------
(1) التفسير ص 534.
(2) سيأتي تخريجه ح 1.
(3) سيأتي تخريجه ح 11.
(4) زاد المعاد (3/ 198).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 19)
المنزلة … وما يصيب المؤمن فى هذه الدار من إدالة عدوه عليه، وغلبته له، وأذاه له فى بعض الأحيان: أمر لازم، لابد منه، وهو كالحر الشديد، والبرد الشديد، والأمراض والهموم والغموم، فهذا أمر لازم للطبيعة والنشأة الإنسانية فى هذه الدار، حتى للأطفال والبهائم، لما اقتضته حكمة أحكم الحاكمين، فلو تجرد الخير فى هذا العالم عن الشر، والنفع عن الضر، واللذة عن الألم، لكان ذلك عالمًا غير هذا، ونشأة أخرى غير هذه النشأة، وكانت تفوت الحكمة التى مزج لأجلها بين الخير والشر، والألم واللذة، والنافع والضار، وإنما يكون تخليص هذا من هذا، وتمييزه فى دار أخرى، غير هذه الدار .. "(1).
وقال - أيضًا -: " أن يعلم أنه لولا محن الدنيا ومصائبها لأصاب العبد - من أدواء الكبر والعجب والفرعنة وقسوة القلب - ما هو سبب هلاكه عاجلًا وآجلًا فمن رحمة أرحم الراحمين أن يتفقده في الأحيان بأنواع من أدوية المصائب، تكون حمية له من هذه الأدواء، وحفظًا لصحة عبوديته، واستفراغًا للمواد الفاسدة الرديئة المهلكة منه، فسبحان من يرحم ببلائه، ويبتلي بنعمائه كما قيل:--------------------------------------------
(1) انظر: إغاثة اللهفان (2/ 188).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)
قد ينعم بالبلوى وإن عظمت … ويبتلي الله بعض القوم بالنعم
فلولا أنه سبحانه يداوي عباده بأدوية المحن، والابتلاء لطغوا، وبغوا وعتوا والله سبحانه إذا أراد بعبد خيرا سقاه دواء من الابتلاء، والامتحان على قدر حاله يستفرغ به من الأدواء، المهلكة حتى إذا هذبه ونقاه وصفاه أهله لأشرف مراتب الدنيا، وهي عبوديته وأرفع ثواب الآخرة، وهو رؤيته وقربه .. "(1).
وقال: " فالابتلاء كير العبد محل إيمانه: فإما أن يخرج تبرًا أحمر، وإما أن يخرج زغلًا غضًا، وإما أن يخرج فيه مادتان ذهبية ونحاسية، فلا يزال به البلاءُ حتى يخرج المادة النحاسية من ذهبه، ويبقى ذهبًا خالصًا فلو علم العبد أن نعمة الله عليه فى البلاءِ ليست بدون نعمة الله عليه فى العافية لشغل قلبه بشكره ولسانه، اللَّهم أعنِّى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وكيف لا يشكر من قيض له ما يستخرج خبثه ونحاسه وصيره تبرًا خالصًا يصلح لمجاورته والنظر إليه فى داره؟ فهذه الأسباب ونحوها تثمر الصبر على البلاء، فإن قويت أثمرت الرضا والشكر، فنسأل الله أن يسترنا بعافيته،--------------------------------------------
(1) زاد المعاد (4/ 179).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)
ولا يفضحنا بابتلائه بمنه وكرمه"(1).
وأخيرًا نختم بهذه القاعدة الذهبية، يقول رحمه الله: " قاعدة": إذا ابتلى الله عبده بشيء من أَنواع البلايا والمحن فإن رده ذلك الابتلاء والمحن إلى ربه وجمعه عليه وطرحه ببابه فهو علامة سعادته وإرادة الخير به. والشدة بتراء لا دوام لها وإن طالت، فتقلع عنه حين تقلع وقد عوض منها أجلّ عوض وأفضله، وهو رجوعه إلى الله بعد أن كان شاردًا عنه، وإقباله عليه بعد أن كان نائبًا عنه وانطراحه على بابه بعد أن كان معرضًا، وللوقوف على أبواب غيره متعرضًا.
وكانت البلية فى حق هذا عين النعمة، وإن ساءَته وكرهها طبعه ونفرت منها نفسه فربما كان مكروه النفوس إِلى محبوبها سببًا ما مثله سبب وقوله تعالى فى ذلك هو الشفاءُ والعصمة: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيئًا وَهُوَ شَر لَكُمْ، وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}(2)، وإِن لم يرده ذلك البلاءُ إليه بل شرد قلبه عنه ورده إلى الخلق وأنساه ذكر ربه والضراعة إليه والتذلل بين يديه والتوبة والرجوع إليه فهو علامة شقاوته وإرادة الشر به، فهذا إذا أقلع عنه البلاء رده إلى حكم طبيعته وسلطان شهوته ومرحه وفرحه، فجاءت--------------------------------------------
(1) المصدر السابق.
(2) سورة البقرة (216).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
طبيعته القدرة بأنواع الأشر والبطر والإعراض عن شكر المنعم عليه بالسراء كما أعرض عن ذكره والتضرع إليه فى الضراء فبلية هذا وبال عليه وعقوبة ونقص فى حقه، وبلية الأول تطهير له ورحمة وتكميل. وبالله التوفيق"(1).
* * *--------------------------------------------
(1) طريق الهجرتين ص 164
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)