Arabic source text

📘 আল-ইজাযুল লুগাউয়ী ফিল কুরআনিল কারীম - জামিয়াতুল মদীনা (জামিয়াত আল-মদিনা আল-আলামিয়্যাহ)

📘 الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم - جامعة المدينة (جامعة المدينة العالمية)

📘 আল-ইজাযুল লুগাউয়ী ফিল কুরআনিল কারীম - জামিয়াতুল মদীনা (জামিয়াত আল-মদিনা আল-আলামিয়্যাহ)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
وللأسف إن هذا القول الذي ساد واشتهر بتوافر الشروط الثلاثة دون النص الصريح على مسألة التواتر، ولا أشك أن ابن الجزري يشير بصحة السند ضمنًا إلى التواتر، فإن هذا التواتر هو الميزة العظمى في نقل القرآن الكريم، أنه محفوظ في الصدور، منقول عن طريق التواتر عن جمع يستحيل تواطؤهم على الكذب، فمعروف أن التواتر هو نقل جمع عن جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب كما يؤمن وقوع الكذب منهم في المنقول وقوعًا اتفاقيًّا بدون تواطؤ في كل طبقة من أول السند إلى منتهاه، فهذا التواتر ركن ركين في صحة القراءة.
وهذا الذي ذكره ابن الجزري وفهِمه مَن فهمه عنه باشتراط الشروط دون الالتفات لنقطة التواتر وخاصة في عبارته أيضًا عندما قال:
وحيثما يختل شرط أثْبِتِ … شذوذُه لو أنه في السبعة
فهموا من هذا القول أن السبعة -أو القراءات السبعية- ربما يكون فيه ما هو شاذ وما هو مردود. وهذا الكلام لا يجوز أن نقول به في وقتنا الحالي بحال من الأحوال، وهذا ما وقع فيه بعض الأكابر، فرأينا مثلًا الدكتور صالح فاضل السامرائي في كتابه (الكلمة في التعبير القرآني) ذكر بطلان قراءة متواترة بل هي قراءة الأكثرين، عندما أراد أن يبين الفرق بين قوله تعالى: {ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ} (الكهف: 64) وقوله تعالى: {قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي} (يوسف: 65) بإثبات الياء في: {نَبْغِي} وحذفها في: {نَبْغ} مع استلزام إثباتها؛ لأن الفعل في حالة الرفع وعلامته ضمة مقدرة على الياء، فإثبات الياء في الرفع هو الأصل، فأراد أن يبين الفرق بين الإثبات والحذف، فسئل -حفظه الله- عن وجود الإثبات في التواتر في قراءة متواترة: "ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي" بإثبات الياء، فاعترض بأن ذلك يكون مخالفًا لرسم المصحف، وإذا خالف ذلك رسم المصحف ردت القراءة وإن

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 200)

كانت قراءة مَن مِن القراء من العشرة، أو ما هو أعلى منهم، كما صرح في بداية كتابه.
وهذا كلام لا نستطيع أن نمر عليه مرور الكرام أو أن نتجاوزه؛ لأن هذه القراءة قراءة الأكثرين بإثبات الياء: "ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي" وهذا كونها تخالف رسم المصحف، هذا دعوة لا دليلَ على صحتها؛ لأنها توافق الرسم احتمالًا، والمصحف له خمسة المقصد باختلاف رسم المصحف ليس المصحف العثماني وحده، وإنما المصاحف الخمسة أن تأتي القراءة مخالفة لاحتمال الرسم في المصاحف جميعًا، ولا شك طالما أنها قراءة الأكثرين فهي تُثبت في أحد المصاحف ولو احتمالًا، فلا حجةَ لردها.
فذلك مما استدعى أن نقف عنده من الكلام عن وجوه القراءة، وعن ورودها بهذه الشروط التي أشير إليها. وهذا بالنسبة لرسم المصحف.
وبالنسبة لموافقة العربية، فإن العلماء اتفقوا على أنه لا يُعول في القراءة على ما هو أفشى في اللغة وأقيس في العربية دون ما هو أثبت في الأثر وأصح في النقل؛ لأن العرب متفاوتون في خلوص اللغة وقوة المنطق، فإن قرءوا فلكل قبيل نهجه، ومن هنا اشتهرت قراءات معينة تحدثوا فيه أنكرها مَن يطعن في السند ومَن لا يتحدث أو لا يعظم مسألة الأثر، ويقدم -كما قيل- الدراية على الرواية، وهذا الأمر لا يجوز في مسألة القراءات، فإن الرواية فيها مقدمة قطعًا على الدراية، يعني: لا إعمالَ للعقل فيما صحت روايته وتناقلت عن القراء تناقلًا تواترًا، لا مِريةَ فيه، يلزم أخذه دون ردٍّ.
مِن ذلك: ما كان من تطاول بعضهم على قراءة حمزة: "وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ" (النساء: 1) اعتراضًا بأنه عَطْف على الضمير المتصل دون

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 201)

إعادة الخافض، وهذا لا يكون في لغة العرب، فالأصل أن يُعاد حرف الجر مع المخفوض فيقال: وبالأرحام، وعلى ذلك ما جاء في القرآن: {مِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ} (الأحزاب: 7) {إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ} (الزمر: 65) {لِي وَلِوَالِدَيَّ} (نوح: 28) بإعادة الخافض مع الاسم الظاهر بعد الضمير، فمن ثم اعترضوا على قراءة حمزة بن حبيب، وهو مَن هو من القراء، ولا وجه لهذا الاعتراض؛ لأن العطف على الضمير المتصل المجرور جائز في لغة العرب، وثابت في كلامهم وفي نثرهم وفي نظمهم، بل القراءة شاهد واضح على جواز العطف على الضمير المتصل المجرور، وإن كان الأولى والأقيس والأشهر إعادة الخافض، إلا أن الجار دون إعادة الخافض يسلَّم به بما نقلت به القراءة.
كذلك عندنا الحديث المشهور عن قراءة ابن عامر بجر: {شُرَكَائِهِمْ} (الأنعام: 137) في سورة الأنعام، وما ادعاه الزمخشري من أن ابن عامر نظر في بعض مصاحف أهل الشام فرآها مرسومةً هكذا، فظن أنها مخفوضة أو مجرورة، وذلك قول لا يعول عليه ولا يقبل من مثله، ورحم الله جميعهم.
أما اشتراط صحة السند فهذا لا مراء فيه ولا جدال؛ لأن القراءة سنة متبعة، وهو الأساس فيها طالما صحت لا ينظر إلى غيرها. والشيخ ذكر بعض القراءات المتواترة المعروفة من إسكان العلامة الإعرابية أو عدم ظهور العلامة الإعرابية، كقوله تعالى: "فَتُوبُوا إِلَى بَارِئْكُمْ" (البقرة: 54) بسكون الهمزة دون جرها بالكسرة.
وبعد ذلك ننبه أو نشير إشارة بسيطة إلى أن ما عدا القراءات السبعية أو العشرية المتواترة لا يقرأ به قولًا واحدًا، أو لا يعد قرآنًا، فإنه لم يقرأ بالشاذ على أنه قرآن وإن كان يحتج به في سائر الأحكام اللغوية والشرعية، وغير ذلك مما هو مشهور عند جمهور العلماء.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 202)

وتعرض الرافعي رحمه الله للكلام عن قراء الشواذ، وبداية ظهورهم، وغير ذلك، وذلك أمر نحسمه بأن القراءات العشر المتواترة هي التي يتعبد بتلاوتها، وما عداها فهو شاذ.

‌‌الكلام عن قراءة التلحين
هو كلام عما ابتُدِع في القراءة والأداء مما بقي إلى يومنا هذا من اسخدام القراء لما يشبه الغناء الخفي، كأنهم -كما أطلق عليهم- المغبرة، الذين يغبرون بذكر الله، فيهللون، ويرددون الصوت بالقراءة وغيرها، وهذا النوع الذي ظهر في القرون الأولى واستمر إلى يومنا هذا، لنا معه وقفة؛ لأنه يتناول جانبين؛ جانب: يُتفق على أنه مردود ومرفوض، وأنه من البدع التي استحدثت في قراءة القرآن، والتي لا يجب أن يعول عليها، بل إنها تدور بين حكمين؛ إما الكراهة وإما الحرمة، الكراهة إذا حافظ على الحروف، أما إذا مطَّ الحرفَ وخرج به إلى غيره، وغيَّر أو زاد أو نقص في الحرف نتيجة ما فعله، فذلك محرم قولًا واحدًا؛ لأنه تغيير في كلام الله سبحانه وتعالى.
من أقسام النغم الذي أحدثوه فيما يسمى بقراءة التلحين: الترعيد، الترعيد: وهو أن يرعد القارئ صوته كأنه يرعد من البرد والألم، يقرأ وكأنه يرتعش متألمًا أثناء قراءته.
والترقيص: وهو أن يروم السكوت على الساكن، ثم ينقر مع الحركة كأنه في عَدْو وهرولة -يسرع- وكأنه أراد أن يقف فجرى، ورقَّص السامع بهذا الذي أحدثه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 203)

والتطريب: وهو أن يترنم بالقرآن ويتنغم به، فيمد في غير مواضع المد ويزيد في المد إن أصاب موضعه.
والتحزين: وهو أن يأتي بالقراءة على وجه حزين يكاد يبكي مع خشوع وخضوع.
والترديد: وهو رد الجماعة على القارئ في ختام قراءته بلحن واحد على وجه من تلك الوجوه.
هذه النماذج التي ذكرها الرافعي في حديثه عن قراءة التلحين، وهي نماذج واضحة وتُسمع من بعض القراء الذين يبالغون، وخاصةً ممن يقرءون في المناسبات وغير ذلك، تجده يريد أن يجذب انتباه السامعين إلى بيان صوته وإلى أدائه، فيقع في بعض هذه الأشياء، ولا يقع في ذلك إلا مَن لا وثوق في علمه من القُراء. وبحمد الله لم نسمع أمثال ذلك من القراء الأكابر المعتمدين في زماننا، لم يلجئوا إلى هذه الأساليب في قراءتهم، وإن كانوا يراعون المقامات الصوتية وغير ذلك مما تعلموه في عصورنا الحديثة كما يقال: تعلموه تعليمًا أكاديميًّا؛ لتحسين الصوت والتغني بالقرآن الكريم. إلا أن هذه الأشياء لم تظهر فاشيةً عند القراء المعتمدين الكبار الذين تؤخذ عنهم القراءة.
فذلك الجانب هو الذي يرفض من القراءة بالتلحين؛ لأنه ربما يؤدي -كما قلنا- لإبدال حرف مكان حرف، أو اختلاس حرف، فيقع من الكلمة وتنطق على غير مرادها، وضرب الشيخ هنا مثالًا ببعضهم عندما كان يقرأ قوله تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} (الكهف: 79) فاختلس وجعلها "كأنها مسكين" يعني: "أما السفينة فكانت لمسكين لمسكين لمسكين!! ". فحذف الألف في قراءته،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 204)

اختلس الألف اختلاسًا، فكأنها تحولت من الجمع إلى الإفراد، وذلك كما قرأ بعضهم بيت شعر فقال: "بعض مفيها مفيها" بدلًا: "من ما فيها".
فهذا الاختلاس الذي تم هذا يرفض؛ لأنه غيَّر من الكلمة، وحولها من كلمة لأخرى، فلذلك يقول صاحب (جَمال القِراءة) -وهي (جمال القُراء، وكمال الإقراء) للعلم السخاوي في الكتاب صاحب (جمال القراءة) ويبدو والله أعلم أن المقصود هو السخاوي في كتابه (جمال القراء وكمال الإقراء) - إن أول ما غنَّى به القرآن قِراءة الهيثم: "أما السفينة … " فكما تقدم. فلعل ذلك أول ما ظهر من هذا النوع من قراءة التلحين الذي هو مرفوض؛ لأنه خروج عن قراءة القرآن كما أنزلها المولى سبحانه وتعالى لتجويدها وأحكامها، بل عد الشافعي ذلك من أفعال الزنادقة الذين وضعوا ما يسمى بالتغيير؛ ليصدوا الناس عن ذكر الله وقراءة القرآن، وهي إدخال الإنشاد واستخدام الأساليب التي تذهب جلالَ القرآن وقدسيته في النفوس إذا ما استخدم القرآن بالتلحين.
وبالجملة: فإن التعبد بفهم معاني القرآن في وزن التعبد بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه على الصفة المتلقاة من أئمة القراء المتصلة بالنبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-.
أما الجانب الآخر في موضوع قراءة التلحين هو ما ورد في أحاديث صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يسمى بالتغني بالقرآن. هناك فرق بين ما أحدثه القراء من هذه البدع المرفوضة، وبين ما أشار إليه نبينا الكريم -صلوات الله وسلامه عليه- في الأحاديث الصحيحة: ((ما أذن لنبي يتغنَّى بالقرآن)) وفي رواية: ((ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن، يجهر به)) وحديث: ((ليس منا مَن لم يتغنى بالقرآن)). فالمراد بالتغني بالقرآن هو تحسين الصوت، بدليل الحديث المشهور عن أبي موسى رضي الله عنه قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم: ((لو رأيتني وأنا أستمع قراءتك

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 205)

البارحة، لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود، فقال رضي الله عنه: أما والله لو علمت أنك تسمع قراءتي، لحبرتها لك تحبيرًا)).
هذا ما نص عليه ابن كثير رحمه الله في قوله: أن المراد تحسين الصوت الباعث على تدبر القرآن وتفهمه، والخشوع والخضوع، والانقياد بالطاعة، أما الأصوات بالنغمات المحدثة المركبة على الأوزان والأوضاع الملهية، والقانون الموسيقي -كما يقولون- فالقرآن منزه عن هذا، ويعظم أن يسلك في أدائه هذا المذهب، وهذا محظور كبير نص الأئمة على النهي عنه؛ لأنه كما قلنا: لو خرج إلى التنطيط الفاحش الذي يزيد بسببه حرف أو ينقص حرف، فقد اتفق العلماء على تحريم ذلك.
أما التحزين بالقرآن وهو ما ذكره الرافعي رحمه الله على أنه صور من صور التلحين، أنه يقرأ على وجه حزين يكاد يبكي مع خشوع وخضوع، فهذا ما ذهب إليه الرافعي رحمه الله لأن هذا الأصل في قراءة القرآن أن القارئ يُستحب له البكاء والتباكي لمن لم يقدر على البكاء والحزن والخشوع؛ وذلك لقوله تعالى: {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} (الإسراء: 109) ولقوله صلى الله عليه وسلم: ((اتلوا القرآن وابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا)) وفي الحديث الذي رواه أبو داود بسنده عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه وأرضاه- عن أبيه قال: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء)) وفي (الشعب) للبيهقي الحديث عن سعد بن مالك مرفوعًا: ((إن هذا القرآن نزل بحزن وكآبة، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا)).
ولذا قال الغزالي رحمه الله: البكاء مستحب مع القراءة وعندها، فذلك أمر مطلوب. وأيضًا كي لا نتحامل على شيخنا الرافعي، فإن نستطيع أن نقول: إن

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 206)

التحزين له جانبان؛ جانب مقبول وهو الذي يَقرأ القرآن بخشوع وخضوع، وجانب مرفوض هو المبالغة في هذا الأمر، وحتى أنه يبالغ في التصنع في هذا الأمر، فالسامع لا يتبين الحروف من قارئها.

‌‌لغة القرآن
الأصل فيمن نزل القرآن بلغتهم قريش، كان طبيعيًّا أن يكون القرآن بلغة قريش؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرشي، ثم ليكون هذا الكلام زعيم اللغات كلها كما استمازت قريش من العرب بجوار البيت وسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، وغيرها من خصائصهم، وقد ألف العرب أمرهم ذلك، واحتملوا عليه، وأفردوهم به، كذلك يكون الأمر في كلام الله سبحانه وتعالى.
يعني: العرب ألفوا أن قريشًا هي سيدة العرب وهي أعلى القبائل شأنًا بين العرب، فكون القرآن يأتي بلغتها ذلك يناسب سيادتها للعرب قبل.
وأيضًا وجه آخر لنزوله بلغة قريش وجه جلي: أن قريشًا اشتملت لغتها على لغات العرب، فكانت تأخذ من اللغات أحسنها بحكم الجوار كثقيف وهوازن وهُذيل وغيرها من القبائل، وبني سعد وغيرها ممن هم على مشارف مكة. وأيضًا عندما كان يأتيها في المواسم من القبائل الأخرى البعيدة عنها كتميم وغيرها، كانت تؤخذ أعلى اللغات في لغة قريش، فقريش ضمت لغات العرب أصفاها وأحسنها. فالقرآن لو نزل بغير ما ألفه النبي صلى الله عليه وسلم من اللغة القرشية وما اتصل بها، كان ذلك مغمزًا فيه -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- أن يأتيهم بلغة ليست بلغتهم، وبطريقة كلام لا يعرفونها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 207)

ويضرب هنا مثال أحسن الشيخ في ذكره -الرافعي- قال: لو أن شاعرًا من شعرائهم ظهر فيهم بدين خيالي وأقامهم عليه، لكان من الرجاء والاحتمال أن يستجيبوا له دون صاحب القرآن الذي ينزل عليه بلغة غير لغة قبيلته. يعني: هذا الأمر معروف عند العرب في طباعها، أنها تتبع ما يجيء على فطرتهم اللغوية التي فطروا عليها، وطريقتهم التي يتحدثون بها. فهناك طائفة من الناس يذهبون: إلى أن القرآن لو هو قد نزل على النبي صلى الله عليه وسلم بغير القرشية لكان ذلك وجهًا من إعجازه. وهذا كلام مَن لا يدري كيف يقول؛ لما سبق ذكره، من أن النزول على لغة قريش هو الطبيعي لسيادة قريش، وهو المنطقي بنزوله على لغة يعرفونها، فقد كان من إعجاز القرآن أن يأتيهم بأفصح ما تنتهي إليه لغات العرب جميعًا.
فهنا يظهر لنا أن القرآن نزل بلغة قريش، وإن كان في القرآن ألفاظ -سنتحدث عنها مستقبلًا إن شاء الله سبحانه تعالى- مما يسمى بالغريب، أو مما يسمى بالمعرب، أو غيره من الكلمات، وإن كان هناك ألفاظ جاءت على لغة أقوام أخر، كقوله تعالى: {لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا} (الحجرات: 14) أي: لا ينقصكم، وهذه لغة بني عبس، فإن هذا الذي يذكر من مثل هذا لا يتعدى كلمة أو كلمتين في القرآن كله تنسب إلى لغة من اللغات.
فبتالي لغة القرآن الكريم جاءت بلغة قريش على ما ألفه العرب في كلامهم، وجرت لغة القرآن على أحرف مختلفات في منطق الكلام كتحقيق الهمز وتخفيفه، والمد والقصر، والفتح والإمالة، وما بينهما، والإظهار والإدغام، وضم الهاء وكسرها، من: {عَلَيْهِمْ} (الفاتحة: 7) و {إِلَيْهِمْْ} (آل عمران: 77) وتقرأ: "عليهُم" و"إليهُم"، وإلحاق الواو فيهما، وفي لفظتين: "منهمُ" (البقرة: 75) و"عنهمُ" (البقرة: 86) وإلحاق الياء في: {إِلَيْهِ} (البقرة: 178) و {عَلَيْهِ} (البقرة: 182) و {فِيهِ} (البقرة: 185) ونحو ذلك.
فكان أهل كل لحن يقرءونه بلحنهم، وربما استعمل القرآن الكلمةَ الواحدةَ على منطق أهل اللغات المختلفة، فجاء بها على وجهين؛ لمناسبةٍ في نظمه، ويضرب

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 208)

مثال بذلك كلمة: براء وبريء، فأهل الحجاز يقولون: أنا منك براء، وتميم يقولون: أنا منك بريء، وجاء في القرآن اللفظان: {بَرَاءٌ} (الزخرف: 26) و {بَرِيءٌ} (الحشر: 16) وكذلك: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ} (هود: 81) {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِي} (الفجر: 4) فأسر فهي لغة قريش، يقولون: أسريت، وغيرهم من العرب يقولون: سريت.
وهذا باب من اللغة متنافر وموجود، وأهل علوم القرآن أحصوا هذه الكلمات، وذكروها معدودةً، فهذه القراءات السبع المتواترة لم يكن من قبيل الأداء، أما ما هو من قبيله كالمد والإمالة ونحوها، فهذه الظواهر اللغوية كتخفيف الهمزة وتحقيقها، والفتح والإمالة، والإظهار والإدغام، والتفخيم والترقيق، وغير ذلك من الظواهر، كله موافق للغة العرب، ولا نخرجه عن أن الأصل في لغة القرآن هي لغةُ قريش.

‌‌مسألة الأحرف السبعة
هذه المسألة أصلها الأحاديث المتواترة الصحيحة المنقولة عن رسولنا الكريم -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- في هذا الباب كقوله: ((أقرأني جبريل على حَرف، فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدوني حتى انتهى إلى سبعة أحرف)) والحديث الذي ذكرناه من شأن عمر رضي الله عنه وأرضاه- مع هشام بن حكيم رضي الله عنه وأرضاه-. فانتهى بقوله صلى الله عليه وسلم: ((فاقرءوا ما تيسر منه)) وفي رواية لمسلم عن جبريل عليه السلام أنه قال لرسولنا -صلوات الله وسلامه عليه-: ((إن الله يأمرك أن تُقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرءوا عليه أصابوا)).
وغير ذلك من الأحاديث التي وردت في هذا الباب.
ومِفتاح الكلام عن الأحرف السبعة نبدأ من نهاية ما ذكره الرافعي رحمه الله يقول: لو أن هذا الحديث قد جاء في تأويله نص عن النبي صلى الله عليه وسلم يعين المراد

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 209)

منه، لما اختلفت أقوال العلماء فيه، وما داموا قد اختلفوا فدعنا نختلف معهم، ونأخذ بالأشبه والأمثل مما يوافق القرآن نفسه، وقد أنزله الله: {الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} (الفتح: 4) فإن ذهبت مذهبنا وإلا فخذ ما أحببتَ أو دَعْ.
أثرت أن أذكر عبارة الرافعي؛ لأنه أتى برأي في مسألة الأحرف السبعة، واختاره ورجحه، ورد رأيًّا آخرَ، فكما قال نقول ما قاله رحمه الله. نقول: نحن نوضح المسألة ونختار أيضًا ما نراه في هذه المسألة.
فالأحرف السبعة انقسم العلماء فيها إلى ثمانية أقوال:
- قال قوم: هي سبع لغات من لغات العرب في المعنى الواحد.
- وقول ثان يقول: المراد بالأحرف السبعة هي سبع لغات من لغات العرب على معنى أنه في جملته لا يخرج في كلماته عن سبع لغات، وهناك فرق بين القول الأول والثاني؛ لأنه يعني أن الأحرف السبعة إنما هي أحرف سبعة متفرقة في سور القرآن، لا أنها لغات مختلفة في كلمة واحدة باتفاق المعاني هذا وجه الاختلاف بين القول الثاني والأول.
- أما القول الثالث فقالوا: إنها سبعة أوجه من الأمر والنهي والوعد والوعيد والجدل والقصص والمثل، أو من الأمر والنهي، والحرام والحلال، والمحكم والمتشابه والأمثال.
- وهناك قول رابع قال: إن العدد المذكور في الحديث لا مفهوم له، وإنما هو رمز إلى ما ألفه العرب من معنى الكمال في هذا العدد. وهذا استحسنه الرافعي أيضًا.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 210)

- القول الخامس: أن المراد بالأحرف السبعة هي القراءات السبع، وهذا أضعف الأقوال وأردها، ولا يحتاج إلى تعليق كما يقال؛ لأن القراءات المتواترة عشرة وليست سبعة.
- القول السادس: أنها سبعة أحرف من الاختلاف لا يخرج عنها، وهذا رأي ابن الجزري، واختاره الرافعي في بداية كلامه ناسِبه لأحد العلماء.
يقول: الاختلاف في الحركات بلا تغيير في المعنى والصورة، يحسِب ويحسَب أن يكون بتغييرٍ في المعنى فقط: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} (البقرة: 37) "فتلقى آدمَ من ربه كلماتٌ" بالتبادل بين "آدم" و"كلمات" بين الرفع والنصب.
أن يكون التغيير في الحروف مع التغيير في المعنى لا الصورة: {تَتْلُو} (البقرة: 102) و {تَبْلُو} (يونس: 30).
أن يكون التغيير في الحروف مع التغيير في الصورة: {الصِّرَاطَ} (الفاتحة: 6) بالصاد و"السراط" بالسين.
أن يكون التغيير في الحروف والصورة: {يَأْتَلِ} (النور: 22) و"يتأل".
أن يكون التغيير بالتقديم والتأخير: {وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا} (آل عمران: 195) أو وقراءة: "وقتلوا وقاتلوا".
أن يكون التغيير زيادة والنقصان: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ} (البقرة: 132 و"أوصى بها إبراهيم بنيه".
هذا قول في الأوجه السبعة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 211)

- قول سابع يقول: إن الأوجه السبعة هي الأصول المضطردة مثل صلة الميم -ميم الجمع، وهاء الضمير- ومثل الإدغام والإظهار، والمد والقصر، وتحقيق الهمز وتخفيفه، والإمالة وتركها، والوقف بالسكون وبالإشارة إلى الحركة، وفتح الياءات وإسكانها وإثباتها وحذفها.
- أما الوجه الثامن الذي يُرى في هذا المسألة، ويرجح على غيره: أن الأوجه السبعة هي وجوه التغاير السبعة التي يقع فيها الاختلاف، فاختلاف الأسماء بالإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث، تأتي الكلمة مفردةً في قراءة وجمعًا في قراءة، أو تأتي مذكرة في قراءة وتأتي مونثة في قراءة، فكما قرئ تواترًا: {لِأَمَانَاتِهِمْ} (المؤمنون: 8) و"لأمانتِهم".
أما الوجه الثاني للتغير فهو التغير في وجوه الإعراب، كما ضربنا المثل: "فتلقى آدمَ من ربه كلماتٌ"، {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ}. وكذلك الاختلاف في التصريف: {فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} (سبأ: 19) وقرئ: "فقالوا ربُّنا باعَدَ بين أسفارنا"، وقرئ: "ربنا بَعَّد بين أسفارنا". وكذلك الاختلاف في التقديم والتأخير: {أَفَلَمْ يَيْأَسِ} (الرعد: 31) و"أفلم يَأْيَسِي". وكذلك التقديم والتأخير في الكلمات: {فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} (التوبة: 111) "فيُقتلون ويقتلون". وكذلك الاختلاف بالإبدال، سواء كان الإبدال إبدال حرف مكان حرف: {وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا} (البقرة: 259) وقرئ بالراء بدلًا من الزاي. وإبدال لفظ مكان لفظ، ومثاله ليس من المتواتر: {كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ} (القارعة: 5) وقرئت في قراءة ابن مسعود: "كالصوف المنفوش".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 212)

والوجه السادس للاختلاف: الاختلاف بالزيادة والنقصان وهذا في المتواتر: {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ} (التوبة: 100) قرئ: "من تحتها الأنهار" بزيادة "مِن" -وهذا سنتعرض له تفصيلًا في موضوع الزيادة-.
وأما الوجه السابع: فهو اختلاف اللهجات للتفخيم والترقيق، والفتح والإمالة، والإظهار، والهمز، والتسهيل، والإشمام، ونحو ذلك. وهذا أرجح الآراء في معنى الأحرف السبعة؛ لأنه يؤيده الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولأنه يخلو من المحذور الذي يقع فيه بعض الآراء الأخر؛ ولأنه يعتمد على الاستقراء لأوجه الاختلاف في القراءات.
بقي أن نشير فقط إلى الحكمة من نزول القرآن على سبعة أحرف، فمن ذلك: صيانة كتاب الله وحفظه من التبديل والتحريف، والتخفيف على الأمة، وتسهيل القراءة عليها، وجمع الأمة على لسان واحد وهو لسان قريش الذي نزَلَ به القرآن الكريم، والذي انتظم كثيرًا من مختارات ألسنة القبائل العربية التي كانت تختلف إلى مكة في موسم الحج وأسواق العرب المشهورة، وأخيرًا الجمع بين حُكمين مختلفين بمجموع القراءتين.
فالخلاصة: هي أن تنوع القراءات يقوم مقام تعدد الآيات، وذلك ضرب من ضروب البلاغة، يبتدئ من جمال هذا الإيجاز وينتهي إلى كمال الإعجاز. ومعنى هذا أن القرآن معجز؛ إذ قرئ بهذه القراءة الأولى، ومعجز أيضًا إذا قرئ بهذه القراءة الثانية، ومعجز أيضًا إذا قرئ بهذه القراءة الثالثة، وهلم جرًّا.
فهذا من أوجه الإعجاز في القراءات القرآنية.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 213)

‌‌الدرس: 11 تابع: القراءات القرآنية وما بها من أوجه للإعجاز.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 215)

بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الحادي عشر
(تابع: القراءات القرآنية وما بها من أوجه للإعجاز)

‌‌الإعجاز في تنوع أوجه القراءات فيما يتعلق ببعض مسائل الاعتقاد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وبعد:
نتناول الإعجاز في تنوع أوجه القراءات القرآنية:
هذا الإعجاز الذي شمل جميعَ أركان الشريعة الإسلامية من عبادات وعقائد، وما يتعلق أيضًا من اجتهادات في المجالات اللغوية والبيانية.
نبدأ في حديثنا عن الإعجاز في تنوع أوجه القراءات فيما يتعلق ببعض مسائل الاعتقاد كجانب تطبيقي.
مطلب أفعال العباد:
هذه المسألة التي كثر فيها الكلام عند المتكلمين، نجد من القراءات المتواترة العشرية التي ثبتت ما يساعدنا على الحسم في هذه المسائل، أو بيان إعجاز القرآن منها. وذلك مثل قوله تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} (الأعراف: 142) وقوله عز وجل: {وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ} (طه: 80).
فهذه الآيات قرئت تواترًا: "واعدنا ووعدنا"، "واعدنا" بألف بعد الواو، "وواعدنا" دون ألف، وقراءة "وَعَدْنا" دون الألف في الفعل هذه القراءة صريحة في أن الفعل فِعلُ الله سبحانه وتعالى فالوعد منه ابتداءً، والقراءة الأخرى: "واعدنا" دلت على نسبة الأفعال إلى العباد على سبيل المجاز، فكأن موسى عليه السلام في اشتياق إلى لقاء المولى سبحانه وتعالى ومن ثَم كان إثبات الأفعال مجازًا أو على سبيل المجاز إلى العباد مع أن الله سبحانه وتعالى هو صاحب الفعل على الحقيقة، وهو سبحانه وتعالى الذي ابتدأ بوعد موسى عليه السلام وبإتمام هذا.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 217)

وكذلك عندنا قراءة قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ} (غافر: 37) قرئت: "وصد على السبيل" بالبناء بما لم يسم فاعله، أو بالبناء للمجهول، وقرئ: "وصد عن السبيل" بالبناء للمعلوم. وقيل: القراءتان قرئت تواترًا. وهذه القراءة - بالبناء للمفعول: "صُد عن السبيل" إخبار من الله سبحانه وتعالى عن انحراف فرعون وفجوره، وأن الله سبحانه وتعالى صَدَّ هذا الطاغية عن سبيل الحق، وعن طريق الهداية؛ لما بدر منه، وبما كان من تعنته، وبما كان من ادعائه الألوهية والربوبية، وما برز منه تجاه المولى سبحانه وتعالى. فجاءت القراءة الأخرى: "وصَد عن السبيل" بالبناء للمعلوم، بنسبة الفعل إلى فرعون؛ لأنه هو الذي فعل هذا الصد، فأفادت القراءة أن الأفعال للمولى سبحانه وتعالى وأنه قد تُنسب إلى العباد على سبيل المجاز، مع أن الله سبحانه وتعالى هو المالك المتصرف في خلقه كما يشاء.
مطلب آخر في مسائل الاعتقاد هذا المطلب ما يتعلق بالنبوات:
فالأنبياء هم أكرم خلق الله سبحانه وتعالى والأنبياء هم المعصومون المبرءون الذين اختارهم الله من صفوة خلقه؛ لكي يبلغوا رسالة ربهم، فالنبي يُعتقد فيه الكمال ويعتقد فيه أنه مرسل من الله سبحانه وتعالى مبرئًا من العيوب أو ما يشينه. فكانت القراءات في موضع من المواضع وفي بعض القراءات ما يؤكد هذا المعنى بما يختص به رسل الله سبحانه وتعالى قال المولى سبحانه وتعالى: {وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} (التكوير: 24) فقرئت تواترًا: {بِضَنِينٍ} وقرئت: "بظنيين" أي: بالضاد وبالظاء، والمعنى يختلف على القراءتين، ولكنه ينصب في عِصمة الأنبياء، وفي بيان قدر الأنبياء المكرمين، فما هو على الغيب بضنين، أي: ببخيل.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 218)

فإن الرسول الكريم -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- لم يسأل المشركين أجرًا على ما أخبرهم به، ولم يبخل عليهم بما عنده من علم -فصلوات الله وسلامه عليه- كان يرغبهم في الجنة ويحذرهم من النار، ويدعوهم إلى عبادة الله الواحد القهار، ومع ذلك لم يطلب منهم شيئًا: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا} (الأنعام: 90) فكان ذلك علامة على صدق نبوته، بأنه لم يبخل عليهم بالعلم كعادة الكهان الذين كانوا لا يقدمون الخبر، أو لا يفيدون بالنبأ، إلا إذا أخذوا في المقابل أجرًا، وهو ما يسمى بالحلوان أو حلوان الكاهن.
والقراءة الأخرى: "وما هو على الغيب بظنيين" أي: بمتهم أنه صلى الله عليه وسلم ليس بمتهم فيما يخبِر به عن ربه سبحانه وتعالى فهو الصادق المصدوق -صلوات الله وسلامه عليه- يخبر بما أخبر به ربه سبحانه وتعالى وعلى القراءتين يتضح كمال عصمة الأنبياء.
كذلك عندنا أيضًا في القراءات ما يساعد وما يبين مسائل تتعلق بالسمعيات، أي: الغيبيات التي أخبر المولى سبحانه وتعالى. من ذلك: أمر الملائكة، فهؤلاء الملائكة المكرمون عباد الله الذين: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (التحريم: 6) هذه الملائكة نجد من القراءات ما يبين قدرَ هؤلاء الملائكة الكِرام، كقوله تعالى: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} (الزخرف: 19) فقرئت: {عِبَادُ الرَّحْمَنِ} جمع عبد، وقرئت: "عند الرحمن" وعند ظرف كما هو معلوم. فهاتان القراءتان بينت منزلة الملائكة الكرام عند الله سبحانه وتعالى فالقراءة على العندية بمعنى الظرف: أنهم مكرمون عند ربهم سبحانه وتعالى وأنهم لا يعصونه فيما يأمر به، فهذه العندية عنديةُ الفضل والقرب من الله تعالى؛ بسبب الطاعة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 219)

فتعاورت القراءتان على لفظة واحدة لها معان متنوعة، هذه المعاني تنصب حول شيء واحد، وهو أن الملائكة أصحاب مكانة عند الله، وليسوا كما ادعى هؤلاء المشركون فيهم مِن أنهم إناث وليسوا ذكورًا، فإن الله سبحانه وتعالى أخبر أنهم عنده، ومَن عند الملك سبحانه وتعالى لا بد أن يكون على أكمل حال، وعلى أتم الأوصاف، فلا يكون منهم نقص فيما ينتقصه الناس من ظنهم أن الإناث ينقصون الذكور في الفضل وفي المكانة، فأخبر الله سبحانه وتعالى أنهم عنده، وأنهم أصحاب المكانة العلية، فهم ملائكة كرام ما عصوه سبحانه طرفةَ عين.

‌‌تنوع القراءات القرآنية من حيث الإعجاز التشريعي
ننتقل إلى جانب آخر من جوانب الإعجاز في تنوع القراءات القرآنية، وهو الإعجاز التشريعي، أي: فيما يتعلق بمسائل الشريعة.
فمعلوم أن الفقهاء والأصوليين ومَن يتصدون لهذه المسائل التشريعية أو الفقهية، هؤلاء تُعد القراءات عندهم من المصادر المعتمدة التي تبين لهم، ويحتجون به في خلافاتهم، وتظهر وجه الإعجاز في هذه القراءات. فالقراءة حجة الفقهاء في الاستنباط، ومحجتهم في الابتداء، وكل قراءة في حد ذاتها خبر شرعي دون إغفال لغيرها من القراءت وما تقتضيه من حكم موافق لها أو مخالف، وهذا يسميه العلماء بالإعجاز التشريعي.
ونماذج ذلك عديدة في كتاب الله سبحانه وتعالى كقوله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} (البقرة: 125) قرئت تواترًا: {وَاتَّخِذُوا} بصيغة الأمر، وقرئت: "واتخَذوا" بصيغة الماضي، فعلى كلتا القراءتين كان الخلاف الفقهي بين العلماء في حكم الصلاة خلف مقام إبراهيم عليه السلام بعد الفراغ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 220)

من الطواف بالبيت العتيق. فهل هو واجب بدلالة قراءة الأمر: {وَاتَّخِذُوا}؟ أم أن المسألة سنة، ودليل ذلك أن الفعل جاء بصيغة الإخبار أي: صيغة الماضي "واتخَذوا من مقام إبراهيم" وليس بصيغة الخطاب إلى مَن يخاطَب وهو مكلف بهذا الفعل؟
كان ذلك هو الخلاف بين الفقهاء مترتبًا على تنوع القراءتين بين الأمر والمُضي. فذهب أبو حنيفة والشافعي -في أحد قوليه-: إلى أن صلاة ركعتين خلف مقام إبراهيم عليه السلام واجبتان، وذهب الإمام مالك وأحمد والشافعي -في قوله الثاني-: إلى أن صلاة الركعتين خلف مقام إبراهيم عليه السلام سنة، وذلك ناتج عن الاختلاف في القراءتين، وأدلتهم في ذلك يرجَع فيها إلى كتب الفقه.
كذلك في قول الله سبحانه وتعالى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} (النساء: 43) فقرئت: {لَامَسْتُمُ} بالألف، وقرئت: "لمستم" بدون الألف، وترتب على ذلك خلاف واضح بين الفقهاء في حكم مس المرأة، هل لَمْس المرأة ينقض الطهارة أو ينقض الوضوء، أم أنه لا ينقض الوضوء؟ وانبني الخلاف على تنوع القراءتين بين: {لَامَسْتُمُ} بالألف وبين "لمستم" بدون الألف. فذهب أبو حنيفة: إلى أن لمس الرجل للمرأة لا ينقض الوضوء مطلقًا سواء أكان اللمس بشهوة أو بغير شهوة، وذهب مالك وأحمد: إلى أن لمس المرأة بشهوة ناقض للوضوء، فإن كان بغير شهوة فلا ينتقض الوضوء به، وذهب الشافعي: إلى أن لمس الرجل للمرأة بدون حائل ينقض الوضوء سواء كان اللمس بشهوة أم بغير شهوة، باستثناء المحارم، فكان منشأ الخلاف هو تنوع القراءتين كما هو واضح من معنى اللمس والملامسة، وهل هي تنصب حول الجِماع أم مجرد اللمس فقط؟ وهذا معروف في النواحي الفقهية، ونتج عن تنوع القراءتين.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 221)