‌‌من معاني حرف «من»
قال تعالى: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} [نوح: 3 - 4].
ما معنى (من) في قوله: (يَغفِر لَكُمْ من ذُنُوبِكُم)؟ وهل يعني أنه لا يغفرها كلها؟
لها معان لا تتعارض:
1 - (من) للتبعيض؛ أي: يُخرجكم من ذنوبكم التي كانت قبل الإيمان.
2 - (من) للسببية؛ أي: يغفر لكم الآثام التي لحقتكم بسبب ذنوبكم؛ كما يُقال: (مات فلان من مرضٍ ألمَّ به).
3 - وتأتي كذلك للتبعيض؛ بمعنى: يغفر لكم ما استغفرتموه وتبتم إليه من الذنوب، ولأن بعض المظالم المتعلقة بظلم البشر لا تُغفَر إلا بشروط.
* ومثلها: {يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأحقاف: 31].
* وكذلك: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمّى} [إبراهيم: 10].
- وتأتي (من) للبدلية؛ كما في الآيات التالية:
قال تعالى: {قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُّعْرِضُونَ} [الأنبياء: 42].
(مِنَ الرَّحمَنِ) للعلماء فيها تفسيران لا يتعارضان:
1 - (مِنْ) بدليَّة بمعنى: غير أو بدل؛ فيكون المعنى: مَنْ هو الَّذِي يَحْفَظُكم ويَحْرُسُكم بِاللَّيْلِ في حالِ نَوْمِكم، وبالنَّهارِ في حالِ تَصَرُّفِكم في أُمُورِكم غير الرحمن؟! فليس غيره سبحانه حافظًا لكم.
* ومثل معنى (مِنْ) البدلية: {وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ} [الزخرف: 60].
(مِنْكُمْ) أي: لجعلنا بدلًا منكم ملائكةً يخلفونكم في الأرض.
* وكذلك: {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْأخِرَةِ} [التوبة: 38] أي: بَدَلَ الآخرة.
2 - أي: مَنْ الذي يحفظكم بالليل والنهار من عَذابِهِ وبَأْسِهِ إذا أراده بكم؟!
* ومثل معنى (مِنْ) هنا قوله تعالى: {فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ} [هود: 63] أي: من ينصرني من عذابه وبأسه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 505)