للحسن البصري وتواترت النقل به. . . إنما نبغوا وظهروا بالبصرة، ثم الرافضة والشيعة وما حصل فيهم من الغلو في أهل البيت، والقول الشنيع في الإمام وسائر الأئمة ومسبّة أكابر الصحابة. . .، كل هذا معروف مستفيض» (1) .
ويرد الشيخ ابن سحمان على من وصف أهل نجد بأنهم من ذرية مسيلمة الكذّاب، وبين أن العراق هي موطن الفتن؛ لأنها مشرق المدينة وليست اليمامة، يقول: «وآباء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلافهم كانوا على جاهلية، وشرك، وعبادة للأصنام والأحجار وغيرها. ولا يتوجه عيب أحد منهم بأسلافه وقد يُخرج الله من أصلاب المشركين، والكفّار من هو من خواص أوليائه وأصفيائه. . .» (2) .
ويقول: «وقد كان بلد الشيخ اليمامة، ولم تكن اليمامة مشرق المدينة، بل مشرق المدينة العراق ونواحيه، فاليمامة ليست مشرق المدينة، ولا هي وسط المشرق بين المدينة والعراق، بل اليمامة شرق مكة المشرفة. . .» (3) .
ويوضح الشيخ حمود التويجري في كتابه «إيضاح المحجة» : «أن الروايات الواردة في طلوع قرن الشيطان في المشرق كلها عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وقد صرح في بعضها أن المراد بالمشرق أرض العراق فبطل بذلك كل ما يتعلق به الملاحدة على أهل الجزيرة العربية» (4) .
ويقول الشيخ ناصر الدين الألباني في تعليقه على حديث «اللهم بارك لنا في شامنا. . .» بعد أن ساق طرقه ومروياته: «فيستفاد من مجموع طرق الحديث أن المراد من نجد في رواية البخاري ليس هو الإقليم المعروف اليوم بهذا الاسم، وإنما هو العراق، وبذلك فسّره الإمام الخطابي والحافظ ابن حجر العسقلاني وتجد كلامهما في ذلك في شرح كتاب الفتن من صحيح البخاري--------------------------------------------
(1) غاية الأماني في الرد على النبهاني (2) باختصار. عن دعاوى المناوئين (189) .
(2) الأسنة الحداد في الرد على علوي الحداد (87) .
(3) المرجع السابق (97) ، وانظر: دعاوى المناوئين (189) .
(4) إيضاح المحجة في الرد على صاحب طنجة (132) باختصار، وانظر: دعاوى المناوئين (191) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 285)
للحافظ، وقد تحقق ما أنبأ به عليه السلام فإن كثيرًا من الفتن الكبرى كان مصدرها العراق كالقتال بين سيدنا علي ومعاوية، وبين علي والخوارج، وبين علي وعائشة وغيرها مما هو مذكور في كتب التاريخ. فالحديث من معجزاته وأعلام نبوته صلى الله عليه وسلم» (1) .
[لمزهم أنهم من بلاد مسيلمة الكذاب]
لمزهم في أنهم من بلاد مسيلمة الكذاب: وفي لمزهم للإمام وأتباعه من أهل نجد بأنها (ديار مسيلمة) يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن: «وقد أفنى الله كل من حضر مسيلمة في القرن الأول ولم يبق بنجد من يصدق مسيلمة الكذاب، بل من كان في أواخر عهد الصحابة رضي الله عنه ومن بعدهم بنجد يُكَفِّرون مسيلمة ويكذِّبُونه فلم يبق بنجد من فتنة مسيلمة لا عين ولا أثر. فلو ذُمَّ نجدٌ بمسيلمة بعد زواله وزوال من يصده لذُم اليمن بخروج الأسود العنسي ودعواه النبوة.
وما ضر المدينة سكنى اليهود فيها، وقد صارت مُهَاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ومعقل الإسلام، وما ذمت مكة بتكذيب أهلها الرسول صلى الله عليه وسلم وشدة عداوتهم له، بل هي أحب أرض الله إليه، فإذا كان الأمر كذلك فأرض اليمامة لم تَعْص الله وإنما ضرت المعصية ساكنيها، [آنذاك] بتصديقهم كذابهم، وما طالت مدتهم على ذلك الكفر بحمد الله، فطهَّر الله تلك البلاد منهم، ومن سلم منهم من القتل دخل في الإسلام، فصارت بلادهم بلاد إسلام، بُنيت فيها المساجد، وأقيمت فيها الشرائع، وعُبد الله فيها في عهد الصحابة رضي الله عنه وبعدهم، ونفَر كثيرٌ منهم مع خالد بن الوليد لقتال العجم، فقاتلوا مع المسلمين، فنال تلك البلاد من الفضل ما نال غيرها من بلاد أهل الإسلام، على أنها تفضل على كثير من البلاد بالحديث الذي رواه البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو بمكة لأصحابه «أُريت دار هجرتكم» فوصفها ثم قال: «فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو يثرب» (2) ورؤيا النبي صلى الله عليه وسلم وحي حق، وكفى بهذا فضلًا لليمامة وشرفًا لها على غيرها، فإن ذهاب وهله صلى الله عليه وسلم في--------------------------------------------
(1) الإمام محمد بن عبد الوهاب لمحمود الاستانبولي (90) .
(2) رواه البخاري رقم (7035) كتاب التعبير: باب إذا رأى بقرًا تنحر من حديث أبي موسى رضي الله عنه) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 286)
رؤياه إليها لا بد أن يكون له أثر في الخير يظهر» (1) .
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن ردًّا على من عيَّر الشيخ بأنه من ديار مسيلمة الكذاب: «ولا يعيب شيخنا بدار مسيلمة إلا من عاب أئمة الهدى ومصابيح الدجى بما سبق في بلادهم من الشرك والكفر المبين، وطرد هذا القول جرأة على النبيين وأكابر المؤمنين، وهذا المعترض كعنز السوء يبحث عن حتفه بظلفه ولا يدري» (2) .
ثم لا ننسى أنه ما في بلد من بلاد المسلمين إلا وخرج فيها متنبئ كذاب، ففي اليمن خرج الأسود العنسي، وفي عمان خرج لقيط الأزدي، وفي شرق جزيرة العرب خرجت سجاح، وفي شمالها ووسطها خرج طليحة الأسدي.
وفي الهند خرج الميرزا غلام أحمد القادياني، وفي فارس خرج البهاء، وفي خراسان سيخرج الدجال الأكبر. . . وهكذا بقية البلاد الإسلامية فهل يُذم المسلمون وتذم ديارهم مطلقًا بهذا؟!
[فرية منع الحج ونهْب خزائن الحجرة النبوية وانتهاك حرمة المقدسات]
فرية منع الحج ونهب خزائن الحجرة النَّبوية وانتهاك حرمة المقدسات: لما تمكنت الدولة السعودية الأولى من دخول مكة زعم خصوم الدعوة أنها منعت الحج، والحق أن الحج لم يُمنع إنما مُنعت ممارسة المنكرات والبدع كالمحمل ومُنعت البدع والمحدثات الأخرى في الدين كالمزارات والمشاهد والقباب، وأكثر الحجاج جُهَّال أو أهل بدع قد يتعلقون بها، ولما مُنعت هذه البدع من قِبَل الدولة السعودية أكثر من مرة قالوا: مُنِعَ الحجّ؛ لأنها عندهم هي الحج فلا رغبة عندهم لقصد الحج بدون تلكم البدع التي نشأوا عليها، وغُذي هذا الشعور لديهم من قبل علماء السوء والكبراء المنتفعين من هذه الأوضاع البدعية.
والحق: أن الدولة السعودية كلما تمكنت في الحرمين يسرت طرق الحج، وأشاعت الأمن، ووفرت المؤن للحجاج ورفعت المظالم وأسقطت الضرائب، وما أشيع خلاف ذلك فهو من المفتريات والدعايات المغرضة التي لا أصل لها أو من التجاوزات القليلة التي ربما حدثت من مغرضين أو جهلة ونحوهم ممن ليسوا على النهج الذي سلكته الدعوة ودولتها (الدولة السعودية) في منهجها القائم على الشرع والسنة.--------------------------------------------
(1) مجموعة الرسائل (4) .
(2) مصباح الظلام (237) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 287)
لقد أشاع خصوم الدعوة أن الوهابيين يمنعون الحجاج من دخول الديار المقدسة وأداء شعائر الحج والعمرة.
وكان لهذه الدعاية المضادة والإشاعات الكاذبة أثره في نفوس المسلمين البعيدين عن رؤية الحقيقة مما جعل كثيرين من الحجاج في أكثر البلاد الإسلامية يُحجمون عن الحج والذهاب إلى مكة والمدينة.
ولكن عندما ندرس هذه القضية بموضوعية، ونتفحص الملابسات العقدية والسياسية والتاريخية وغيرها نتوصل إلى الحقائق التالية:
1 - أن الدولة السعودية حين حكمت الحجاز في أدوارها الثلاثة وحتى الآن لم تمنع الناس من الحج ولم تضيق عليهم، بل العكس هو الصحيح، فقد قامت بجد وحزم بتأمين السبل وتخفيف المظالم والضرائب التي تُثقل كاهل أهل الحجاز، ووفرت المؤن والخدمات للحجاج بشكل لم يسبق له مثيل في العصور المتأخرة.
2 - أنه في تلك الأثناء التي انقطع فيها بعض الحجاج عن الحج بسبب الدعاية المغرضة، حج آخرون جماعات (كالمغاربة) وأفرادًا من سائر البلاد الإسلامية وشهدوا بأنهم لم يحصل لهم من المضايقات أو ما يمنع من إقدام الناس على الحج، بل العكس فقد رأوا استتباب الأمن وظهور السنة، واحترام مشاعر الحج وشعائره، ورفع الضرائب. وبهذه الأمور تنقطع مصالح المنتفعين من ظهور البدع ومن سوء الأحوال، وهم الذين أشاعوا أن الدولة السعودية منعت الحج.
3 - أن الذين أوقفوا مسيرات الحج هم رؤوس القوم وشيوخ البدع، والساسة وقادة قوافل الحج الذين لهم مصالح في استمرار البدع والمظالم والضرائب المصاحبة للحجيج غالباً.
وأعرض شهادة مؤرخ محايد بهذا الصدد وهو الجبرتي؛ إذ قال: «وفي هذه الأيام (1) أيضًا وصلت الأخبار من الديار الحجازية بمسالمة الشريف غالب للوهابيين؛ وذلك لشدة ما حصل لهم من المضايقة الشديدة وقطع الجالب عنهم من كل ناحية حتى وصل ثمن الأردب المصري من الأرز خمسمائة ريال والأردب البر ثلثمائة--------------------------------------------
(1) أو سنة (1221هـ) الجبرتي (3) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 288)
وعشرة، وقس على ذلك السمن والعسل وغير ذلك، فلم يسع الشريف إلا مسالمتهم، والدخول في طاعتهم، وسلوك طريقتهم، وأخذ العهد على دعاتهم وكبيرهم بداخل الكعبة، وأمر بمنع المنكرات والتجاهر بها، وشرب الأراجيل بالتنباك في المسعى وبين الصفا والمروة، وبالملازمة على الصلوات في الجماعة، ودفع الزكاة، وترك لبس الحرير والمقصبات، وإبطال المكوس والمظالم، وكانوا خرجوا عن الحدود في ذلك حتى إن الميت يأخذون عليه خمسة فرانسة وعشرة بحسب حاله، وإن لم يدفع أهله القدر الذي يتقرر عليه فلا يقدرون على رفعه ودفنه، ولا يتقرب إليه الغاسل ليغسله حتى يأتيه الإذن، وغير ذلك من البدع والمكوس والمظالم التي أحدثوها على المبيعات والمشتروات على البائع والمشتري، ومصادرات الناس في أموالهم ودورهم.
فيكون الشخص من سائر الناس جالسا بداره فما يشعر على حين غفلة منه إلا والأعوان يأمرونه بإخلاء الدار وخروجه منها، ويقولون: إن سيد الجميع محتاج إليها، فإما أن يخرج منها جملة وتصير من أملاك الشريف، وإما أن يصالح عليها بمقدار ثمنها أو أقل أو أكثر فعاهده (1) على ترك ذلك كله، واتباع ما أمر الله تعالى به في كتابه العزيز من إخلاص التوحيد لله وحده، واتباع سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، وما كان عليه الخلفاء الراشدون والصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون إلى آخر القرن الثالث، وترك ما حدث في الناس من الالتجاء لغير الله من المخلوقين الأحياء والأموات في الشدائد والمهمات، وما أحدثوه من بناء القباب على القبور والتصاوير والزخارف، وتقبيل الأعتاب والخضوع والتذلل والمناداة والطواف، والنذور والذبح والقربان وعمل الأعياد والمواسم لها، واجتماع أصناف الخلائق، واختلاط النساء بالرجال، وباقي الأشياء التي فيها شركة المخلوقين مع الخالق في توحيد الألوهية التي بعثت الرسل إلى مقاتلة من خالفها ليكون الدين كله لله.
فعاهده على منع ذلك كله، وعلى هدم القباب المبنية على القبور والأضرحة؛ لأنها من الأمور المحدثة التي لم تكن في عهده بعد المناظرة مع علماء تلك الناحية، وإقامة الحجة عليهم بالأدلة القطعية التي لا تقبل التأويل من الكتاب والسنة وإذعانهم لذلك، فعند ذلك--------------------------------------------
(1) يقصد أن الشريف غالبا عاهد الإمام سعود بن عبد العزيز.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 289)
أمنت السبل، وسلكت الطرق بين مكة والمدينة، وبين مكة وجدة والطائف، وانحلت الأسعار، وكثر وجود المطعومات، وما يجلبه عربان الشرق إلى الحرمين من الغلال والأغنام والأسمان والأعسال، حتى بيع الأردب من الحنطة بأربع ريالات، واستمر الشريف غالب يأخذ العشور من التجار، وإذا نوقش في ذلك يقول: هؤلاء مشركون، وأنا آخذ من المشركين، لا من الموحدين (1) " (2) .
إذن فالمشكلة في أن أكثر أهل البدع لا يستغنون في حجهم وعمرتهم وزيارتهم للديار المقدسة عن ممارسة البدع، من زيارة القباب والقبور والمشاهد والآثار والأشجار والأحجار التي يقدسونها، ويتبركون بها بزعمهم.
4 - فالدعوة والدولة السعودية عملت بوصية النبي صلى الله عليه وسلم بإزالة كل آثار البدع من هذه القباب والمشاهد والمزارات، وحلق الصوفية وسماعاتها، وإزالة مظاهر الفرقة من تعدد الجماعات في المسجد الحرام وغيره.
وأهل البدع لا يرون للحج معنى ولا قيمة بدون هذه البدع، فلما علموا أنهم سيمنعون منها وأن مشاهدها أزيلت عدلوا عن الحج، وقد شهد المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي أيضا - وهو محايد - كما ذكرت بهذه الحقيقة، وعبر عنها بوضوح قائلا:
" وفيه (3) ورد الخبر بأن ركب الحاج الشامي رجع من منزلة هدية ولم يحج في هذا العام؛ وذلك أنه لما وصل إلى المنزلة المذكورة أرسل الوهابي إلى عبد الله باشا أمير الحاج يقول إنه لا تأت إلا على الشرط الذي شرطناه عليك في العام الماضي، وهو أن يأتي بدون المحمل، وما يصحبهم من الطبل والزمر والأسلحة، وكل ما كان مخالفا للشرع، فلما سمعوا ذلك رجعوا من غير حج، ولم يتركوا مناكيرهم " (4) .--------------------------------------------
(1) هذه سخرية ولمز للدعوة من الشريف غالب، وقد خذله الله.
(2) عجائب الآثار للجبرتي (3) .
(3) يعني أول سنة (1222 هـ) .
(4) عجائب الآثار للجبرتي (3) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 290)
5 - وعلى هذا فإن الإمام سعودا لم يمنع أحدا من المسلمين من الحج، إنما منع إهانة البلاد المقدسة بالبدع والمنكرات التي تصحب المحمل وقوافل الحج، إذن فالمشكلة تكمن في أن أكثر المسلمين المتعلقين بالبدع لا يستغنون في حجهم وعمرتهم وزيارتهم للديار المقدسة عن ممارسة البدع، من زيارة القباب والقبور والمشاهد والآثار والأشجار والأحجار التي يقدسونها ويتبركون بها بزعمهم، كما أسلفت.
6 - كما أن الدولة السعودية لما مكنها الله تعالى من حكم إمارة مكة منعت بدعة المحمل، وما يصاحبها من بدع ومنكرات لا تليق، وتتنافى مع تعظيم شعائر الله والمشاعر المقدسة، وأهل البدع أصروا على اصطحاب المحمل وهم قادمون من عدد من البلاد الإسلامية المجاورة وغير المجاورة أو لا يحجون، فانقطع كثير منهم عن الحج لهذا السبب.
وقد ذكر الجبرتي مرة أخرى - وهو مؤرخ محايد - ذلك، وبين أن ابن سعود لم يمنع الحج لكنه منع البدع، قال في حوادث سنة (1223 هـ) : " ومنها انقطاع الحج الشامي والمصري معتلين بمنع الوهابي (1) الناس عن الحج، والحال ليس كذلك، فإنه لم يمنع أحدا يأتي الحج على الطريق المشروعة، وإنما يمنع من يأتي بخلاف ذلك من البدع التي لا يجيزها الشرع مثل المحمل والطبل والزمر وحمل الأسلحة، وقد وصل طائفة من حجاج المغاربة وحجوا ورجعوا في هذا العام وما قبله، ولم يتعرض لهم أحد بشيء " (2) .
يقول الدكتور عجيل النشمي:
" والحق الذي ينبغي أن يكشف أن الأمير سعودا لم يمنع أحدا من حج بيت الله الحرام، وكل ما حدث من ذلك إنما هي ملابسات اقتضتها الظروف السياسية والعسكرية، وكان لها ما يبررها فعلا، ولنثبت ذلك بتتبع هذا المنع كما أوردته ثقات المصادر "، ثم ذكر ذلك وقال:
" ويلاحظ هنا أنه منذ أن دخل سعود مكة في حجته الرابعة عام (1222 هـ) لم يحج--------------------------------------------
(1) يقصد الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد.
(2) عجائب الآثار للجبرتي (3) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 291)
أحد من عواصم البلاد الإسلامية الكبيرة من إستانبول أو الشام أو مصر أو العراق، والتعبير بأنه لم يحج أحد يشير إلى أنه لم ترسل تلك الدولة حملات الحج الرسمية المعتادة، وظل هذا الإحجام عن أداء فريضة الحج حتى (1226 هـ) وهي السنة التي جهزت فيها دولة الخلافة محمد علي باشا لحرب الحركة الوهابية، وهذا يعني أن خمس سنوات مرت دون أن يحج أحد من تلك الأقطار.
وليس هناك ما يشير إلى أن الأمير سعودا هو الذي حظر على تلك العواصم من أن تحج، بل إن السبل في أيامه كانت أكثر أمنا من أي وقت مضى، وليس شرط الأمان الذي كان يأخذه أهالي المغرب كما ذكرنا شرطا أو بندا على الحج يمنع تلك الأقطار من الحج، فإن الذي يحتاجه - على ما نرجح - هم الحجاج الشراذم أو الجماعات الصغيرة، فإعطاؤه الأمان حينئذ زيادة في تمكينها من أداء الحج والعودة سالمة عبر تلك المسافات الشاسعة التي كان مرورها فيه قبل ذلك يحمل المخاطر الجسام، فالأمان والحال هذه ميزة لا قيد.
بل إن الأمير سعودا نفسه تعرض لهذه القضية لحساسيتها - وهذا من بعد نظره - فذكرها في رسالته إلى السلطان سليم، وبين أنه سيمنع الحاج القادم من الشام أو مصر إذا كان مصطحبا مظاهر الإخلال بمشاعر الحج وحرمتها، من اصطحاب الطبول والمزامير وما أشبهها، وعلل ذلك بأنه ليس من الدين في شيء، ولم يقل إنه سيمنعهم لمجرد المنع.
وهذا تلمسه ساطعا جليا في رسالته - آنفة الذكر - حين قال موجها الخطاب إلى السلطان سليم: " فعليك أن تمنع والي دمشق ووالي القاهرة من المجيء إلى هذا البلد المقدس بالمحمل والطبول والزمور، فإن ذلك ليس من الدين من شيء ".
إلا أن النتيجة التي انبنت على هذا الإحجام عن الحج طوال هذه المدة أن انبنى في أذهان الناس عموما في شتى الأقطار نوع عداء للحركة الوهابية، نابع من أنها هي التي منعت الحج، وأن سبله تحوطها المخاطر الذي تتحمل مسئوليتها الحركة الوهابية، ولقد نجح - كما يبدو - استغلال هذا الواقع لتشويه وتجسيم عداء الأمير سعود أو الحركة الوهابية ككل لدولة الخلافة، ولقد قام بهذا الدور الشريف غالب وغيره فيما كان يرسل من رسائل إلى دولة الخلافة يوهمها بأن الأمير سعودا يمنع حجاج الأستانة أو غيرها، بل إن الشريف غالبا كان يزور الرسائل على لسان الأمير سعود، ويضمنها مثل تلك المعاني، كما سنكشفه فيما بعد " (1) .--------------------------------------------
(1) إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة (مقالة) الحلقة (53) مجلة المجتمع عدد (517) ص (37 - 39) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 292)
ويقول الدكتور محمد بن سليمان الخضيري: " ومن الأساليب الأخرى التي اتبعتها لهذا الغرض إشاعة منع السعوديين للناس من الحج، والحقيقة كما قررها المؤرخون المنصفون أن الدولة السعودية لم تمنع أحدا أتى إلى الحج على الطريقة الإسلامية المشروعة، أما من يصر على أن يأتي بالبدع مثل: الطبل والزمر وحمل السلاح فالواجب تنبيهه أن ذلك يخالف الإسلام، فإن رضي فقد أعتق نفسه من مخالفة شرع الله، وإن رفض فلا مكان له بين حجاج المسلمين الملتزمين بالعقيدة الإسلامية " (1) .
[دعوى التضييق على أهل الحرمين في أرزاقهم]
دعوى التضييق على أهل الحرمين في أرزاقهم: الذين يعيشون ويرتزقون على موارد البدع كثيرون في مكة والمدينة وغيرهما، من سدنة القباب والمشاهد والمزارات، وحجابها وخدامها ومزوريها، وجيرانها والقائمين على أوقافها ومراسمها، وغيرهم كثير من المنتفعين من قيام هذه البدع ومنكراتها، كل هؤلاء تنقطع مواردهم بإزالة هذه البدع والمحدثات، وقد حصل شيء من ذلك عندما قامت الدولة السعودية وأتباع الدعوة السلفية بهدم القباب والمشاهد وإزالة البدع؛ مما تسبب كذلك في امتناع أهل البدع من القدوم للحجاز كما أسلفت، يقول الجبرتي في ذلك:
" ولما امتنعت قوافل الحج المصري والشامي، وانقطع عن أهل المدينة ومكة ما كان يصل إليهم من الصدقات والعلائف والصرر التي كانوا يتعيشون منها، خرجوا من أوطانهم بأولادهم ونسائهم، ولم يمكث إلا الذي ليس له إيراد من ذلك، وأتوا إلى مصر والشام، ومنهم من ذهب إلى إسلامبول يتشكون من الوهابي، ويستغيثون بالدولة في خلاص الحرمين؛ لتعود لهم الحالة التي كانوا عليها من إجراء الأرزاق واتصال الصلات " (2) .
أما دعوى نهب خزائن الحجرة النبوية:
فإنه حينما تمكنت الدولة السعودية الأولى من المدينة أزالت المنكرات والبدع--------------------------------------------
(1) الدولة السعودية الأولى والدولة العثمانية (353) .
(2) الجبرتي (3) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 293)
والمحدثات، ومنها ما يفعله الجهلة وأهل البدع من إلقاء النفائس في الحجرة، فأخذها الإمام سعود بن عبد العزيز وعرض أمرها على العلماء، فأفتوه بصرفها في مصالح المسلمين، وهذا مما يجب أن يحمد له، لكن أهل البدع صوروا ذلك على أنه من الكبائر العظيمة.
يقول الجبرتي في ذلك: " ويذكرون أن الوهابي استولى على ما كان بالحجرة الشريفة من الذخائر والجواهر، ونقلها وأخذها، فيرون أن أخذه لذلك من الكبائر العظام ".
ثم قال الجبرتي مبينا أن أصل وجود الذخائر في الحجرة من البدع والخرافات: " وهذه الأشياء أرسلها ووضعها خساف العقول من الأغنياء والملوك والسلاطين الأعاجم وغيرهم، إما حرصا على الدنيا وكراهة أن يأخذها من يأتي بعدهم أو لنوائب الزمان، فتكون مدخرة ومحفوظة لوقت الاحتياج إليها، فيستعان بها على الجهاد ودفع الأعداء، فلما تقادمت عليها الأزمنة وتوالت عليها السنين والأعوام الكثيرة وهي في الزيادة، فارتدت معنى لا حقيقة، وارتسم في الأذهان حرمة تناولها، وأنها صارت مالا للنبي صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز لأحد أخذها ولا إنفاقها، والنبي عليه الصلاة والسلام منزه عن ذلك، ولم يدخر شيئا من عرض الدنيا في حياته، وقد أعطاه الله الشرف الأعلى، وهو الدعوة إلى الله تعالى والنبوة والكتاب، واختار أن يكون نبيا عبدا، ولم يختر أن يكون نبيا ملكا.
وثبت في الصحيحين وغيرهما أنه قال: " «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا» " (1) وروى الترمذي بسنده عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا، قلت: لا يا رب، ولكن أشبع يوما وأجوع يوما، أو قال ثلاثا أو نحو ذلك، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك» " (2) ثم إن كانوا وضعوا هذه الذخائر والجواهر صدقة على الرسول ومحبة فيه فهو فاسد [فهو] (3) لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " «إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس» " (4)--------------------------------------------
(1) رواه البخاري رقم (6460) كتاب الرقاق: باب كيف كان عيش النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ومسلم رقم (7441) كتاب الزهد: باب الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر.
(2) رواه الترمذي رقم (2347) وقال: حديث " حسن " على الرغم أن في سنده علي بن يزيد الألهاني، وهو ممن ضعف، لكن تحسين الترمذي للحديث لشواهده.
(3) كذا في الأصل، ويظهر أنها زائدة.
(4) رواه مسلم (2482) كتاب الزكاة: باب ترك استعمال آل النبي على الصدقة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 294)
ومنع بني هاشم من تناول الصدقة وحرمها عليهم، والمراد الانتفاع في حال الحياة لا بعدها " (1) .
ثم قال: " وكنز المال بحجرته وحرمان مستحقيه من الفقراء والمساكين وباقي الأصناف الثمانية، وإن قال المدخر: أكنزها لنوائب الزمان ليستعان بها على مجاهدة الكفار والمشركين عند الحاجة إليها، قلنا: قد رأينا شدة احتياج ملوك زماننا واضطرارهم في مصالحات المتغلبين عليهم من قرانات الإفرنج وخلو خزائنهم من الأموال التي أفنوها بسوء تدبيرهم وتفاخرهم ورفاهيتهم، فيصالحون المتغلبين بالمقادير العظيمة بكفالة إحدى الفرق من الإفرنج المسالمين لهم، واحتالوا على تحصيل المال من رعاياهم بزيادة المكوس والمصادرات والطلبات، والاستيلاء على الأموال بغير حق، حتى أفقروا تجارهم ورعاياهم، ولم يأخذوا من هذه المدخرات شيئا، بل ربما كان عندهم أو عند خونداتهم جوهر نفيس من بقايا المدخرات فيرسلونه هدية إلى الحجرة، ولا ينتفعون به في مهماتهم، فضلا عن إعطائه لمستحقه من المحتاجين، وإذا صار في ذلك المكان لا ينتفع به أحد إلا ما يختلسه العبيد الخصيون الذين يقال لهم أغوات الحرم، والفقراء من أولاد الرسول وأهل العلم والمحتاجون وأبناء السبيل يموتون جوعا، وهذه الذخائر محجور عليها وممنوعون منها إلى أن حضر الوهابي، واستولى على المدينة، وأخذ تلك الذخائر " (2) .
ويكفي السعوديين فخرا أنهم جعلوا هذه الأموال تحت تصرف العلماء، وأنهم صرفوها في مصارفها الشرعية، وقد زعم بعض الخصوم أن أهل نجد حين تولوا بلاد الحرمين انتهكوا حرمات الحرم، وأهانوا أهله، وكل ذلك من البهتان، بل الصحيح عكس ذلك، والعجيب أن غير المسلمين كان بعضهم أكثر إنصافا في ذلك.
يقول الراهب هيوجس: لم يصب المواطنين أي أذى لأجل قداسة الحرم، وبعد أن تولى الإمارة أهل نجد--------------------------------------------
(1) عجائب الآثار للجبرتي (3، 248) .
(2) عجائب الآثار للجبرتي (3 - 250) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 295)
عمرت المساجد حتى إن هذا المنظر من الزهد والطاعة لم ير له مثيل في هذا البلد الأمين بعد عهد النبوة " (1) .
وكتب معاصر أوروبي آخر وهو برك هارت:
" ما زال أهل مكة يذكرون اسم سعود بالشكر والرضى حتى الآن، وما زالت معاملة الجنود الطيبة تذكر بثناء ومدح بالخصوص معاملتهم في أيام الحج والزيارات، ولم يستطيعوا أن ينسوا تلك المعاملة العادلة التي شاهدوها من جيوشه (2) .
وزيادة على هذا أجبر الناس كلهم على الصلاة مع الجماعة، ودمرت آلات التنباك والملابس الحريرية، وألغيت المكوس والرسوم التي لا يقرها الشرع الإسلامي (3) وقضى على تعدد الجماعات في الصلوات، وبدأ الناس يصلون وراء إمام واحد، وبدأ علماء المذاهب المختلفة يصلون بالناس في أوقات مختلفة " (4) .
[دعوى أن دعوة الإمام مذهب خامس]
دعوى أن دعوة الإمام مذهب خامس: ساد عند كثير من خصوم الدعوة والجاهلين بحقيقتها أن الإمام محمد بن عبد الوهاب جاء بمذهب خامس، أي أنه خرج عن مذاهب أهل السنة الأربعة، ويقصدون بذلك التعريض بل والتصريح بأنه جاء بمذهب مبتدع في الدين.
هذه الفرية لا يقولها إلا جاهل أو مغرض؛ لأن واقع الحال أن الإمام محمد بن عبد الوهاب وعلماء الدعوة صرحوا بأنهم على مذهب الإمام أحمد في الفروع، ويحترمون المذاهب الثلاثة الباقية الحنفي والمالكي والشافعي، بل كثيرا ما يرجحون غير قول الحنابلة إذا كان الدليل مع أحد المذاهب الأخرى.
هذا من حيث الفروع والاجتهاديات.--------------------------------------------
(1) قاموس الإسلام (Dictionary of Islam) ص (660) .
(2) برك هارت (2) .
(3) الهدية السنية (43) .
(4) الدعوة الوهابية وأثرها في الفكر الإسلامي الحديث (88، 89) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 296)
أما في العقيدة وأصول الدين فإنهم - أعني الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه - هم السائرون على منهج الأئمة الأربعة، وعقيدتهم تطابق ما كانوا عليه؛ لأنها السنة التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته والتابعون والسلف الصالح، وقد بينت هذا في عرض عقيدة الإمام وأتباعه، وعلى ذلك فيعلم بالضرورة أنهم أولى بالأئمة الأربعة وسائر السلف الصالح، ومن التكلف وتحصيل الحاصل طلب إثبات ذلك.
إذن فالإمام محمد بن عبد الوهاب متبع لا مبتدع، وخصومه الذين لم يقبلوا ما دعا إليه من الحق والسنة، وترك البدع والمحدثات، هم الذين على غير المذاهب الأربعة، وعلى غير نهج السلف الصالح، وهذه حقيقة لا مراء فيها لمن عدل وأنصف واستقرأ الحال.
فهذه دعوة الإمام وكتبه ورسائله، وواقع حاله يشهد بذلك، وكذلك واقع علماء الدعوة وأتباعها إلى اليوم يشهد بذلك، فهم في العقيدة والأصول على مذهب السلف بما فيهم الأئمة الأربعة، وهم في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، فلماذا يصنع لهم الخصوم الأوهام والمفتريات؟
ولذلك لما زعم خصوم الإمام محمد بن عبد الوهاب وذكروا عنه بعض المفتريات التي منها: أنه جاء بمذهب خامس، وأنه أبطل المذاهب الأربعة، أنكر ذلك ونفاه، وقال: {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور: 16] (1) " (2) .
وأكد التزامه بما عليه الأئمة الأربعة، فقال مخاطبا عامة المسلمين، مفندا المزاعم التي أثارها أهل البدع ضده: " عقيدتي وديني الذي أدين به مذهب أهل السنة والجماعة، الذي عليه أئمة المسلمين، مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة " (3) وكذلك قال للسويدي: " أخبرك أني ولله الحمد متبع ولست بمبتدع. . . " ثم ذكر الكلام السابق (4) .--------------------------------------------
(1) سورة النور، آية (16) .
(2) الدرر السنية (1) .
(3) الدرر السنية (1، 79) .
(4) الدرر السنية (1، 79) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 297)
ثم قال مبينا السبب في إثارة هذه المفتريات من قبل خصوم الدعوة: " ولبسوا على العوام أن هذا خلاف ما عليه الناس، وكبرت الفتنة جدا، وأجلبوا علينا بخيل الشيطان ورجله " (1) .
[دعوى الخروج على الخلافة]
دعوى الخروج على الخلافة: إن الدارس لحال نجد يلحظ أنها منذ القرن الثالث الهجري كانت تتنازعها سلطات مختلفة فصلتها عن التبعية المباشرة لدولة الخلافة العباسية ثم العثمانية، فمنذ سنة (251 هـ) تقريبا استقلت دولة بني الأخيضر (شيعية زيدية) بالحجاز عن الخلافة العباسية، وضمت إليها نجدا واليمامة، ثم خضعت نجد واليمامة لنفوذ القرامطة الباطنية إلى منتصف القرن الخامس الهجري.
وبعدها بقيت هذه الديار مهملة تتنازع عليها الدويلات، وفيها زعامات ورئاسات محلية إلى أن جاء الأتراك إلى الأحساء واليمن والحجاز، فكانت نجد تحت إشراف الولاة الأتراك في الأحساء أو الحجاز، وفي كل الأحوال كان هذا الإشراف غير مباشر، بل هو إلى الشكلي والرمزي أقرب منه إلى الفعلي، ومع ذلك فقد انقطع هذا الإشراف كلية حين استقل زعيم بني خالد براك بن غرير بالأحساء منذ عام (1080 هـ) .
وحين بدأ الإمام بدعوته المباركة قبيل منتصف القرن الثاني عشر كانت نجد كلها (ومنها اليمامة) تحكمها إمارات ومشيخات صغيرة متنازعة، ليست لها تبعية لآخرين إلا التبعية الرمزية لحاكم الأحساء - وهو مستقل عن الخلافة عمليا -، وكان كل أمير وشيخ في نجد يشعر بالاستقلالية المطلقة.
وكانت هذه الإمارات والولايات المستقلة في نجد ضعيفة، وأهل الحل والعقد في كل بلدة هم الذين ينظمون شئونهم الداخلية، وعلاقاتهم الخارجية في الحرب والسلم، وفي القضاء والحسبة، وإن كان قد يوجد في نفوس بعض الناس شيء من الولاء الرمزي للخلافة كالدعاء للسلطان في المنابر ونحو ذلك.--------------------------------------------
(1) الدرر السنية (1) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 298)
وكانت الدولة التركية لا ترى نجدا وأهلها شيئا يستحق الاهتمام، ولذلك لما قسمت البلاد الإسلامية التي تحت نفوذها إلى ولايات (إيالات) لم يكن لنجد أي ذكر، ثم لما قامت الدعوة وفي أول عهدها لم تأبه بها الدولة العثمانية، مع العلم أن خصوم الدعوة كانوا يراسلون دولة الخلافة ويستعدونها عليها، ويشوهون سمعتها لديها، وقد بلغ تشويه صورة الدعوة لدى الدولة العثمانية أقصى ما يمكن تصوره من الكذب والبهتان والاستعداء عن طريق الرسائل والتقارير الرسمية وغير الرسمية، والبعوث وسائر الوسائل التي لا تملك الدعوة معشارها.
والمتأمل لكلام الإمام في هذه المسألة يدرك أنه لم يتقصد الخروج على الخلافة، ولا معارضتها، بل كان يرى أن ما يقوم به من الدعوة أمر واجب شرعا لا علاقة له برضى الخلافة، وأنه لم يفتت على الخلافة في ذلك، وأن أمير بلده (العيينة) وحاكمها (ابن معمر) ثم ابن سعود في (الدرعية) كان يعاونه ويؤيده وهو واليه وأميره المباشر، لا سيما إذا وضعنا في الاعتبار أن الإمام يعتقد بأصول أهل السنة والجماعة في وجوب طاعة الإمام بالمعروف، وأنه لا يجوز الخروج عليه برا كان أو فاجرا، وقد قرر هذا الأصل وبينه في رسائل مؤلفاته، وذكرنا طرفا منه في هذا الكتاب.
ثم إن الدولة التركية آنذاك في عهد الإمام وإلى أن سقطت كانت واقعة تحت طائلة البدع والتصوف، فكانت تتبنى البدع، وتؤيد الطرق الصوفية، وتنشرها وتحميها، وتسخر لها الإمكانات والإدارات والأوقاف، ويتسابق ولاتها وأمراؤها إلى ذلك.
فأسهمت في ترسيخ بدع الأضرحة والقباب والمزارات والمشاهد البدعية، ووقع خلفاؤها المتأخرون تحت تأثير شيوخ الطرق البدعية، فانصرفت قلوبهم لغير الله، فانهزمت نفوسهم، وانحرفت عقيدتهم، واتجهت إلى طلب النفع ودفع الضر من غير الله، وأصيبت عباداتهم وأعمالهم بداء التصوف، وأصدق مثال على ذلك الرسالة التي وجدت حول قبر النبي صلى الله عليه وسلم من الخليفة العثماني سليم يتضرع فيها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من دون الله وفيها: " من عبيدك السلطان سليم وبعد، يا رسول الله قد نالنا الضر، ونزل بنا من المكروه ما لا نقدر على دفعه، واستولى عباد الصلبان على عباد الرحمن، نسألك النصر عليهم، والعون عليهم، وأن تكسرهم عنا. . . " (1) إلخ من العبارات الشركية--------------------------------------------
(1) الدرر السنية (1) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 299)
الصريحة التي تضاد دين الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والتي هي أعظم سبب لاستيلاء عباد الصليب على بلاد المسلمين، فهو يدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويسأله النصر والعون من دون الله، وهذا هو السبب الأول في هوان الدولة التركية وسقوطها، بل وهوان المسلمين عموما، ومع ذلك فإن الإمام وأتباعه لم يعلنوا الخروج على الخلافة، ولم يواجهوها ابتداء بأي شيء يدل على الخروج، ولما صارت لهم دولة وكيان وسلطان لم يعلنوا الخروج على الدولة العثمانية كذلك، لكنهم تعرضوا لعدوان مسلح وبكل الوسائل، ومتكرر من المجاورين لهم من أمراء الأحساء والحجاز ونجران وغيرهم، فكان من المشروع والطبيعي أن يصدوا العدوان بالجيوش والقتال.
وحين حدثت المواجهة الفعلية بين دولة الدعوة (الدولة السعودية الأولى) وبين أشراف مكة بعد وفاة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب (ت 1206) ، فلم تكن هذه المواجهة تقصد الخروج على الخلافة، إنما كانت لصد عدوان أشراف مكة وغيرهم في هجومهم المسلح مرات عديدة على الدولة السعودية ورعاياها والأقاليم التابعة لها.
ولرفع الظلم الذي تعرض له النجديون من منعهم من الحج سنين طويلة، وتعرضهم لصنوف العدوان، وما يستتبع ذلك من إزالة مظاهر الشرك والبدع ونشر التوحيد والعدل والأمن الذي هو هدف شرعي للدعوة، فزحفت جيوش الدعوة إلى الحجاز حتى دخلت مكة سلما بلا حرب.
فكان دخول مكة من قبل الأمير سعود بن عبد العزيز سنة (1218 هـ) صلحا بغير قتال، بل بأمان لأهل مكة، وبإقرار شريف مكة (عبد المعين) على إمارة مكة بعدما هرب منها الشريف (غالب) إلى جدة، وإقرار قاضيها المعين من الدولة العثمانية.
وقد أرسل الأمير سعود إلى السلطان سليم، واعترف له بلقب السلطان وأخبره بما حدث من هدم أشباه الوثنية، وإلغاء الضرائب، ونشر التوحيد والسنة والأمن والعدل.
وطلب منه أن يمنع " والي دمشق ووالي القاهرة من المجيء إلى هذا البلد المقدس بالمحمل والطبول والزمور، فإن ذلك ليس من الدين في شيء " (1) ولم يمنعهم من الحج كما يزعم الخصوم.--------------------------------------------
(1) انظر: إعادة ترتيب الخلافة (مقالات) لعجيل النشمي - الحلقة (55) مجلة المجتمع عدد (522) ص (37 - 39) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 300)
ولما توفي الأمير سعود بن عبد العزيز وتولى ابنه عبد الله بن سعود أكد للخليفة العثماني أنه يعلن الولاء للسلطان، لكن الشريف غالب كان يحول بين السلطان وبين تأكيد هذه الحقيقة، فقد ثبت أنه يزور رسائل ومكاتبات باسم الأمير السعودي تتضمن خلاف الواقع، بل ثبت أن أباه " سعود بن عبد العزيز كان يرسل رسائل للخليفة فيها النصح والولاء، وكان الشريف غالب يمنع وصولها.
ولما شعرت الدولة التركية بالخطر على سلطانها، لا سيما حين دخلت الدولة السعودية الحجاز وهيمنت على الأمور بجدارة، وأزالت مظاهر البدع والشركيات، ونشرت الأمن، ثارت ثائرة الأتراك وولاتهم في مصر والشام والعراق وغيرها.
ومن ثم حدثت المواجهة مع الأتراك وأتباعهم، وصارت الدولة التركية تحارب الدعوة علنا في سبيل نصرة البدع والمحدثات والمظاهر الشركية، وقصدت القضاء على دولة التوحيد والسنة، وحشدت كل ما تملك لذلك، فأرسلت إبراهيم باشا لهذا الغرض العدواني حتى قضى على الدولة السعودية الأولى ظاهرا، لكنها في الحقيقة بقيت حية في قلوب الناس وعواطفهم، ولذلك نهضت سريعا مرة أخرى.
وفي هذه الحال كان هذا مبررا كافيا لبعض علماء الدعوة - بعد وفاة الإمام - أن يعدوا ذلك نوعا من المحادة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، والصد عن دينه، الذي قد يكون كفرا، وعليه فإن الإمام محمد بن عبد الوهاب لم يكن ينزع إلى الخروج على الدولة التركية أصلا، ولم يستبح القتال إلى أن كان القتال ضرورة.
وكذلك حين قامت الدولة السعودية الثالثة - الحالية حرسها الله - على يد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، كانت الأمور سائرة على هذا الأصل، فقد أعلن الملك عبد العزيز أنه مقر لدولة الخلافة، ناصح لها، فقد أكد ولاءه للدولة العلية في رسالته للسلطان عبد الحميد المؤرخة في 1/9\1322 هـ، وقد أقرت الدولة العلية للملك عبد العزيز بسلطته على ما تحت يده (1) وبذلك تنتفي الشبهة ويزول الإشكال.
على أي حال فقد قامت في نجد دولة ذات سيادة مستقلة وكيان شرعي في بلد--------------------------------------------
(1) انظر: إعادة ترتيب أوراق الخلافة (مقالات) للنشمي الحلقة (60) مجلة المجتمع العدد (527) ، ص (38، 39) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 301)
ليس للخلافة عليه سلطان فعلي، يقول الإمام في ذلك: " والأمر الثاني: أن هذا الأمر الذي أنكروا علي، وأبغضوني وعادوني من أجله، إذا سألوا عنه كل عالم في الشام واليمن أو غيرهم يقول: هذا هو الحق، وهو دين الله ورسوله، ولكن ما أقدر أظهره في مكاني لأجل أن الدولة (العثمانية) ما يرضون، وابن عبد الوهاب أظهره لأن الحاكم في بلده ما أنكره، بل لما عرف الحق اتبعه، هذا كلام العلماء، وأظنه وصلك كلامهم " (1) .
فنجد أنه هنا ربط المسألة بحاكم بلده، ويبين ذلك قوله: " والذي يصدق كلامي هذا أن العالم ما يقدر يظهره، حتى من علماء الشام من يقول: هذا هو الحق، ولكن لا يظهره إلا من يحارب الدولة " (2) وفي هذا دلالة على أنه يرى أنه في حل مما كان يخشاه بعض علماء الشام حين اعترفوا أن ما جاء به حق، لكنهم كانوا في بلد للدولة العثمانية عليه سلطان مباشر، وليس عندهم حاكم تمتنع به الدعوة.
وبالجملة فإن الدعوة كانت ترعى حق الدولة العثمانية إلى أن بدأ العدوان من الولاة التابعين للدولة العثمانية في الأحساء والحجاز، وإلى أن تورطت الدولة العثمانية في الانحياز مع خصوم الدعوة، وأعلنت حماية الشركيات والبدع بالقوة، وقد ناقش الدكتور عجيل النشمي هذه المسألة مناقشة وافية ومستفيضة، أقتطف منها ما يلي:
" لم تكن بلاد نجد والجزيرة العربية - موطن نشأة الحركة الوهابية - أسعد حالا من بقية البلاد الإسلامية خصوصا في القرن الثامن عشر، حين ضعفت دولة الخلافة الإسلامية، وانشغلت بأوضاعها الداخلية ومشاكلها عن كثير من البلاد الإسلامية، الأمر الذي أضعف سلطتها في تلك البقاع، وقعد بها دون ملاحقة ما يدور فيها من خلافات ومشاكل، وأدت إلى كثير من الحروب الطاحنة.
ولعل من سوء حظ بلاد نجد وعلى الخصوص أنها لم تلق العناية الكافية، بل لم تلق--------------------------------------------
(1) الدرر السنية (1) .
(2) الدرر السنية (1) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 302)
أي عناية من الدولة العثمانية، فإقليم نجد لم يخضع للدولة العثمانية، أو بمعنى أصح لم تسع الدولة العثمانية لإخضاعه إخضاعا تاما، فلم يظهر ضمن قائمة التقسيمات الإدارية التي وضعت في أوائل القرن السابع عشر، وظل معمولا بها حتى القرن التاسع عشر، فلم يشهد الإقليم ولاة عثمانيين يأتون إليه، ولا حماية تركية تجوب خلال دياره ".
وموقف الدولة العثمانية لا غبار عليه إذا أخذنا بالاعتبار ضعف الدولة عموما، وعدم أهمية بلاد نجد بشكل عام إذا قيست بأقطار أخرى أكثر أهمية منها، ولذلك حرصت دولة الخلافة أن تكون لها صوت مع أطراف نجد، وعلى الخصوص في الأحساء والحجاز، والأحساء لموقعها الإستراتيجي العسكري، والحجاز لموقعها الديني في ضمها لأقدس البقاع وقبلة المسلمين ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم، فهو ملتقى المسلمين في حجهم أو عمرتهم.
وكانت نجد عبارة عن دويلات أو إمارات صغيرة، يستقل بكل إمارة أسرة أو قبيلة، وكانت العلاقات بين تلك الإمارات تقوم على حب السيطرة وانتهاز الفرص لتوسيع رقعة الإمارة، فكانت الثارات والحروب مستمرة مستعرة بينهم، وكانت أشهر تلك الأسر النجدية أسرة آل سعود في الدرعية، وآل زامل في الخرج، وآل معمر في العيينة، وأسرة دهام بن دواس في الرياض.
وتتبع كل أسرة أو بلد عدة من القرى، وكانت النزاعات والحروب تثور أيضا بين تلك القرى والبلدة ذاتها، وهذا الوضع السياسي ابتداء بموقف الدولة العثمانية، وانتهاء بالدويلات النجدية القبلية، سبب بلا شك ظهور قطاع الطرق، واضطراب الحياة، وانتشار الفوضى والظلم، ولم يسلم من الفتك حتى الوعاظ والعلماء، بل لم يكن نصيبهم إلا الإهانة والقتل " (1) .
ويقول الدكتور عجيل جاسم النشمي في مقالته: (دولة الخلافة والحركة الوهابية) :
" ولم يكن أحد من المسلمين الغيارى الواعين يرى أن علاج دولة الخلافة بإعلان الحرب عليها وتقطيع أوصالها ".--------------------------------------------
(1) إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة (الوهابية أولى الحركات الإسلامية) الحلقة (30) ص (46) مجلة المجتمع العدد (491) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 303)
" فما هو موقف الشيخ محمد بن عبد الوهاب صاحب أول حركة إسلامية معاصرة لمرحلة السقوط؟ هل كان يرى عداءها والخروج عليها؟ هل كان مجتهدا مخطئا، أم كان يرى بقاءها، وقام بحركته لإسنادها وتجديد وجهها، وإعادتها إلى صفاء العقيدة وسلامتها؟ هذا ما نحاول الإجابة عنه في هذه الحلقة والحلقات القادمة " (1) .
ثم قال: " بعد الاستقصاء نستطيع القول باطمئنان إن كتابات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ليس فيها تصريح بموقف عدائي ضد دولة الخلافة، وغاية ما يمكن أن يقع عليه نظر الباحث تلميحات في هذا الخصوص لا ترقى إلى تكوين رأي معاد لدولة الخلافة " (2) ثم ذكر الأدلة على ذلك وقال: " وهكذا كانت سياسة الشيخ وموقفه تجاه بلاد الحجاز مكة والمدينة طوال حياته، ولم يؤثر عنه تحريض واستعداء أو دعوة لحربها أو الاستيلاء عليها؛ لشعوره أن ذلك الفعل قد يفسر على أنه خروج على دولة الخلافة، وكان يكفيه بإزائها الوعظ وتوصيل الدعوة وإنكار المنكر. . " (3) .
وقال: " وهكذا كانت مواقف الشيخ محمد بن عبد الوهاب العملية في القتال ونشر الدعوة، وبالقوة على البلدان المجاورة داخل الجزيرة، فلم يكن يقصد حرب دولة الخلافة، فلم يتطاول على بلاد الحجاز إطلاقا، وظلت سياسته على هذا طوال حياته " (4) .
قلت (5) وكذلك بعد وفاته سارت الدعوة ودولتها على هذا المنهاج، إلى أن تتابع عليهم العدوان المسلح من قبل أمراء الحجاز، وغزوهم في ديارهم وقاتلوهم، ومنعوهم حقهم المشروع، وهو أداء فريضة الحج، واستعدوا عليهم الأتراك وغيرهم، بل شنوا عليهم حملة إعلامية نكراء في سائر بلاد المسلمين، فكان لا بد مما ليس منه بد.--------------------------------------------
(1) إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة (الوهابية أولى الحركات الإسلامية) الحلقة (44) ص (42) العدد (506) .
(2) إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة (الوهابية أولى الحركات الإسلامية) الحلقة (44) ص (43) العدد (506) .
(3) إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة (الوهابية أولى الحركات الإسلامية) الحلقة (47) ، ص (39) العدد (510) .
(4) إعادة ترتيب أوراق سقوط الخلافة (دولة الخلافة والحركة الوهابية) للدكتور عجيل النشمي الحلقة (47) ، العدد (510) .
(5) الكلام للباحث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 304)