[الفصل الرابع شهادات الناس للدعوة قديما وحديثا]
[المبحث الأول وقفة مع الشهادات]
الفصل الرابع
شهادات الناس للدعوة قديما وحديثا
المبحث الأول
وقفة مع الشهادات إن من أقوى الوسائل لفصل النزاع بين المختلفين بعد التحاكم إلى الأصول الشرعية، والبراهين العقلية، شهادات الآخرين، وقد شهد لهذه الدعوة المباركة، وإمامها وعلمائها ودولتها وأتباعها، كثيرون من أهل العلم والفكر والفضل والإنصاف، من العلماء والأدباء والمفكرين والساسة والدعاة وغيرهم من المؤيدين والمعارضين والمحايدين، من المسلمين وغير المسلمين، ومن كل بلاد العالم، ومنذ نشأة الدعوة إلى يومنا هذا.
وكل الذين شهدوا لهذه الدعوة وإمامها وعلمائها ودولتها وأتباعها كانوا يستندون في شهادتهم لها إلى البراهين والدلائل القاطعة، التي لا يمكن أن يتجاوزها المنصف إلا معترفا بها، ولا ينكرها إلا مكابر، وهذه الدلائل بحمد الله شرعية وعلمية وواقعية، وأول هذه الدلائل واقع الحال الذي عليه هذه الدعوة ودعاتها وعلماؤها وحكامها ودولتها وأتباعها في العقيدة والأحكام، والسلوك والتعامل.
فإن فيما قاله أهلها وكتبوه وفعلوه، وفي آثار هذه الدعوة الدينية والدنيوية، العلمية والعملية، في العقيدة والنظام والسياسة، وسائر مناحي الحياة ومناشطها، ما يشهد بالحق، ويدحض الشبهات والمزاعم والتخرصات والاتهامات، علما بأن الدعوة ودولتها لا تملك من وسائل الدعاية والإغراء المادي ما يملكه خصومها، كالأتراك وأشراف مكة والبلاد المجاورة وغير المجاورة.
نعم إن سائر الذين شهدوا لهذه الدعوة قد برهنوا على ما ذهبوا إليه بالحجة والبرهان، بعيدا عن العصبية والهوى والتعسف، وبعيدا عن المؤثرات أيا كان نوعها، ولو اقتصرنا في الدفاع عن الدعوة على أقوال المحايدين وكثير من الخصوم في إنصافها والدفاع عنها، لكان ذلك كافيا في تقرير الحق ودفع الباطل، وفي بيان الحقيقة ورد الشبهات، وإقناع من كان قصده الحق والتجرد من الهوى.
أما من كان دافعه الهوى والحسد أو العصبية أو المذهبية أو نحو ذلك من الدوافع الصارفة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 307)
عن الحق فلا حيلة فيه، كما قال الله تعالى في هذه الأصناف وأمثالهم من أسلافهم: {وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ - فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الأنعام: 4 - 5] [سورة الأنعام، الآيات: 4، 5] .
فإذا كانت أحوال الدعوة وأقوالها ومؤلفاتها ومواقفها وشهادات عقلاء الناس تشهد لها، فهل بعد هذا البيان من بيان؟ ومن يضلل الله فلا هادي له من بعده، والله حسبنا ونعم الوكيل.
وإنه لمن المفيد بهذا الصدد التأكيد على أن الشهادات التي شهد بها كثيرون لهذه الدعوة المباركة كانت صادقة وطواعية، ونابعة من الضمير، فلم تكن نتيجة إغراءات ولا تطلعات، ولا تضليل إعلامي ولا دعاية، ولا ضغط سياسي، ولا إرجاف ولا تهديد ووعيد (لا رغبة ولا رهبة) ؛ لأن أتباع الدعوة ورجالها لم يكونوا يملكون شيئا من ذلك إلا الحجة والبرهان (الدليل الشرعي والعقلي) لكل من ألقى السمع وهو شهيد، ولذلك جاءت شهادة المنصفين مفعمة بالصدق والشفافية والحماس البريء، وخالية من أساليب المجاملات وأي من أشكال التكلف أو دوافع الرغبة أو الرهبة.
والمتأمل للتزكيات والشهادات والأحكام والانطباعات الكثيرة في حق الإمام محمد بن عبد الوهاب وعلماء الدعوة ودولتها وأتباعها يجد منها ما هو شامل، ومنها ما هو جزئي، لكنها كلها تتفق على أن الدعوة ليست كما رماها الجاهلون، وبهتها الخصوم.
ونتائج التزكيات والشهادات التي شهد بها الناس من المحايدين والمنصفين من المسلمين وغير المسلمين تتلخص بما يلي:
1 - لقد شهدوا أن هذه الدعوة المباركة تمثل الإسلام الحق، فقد جددت السنة كما جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون وسلف الأمة، وحاربت البدع بكل صورها وأشكالها ومظاهرها، وهذه الحقيقة هي أكثر الحقائق وضوحا أمام الشهود، وأكثرها تنويها.
2 - وشهدوا أنها جاءت بالعلاج الناجع لأدواء الأمة الإسلامية اليوم في العقيدة والعبادات والمعاملات علاجا شاملا، وأكثر الذين شهدوا بهذه الحقيقة كانوا يستندون إلى الواقع الذي تعيشه في مجتمعها ودولتها، لا سيما من البلاد التي تشملها الدولة السعودية المعاصرة، التي تميزت بحمد الله بصفاء العقيدة وظهور شعائر الدين، واختفاء البدع ومظاهرها.
3 - أنها تميزت بالأصالة والنقاء، حيث تمثل الإسلام في شموله، والسنة في صفائها، كما تميزت بإظهار خصائص الدين الإسلامي من التوحيد والشمولية والعدل ونحو ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 308)
4 - وشهدوا أنها حققت الغايات التي جاء بها الإسلام، من تعبيد الناس لله وحده لا شريك له، وطاعة الله، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإقامة فرائض الدين، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتطبيق الحدود، وتحكيم الشريعة الإسلامية في كل شئون الحياة، وابتغاء مرضاة الله والدار الآخرة.
5 - وشهدوا أنها رفعت المظالم والمكوس والضرائب التي تثقل كواهل الناس، وسعت إلى تحقيق العدل بالتحاكم إلى شرع الله، وتطبيق نظام القضاء بمقتضى الشريعة الإلهية.
6 - وشهدوا أنها حررت العقول والنفوس من التعلق بغير الله، من التعلق بالبدع والأوهام، والدجل والشعوذة ونحو ذلك.
7 - وشهدوا أنها هي الرائد الأول في أسباب النهضة العلمية والفكرية والأدبية الحديثة في جزيرة العرب وما حولها، وسائر البلاد العربية والإسلامية.
8 - وشهدوا أنها الرائد الأول لحركات الإصلاح والتحرير الحديثة في العالم الإسلامي، وأنها تمثل الأنموذج الصحيح في الدعوة في العصر الحديث، إذ تواترت الشهادات بأن هذه الدعوة المباركة قد تميزت عن الحركات الإصلاحية والدعوات المعاصرة بأنها مثلت الدين الحق، ومنهج الدعوة السليم من حيث الشمولية، مع التركيز على الأهم، وترتيب الأولويات، وإصلاح العقائد والقلوب، وتحرير العقول، وإصلاح الأفراد والمجتمعات، وتخليص الأمة من البدع والأهواء والفرقة والإعراض والتقليد والعصبية، والتزام منهج السلف الصالح في الدعوة ووسائلها وأهدافها وغاياتها.
9 - كما شهد كثير منهم بأن هذه الدعوة بأصولها ومناهجها وتجاربها هي المؤهلة بأن تنهض بالأمة الإسلامية اليوم، وتعيدها إلى سابق مجدها، وتجمع شملها على الكتاب والسنة ونهج السلف الصالح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 309)
[المبحث الثاني سرد لأسماء بعض الشهود من العلماء والمفكرين والباحثين العرب المسلمين وغير المسلمين]
المبحث الثاني
سرد لأسماء بعض الشهود من العلماء
والمفكرين والباحثين العرب المسلمين (1) وغير المسلمين (2) ما حظيت دعوة من الدعوات الإصلاحية الحديثة بالتأييد والاعتراف والإنصاف والإشادة والإعجاب من عقلاء الناس من المسلمين وغير المسلمين كما حظيت هذه الدعوة، رغم كثرة خصومها وأعدائها الألداء، فقد شهد لها عدد لا يكاد يحصى من سائر الأقاليم والبلاد العربية والإسلامية والأجنبية من المسلمين وغير المسلمين.
من العلماء والمفكرين والأدباء العرب: أبو السمح عبد الظاهر المصري (مصر) . أبو راس الناصر المغربي (المغرب) . أحمد أمين (مصر) . أحمد السباعي (الحجاز) . أحمد العسة. أحمد بن مشرف الأحسائي (الأحساء) . أحمد حسين (مصر) . أحمد سعيد البغدادي (العراق) . أحمد شلبي (مصر) . أحمد عبد الغفور عطار (الحجاز) . أمين سعيد (الشام) . جمال الدين القاسمي (الشام) . حافظ وهبة (مصر) . حسين بن غنام الأحسائي (الأحساء) . حسين بن مهدي النعيمي (اليمن) . خير الدين الزركلي (الشام) . صالح بن دحيل الجار الله (العراق) . طاهر الجزائري (الشام) . طه حسين (مصر) . عباس محمود العقاد (مصر) . عبد الرحمن الجبرتي (مصر) . عبد الرحمن راتب عميرة (مصر) . عبد الرزاق البيطار (الشام) . عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم. عبد الفتاح الغنيمي (اليمن) . عبد العزيز بن عبد الله الشاوي (العراق) .--------------------------------------------
(1) لم أذكر أحدا من علماء الدعوة، ولا من أهل نجد لأنهم قد يتهمون بالتحيز.
(2) راجع كتاب الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب في التاريخ للرويشد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 311)
عبد الكريم الخطيب (مصر) . عبد القادر التلمساني. عبد المتعال الصعيدي (مصر) . عبد الكريم بن فخر الدين الهندي (الهند) . علي السويدي (العراق) . عثمان البصري الوائلي (العراق) . علي عبد الحليم محمود (مصر) . علي طنطاوي (الشام) . الغزالي خليل عبد (مصر) . عمر أبو النصر (مصر) . فؤاد حمزة. محب الدين الخطيب (مصر) . محمد أبو زهرة (مصر) . محمد بن أحمد الحفظي (اليمن) . محمد بن إسماعيل الصنعاني (اليمن) . محمد بن علي السنوسي (الحجاز) . محمد بن علي الشوكاني (اليمن) . محمد بن ناصر الشريف التهامي (الحجاز) . محمد بهجة الأثري (العراق) . محمد تقي الدين الهلالي (المغرب) . محمد جميل بيهم (العراق) . محمد جلال كشك. محمد حامد الفقي (مصر) . محمد جميل غازي (مصر) . محمد رشيد رضا (الشام ومصر) . محمد خليل هراس (مصر) . محمد ضياء الدين الريس (العراق) . محمد شويل المدني. محمد عبده (مصر) . محمد عبد الله ماضي (العراق) . محمد فتحي عثمان (مصر) . محمد عبده ناشر (اليمن) . محمد محمد حسين (مصر) . محمد كامل القصاب (الشام) . محمود شكري الألوسي (العراق) . محمد ناصر الدين الألباني (الشام) . محمد كامل ضاهر. محمود مهدي الإستانبولي (الشام) . مصطفى الحفناوي. مناع القطان (مصر) . منير العجلاني (الشام) . وهبة الزحيلي (الشام) .
ومن المفكرين والأدباء غير العرب: الأمير شكيب أرسلان (الشام) . جودت باشا تركي (تركيا) . الشاه ولي الله الدهلوي صديق خان (الهند) . عثمان بن فودي الأفريقي (أفريقيا) . عمران بن علي بن رضوان الفارسي. غلام رسول مهر (الهند) . محمد إقبال (الهند) . محمد بشير السهسواني الهندي (الهند) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 312)
محمد كرد علي (الشام) . محمد يوسف (الهند) . مسعود الندوي (الهند) . منح هارون (الهند) . ومن المفكرين والأدباء من غير المسلمين (1)
المؤرخ الألماني داكوبرت فون ميكوس. لوثروب ستودارد. المستشرق الألماني كارل بروكلمان. الأستاذ ويلفرد كانتول. المستشرق النمساوي جولد زيهر. المستشرق البريطاني جب. البروفسور ألبرت حوراني. ودائرة المعارف البريطانية. فيليب حتي. الكاتب الألماني ف. و. فرنو. المؤرخ الفرنسي مانجان. بلغريف. المستشرق الدانمركي كارستل نيبوهر. الكاتب الفرنسي أوليفييه كورانسيز. البروفسور الفرنسي برنارد لويس. المؤرخ السوفييتي فلادميير لوتكس. جواهر لال نهرو. البجيكي دوزي. بركارت. ويلمز. برانجس. باديا. هنري لاوست. روسو.--------------------------------------------
(1) يلاحظ أن بعض هؤلاء قد يكون له (مع الاعتراف بفضل هذه الدعوة) آراء غير جيدة وأحكام غير سليمة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 313)
[المبحث الثالث نماذج من شهادات المسلمين من العرب وغيرهم]
المبحث الثالث
نماذج من شهادات المسلمين من العرب وغيرهم كثيرون جدا أولئك الذين شهدوا لهذه الدعوة الإصلاحية من المسلمين من العرب والعجم، سواء منهم من تأثروا بمبادئ الدعوة، أو من بقوا على اتجاهاتهم المخالفة، لكنهم شهدوا بالحق، وقد ذكرت في هذا المبحث نماذج من تلك الشهادات فحسب، ومن ذلك:
* شهادة محمد بن رشيد رضا في مقدمة كتاب " صيانة الإنسان " للسهسواني، مبينا فيها أنه كان متأثرا بالدعاية المضادة للدعوة، وأن عامة المسلمين كذلك، وأنه تحقق من كتب الدعوة وحالها أن الدعاية كاذبة، وأن الخصوم يفترون عليها الكذب.
حيث قال: " كنا نسمع من صغرنا أخبار الوهابية المستمدة من رسالة دحلان هذا ورسائل أمثاله، فنصدقها بالتبع لمشايخنا وآبائنا، ونصدق أن الدولة العثمانية هي حامية الدين، ولأجله حاربتهم وخضدت شوكتهم، وأنا لم أعلم بحقيقة هذه الطائفة إلا بعد الهجرة إلى مصر، والاطلاع على تاريخ الجبرتي، وتاريخ الاستقصا في أخبار المغرب الأقصى، فعلمت منهما أنهم هم الذين كانوا على هداية الإسلام دون مقاتليهم.
وأكده الاجتماع بالمطلعين على التاريخ من أهلها، ولا سيما تواريخ الإفرنج الذين بحثوا عن حقيقة الأمر، فعلموها وصرحوا أن هؤلاء الناس أرادوا تجديد الإسلام وإعادته إلى ما كان عليه في الصدر الأول، وإذا لتجدد مجده، وعادت إليه قوته وحضارته، وأن الدولة العثمانية ما حاربتهم إلا خوفا من تجديد ملك العرب، وإعادة الخلافة الإسلامية سيرتها الأولى على أن العلامة الشيخ عبد الباسط الفاخوري مفتي بيروت كان ألف كتابا في تاريخ الإسلام ذكر فيه الدعوة التي دعا إليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وقال إنها عين ما دعا إليه النبيون والمرسلون، ولكنه قال إن الوهابيين في عهده متشددون في الدين، وقد عجبنا له كيف تجرأ على مدحهم في عهد السلطان عبد الحميد، ورأيت شيخنا الشيخ محمد عبده في مصر على رأيه في هداية سلفهم، وتشدد خلفهم، وأنه لولا ذلك لكان إصلاحهم عظيما ورجا أن يكون عاما، وقد ربى الملك عبد العزيز الفيصل أيده الله غلاتهم المتشددين منذ سنتين بالسيف تربية يرجى أن تكون تمهيدا لإصلاح عظيم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 315)
ثم اطلعت على أكثر كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ورسائله وفتاويه وكتب أولاده وأحفاده ورسائلهم ورسائل غيرهم من علماء نجد في عهد هذه النهضة التجديدية، فرأيت أنه لم يصل إليهم اعتراض ولا طعن فيهم إلا وأجابوا عنه، فما كان كذبا عليهم قالوا: {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور: 16] ، وما كان صحيحا أو له أصل بينوا حقيقته وردوا عليه، وقد طبعت أكثر كتبهم، وعرف الألوف من الناس أصل تلك المفتريات عنهم " (1) .
شهادة علماء مكة بعد دخول الدولة السعودية الأولى للحجاز، وحين اطلع علماء مكة وغيرهم على الدعوة ومنهجها عن كثب وحاوروا علماءها وأميرها سعود بن عبد العزيز، وعرفوا أنها هي الدين الحق، واعترفوا بهذه الحقيقة قالوا:
" نشهد - نحن علماء مكة، الواضعون خطوطنا، وأختامنا في هذا الرقيم - أن هذا الدين الذي قام به الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى -، ودعا إليه إمام المسلمين سعود بن عبد العزيز، من توحيد الله، ونفي الشرك، الذي ذكره في هذا الكتاب، أنه هو الحق الذي لا شك فيه ولا ريب.
أشهد بذلك، وكتبه الفقير إلى الله تعالى: عبد الملك بن عبد المنعم القلعي الحنفي، مفتي مكة المكرمة، عفا عنه، وغفر له (2) .
ثم شهد به كل من محمد صالح بن إبراهيم، مفتي الشافعية بمكة، ومحمد بن محمد عربي البناني، مفتي المالكية بمكة المشرفة، ومحمد بن أحمد المالكي، وعبد الحفيظ بن درويش العجيمي، وزين العابدين جمل الليل، وعلي بن محمد البيتي، وعبد الرحمن جمال، وبشر بن هاشم الشافعي " (3) .
وشهد بذلك وأقر به الشريف غالب، وكان من ألد أعداء الدعوة قائلا: " الحمد لله رب العالمين، أشهد أن هذا الدين الذي قام به الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ودعانا إليه إمام المسلمين سعود بن عبد العزيز، من توحيد الله عز وجل، ونفي الشرك له، وهو الدين الحق الذي--------------------------------------------
(1) مقدمة صيانة الإنسان (8، 9) .
(2) الدرر السنية (314) .
(3) الدرر السنية (315) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 316)
جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وكتبه الشريف غالب بن مساعد، غفر الله له آمين؛ الشريف غالب " (1) .
وقد شهد العلامة الشوكاني بأن هذه الدعوة أخرجت الناس في البلاد التي تمكنت منها من الظلمات والبدع والجاهليات إلى إقامة فرائض الدين وشعائر الإسلام، مع تحفظه على بعض الخطابات التي تقال عن هذه الدعوة وأميرها، فقال:
فإن صاحب نجد تبلغ عنه قوة عظيمة لا يقوم لمثلها صاحب الترجمة (2) فقد سمعنا أنه قد استولى على بلاد الحسا والقطيف وبلاد الدواسر، وغالب بلاد الحجاز ومن دخل تحت حوزته أقام الصلاة والزكاة والصيام، وسائر شعائر الإسلام، ودخل في طاعته من عرب الشام الساكنين ما بين الحجاز وصعدة غالبهم إما رغبة وإما رهبة، وصاروا مقيمين لفرائض الدين بعد أن كانوا لا يعرفون من الإسلام شيئا، ولا يقومون بشيء من واجباته إلا مجرد التكلم بلفظ الشهادتين على ما في لفظهم بها من عوج، وبالجملة فكانوا جاهلية جهلاء كما تواترت بذلك الأخبار إلينا، ثم صاروا الآن يصلون الصلوات لأوقاتها، ويأتون بسائر الأركان الإسلامية على أبلغ صفاتها، ولكنهم يرون أن من لم يكن داخلا تحت دولة صاحب نجد وممتثلا لأوامره خارج عن الإسلام (3) .
ولقد أخبرني أمير حجاج اليمن السيد محمد بن حسين المراجل الكبسي أن جماعة منهم خاطبوه هو ومن معه من حجاج اليمن بأنهم كفار، وأنهم غير معذورين عن الوصول إلى صاحب نجد لينظر في إسلامهم، فما تخلصوا منه إلا بجهد جهيد (4) وقد صارت جيوش صاحب نجد في بلاد يام، وفي بلاد السراة المجاورة لبلاد أبي عريش، ومن تبعه من هذه الأجناس اعتبط بمتابعته، وقاتل من يجاوره من الخارجين عن طاعته، فبهذا السبب صار معظم تلك البلاد راجعا إليه، وتبلغنا عنه أخبار الله أعلم بصحتها، ومن ذلك أنه يستحل دم من استغاث بغير الله من نبي أو ولي أو غير ذلك، ولا ريب أن ذلك إذا كان من اعتقاد تأثير--------------------------------------------
(1) الدرر السنية (316) .
(2) يقصد الشريف غالب.
(3) ليس الكلام على إطلاقه، راجع دعوى التكفير السابقة في هذا البحث.
(4) ليس هذا منهجهم، وقد يكون هؤلاء من الأعراب والمتعجلين الذين يفتاتون على الدعوة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 317)
المستغاث به كتأثير الله كفر يصير به صاحبه مرتدا كما يقع في كثير من هؤلاء المعتقدين للأموات الذين يسألونهم قضاء حوائجهم، ويعولون عليهم زيادة على تعويلهم على الله سبحانه، ولا ينادون الله - جل وعلا - إلا مقترنا بأسمائهم، ويخصونهم بالنداء منفردين عن الرب، فهذا من الكفر الذي لا شك فيه ولا شبهة، وصاحبه إذا لم يتب كان حلال الدم والمال كسائر المرتدين، ومن جملة ما يبلغنا عن صاحب نجد أنه يستحل سفك دم من لم يحضر الصلاة في جماعة (1) وهذا إن صح غير مناسب لقانون الشرع، نعم من ترك صلاة فلم يفعلها منفردا ولا في جماعة فقد دلت أدلة صحيحة على كفره، وعورضت بأخرى، فلا حرج على من ذهب إلى القول بالكفر، إنما الشأن في استحلال دم من ترك مجرد الجماعة ولم يتركها منفردا.
وتبلغ أمور غير هذه الله أعلم بصحتها، وبعض الناس يزعم أنه يعتقد اعتقاد الخوارج، وما أظن ذلك صحيحا، فإن صاحب نجد وجميع أتباعه يعملون بما تعلموه من محمد بن عبد الوهاب، وكان حنبليا، ثم طلب الحديث بالمدينة المشرفة، فعاد إلى نجد، وصار يعمل باجتهادات جماعة من متأخري الحنابلة كابن تيمية وابن القيم وأضرابهما، وهما من أشد الناس على معتقدي الأموات، وقد رأيت كتابا من صاحب نجد الذي هو الآن صاحب تلك الجهات أجاب به على بعض أهل العلم، وقد كاتبه وسأله بيان ما يعتقده، فرأيت جوابه مشتملا على اعتقاد حسن موافق للكتاب والسنة، فالله أعلم بحقيقة الحال.
وأما أهل مكة فصاروا يكفرونه، ويطلقون عليه اسم الكافر (2) وبلغنا أنه وصل إلى مكة بعض علماء نجد لقصد المناظرة، فناظر علماء مكة بحضرة الشريف في مسائل تدل على ثبات قدمه، وقدم صاحبه في الدين.
وفي سنة (1215) وصل من صاحب نجد المذكور مجلدان لطيفان أرسل بهما إلى حضرة مولانا الإمام حفظه الله، أحدهما يشتمل على رسائل لمحمد بن عبد الوهاب كلها في الإرشاد إلى إخلاص التوحيد، والتنفير من الشرك الذي يفعله المعتقدون في القبور، وهي رسائل جيدة مشحونة بأدلة الكتاب والسنة، والمجلد الآخر يتضمن الرد على جماعة من--------------------------------------------
(1) هذه من مفتريات الخصوم، فإن المتتبع لأقوال علماء الدعوة وأعمالهم وفتاواهم يجد الأمر خلاف ذلك.
(2) وهذه شهادة من محايد ثقة عالم بأن خصوم الدعوة يكفرون، ومن يكفرون؟ يكفرون أهل السنة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 318)
المقصرين من فقهاء صنعاء وصعدة ذاكروه في مسائل متعلقة بأصول الدين، وبجماعة من الصحابة، فأجاب عليهم جوابات محررة مقررة محققة، تدل على أن المجيب من العلماء المحققين العارفين بالكتاب والسنة، وقد هدم عليهم جميع ما بنوه، وأبطل جميع ما دونوه؛ لأنهم مقصرون متعصبون، فصار ما فعلوه خزيا عليهم وعلى أهل صنعاء وصعدة، وهكذا من تصدر ولم يعرف مقدار نفسه، وأرسل صاحب نجد مع الكتابين المذكورين بمكاتبة منه إلى سيدي المولى الإمام، فدفع حفظه الله جميع ذلك إلي، فأجبت عن كتابه الذي كتب إلى مولانا الإمام حفظه الله على لسانه بما معناه أن الجماعة الذين أرسلوا إليه بالمذاكرة لا ندري من هم، وكلامهم يدل على أنهم جهال، والأصل والجواب موجودان في مجموعي.
وفي سنة (1217) دخلت بلاد أبي عريش وأشرافها في طاعة صاحب نجد، ثم تزلزلت الديار اليمنية بذلك، واستولى أصحابه على بعض ديار تهامة، وجرت أمور يطول شرحها، وهي الآن في سريان، وقد أفردت ما بلغنا من ذلك في مصنف مستقل؛ لأن هذه الحادثة قد عمت وطمت، وارتجفت لها أقطار الديار الشامية والمصرية والعراقية والرومية، بل وسائر الديار، ولا سيما بعد دخول أصحاب النجدي مكة المشرفة، وطرد أشرافها عنها، ولله أمر هو بالغه.
ثم في سنة (1222) وصل إلينا جماعة من صاحب نجد سعود بن عبد العزيز، لبعضهم معرفة في العلم، ومعهم مكاتيب من سعود إلى الإمام المنصور بالله -رحمه الله تعالى-، وإلي أيضا، ثم وصل جماعة آخرون كذلك في سنة (1227) ، ثم وصل جماعة آخرون كذلك في سنة (1228) ، ودار مع هؤلاء الواردين ومع غيرهم من المكاتبة ما لا يتسع المقام لبسطه " (1) .
* ويشهد المؤرخ الشهير عبد الرحمن الجبرتي للدعوة وأهلها فيقول في حوادث سنة (1221 هـ) :
" وفي هذه الأيام أيضا وصلت الأخبار من الديار الحجازية بمسالمة الشريف غالب للوهابيين؛ وذلك لشدة ما حصل لهم (2) من المضايقة الشديدة، وقطع الجالب عنهم من كل ناحية حتى وصل ثمن الأردب المصري من الأرز خمسمائة ريال، والأردب البر ثلاثمائة--------------------------------------------
(1) البدر الطالع (525 - 527) .
(2) يعني أهل مكة قبل دخول الإمام سعود.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 319)
وعشرة، وقس على ذلك السمن والعسل وغير ذلك، فلم يسع الشريف إلا مسالمتهم والدخول في طاعتهم، وسلوك طريقتهم، وأخذ العهد على دعاتهم وكبيرهم بداخل الكعبة، وأمر بمنع المنكرات والتجاهر بها وشرب الأراجيل بالتنباك في المسعى وبين الصفا والمروة، وبالملازمة على الصلوات في الجماعة، ودفع الزكاة، وترك لبس الحرير والمقصبات، وإبطال المكوس والمظالم.
وكانوا (1) خرجوا عن الحدود في ذلك، حتى إن الميت يأخذون عليه خمسة فرانسة وعشرة بحسب حاله، وإن لم يدفع أهله القدر الذي يتقرر عليه فلا يقدرون على رفعه ودفنه، ولا يتقرب إليه الغاسل ليغسله حتى يأتيه الإذن، وغير ذلك من البدع والمكوس والمظالم التي أحدثوها على المبيعات والمشتروات على البائع والمشتري.
ومصادرات الناس في أموالهم ودورهم، فيكون الشخص من سائر الناس جالسا بداره، فما يشعر على حين غفلة منه إلا والأعوان يأمرونه بإخلاء الدار وخروجه منها، ويقولون: إن سيد الجميع محتاج إليها، فإما أن يخرج منها جملة وتصير من أملاك الشريف، وإما أن يصالح عليها بمقدار ثمنها أو أقل أو أكثر.
فعاهده (2) على ترك ذلك كله، واتباع ما أمر الله تعالى به في كتابه العزيز، من إخلاص التوحيد لله وحده، واتباع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه الخلفاء الراشدون والصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون إلى آخر القرن الثالث، وترك ما حدث في الناس من الالتجاء لغير الله من المخلوقين الأحياء والأموات في الشدائد والمهمات، وما أحدثوه من بناء القباب على القبور والتصاوير والزخارف، وتقبيل الأعتاب والخضوع والتذلل والمناداة والطواف والنذور، والذبح والقربان وعمل الأعياد والمواسم لها، واجتماع أصناف الخلائق، واختلاط النساء بالرجال، وباقي الأشياء التي فيها شركة المخلوقين مع الخالق في توحيد الألوهية التي بعثت الرسل إلى مقاتلة من خالفها؛ ليكون الدين كله لله،--------------------------------------------
(1) يعني أهل مكة قبل دخول الإمام سعود.
(2) يقصد أن الشريف غالبا عاهد سعودا على هذه الأمور المذكورة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 320)
فعاهده على منع ذلك كله، وعلى هدم القباب المبنية على القبور والأضرحة؛ لأنها من الأمور المحدثة التي لم تكن في عهده.
بعد المناظرة مع علماء تلك الناحية وإقامة الحجة عليهم بالأدلة القطعية التي لا تقبل التأويل من الكتاب والسنة وإذعانهم لذلك، فعند ذلك أمنت السبل، وسلكت الطريق بين مكة والمدينة، وبين مكة وجدة والطائف، وانحلت الأسعار، وكثر وجود المطعومات، وما يجلبه عربات الشرق إلى الحرمين من الغلال والأغنام والأسمان والأعسال حتى بيع الأردب من الحنطة بأربعة ريالات.
واستمر الشريف غالب يأخذ العشور من التجار، وإذا نوقش في ذلك يقول: هؤلاء مشركون، وأنا آخذ من المشركين، لا من الموحدين " (1) .
* ويقول الأستاذ محمود شكري الألوسي عن عقيدة أهل نجد ومنهجهم، وأنهم على نهج السلف الصالح:
" والحاصل أن مذهبهم في أصول الدين مذهب أهل السنة والجماعة، وأن طريقتهم طريقة السلف التي هي الطريق الأسلم، بل الأحكم، وهي أنهم يقرون آيات الصفات والأحاديث على ظاهرها، ويكلون معناها إلى الله تعالى كما قال الإمام مالك في الاستواء، ويعتقدون أن الخير والشر كله بمشيئة الله تعالى ".
" وأما ما يكذب عليهم بأنهم يفسرون القرآن برأيهم، ويأخذون من الحديث ما وافق فهمهم من دون مراجعة شرح، ولا معول في شيخ، وأنهم يضعون من رتبة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه ليس له شفاعة، وأن زيارته غير مندوبة، وأنهم لا يعتمدون أقوال العلماء، وأنهم يتلفون مؤلفات أهل المذاهب لكون الحق والباطل فيها، وأنهم مجسمة، وأنهم يكفرون الناس على الإطلاق من بعد الستمائة إلى هذا الزمان إلا من كان على ما هم عليه، وأنهم لا يقبلون بيعة أحد إلا إذا أقر عليه أنه كان مشركا، وأن أبويه ماتا على الشرك بالله، وأنهم ينهون عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وأنهم يحرمون زيارة القبور المشروعة مطلقا، وأنهم لا يرون حقا لأهل البيت، وأنهم يجبرونهم على تزويج غير الكفء لهم، إلى غير ذلك من الافتراءات، فكل ذلك زور عليهم وبهتان وكذب--------------------------------------------
(1) تاريخ الجبرتي (3، 117) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 321)
محض من خصومهم أهل البدع والضلال، بل أقوالهم وأفعالهم وكتبهم على خلاف ذلك كله، فمن روى عنهم شيئا من ذلك أو نسبه إليهم فقد كذب عليهم وافترى، ومن شاهد حالهم وحضر مجالسهم وتحقق ما عندهم علم قطعا أن جميع ذلك وضعه عليهم وافتراه أعداء الدين ".
إلى أن قال: " والقصد بما ذكرناه التنبيه على خطأ من نسب إلى القوم ما هم بريئون منه مما يخل بالديانة، حتى أساء الظن بقسم عظيم من الأمة العربية، وانطوى على بغضهم الذي هو من أعظم أسباب النفاق.
وغالب من أشاع ذلك هم أهل البدع والأهواء الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا، وكذبوا بأقوالهم وأفعالهم على الدين المبين الذي هو بعيد عنهم بمراحل، وهم الدجالون الجالبون على الإسلام كل عار، وإلا فأهل الإيمان هم الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه " (1) .
* ويقول الأستاذ أمين سعيد:
" أما بعد، فسيرة الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب التميمي من أحفل السير بالعظات، وأغناها بالفضائل، وأحقها بالبحث والفحص، والتفسير والتعليل، في سيرة مصلح من كرام المصلحين، ومجاهد من كبار المجاهدين، وعالم من خيرة العلماء، أنار الله بصيرته، وهداه سبله، وألهمه التقوى، فدعا أمته للرجوع إلى الله، والعمل بكتابه، وسنة رسوله، ونبذ الشرك وعبادة القبور، فانقادت إليه واقتدت به، واستجابت له، فأخرجها الله به من الظلمات إلى النور، فنجت وفازت، وجنت أطيب الثمار، وسمت إلى مرتبة الأخيار " (2) .
قال: " وحققت الدعوة لنجد آمالها، وقد بدأت في محيطها أول ما بدأت، فأنشأت لها مجتمعا إسلاميا سليما، يؤمن بالتوحيد، ويعظم شأنه، ويسير على هداه، ولا يدعو مع الله أحدا، ولا يزال هذا حاله، لم يتبدل ولم يتغير منذ عهد الشيخ حتى يومنا هذا، فهو يصدع بالحق ويؤمن به " (3) .
وقال: " وسيجد دارس هذه الدعوة دراسة علم وتدبر، ورغبة صادقة في الوقوف على حقيقتها وبلوغ أعماقها، والإحاطة بتطورها وتحولها أن الإخلاص الكامل والرغبة الصادقة في--------------------------------------------
(1) تاريخ نجد للألوسي (45 - 49) باختصار وتصرف يسير.
(2) هذا هو كتاب سيرة الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب (7) .
(3) سيرة الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب (8، 9) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 322)
تطهير الدين من البدع والخرافات، والعودة إلى الإسلام الصحيح، والأخذ بمذهب الإمام أحمد مذهب السلف الصالح هو الحافز الحقيقي الذي حفز صاحبها إلى دعوتها والمناداة بها " (1) .
إلى أن قال: " الشيخ لم يبتدع بدعة، ولم يحدث حدثا، ولم يأت بجديد من عنده، وإنما هو رأي ارتآه، يمكن أن يلخص بهذه الجملة (الرجوع إلى الله، والعمل بما جاء في كتاب الله، والاقتداء بالرسول والسير على سننه) " (2) .
وقال في موضع آخر: " فإن المنصفين من علماء الشرق والغرب، ولا سيما أولئك الذين جاءوا في الأزمنة المتأخرة، وفوها حقها من التعظيم والتبجيل، بعد أن درسوها حق دراستها، وغاصوا إلى أعماقها، وأحاطوا بما أنتجته من نتائج عظيمة، وما أثمرته من ثمار طيبة للإسلام والعروبة، ولم يكتف بعضهم بجمل عابرة، بل حبر في وصفها الفصول الطوال، ويمكن القول بدون تردد أن تقدير الناس لها وإعجابهم بسمو مقاصدها يزداد كلما ازدادوا دراسة لها، وإحاطة بسيرة مؤسسها باعتبارها أعظم حركة إصلاح ديني واجتماعي ظهرت في الشرق العربي بالعصور المتأخرة.
وهنالك حقيقة أخرى نرى أن نسجلها في هذه المناسبة، وهي أن معظم العلماء الغربيين الذين كتبوا عنها بالغوا كثيرا في تعظيمها، وأسهبوا وأطالوا في وصف نتائجها، لا فرق في ذلك بين العلماء الإنكليز والألمان والأمريكان من الباحثين في شئون الشرق والإسلام، فقد اتفقوا في وصفها بأنها حركة البعث الإسلامي وطليعة هذه النهضة الكبرى التي تنير آفاق الشرق العربي والإسلامي " (3) .
* وقال الأستاذ منير العجلاني بعد أن ساق عدة تعاريف للدعوة:
" وعندنا أن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عودة إلى الإسلام في أول أمره ومطلع فجره، ومتى قلنا ذلك كفينا أنفسنا عناء الجدل العقيم، ذلك أن من دعا إلى الإسلام الأول فإنما يدعو إلى الإسلام كما كان يرى في المدينة، في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم في عهود الخلفاء الراشدين.--------------------------------------------
(1) سيرة الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب (13) .
(2) سيرة الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب (13، 14) .
(3) هذا هو كتاب سيرة الإمام محمد بن عبد الوهاب (191) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 323)
كان المسلمون يومئذ يقرءون القرآن، لا دلائل الخيرات ونحوها، وكانوا يروون الأحاديث، لا قصص الطواغيت والخرافات، وكانوا يقولون: " لا إله إلا الله " بقلوبهم، لا على أطراف ألسنتهم، وكانوا يفهمون معناها، ويعملون بمقتضاها، فما كانوا يعبدون إلا الله وحده، لا يشركون معه الصالحين ولا الشياطين، وما كانوا يقيمون المباني والقباب على أضرحة الأولياء، ليدعوا أصحابها وينذروا لهم ويستشفعوا بهم، كأنهم وهم رمم بالية قادرون على جلب الخير ودفع الضر.
كان المسلمون يصلون ويزكون ويحجون ويصومون، وكانوا يجاهدون ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وكان الأئمة في بلاد الإسلام يسوسون الناس بالشرع، ويأمرونهم بأوامر الشرع، وينهونهم عن نواهي الشرع، ثم غابت هذه الصورة الكريمة للإسلام الأول، وحلت محلها صورة شوهاء تعاون على صنعها الجهل والفساد، فعاد الناس إلى ما يشبه " الجاهلية " التي سبقت الإسلام.
وحركة محمد بن عبد الوهاب هي حركة تجديد وتطهير، تجديد وإحياء لما أهمله المسلمون من أمور الإسلام وأوامره، وتطهير للإسلام مما أدخلوه عليه من الشركيات والبدع، ولم تكن دعوة محمد بن عبد الوهاب دعوة " فيلسوف " معتزل في غرفته، ولكنها كانت دعوة زعيم مصلح يكافح دون عقيدته، ويعمل لها بلسانه ويده، وبكل قلبه، وبكل عقله، وبكل جهده.
إن دعوة محمد بن عبد الوهاب ليست " نظرية " أو كتابا ألفه ليقرأه الناس، ولكنها منهاج رسمه، وقام وراءه يدعو إلى العمل به بالموعظة أولا، ثم بالقوة، قوة دولة الإسلام التي قامت على أساس الشرع وحده.
فمنهاج الشيخ ليس إصلاحا دينيا خالصا بالمعنى الذي يفهمه الأوربيون اليوم؛ لأنهم يفرقون بين الدين والدنيا، ويجعلون الدين صلة خاصة بين العبد وخالقه، لا يحمل الناس على اتباعه بالقوة، ثم هم يفرقون بين الدين (أو الشرع) وبين القانون، ويقولون: إن الدولة تلزم الأفراد بالقانون الذي تضعه هي لهم، ولكنها لا تلزمهم بالشرع، بل قد يخالف قانونها الشرع.
إن الإسلام وحده دين ودنيا، ودعوة الشيخ لذلك دعوة جامعة للأمور الدينية والسياسية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 324)
وخلاصة القول:
أن الوهابية حركة قامت بنشر التوحيد، وكافحت الشرك والبدع، واستأنفت الجهاد، وأنشأت دولة إسلامية على أساس الشرع وحده، ونحن بعد هذا نتفق مع القائلين بأن منهاج الحكومة الوهابية كان مستمدا في كثير من أموره من أفكار ابن تيمية في " السياسة الشرعية " وغيرها من كتبه، ومن أفكار تلامذته وخصوصا ابن القيم " (1) .
ويقول الأستاذ منير العجلاني أيضا:
" كثرت الكتابات عن الوهابية قديما وحديثا، وفيها ثناء، وفيها تجريح، وكانت الكتابات في زمن العثمانيين كلها تقريبا حملات جائرة ظالمة، ثم أخذ الناس يتشككون في حقيقة هذه الكتابات، ويتفهمون الأسباب السياسية والدوافع الشخصية التي كانت تمليها على أصحابها.
وأخيرا بدأ العلماء المنصفون يعطون الحركة الوهابية حقها من الإنصاف والتقدير، وإن لم يكونوا من أتباعها وأنصارها، وإذا اختلفوا معها في أشياء فهم يعرفون لها فضلها ومزاياها، ولكنهم إنما يخشون عليها من الغلاة الذين يريدون فرض آرائهم " المتطرفة " على الآخرين؛ لتوهمهم أن الحق معهم وحدهم " (2) .
ويقول الأستاذ حافظ وهبة تحت عنوان: " ما هي الدعوة الوهابية؟ ":
" لم يكن الشيخ محمد بن عبد الوهاب نبيا كما ادعى نيبهر الدانمركي، ولكنه مصلح مجدد داع إلى الرجوع إلى الدين الحق، فليس للشيخ محمد تعاليم خاصة، ولا آراء خاصة، وكل ما يطبق في نجد من الفروع هو طبق مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وأما في العقائد فهم يتبعون السلف الصالح، ويخالفون من عداهم، وتكاد تكون عقائدهم وعبادتهم مطابقة تمام المطابقة لما كتبه ابن تيمية وتلاميذه في كتبهم، وإن كانوا يخالفونهم في مسائل معدودة من فروع الدين، وهم يرون فوق ذلك أن ما عليه أكثر المسلمين من العقائد--------------------------------------------
(1) تاريخ البلاد العربية السعودية (1 - 242) .
(2) تاريخ البلاد العربية السعودية (1) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 325)
والعبادات لا ينطبق على أساس الدين الإسلامي الصحيح " (1) .
وإننا نلخص فيما يلي المسائل التي اشتهروا بها، والتي تعد كأنها طابع خاص بالنجديين (2) .
أولا: " التوحيد " يعتقدون - استنادا (3) إلى كلام الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة السلف - أن معنى " لا إله إلا الله " البراءة من كل معبود غير الله، وإخلاص التوجه إلى الله وحده، وأن العبادة إذا صرفت لغير الله صار ذلك الغير إلها مع الله، وإن لم يعتقد الفاعل ذلك، فالمشرك مشرك سواء سمي شركه شركا أو توسلا، وليس لديهم من شك في أن من قال: يا رسول الله، أو يا ابن عباس، أو يا عبد القادر، أو غيرهم من المخلوقين، طالبا بذلك دفع شر أو جلب خير في كل ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، فهو مشرك يهدر دمه، ويستباح ماله (4) .
ثانيا: " الشفاعة " لا ينكرون شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة حسبما ورد، وهم يثبتونها لسائر الأنبياء والملائكة والأولياء والأطفال حسبما ورد أيضا، ولكنها تسأل من المالك لها وهو الله، وإذنه فيها لمن شاء من الموحدين، فيقال: اللهم شفع نبينا محمدا فينا يوم القيامة، اللهم شفع فينا عبادك الصالحين، أو نحو ذلك، أما ما يجري على ألسنة الناس من قولهم: يا رسول الله، أو يا ولي الله أسألك الشفاعة، أو غيرها كأدركني أو أغثني أو نحو ذلك فإنه من الشرك، إذ لم يرد بذلك نص من كتاب أو سنة، ولا أثر من السلف الصالح.
ثالثا: " القبور " الكلام على القبور يتناول أولا: البناء عليها وزيارتها، ثانيا: ما يفعله الناس عندها من الدعاء والصلاة وغيرها، ثالثا: ما يقام عليها من القباب والمساجد، رابعا: السفر إليها. أما زيارة القبور فهي مندوبة للاعتبار والاتعاظ والدعاء للميت وتذكر الآخرة، ويراعى فيها الطريقة التي سنها النبي صلى الله عليه وسلم في الزيارة، أما الذبح للمقبور--------------------------------------------
(1) جزيرة العرب في القرن العشرين (308، 309) .
(2) ليس للنجديين اختصاص في شيء من الدين، فهم على نهج السلف الصالح.
(3) استنادا للأدلة الشرعية أولا.
(4) بالشروط والضوابط الشرعية، فليس لكل أحد أن يفعل ذلك بلا دليل ولا سلطان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 326)
والاستغاثة به والسجود له فهي شرك، وأما تجصيص القبور والبناء والكتابة عليها فكلها من الأمور المبتدعة المنهي عنها.
وهم يستدلون على ذلك بأحاديث كثيرة وردت، وبأقوال السلف الصالح وعملهم، ولذا فقد هدموا في مكة والمدينة القبور المرتفعة وسووها بالأرض، كما أزالوا القباب عند استيلائهم على الحرمين الشريفين في القرن الماضي، كما أزالوها مرة أخرى في الفتح الحاضر سنة (1343 و 1344 هـ) (1925 و 1926 م) ، أما شد الرحال والسفر إلى القبور فبدعة.
رابعا: إعلان الحرب على البدع الشائعة في الأمصار مثل الاجتماع في وقت مخصوص على من يقرأ سيرة المولد الشريف اعتقادا منه أنه قربة، ومثل الزيادات على الأذان المشروع.
وبالجملة: فإنهم يحرصون على العبادات الشرعية أن تكون على السنة التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم بلا زيادة أو نقص، ويلحق بهذا ما هو شائع في كثير من الأمصار من خروج النساء وراء الجنائز، وخروجهن لزيارة القبور، والاحتفالات السنوية المسماة بالموالد، وإقامة الحفلات للأذكار المبتدعة، وما يفعله بعض الدراويش من الرقص والمزمار، فإن ذلك كله محرم، وقد منعوا ما كان موجودا منه في الحجاز.
وبسبب ذلك كان الخلاف بين الحكومة العربية السعودية وبين الحكومة المصرية على المحمل وقبوله في الحجاز، والنجديون يحتجون بأنه بدعة لا يصح إقرارها في بلد الوحي والدين، والمصريون يقولون: إنه عادة وشعار للحج ليس إلا (1) .
خامسا: " الجهاد ": مما لا جدال فيه أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يعتبر ما انصرف من العبادات لغير الله إسلاما، ولذا فإنه كان يبدأ الأمر بالدعوة إلى التوحيد، وتنفيذ أوامر الله بلا هوادة، فمن أطاع فقد سلم، ومن خالف أو عاند فقد حل دمه وماله، وعلى هذا الأساس كانت غزواتهم في نجد وخارج نجد من اليمن والحجاز، وضواحي سوريا والعراق.
كل بلد يدخلونها حربا فهي حلال لهم، إن أمكنهم البقاء بها ألحقوها بأملاكهم،--------------------------------------------
(1) لكن أهل البدع لما منع دخول بدعة المحمل تركوا الحج كله، وزعموا أن السعوديين منعوا الحج.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 327)
وإن لم يمكنهم البقاء اكتفوا بما يصل إلى أيديهم من الغنيمة، وهنا يجيء الخلاف بينهم وبين معارضيهم، فإن غيرهم يقول: إن من قال: " لا إله إلا الله محمد رسول الله " فقد عصم ماله ودمه (1) أما هم فيقولون: إن القول لا عبرة به ما لم يدعمه العمل، فمن قال: " لا إله إلا الله محمد رسول الله " وهو لا يزال يدعو الموتى، ويستغيث بهم، ويسألهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، فهو كافر مشرك، حلال الدم والمال، ولا عبرة بقوله، ولهم على هذا أدلة كثيرة من الكتاب والسنة، ليس هنا موضع تفصيلها.
والجهاد - أو إعلان الحرب - من حقوق الإمام، ينظر إلى المصلحة أو دفع المضرة، فإن رأى المصلحة تعين عليه إعلان الجهاد، ووجب على سائر رعيته متابعته والدخول في سلك الجندية، وعلى هذا كانت الغزوات القديمة والحديثة معتبرة من الجهاد الشرعي.
سادسا: " الاجتهاد ": للشيخ محمد بن عبد الوهاب بعض رسائل في الدعوة إلى الاجتهاد، والرد على أهل التقليد والمعاندين، استند في أكثرها إلى ما كتبه ابن القيم في أعلام الموقعين، ولكن الشيخ محمد وإن كان له بعض مسائل اجتهادية - مثل جعل دية المسلم 800 ريال بدل مائة ناقة - فإنه في الحقيقة يخطو خطوات الإمام أحمد، ويعتمد على كتب الفروع المؤلفة على طريقته، ومما لا شك فيه أن علماء نجد في بدء النهضة الإصلاحية كانوا أكثر إحاطة بالسنة، وعلما بالشريعة، وأوسع مدارك، وأبعد نظرا في فهمهم للأحكام " (2) .
* ويقول أحمد عبد الغفور عطار في الدعوة وإمامها ودولتها: " فالشيخ الإمام مصلح ديني واجتماعي وزعيم سياسي، والمصلح الديني في الإسلام ليس الذي يكون في عزلة عن المجتمع أو السياسة أو الحكم أو الدولة، بل يتناول الإصلاح كل أسباب الحياة ومقوماتها، فالمصلح الديني يصلح حياة الأمة ظاهرها وباطنها، وإصلاح الباطن هو إصلاح المعتقد.--------------------------------------------
(1) هذا نص، وتفسره وتقيده نصوص ثابتة أخرى، لكنهم جعلوا ذلك مطلقا، وهذا خلاف ما جاءت به النصوص الشرعية الأخرى، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته هو المفسر والمبين لما أطلق، كما سيأتي بيانه.
(2) جزيرة العرب في القرن العشرين ص (308 - 311) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 328)