Arabic source text

📘 মাওসূআতুল ফিরাকিল মুনতাসিবাহ লিল ইসলাম (মাজমুআহ মিনাল মুয়াল্লিফীন)

📘 موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام (مجموعة من المؤلفين)

📘 মাওসূআতুল ফিরাকিল মুনতাসিবাহ লিল ইসলাম (মাজমুআহ মিনাল মুয়াল্লিফীন)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
ومن أمثلة ذلك ما جاء في عرف الأمر والتقديم إذ يقول: (أنتم وما تعبدون مكبكبون على وجوهكم، يوم ينادي منادي مولاكم الحاكم من مكان بعيد: هذا يومكم الذي فيه توعدون، تتلوها أيام العذاب إنكم لخالدون ولات محيص … إلى أن يقول: وإلا فقولوا لي أيها الضالون المعاندون، فهل جاء لكم رب غيره مع جنوده، أروني إن كنتم صادقين) (1).ويقسم هذا المصحف إلى أربع وأربعين عرفا، ويقع في مائتين وتسع وستين صفحة، ويقول كاتبه في مقدمته: (جرى تقسيم هذا المصحف المكرم وفق المواضيع لتسهيل الاطلاع عليه. ووضع لكل فصل تسمية تنطبق مع ما ورد فيه من معان، ولقد اخترنا اسم العرف تناسبا مع ما يطلق على أبناء التوحيد: كنيتم بالأعراف ووصفتم بالأشراف) (2).
وفي أوائل صفحات هذا المصحف، يعرف كاتبه بالأسماء والعبارات والإشارات التي وردت في ثناياه، ومما يذكر أن في بعض أعراف هذا المصحف عبارات غريبة، كتبت بأحرف عربية، ولكنها لغة غير معروفة، لا يعرف معناها، والظاهر أنها ألغاز، ولذلك يقول كاتبه: أنه لا يريد أن يظهر معناها، لأن لها معان سرية لا يجوز لكل واحد الاطلاع عليها. ومن أمثلة ذلك ما ورد في عرف (شمس المغيب): (يوديلووهكا طران كنان وهقويكان سهى وهطمكل واطغظلوا أو هكهز كان بطكة وعد ودلولذوسلر) (3).
وقد بدأ هذا المصحف بـ (عرف الفتح) نورده هنا، لنعرف بعض ما يرمون إليه من هذا المصحف: (به، والحمد له على هذا النور، والشكر والفضل لذوي الصلات موالينا الحدود (4) صلى الله عليهم ومن قبل ومن بعد، والموحدون في صياصيهم (5) يرجعون ما أمر المولى به أن يوصل. الحمد أبدأ للذي وفقنا لحفظ الحكمة في صدورنا من مصحفه المنفرد بذاته، نرتله مستضيئين، وهو الذي انشقت عنه سماء القدرة بمنة آلاء التجليات، فانفجرت منه اثنا عشرة عينا قد علم الموحدون مشربهم (6).الحمد لك مولانا (7)، أنت الذي فتحت أبواب قلوبنا على حكمه وأحكامه، وآدابه وتأويله وإعرابه، وأنت الذي ألهمتنا تدبر معانيه في حقيقته ومجازه، وإيجازه وإسهابه، ودعوتنا إلى الاعتصام بأمتن أسبابه.
ونشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، شهادة مشاهد موحد عارف موقن، مؤمن بأيام حسابه، ونشهد أن موالينا وساداتنا الحدود الخالقين، صليت عليهم، هم فصل خطابك وألسنة ذاتك، وهم موصلو حبال الحق، وجامعو الموحدين على مائدة المعبود، فعليهم منك صلات الصلاة مادامت عين اليقين.--------------------------------------------
(1) ((مصحف الدروز – عرف الأمر والتقديم)) – (ص 10 – 11).
(2) ((مصحف الدروز)) (ص: 1).
(3) ((مصحف الدروز)): ((عرف شمس المغيب)) – (ص: 230).
(4) يقصد الحدود الخمسة، والذي سيأتي ذكرهم بالتفصيل في فصل أشهر الدعاة الدروز.
(5) الظاهر أن المقصود بهؤلاء هم العقال الذين يسكنون الخلوات.
(6) يلاحظ هنا كيفية تحور الآية إلى ما يرمون إليه، والآية الكريمة المشار إليها هي: وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ * البقرة: 60*.
(7) المقصود بمولانا هنا هو (الحاكم بأمر الله).

(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 331)

مولانا بك آمنا، ولك أقررنا أن مصحفك هذا، نور الصراط المستقيم هو مسوق إلينا، معروض علينا، دان إلى أفهام قلوب ألبابنا، عال بأسراره وأبنائه، لا يمل من تلاوته، ولا ينزف من حلاوته، ظاهره أنيق، وباطنه عميق، قريبه حكمه، وبعيده علمه، وهو المجيز عند الخصام، والأسوة سببها لجميع الموحدين ما بين العالمين مدى حيوات الأنام، أسهمه لا تنبو، وعادياته لا تكبو، هو الكل والبعض والجمع والفرق، به تبدل الأعيان، ولا عدة إلا به، والجميع إليه.
مولانا، نستفتح به مصلين حامدين شاكرين، وقد طوينا البيد مؤمنين، وسرنا في رياض جنة المنتهى غير محجوبين عن عيونك، وهذه آيات حكمة مصحفك ترتلها أفئدتنا كرما منك، لتصون بها وجوه كوننا من إحراق العدم. ففي تلاوتها يا مولانا، نرى كشف النور والظلم، وفي نومنا قرارنا، وظعننا وأسفارنا، وسلمنا وحربنا، وصحتنا ومرضنا، وفي مهودنا صابين، وفي شيخوختنا عاجزين، وفي حيواتنا وموتنا، وفي الدنا وفوق أشياخ النجوم. إنك مولانا، نعم المولى ونعم النصير) (1).ويبدو أن جنبلاط كان له الأثر العميق في الدرزية فقد اعترف بذلك في كتابه (هذه وصيتي) فدراسته للمذهب الدرزي أتاحت له الشروع في عمل تحليلي، حيث قارن مذهبه على هدي تعاليم الفيدا الهندوكية والفلسفة اليونانية اللتين أتاحتا له اكتشاف مفاتيح الأسرار الدرزية – كما يزعم – وأعطاه خربًا من السلطة الروحية مما جعل مشايخ الدروز يطلبون رضاه (2).
وهذا يوضح لنا قدرة جنبلاط وإحاطته بالدين الدرزي، ويؤكد القول بأن المصحف المنفرد بذاته من تأليفه.
ولإِعطاء صورة أوضح عن حقيقة العقيدة الدرزية في الوقت الحاضر، نورد حديثًا شخصيًا مع الأستاذ كمال جنبلاط، الرجل الذي ينسب إليه مصحف الدروز، وقد أجراه معه الدكتور مصطفى الشكعة، في كتابه إسلام بلا مذاهب حيث يقول فيه جنبلاط: يرجع تاريخ الدروز إلى ثلاثمائة وثلاث وأربعين مليونا من السنين حين كانت الأرواح بلا أجساد (3).
الدروز يؤمنون بالتقمص، أي تقمص الأرواح، بمعنى أن الذي يموت لا تصعد روحه إلى السماء بل تتقمص جسد مولود جديد ولذلك فهم لا يزيدون عددا ولا ينقصون لأن النقص عملية دائمة متواصلة بين أرواحهم، وهم لذلك يقولون إن الحياة البرزخية غير موجودة.--------------------------------------------
(1) ((مصحف الدروز عرف الفتح)) – (ص: 1 – 5).
(2) كمال جنبلاط ((هذه وصيتي)) (ص 50).
(3) لقد كنا أوردنا تعليقات حول بعض السخافات التي قالها الأقدمون من هذه النحلة، وقد يكون قولهم مبنيا بقصد التعمية والتشويش أو الاعتقاد. ولكن مثل هذا القول من رجل مشهود له بالثقافة والاطلاع، وفي هذا العصر، أفلا يعتبر ضحكا على الناس واستهزاء بعقولهم وبالتاريخ؟ وإلا فمن أين علم بوجودهم بهذا التاريخ وهو من الأمور التي يأت بها وحي منزل، ولم يسندها تاريخ مكتشف. وكم كان يسرنا لو ذكر عدد الشهور والأيام والساعات، ولو تفضل أيضا بذكر الدقائق والثواني لتحقق الموضوع تحقيقا كاملا؟! والظاهر أن الأستاذ جنبلاط قد اعتمد في تقديره هذا على ما جاء في رسالة (الأسرار ومجالس الرحمة والأولياء) أن (الأدوار السابقة سبعون دورا وبين كل دور وآخر سبعون أسبوعا، وكل أسبوع سبعون سنة، وكل سنة ألف سنة، وهذا الاعتماد لا تقوم به حجة، بل هو مضحك للغاية؟

(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 332)

الدروز موجودون منذ الأزل، واعتنقوا كثيرا من الديانات على مر الدهور، واعتنقوا الإِسلام في مرحلة من مراحل عقيدتهم، ولما كانت العقيدة عندهم متطورة فقد تحولوا عن الإِسلام إلى دين آخر مستقل هو الدين الدرزي، أي أن الدرزية كانت مذهبًا إسلاميًا ثم تطورت وأصبحت دينًا مستقلاً، والأقطاب هم الذين يجددون الدين من زمن إلى زمن، وهم يجيئون بأسماء مختلفة بين الفينة والفينة بدافع نظرية التقمص التي يؤمن بها الدروز ولذلك فالدرزية دين متطور يتطور من زمن إلى آخر.
الشريعة الدرزية مأخوذة من القرآن، ومن ستة عشر كتابًا خطيًا لا يسمح لأحد بالاطلاع عليها، كما أنها تأخذ تعاليمها من الفلسفة اليونانية وبخاصة الأفلاطونية القديمة، والمسيحية والإِسلام والبوذية والفرعونية القديمة، ويعتبرون إخوان الصفا من الدروز لتشابه الأفكار بينهما، فقد كان إخوان الصفا يطالبون بمزج الشريعة الإِسلامية بالفلسفة اليونانية، وبهذه المناسبة يخلط البعض خطأ بين الدرزية والإِسماعيلية، والواقع أن الفرق بينهما شاسع كبير. محمد صلى الله عليه وسلم له مكانة محدودة عندهم، وهو ليس إلا واسطة الرسالة وحسب (1)، وللدروز خمسة أقطاب منذ القدم، خامسهم وآخرهم الحاكم بأمر الله الفاطمي (2)، ولأبي يزيد البسطامي مكانة عالية سامية (3)، وأما الصحابة فمنهم أربعة لهم مكانة عليا عندهم وهم: سلمان الفارسي، والمقداد بن الأسود، وعمار بن ياسر (4)، وأبو ذر الغفاري (5).لا يقبل الدروز أحد في دينهم ولا يسمحون لأحد بالخروج منه، وحتى هؤلاء الذين يخرجون لا يعترف الدروز بأنهم قد خرجوا، ولذلك فإن عدد الدروز في ظل هذه النظرية ونظرية التقمص لا يزيد ولا ينقص، وقد أغلقت أبواب القبول في الدين الدرزي بعد قبول الأمير بشير الشهابي الذي يعتبره الدروز درزيًا (6).--------------------------------------------
(1) في هذا الأمر يغالط كمال جنبلاط، ويموه في الجواب، لأنه في الحقيقة – وكما سيرد في الفصول القادمة – فإنهم لا يحترمون الرسول صلى الله عليه وسلم بل يسمونه إبليس اللعين. وأن الذي كان يمده بالقرآن هو سلمان الفارسي.
(2) يقصد الظهورات التي ظهر فيها المعبود بالصورة الناسوتية.
(3) هو طيفور بن عيسى البسطامي، أبو يزيد، ويقال بايزيد، ونسبته إلى بسطام (بلدة بين خراسان والعراق)، وكان ابن عربي يسميه أبا يزيد الأكبر، وكان يقول بوحدة الوجود، وأول من قال بمذهب الفناء، ولد سنة 188هـ وتوفي سنة 261 هـ. انظر ((الأعلام للزركلي)). (3/ 339).
(4) هو عمار بن ياسر بن عامر الكناني المذحجي العنسي القحطاني، صحابي، وهو أحد السابقين إلى الإسلام والجهر به، هاجر إلى المدينة، وشهد بدرا وأحدا والخندق وبيعة الرضوان، وهو ممن بنوا مسجد قباء، وولاه عمر الكوفة، وشهد وقعة الجمل ووقعة صفين مع علي، وقد قتل في صفين سنة 37 هـ وعمره ثلاث وتسعون سنة. انظر ((الأعلام للزركلي)) (5/ 192).
(5) جندب بن جنادة من بني غفار، من كنانة بن خزيمة، صحابي وهو خامس من أسلم، هاجر بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بادية الشام. انظر ((الأعلام للزركلي)). (2/ 137).
(6) بشير بن قاسم بن عمر الشهابي، ولد في قرية غزير سنة 1173 هـ، وقد ولاه أحمد باشا الجزار والي عكا إمارة لبنان سنة 1203 هـ فكانت له حوادث كثيرة وعزل مرات وأعيد، حتى نفي إلى مالطا، ثم إلى الأستانة حتى مات سنة 1266 هـ. ومن المعلوم أن الأمير بشير انحدر من أصلاب مسلمة، ثم قيل إنه قد تنصر، والآن يأتي جنبلاط ويقول أنه دخل في الدرزية، وهذا الكلام الأخير محل شك إن لم تؤيده البراهين، لأننا نعلم يقينا أن هذا الباب (الدخول) قد أغلق منذ زمن بعيد.

(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 333)

الدين الدرزي دين صوفي يعتمد على الداخليات والجواهر، ولا يهتم بالشكليات، والطهارة الداخلية أي النفسية الروحية هي الأساس، وأما الطهارة الخارجية فلا قيمة لها. وقد كان الشيوخ يصلون في المساجد إلى عهد قريب، ويصومون رمضان، ويحجون البيت، ولكن هذه الفرائض جميعًا قد رفعت عنهم واستبدلت بتكاليف أخرى) (1).
وفي حديث شخصي آخر أجراه الدكتور الشكعة مع شيخ عقل الدروز الشيخ محمد أبي شقرا، والذي كان أكثر سرية ومواربة في أجوبته، وأقل صراحة من كمال جنبلاط، ومما قاله شيخ العقل:
الصلاة تختلف عن صلاة جمهور المسلمين، فالفروض وإن كانت خمسة إلا أن عدد الركعات في كل صلاة تختلف عن عدد الركعات المعروفة، وربما طريقة الصلاة نفسها، هذا والوضوء ليس ضروريًا مادام المصلي نظيفًا.
الصوم معناه الامتناع عن الرفث، ومعنى ذلك أنه لا يجوز الأكل والشرب مع الصوم، وهو عشرة أيام في ذي الحجة تنتهي بالعيد، كما أن صوم رمضان مستحسن عن غيره لأن الصوم فيه مضاعف الثواب. الزكاة معطلة ولا حدود لها، ويمكن أن تكون في شكل صدقات، وهي اختيارية، وهي بالتالي ليست فريضة) (2).--------------------------------------------
(1) د. مصطفى الشكعة: ((إسلام بلا مذاهب)). (ص 288 – 291).
(2) د. مصطفى الشكعة: ((إسلام بلا مذاهب)). (ص 292 – 293).

(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 334)

ولعل من المفيد ونحن نتحدث عن تطور المذهب الدرزي بعد الحاكم، أن نعطي بعض الملامح لتاريخ الدروز منذ موت الحاكم وحتى القرن الحالي. فعندما جاء الزحف المغولي إلى بلاد الشام سنة 657 هـ بزعامة هولاكو، كانت السيطرة على لبنان بيد أمراء الدروز التنوخيين، ولما دخل (كتبغا) ابن هولاكو دمشق جاءه الأمير التنوخي جمال الدين حجي الثاني معلنًا خضوعه له، مما جعل (كتبغا) يقر الأمير الدرزي على مقاطعة الغرب، ولكن مجيء بيبرس من مصر على رأس جيش المماليك لمقاتلة المغول، قلب موازين القوى – في ذلك الوقت -، وهنا ارتأى الدروز أن (يلعبوا على الحبلين)، وذلك أن يبقى أحدهم وهو الأمير جمال الدين بجانب كتبغا، فيما ينضم الأخر أي الأمير زين الدين إلى جانب المماليك، بحيث يكون على قول صالح بن يحيى: (أي من انتصر من الفريقين كان أحدهما معه فسيدخله رفيقه وخلة البلاد)، لأن الانحياز إلى أحد القوتين كان يعني المجازفة بمصيرهم فيما لو خسر الجانب الذي قد ينضمون إليه (1)؟!.وبعد انتصار المماليك على المغول، استولوا على بلاد الشام دون أن يتعرضوا لمناطق الدروز بسوء، ولذلك وجهوا اهتمامهم لاحتلال المناطق الساحلية التي كانت لا تزال بيد الصليبيين، ولكن بيبرس كانت تساوره الشكوك في حقيقة موقف الدروز، وغدا مليئًا بالشك والحذر منهم، وذلك بعدما نما إلى علمه أن أمراء الدروز على اتصال بوالي طرابلس الصليبي، فأمر بسجنهم ليتسنى له أن يلتفت لغدر الصليبين (2).وكل هذا كان قبل قيام الدولة العثمانية، أما بعد قيامها، فقد راودتهم الأحلام القديمة بقيام دولة مستقلة لهم، وخاصة أنهم رأوا الفرصة سانحة لهم لانشغال العثمانيين بقتال الدول الأوربية المجاورة، فكان أن عملوا على تحقيق هذه الأحلام في عهد الأمير فخر الدين الثاني المنحدر من المعنيين، الذي اتخذ في سبيل ذلك أسلوب المداورة عن طريق حروبه المحلية لبسطة نفوذه على سائر بلاد الشام، ولكن سياسته هذه جعلت العثمانيين يوجسون منه خوفًا، بيد أن تحركه على الصعيد الخارجي عززت تلك المخاوف وأثارت شكوك الباب العالي في ولائه للعثمانيين، وخاصة أن أهدافه الحقيقية بدأت بالوضوح عندما عقد مع دوق توسكانا معاهدة تجارية تضمنت بنودًا عسكرية ضد الدولة العثمانية؟! فقرر السلطان العثماني التخلص من فخر الدين، فجرد عليه حملة قوية برًا وبحرًا سنة 1022 هـ / 1613 م، فهرب إلى أوربا عن طريق ميناء صيدا بمساعدة سفينتين إحداهما فرنسية وأخرى هولندية، وهناك أراد أن يؤلب الدول الأوربية ضد الدولة العثمانية، فسعى جاهدًا للحصول على مساعدات عسكرية من أسبانيا وفرنسا والفاتيكان ضد العثمانيين، ولكن مسعاه فشل لأن الظروف الدولية في ذلك الوقت كانت غير صالحة (3).--------------------------------------------
(1) انظر تفصيل ذلك في كتاب ((تاريخ الموحدين الدروز)) / د. عباس أبو صالح ود. سليمان مكارم (ص: 112).
(2) انظر تفصيل ذلك أيضا في كتاب ((تاريخ الموحدين الدروز)) / د. عباس أبو صالح ود. سليمان مكارم (ص 113 - 114).
(3) كتاب ((تاريخ الموحدين الدروز)) / د. عباس أبو صالح ود. سليمان مكارم (ص 133 – 136).

(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 335)

وبحكم علاقة فخر الدين أمير الدروز الوطيدة بدول أوربا فقد كان يعطف على الإِرساليات الأوربية ويسمح بإنشاء مراكز لها في لبنان وفلسطين، وفضلاً عن ذلك فقد بسط يد الحماية لجميع النصارى في بلاد الشام، حتى صار الأوربيون يدعونه (حامي النصارى في الشرق)، وكان عطف الأمير على الموازنة وتحالفه معهم من أبزر مميزات سياسته الداخلية، وكان أيضًا عاملاً في هجرة الموارنة من مناطقهم إلى مناطق المسلمين، وانتشارهم في أكثر من ثلثي لبنان الحالي، مما قوى مركزهم السياسي في لبنان بعد ذلك (1)؟!.وكما يذكر كمال جنبلاط فإن إمارة درزية أخرى كانت قائمة في الدولة العثمانية خاضعة لحكم أحد أجداده، ووجدت في شمال سوريا وكانت تشمل حمص وحماة وحلب ودمشق وجزءًا من تركيا الأنضولية، وشأن الدولة المعينية، فقد عقدت هذه الإِمارة أيضًا معاهدات عسكرية مع الفاتيكان ودوقية توسكانا وأسبانيا، وتلقى جده مقابل ذلك دعمًا سياسيًا وعسكريًا (2).
وفي سنة 1253 هـ / 1837 م، قام الدروز بتمرد على محمد علي باشا والي مصر، وكان ذلك في جبل الدروز بحوران بسبب تجريدهم من السلاح وتجنيدهم في الجيش، وبقي هذا التمرد مشتعلاً بعد أن انضم إليه دروز وادي التيم، رغم محاولات محمد علي القضاء عليه، إلى أن جرد عليه حملة قوية سنة 1256 هـ / 1840 م. وبعد أن وجدت الدول الأوربية الضعف في الدولة العثمانية، عملت على استمالة الأقليات الموجودة داخله، وخاصة في لبنان، الذي كانوا يرون فيه مدخلاً مهمًا لكل مؤامراتهم على الدولة العثمانية، وكانت فرنسا ترى في نفسها مدافعًا شرعيًا عن موارنة لبنان، وقد اتخذت هذه الحجة الواهية ذريعة في سبيل تدخلها في شؤون الدولة العثمانية، وهذه السياسة الفرنسية خوفت بريطانيا مما جعلها سنة 1841 م تعمل على استمالة الدروز إلى جانبها وتقيم علاقات رسمية وودية معهم ومع زعمائهم، ويظهر أن الإِنجليز قد فهموا أحلام الدروز بإقامة دولة لهم، فاستغلوها لاستمالتهم وإقامة العلاقات الوطيدة معهم (3).--------------------------------------------
(1) كتاب ((تاريخ الموحدين الدروز)) / د. عباس أبو صالح ود. سليمان مكارم (ص 142 – 143).
(2) كمال جنلاط ((هذه وصيتي)) (ص 40).
(3) عباس أبو صالح وسامي مكارم ((تاريخ الموحدين الدروز)) (ص 245، 246).

(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 336)

وقد بات هذا واضحًا عندما ثار الدروز في جبلهم على الدولة العثمانية سنة 1851 م إذ امتنعوا عن دفع الضرائب، فجردت الدولة العثمانية حملة لتأديبهم، فتدخلت بريطانيا لدى الباب العالي، وصدرت الأوامر من الأستانة بحل المشكلة الدرزية سلمًا، وجاء في برقية الصدر الأعظم الموجهة إلى مدحت باشا (والي الشام) بهذا الصدد: (أن الإنجليز لا يسرون بما تتخذه من التدابير لتأديبهم)، وهذا التدخل شجع الدروز، إذ ما لبثوا أن اعتدوا على المكرك وأم الولد وحرقوا زرعهما في سنة 1296 هـ / 1880 م، وعلى قرية (المسمية) في حوران سنة 1308 هـ / 1890 م. ثم ثاروا في سنة 1311 هـ / 1893 م و 1313 هـ / 1985 م وكذلك في سنة 1328 هـ / 1910 م. وكانت اعتداءات الدروز على أهالي حوران قد أثيرت في مجلس المبعوثان العثماني، حيث ندد مبعوث حوران باعتداءات الدروز، مطالبًا الدولة باتخاذ الإِجراءات العسكرية الرادعة ضدهم بعد اعتدائهم على الجيش والأهالي، وأنهى خطابه بمطالبة الحكومة بسوق قوة عسكرية على حوران (لصيانة العرض والدين والمال وتأمين الرعية من الخوف) (1).مما تقدم يتضح لنا بأن دروز حوران كانوا في شبه ثورة دائمة ضد الدولة العثمانية، وعندما كانت الولاية تعرض عليهم برامج الإِصلاح وتطلب من زعمائهم مساعدتها في تطبيقها، كان الزعماء يقبلون ذلك ثم يرفضونه وهكذا، وبالرغم من ذلك فقد حاولت ولاية سوريا إصلاح الأوضاع الإِدارية والاجتماعية في منطقة جبل الدروز عن طريق نشر التعليم بين الدروز بإنشاء المدارس وتعليمهم مبادئ الدين الإِسلامي، واتبعت سياسة اللين والرفق مع رؤسائهم الروحانيين، وذلك باستدعائهم إلى دمشق وبذل المساعي لإِقناعهم بقبول الإِصلاحات، فيبدي الزعماء رضاهم التام لدرجة المطاوعة والانقياد، ولكنهم لم يثبتوا على ذلك طويلاً (2).
وهكذا يبدو أن ثورات الدروز المستمرة ضد الدولة العثمانية وخاصة بعد سنة 1841 م، كانت تهدف بالدرجة الأولى الاستقلال عن الدولة وبسط السيطرة الدرزية على لواء حوران بمساعدة وتأييد بريطانيا. وبعد استعمار فرنسا لسوريا، عملت عن طريق عملائها وبكل ما تستطيع من إمكانيات وإغراءات أن تستميل الدروز إلى جانبها ويتركوا الإِنجليز، ومن أجل ذلك تابعت فرنسا استمالة زعماء الدروز، فاستطاعت في 20 نيسان 1921م عن طريق الجنرال (غورو) أن تقنع الأمير سليم الأطرش بإعلان دولة درزية في جبل الدروز وتشكيل حكومة درزية وانتخاب مجلس نيابي مكون من (40) عضوًا، ورفرف لأول مرة في تاريخ الدروز علمهم المكون من خمسة ألوان (3).
وعندما رأت بريطانيا أن نفوذها سيزول عند الدروز بسبب هذه الدولة استمالت أحد أمراء الجبل، والذي كان من أهم العوامل التي أثرت على عدم بقاء هذه الدولة وسقوطها.
والحديث عن تاريخ الدروز في القرن الحالي يدفعنا لإِعطاء صورة موجزة عن موقف الدروز من دولة إسرائيل، حيث كانوا بعد قيام هذه الدولة على أرض فلسطين من أهم المدافعين عن وجودها، بل إن إسرائيل استطاعت أن تكون كتيبة منهم فيما يسمى بـ (حرس الحدود) كان له دور خطير ومهم في حروب إسرائيل مع الدولة العربية. لذا فإن كمال جنبلاط في كتابه (هذه وصيتي) يعتبر وجود الدروز في إسرائيل مشكلة، ولكن في الوقت نفسه يدافع عن تعاملهم مع دولة العدو وينتقد الفلسطينيين الذين هربوا وتركوا أرضهم وبلادهم ولم يقلدوا الدروز في بقائهم في فلسطين، ولو أنهم بقوا لشاركوا بسهولة في اقتصاد إسرائيل وبالتالي في السلطة السياسية ويكونون أقلية قوية وفعالة في البرلمان، وبالتالي فإن الدروز فيما فعلوه مع إسرائيل قاموا بواجبهم بتعقل، فهم يعلمون أنه لا جدوى في الهجوم على طواحين الهواء – كما يزعم جنبلاط – (4).
وفي سنة 1982م عندما احتلت إسرائيل لبنان، رفضت مليشيات الدروز (الحزب التقدمي الاشتراكي) قتال الجيش الإِسرائيلي ورفضت مدفعيته الموجودة في الجبل مساعدة الفلسطينيين، ولذلك استطاع الجيش الإِسرائيلي دخول مناطق الدروز دون أن تطلق رصاصة واحدة، وبقيت الأسلحة في يد الدروز رغم وجود الجيش الإِسرائيلي في مناطقهم.

‌‌المصدر:عقيدة الدروز عرض ونقد لمحمد أحمد الخطيب – ص 81--------------------------------------------
(1) محمد عبد العزيز عوض ((الإدارة العثمانية في ولاية سورية)) (ص 193، 291، 292).
(2) محمد عبد العزيز عوض ((الإدارة العثمانية في ولاية سورية)) (ص 293).
(3) د. وجيه كوثراني ((بلاد الشام – السكان والاقتصاد والسياسة الفرنسية)) (ص 93 9).
(4) كمال جنبلاط ((هذه وصيتي)) (ص 56 - 57).

(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 337)

‌‌المبحث الرابع: أشهر دعاة الدروز وآراؤهم
ترتبط بداية المذهب الدرزي بثلاثة من الدعاة هم: حمزة بن علي بن أحمد الزوزني ويعرف باللباد، والحسن بن حيدرة الفرغاني المعروف بالأخرم، ومحمد بن إسماعيل الدرزي المعروف بـ (أنوشتكين أو نشتكين).
والمؤرخون مختلفون في ترتيب أسبقيتهم في الدعوة الجديدة، ومع أن اسم الدروز مرتبط باسم (الدرزي)، إلا أن بعضهم يجعل البداية لحمزة – وهو الأرجح كما سنرى – والبعض الآخر يجعلها لمحمد الدرزي.
أما الدروز فيعتبرون حمزة هو مؤسس المذهب وهو الإمام، وأن الدرزي قد حاد عن تعاليم حمزة، وأنه كان أحد أتباعه، مما جعل حمزة يهاجمه في كثير من رسائله، لذلك فإن الدروز يكرهون الدرزي هذا ويلعنونه.
أما الأخرم فالأرجح أنه كان داعيًا من دعاة حمزة في أول ظهوره. ولكي نعطي لمحة وافية عن هؤلاء الدعاة، نتحدث عن كل واحد منهم، ونبدأ بحمزة بن علي: حمزة بن علي بن أحمد الزوزني: (ولد حمزة في مدينة (زوزن) في خراسان مساء الخميس في الثالث والعشرين من ربيع الأول سنة 375 هـ، وهو اليوم الذي ولد فيه الحاكم بمصر، ولعل ذلك هو السبب في أن الدروز يقيمون الصلاة الأسبوعية مساء كل خميس) (1).واختلف المؤرخون في زمن وفوده إلى مصر، فالبعض منهم يجعلها متقدم كثيرًا في سنة 395 هـ، حيث كان عمره عشرين عامًا) (2).وغالبية المؤرخين تجعل موعد قدومه حوالي سنة 405 هـ أو قبلها بقليل) (3).وانتظم حمزة بين الدعاة الإِسماعيليين الذين كانت تغص بهم القاهرة يومئذ، ويرجح الدكتور محمد كامل حسين أنه لم يكن من الدعاة، بل كان يؤدي عملاً في القصر، وكان على اتصال دائم بالحاكم، ويضيف قائلاً: (ويغلب على ظني أن حمزة كان أحد الخدم الخصوصيين للحاكم، وكان خادمًا ذكيًا لبقًا ذا حيلة ودهاء وخيال خصب، وكان بحكم عمله في القصر يستمع إلى مجالس الحكمة التأويلية فوعاها وحفظ منها كثيرًا، وربما قرأ كتب الدعوة التي كانت بالقصر فأفادته في تلوين عقليته وتوجيه أفكاره إلى ما يرضي طموحه ويحقق آماله، وظل هذه السنوات يهيئ نفسه لذلك) (4).ومما يؤكد هذا الرأي ركاكة ألفاظه في رسائله – إذ كما يقول الدكتور محمد كامل حسين: - (لم يكن من الكتاب لأن أسلوبه في رسائله وكتبه ليس به هذا الإشراق، وتلك الديباجة، وهذه الرصانة، التي عرفت عن كتاب الفاطميين ودعاتهم) (5).لذلك – وكما يقول الأستاذ عبد الله النجار -: (تنم من تعابيره كلمات فارسية دخيلة على أسلوب الإنشاء العربي) (6).وتقول بول هنري بوردو عن حمزة وأهدافه البعيدة: (وكان حمزة في الحقيقة داهية دهياء متعمقًا في المباحث الدينية القديمة، وأن العقائد التي نادى بها تدل تمامًا على أنها ذات العقائد التي كان ينادي بها المقنع الخراساني (7)، هذا اليهودي الذي هاج في خراسان سنة 160 هـ) (8).--------------------------------------------
(1) عبد الله النجار: ((مذهب الدروز والتوحيد)). (ص 123).
(2) أحمد الفوزان: ((أضواء على العقيدة الدرزية)). (ص 28).
(3) خير الدين الزركلي ((الأعلام)). (ص 310) – ومحمد عبد الله عنان: ((الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية))، (ص 113) – وأحمد عطية: ((القاموس الإسلامي))، (2/ 156).
(4) محمد كامل حسين: ((طائفة الدروز)) (ص 76).
(5) محمد كامل حسين: ((طائفة الدروز)) (ص 76).
(6) عبد الله النجار: ((مذهب الدروز والتوحيد))، (ص 123 – 124).
(7) هو المقنع الخراساني الحاولي، الذي اتخذ لنفسه وجها من الذهب، فلم ينزعه قط، لئلا يطلع الناس على وجهه المشوه، وكان يدعي أن الله تعالى قد حل في نفسه بالانتقال والمناسخة.
(8) بول هنري بوردو: ((أميرة بابلية لدى الدروز)): (ص 26 – 28).

(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 338)

وسرعان ما أصبحت لحمزة حظوة عند الحاكم، بعدما أظهره من إخلاص، واستطاع بحنكته ودهائه أن يجمع حوله بعض الدعاة ويتفقوا سرا للدعوة إلى تأليه الحاكم بأمر الله، ومن هؤلاء كان محمد بن إسماعيل الدرزي.
ويظهر أن حمزة بن علي، وكما يتضح في رسائله، قد اتفق مع دعاته ألا يجهر أحدهم أو يكشف عن مضمون المذهب الجديد، إلا بعد تلقي الأوامر منه نفسه، ولكن الدرزي تسرع في الكشف عن أسرار الدعوة الجديدة سنة 407 هـ، مما أثار الناس، وحمل حمزة على الكشف عن دعوته سنة 408 هـ.
يقول حمزة في (رسالة الغاية والنصيحة) موضحًا هذه النقطة: (وغطريس هو نشتكين الدرزي الذي تغطرس على الكشف بلا علم ولا يقين، وهو الضد الذي سمعتم بأنه يظهر من تحت ثوب الإِمام، ويدعي منزلته … إلى أن يقول: وكذلك الدرزي كان من جملة المستجيبين حتى تغطرس وتجبر وخرج من تحت الثوب، والثوب هو الداعي، والسترة التي أمره بها إمامه حمزة بن علي بن أحمد الهادي إلى توحيد مولانا جل ذكره) (1).ومهما يكن من شيء فإن الدعاة إلى المذهب الجديد ظلوا في سترهم مدة طويلة يعملون في الخفاء، ويدعون الناس سرًا لمبادئهم وتعاليمهم، حتى قام الدرزي وأعلن الدعوة سنة 407 هـ، والذي كما يقال: (قد فتح سجلاً في مساجد القاهرة تكتب فيه أسماء المؤمنين بألوهية الحاكم، فاكتتب من أهل القاهرة سبعة عشر ألفا كلهم يخشون بطش الحاكم) (2).
ويبدو أن هذا الأمر قد أحرج حمزة، مما حمله على الجهر بدعوته الجديدة – كما سبق ذكره – سنة 408 هـ، فثار الناس على هؤلاء الدعاة ثورة شديدة ساعدهم فيها الجند الأتراك، مما جعل الدرزي – على أرجح الروايات – يختفي في قصر الحاكم، حيث عمل على تهريبه بعد ذلك إلى وادي التيم في بلاد الشام، والذي كان يقطن به التنوخيون، والذين كانوا يدينون بالولاء للعبيديين، حيث عمل هناك على بث آرائه ومعتقداته بينهم، فانضموا إليه وآمنوا بدعوته.--------------------------------------------
(1) ((رسالة الغاية والنصيحة)): حمزة بن علي.
(2) ((خير الدين الزركلي)): (8/ 2464).

(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 339)

وبسبب شدة الثورة التي قام بها أهل مصر، على دعاة حمزة وأتباعه، اختفى حمزة أيضًا سنة 409 هـ، واعتبرها سنة اختفاء وغيبة. ويصف حمزة سنة 409 هـ: (بأنها سنة المحنة والامتحان والعذاب، وأن القصد من الغيبة أن يمتحن الخلق بغيبته، والمحنة هي غيابه الذي عاقبهم فيه) (1). (ويبدو أن غيبته في هذه السنة، كانت استعدادًا للظهور بقوة جديدة للتنظيم بعد ثورة الناس عليه في العام الفائت) (2).ويتبين من رسائل حمزة، أنه في خلال هذه الفترة جعل مقره السري خارج القاهرة في مسجد (تبر)، ولكن خصومه هاجموا مقره وأحرقوا باب المسجد، ثم وجدوا داخل المسجد بابا من الحجر لا تعمل فيه النار ويصعب نقب جداره) (3).مما تقدم يتضح بداية الخلاف بين حمزة والدرزي، والظاهر أن هذا الخلاف قد تفاقم بعد هروب الدرزي إلى الشام، حيث دعا هناك إلى أراء جديدة خالف بها آراء حمزة، من ذلك تسمية نفسه بـ (سيف الإِيمان) و (سيد الهادين)، وكان أيضًا يلعن مخالفي المذهب، بينما يقول حمزة: (اللعنة لا تزيد في الدين ولا تنقص منه) (4)، وكذلك (دعوته للحرية الجنسية) (5).وأرى أن هذا الاختلافات، لم تكن بتلك الأهمية لتأجج الخلاف بين الرجلين، وأن جوهر الخلاف – كما يفهم من كتابات حمزة – إنما كان (بسبب رئاسة الدعوة الجديدة، وهذا الأمر أغضب حمزة، وجعله يعزل الدرزي من مصبه في الشام، ويؤلب عليه أتباعه في الشام فقتلوه سنة 411 هـ) (6).وهذا الخلاف يؤكده حمزة في (رسالة الغاية والنصيحة) إذ يقول: (وكذلك الدرزي سمى نفسه في الأول بسيف الإِيمان، فلما أنكرت عليه ذلك وبينت له أن هذا الاسم محال وكذب، لأن الإِيمان لا يحتاج إلى سيف يعينه، بل المؤمنون محتاجون إلى قوة السيف وإعزازه، فلم يرجع عن ذلك الاسم وزاد عصيانه، وأظهر فعل الضدية في شأنه، وتسمى باسم الشرك وقال: أنا سيد الهادين، يعني أنا خير من إمامي الهادي) (7).هذا وكانت مدة ظهور حمزة ثلاث سنوات هي: 408، 410، 411، وأما سنة 409 هـ فإنها – كانت سنة غيبة له. كذلك فقد اختفى بعد سنة 411 هـ، - وهي السنة التي قتل فيها الحاكم -، حيث مرت سنوات من الكتمان، أيضًا لم يظهر فيها، فقد طورد من قبل الظاهر ابن الحاكم والملك الجديد، (مما اضطره إلى الرحيل إلى بلاد الشام) (8).وبقي حمزة مختفيًا حتى أزيح الستار قليلاً عن نشاطه، برسائل أرسلت إلى سواه وذُكر فيها، أو وجهت إليه، بعد قرابة عشرين سنة من غيابه، منها رسالة المواجهة، التي يتبين منها، أن حمزة كان لا يزال على اتصال سري بدعاته، وعلى الخصوص بـ (المقتني) بهاء الدين كاتب الرسالة، والذي يبدأها بـ (السلام على الإِمام) موجهًا إليه (عبيده الزائرين … رسل العبد الذليل) (9).أما غيبة حمزة الثانية والأخيرة، (فإن رسالة بهاء الدين في (رسالة السفر) والتي يطلب فيها من المؤمنين، الإِيمان برجوع حمزة، وإلى طاعة ولي الحق الإِمام المنتظر، توضح هذه الرسالة – والتي كتبت في السنة الثانية والعشرين من سني حمزة أي سنة 430 هـ - أن حمزة قد اختفى أو مات سنة 430 هـ) (10).--------------------------------------------
(1) عبد الله النجار: ((مذهب الدروز والتوحيد)). (ص: 115).
(2) عبد الله النجار: ((مذهب الدروز والتوحيد)) (ص: 124)
(3) مصطفى غالب: ((الحركات الباطنية في الإسلام))، (ص: 249).
(4) محمد كامل حسين: ((طائفة الدروز))، (ص: 77).
(5) سعيد الصغير: ((بنو معروف الدروز))، (ص: 236).
(6) سعيد الصغير: ((بنو معروف الدروز))، (ص: 236) (بتصرف).
(7) ((رسالة الغاية والنصيحة)).
(8) خير الدين الزركلي: ((الأعلام)). (2/ 310).
(9) عبد الله النجار: ((مذهب الدروز والتوحيد))، (ص 125).
(10) عبد الله النجار: ((مذهب الدروز والتوحيد)) (ص 120 – 126).

(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 340)

مع أن هناك من يقول: (أنه مات سنة 422 هـ (1030 م)) (1).وأما مكانة حمزة عند الدروز، فهو الإِعظام والإِجلال، (فالحديث عنه مقرون دائمًا عندهم بالإِجلال والإِعظام سواء أكان ذلك في مجرى حديث لسان أو على مسرى صفحة من كتاب مطبوع، أو ورقة من سفر مخطوط) (2).--------------------------------------------
(1) أحمد عطية: ((القاموس الإسلامي))، (2/ 156).
(2) د. مصطفى الشكعة: ((إسلام بلا مذاهب))، (ص 273).

(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 341)

وهو عندهم – وكما سمى نفسه في رسائله -، الإِمام، وقائم الزمان، وهادي المستجيبين المنتقم من المشركين، وعلة العلل، والعقل الكلي، والإِرادة، والقلم، والطور، والكتاب المسطور وهو أيضًا المسيح الحق … إلى غير ذلك من الأسماء والألقاب التي أطلقها على نفسه. وحمزة يفتتح رسائله غالبًا بهذه الديباجة، وكما وردت في (رسالة البلاغ والنهاية): (تأليف عبد مولانا جل ذكره، هادي المستجيبين، المنتقم من المشركين سيف مولانا جل ذكره) (1).وكذلك نجده في (الرسالة الموسومة بسبب الأسباب) يصف نفسه بهذه الألقاب أيضًا بأنه: (الإِرادة فهو علة العلل، وهو العقل الكلي، وهو القلم، وهو القاف، وهوا القضاء، وهو الألف بالابتداء، وهو الألف بالانتهاء … إلى أن يقول: وهو سبحانه منزه عن الكل (2)، وجميع ما في القرآن والصحف، وما تركه على قلبي من البيان والأسماء الرفيعة فهو يقع على عبده الإِمام) (3).وفي هذه الرسالة ينفي حمزة عن نفسه بأنه اخترع هذا الأمر من عند نفسه فيقول: (وها هنا باب ثان مذموم، أعاذك المولى سبحانه منه، وذلك قول من يقول من كافة الناس بأني اخترعت هذا الأمر من روحي، ووضعت العلم من ذاتي، وقوتي، ومولانا جلت قدرته لا يعلم بذلك ولا يرضاه … وأنا أعيذك من ذلك وجميع الموحدين المخلصين) (4).وكما أشرت سابقًا، فإن الدروز يجلون ويعظمون حمزة، فنجد المقتني بهاء الدين يخاطب حمزة في (رسالة المواجهة) بقوله: (وتطول عليهم بالمسامحة من الغلط والسهو في صحائف التوحيد، نظمها العبد بتأييد مولاه، وألفها، ورسائل إلى دعاة الحق ثناها على التنزيه وعظمها. فما كان يا مولاي في هذه الصحائف والمراسلات والكتب والملطفات التي سيرها العبد من خطاب جزل، ومنطق صائب، وقول فصل، فهو من منه إمام العصر، ومؤاد (5) قائم الزمان، وما كان فيها من خطأ وخطل فهو منسوب إلى العبد الأصغر، الملهوف الظمآن، يتوسل في تقصيره إلى لطف مولاه) (6).وفي كتاب النقط والدوائر – وهو من كتب الدروز الدينية ولا يعرف مؤلفه – يصف كاتبه حمزة بهذه الأوصاف: (فهو صلوات الله عليه النور الكلي، والجوهر الأزلي، والعنصر الأولي، والأصل الجلي، والجنس العلي، فيه بدأت الأنوار، ومنه برزت الجواهر، وعنه ظهرت العناصر، ومنه تفرعت الأصول، وبه تنوعت الأجناس … إلى أن يقول: فهو الإِمام، والدليل على عبادة الله، والداعي إلى توحيد الله، والناطق بحق الله، والبرهان على الله، والرسول الذي أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) (7).ولا يزال الدروز إلى الآن على هذا التعظيم لحمزة -، يقول كمال جنبلاط في مقدمته لكتاب (أضواء على مسلك التوحيد): (ويجب أن يبقى أبناء التوحيد محافظين على هذا التكريس والتهيؤ التقليدي والاجتباء الإِنساني لفكرة الولاية، لأنه في النهاية وفي الحقيقة، لا ولاية على الموحدين، ولا على الأنام كافة، إلا للعقل الأرفع، صلوات المهيمن عليه (8).--------------------------------------------
(1) ((رسالة البلاغ والنهاية في التوحيد)).
(2) يقصد الإله المعبود (الحاكم)، فالإله في نظره منزه عن كل الصفات المذكورة في القرآن الكريم – لأنها جميعها تقع على العقل وهو (حمزة).
(3) ((الرسالة الموسومة بسبب الأسباب)).
(4) ((الرسالة الموسومة بسبب الأسباب)).
(5) هكذا وردت في المخطوط ولعل الصحيح (ومراد).
(6) ((رسالة المواجهة)).
(7) كتاب ((النقط والدوائر))، (ص: 9 – 12).
(8) د. سامي مكارم: ((أضواء على مسلك التوحيد))، (ص 20).

(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 342)

ويضيف الدكتور سامي مكارم: (وهذا المعتقد التوحيدي يعتمد العقل في استكشافاته، ولا يراد بالعقل الأدنى، أي البشري أو الدنيوي إن صح التعبير، بل العقل الأرفع أو الكلي الذي هو المبدع الأول، أبدع من النور الشعشعاني المحض صورة صافية كاملة فتضمن في سره معنى ما كان وما يكون دفعة واحدة بدون زمان، فكان قوة كاملة وفعلاً تامًا، وكان علة العلل وأصل الوجود وغايته معًا) (1).
مما سبق يتبين أن الإِيمان بإمامة حمزة – وأنه المبدع الأول وغير ذلك – هي من أهم معتقدات الدروز، وأصل عظيم من أصولهم، لأنه أول الحدود الخمسة الذين يعتقدون بهم، وهو أيضًا في نظرهم نبي الحاكم. وقد جاء في مخطوط (شرح ميثاق ولي الزمان) (2) ما يلي ثم من تسليم الروح ومعرفة العقل صفي الرب صلى الله عليه، وتمييزه عن إخوته الأربعة، وهم: النفس، والكلمة، والسابق، والتالي، وتمييزه عنهم بأحوال كثيرة.
وفي شعر – مخطوط – لدرزي يسمى بـ (الشيخ أبي عبيد) يقول فيه:
ألا صلوا على قلم القضايا رسول الله أفضل من أجابا رسول الله حمزة يا خليلي فأولى من أتانا بالكتابا (3) وحسب عقيدة التناسخ والأدوار عند الدروز، فقد ظهر حمزة في الأدوار الكبرى، والأدوار الصغرى بأسماء مختلفة: فهو شطنيل في دور آدم، وفيثاغورس في دور نوح، وداود في دور إبراهيم، وشعيب في دور موسى، واليسوع في دور عيسى، وأنه – أي حمزة – هو المسيح الحقيقي الأبدي، وسلمان الفارسي في دور محمد صلى الله عليه وسلم (4)، وهو الذي أملى القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم وهكذا …
هذه لمحة سريعة عن حمزة، إمام الدروز، وقائم زمانهم، تبين بوضوح ذكاء ودهاء هذا الرجل، فقد استطاع أن يكون نموذجًا للدعاة الملاحدة، الذين ظنوا أنهم يستطيعون أن يقوضوا أركان الإِسلام ودعائمه، فلم ينفع ذكاؤهم ولا مهارتهم في هذا الدين شيء، بل حفظ الله هذا الدين. وخابت كل مساعيهم. ونأتي بعد ذلك إلى الداعي الآخر وهو: الحسن بن حيدة الفرغاني (5) (الأخرم): هذا الداعي لا نعرف عنه إلا الشيء القليل، ذلك أنه ظهر بمدينة القاهرة عقب ظهور حمزة بقليل، وكما يقول ابن العماد في شذرات الذهب أنه ظهر (في الثاني من رمضان سنة 409 هـ) (6).وقد دعا إلى مثل ما دعا إليه حمزة من التناسخ والحلول، وألوهية الحاكم، وذاعت دعوته بسرعة في جماعة من المغامرين والمرتزقة، فاستدعاه الحاكم وخلع عليه وأركبه فرسا مطهما، وسيره في موكبه) (7).غير أنه لم تمض على ذلك أيام قلائل، حتى وثب عليه رجل من أهل السنة وقتله وقتل معه ثلاثة رجال من أتباعه، فغضب الحاكم وأمر بإعدام قاتله ودفن الأخرم على نفقة القصر في حفل رسمي، كما أن جمهور أهل السنة احتفلوا بمأتم القاتل ودفنوه مكرمًا) (8). (ولكن القبر نبش بعد أيام واختفت جثته، وكان ذلك على ما يظهر بوحي الحاكم ورغبته) (9).--------------------------------------------
(1) د. سامي مكارم: ((أضواء على مسلك التوحيد))، (ص 81).
(2) مخطوط في جامعة شيكاغو (رقم 3737): أخذت عن نسخة الجامعة الأردنية شريط (رقم 29).
(3) مخطوط في جامعة شيكاغو (رقم 3737): أخذت عن نسخة الجامعة الأردنية شريط (رقم 29).
(4) عبد الله النجار: ((مذهب الدروز والتوحيد)). (ص 123).
(5) نسبة إلى فراغان، بالفتح. مدينة واسعة بما وراء النهر متاخمة لبلاد التركستان. بينها وبين سمرقند خمسون فرسخا. انظر ((ياقوت الحموي)) في ((معجم البلدان))، (4/ 253).
(6) ابن العماد: ((شذرات الذهب))، (3/ 194).
(7) محمد عبد الله عنان: ((الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية))، (ص 115).
(8) محمد كامل حسين: ((طائفة الدروز))، (ص 78).
(9) محمد عبد الله عنان: ((الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية))، (ص 115).

(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 343)

هذا تلخيص لكل ما ذكره المؤرخون عن هذا الداعية، والظاهر من رسائل حمزة أنه لم يكن ضد الأخرم، كما كان ضد الدرزي، على أن (الرسالة الواعظة) لأحمد حميد الدين الكرماني، تفيدنا بعض الشيء عن مهمة الأخرم وهي رسالة موجهة إلى الأخرم ردًا على رقعة بعث بها الأخرم إليه، حيث يتضح من هذه الرسالة أن الأخرم هو الذي كان يقود حركة الدعاية للمذهب الجديد وأنه هو الذي كان يبعث بالرقاع إلى الناس يدعوهم فيها إلى عقيدته الجديدة وكان يطلب من العلماء وكبار الدعاة أجوبة فكتب إليه الكرماني (الرسالة الواعظة).
وأول ما يراه الكرماني في رقعة الأخرم أنها خالية من البسملة ومن الصلاة على النبي، وعلى الأئمة من ذريته، ويضيف الكرماني قائلاً: ولا تخلو أن تكون في تظاهرك بولاء أمير المؤمنين عليه السلام، إما متبعًا له، أو غير متبع، فإن كنت متبعًا فبمخالفتك إياه فيما أمرك به من السجلات المكرمة من السلام عليه في جميع المكاتبات وقعودك عن الاقتداء فيما يفعله من تصدير سجلاته وجميع مكاتباته وخطبه بسم الله الرحمن الرحيم، والاستفتاح به، والصلاة على سيد المرسلين وخاتم النبيين والتبرك بها قد كفرت. ومن الأفكار التي قالها الأخرم في رقعته للكرماني: من عرف منكم إمام زمانه حيًا، فهو أفضل ممن مضى من الأمم من نبي أو وصي أو إمام … وأن من عبد الله من جميع المخلوقين، فعبادته لشخص واحد لا روح فيه، ويتساءل عن معنى الآية الكريمة عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا [الإنسان:18]، وعن: الإسلام وشرائطه؟ وعن: الذي يتقرب به إلى المعبود؟ وهل الشريعة محدثة أم قديمة مع الدهر؟ وما النفس؟ وما العقل؟ ثم ينتهي به القول إلى أن الشريعة والتنزيل والتأويل خرافات وقشور وحشو ولا تتعلق بها نجاة، وأن الناس لا يوجهون وجوههم إلى القبلة لأنها حائط، وأن المعبود هو الحاكم) (1).
وهذا يدل على أن الأخرم كان من مؤسسي هذه الدعوة، وكان لسان دعايتها، ولا ندري تمامًا مرتبته بين الحدود، لأنه قتل قبل أن يتبلور مركز الحدود ومراتبهم، ولا ندري ماذا يكون مصيره مع حمزة لو قدر له أن يعيش.
أما الداعية الآخر، والذي ينسب إليه الدروز فهو: محمد بن إسماعيل الدرزي (نشتكين): في حديثنا فيما سبق عن حمزة بن علي، ذكرنا أن أول من كشف عن عقائد المذهب الدرزي، كان محمد بن إسماعيل الدرزي سنة 407 هـ، مما اضطر حمزة إلى الإِعلان والكشف عن دعوته لتأليه الحاكم سنة 408 هـ. والدرزي على الأرجح من أصل تركي، ويذكر المؤرخون أنه وفد على مصر سنة 407 هـ، فخدم الحاكم وتقرب إليه، ولكن الذي يرجحه الدكتور محمد كامل حسين: أن الدرزي كان قبل هذا التاريخ في مصر واتصل بحمزة بن علي مدة طويلة قبل إظهار الدعوة، وعملاً معًا في رسم خططها) (2).
ويصرح حمزة في (رسالة الغاية والنصيحة): بأن الدرزي كان يضرب الدنانير والدراهم، وهذا مما يؤكد أن الدرزي كان قريبًا من حمزة والحاكم. ولاشك أن الدرزي كان من أقوى رسل حمزة وأشدهم عزمًا وجرأة، وكان يسير على طريقة حمزة في الدعوة، (ومن الغريب أن حمزة في إحدى رسائله يتهم الدرزي بأنه لا يقر إلا بإنسانية الحاكم بأمر الله، دون ألوهيته، مستندًا في هذا إلى أن الدرزي يقول: أن روح آدم انتقلت إلى علي بن أبي طالب، ثم انتقلت روح علي إلى الحاكم، وعلي هو الأساس، والأساس هو مجرد إمام، وليس إلهًا) (3).--------------------------------------------
(1) محمد كامل حسين: ((طائفة الدروز))، (ص: 79).
(2) محمد كامل حسين: ((طائفة الدروز))، (ص: 79).
(3) د. عبد الرحمن بدوي: ((مذاهب الإسلاميين)) (ص 595).

(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 344)

أما عن مصير الدرزي بعد أن كشف عن هذا المذهب، فيختلف المؤرخون في ذلك، فمنهم من يقول بقتله في ذلك الوقت على يد الأتراك. ومنهم من يرجح أنه لم يقتل في هذا الظرف، ولكنه اختفى في القصر أيامًا بحماية الحاكم حتى هدأت العاصفة وسكن الجند، ثم دبر الحاكم له سبيل الفرار، وأعانه بالمال، فسار إلى الشام ونزل ببعض قرى بانياس (1) وأذاع في الناس دعوته، فكانت أصل مذهب الدروز الذي سمي باسمه، وحاول هناك أن ينقلب على حمزة ويدعي الإِمامة والرئاسة له، فقتل بتحريض من حمزة سنة 411 هـ، والأرجح أن هذا هو السبب الوحيد والجوهري لغضب حمزة عليه. ويفهم من رسائل حمزة بأن الدرزي لم يكن وحيدًا، بل كان معه دعاة آخرون أمثال البرذعي، وعلي بن أحمد الحبال، ويذكر ذلك في (رسالة الغاية والنصيحة) فيقول: (وفرعون البرذعي، وهامان علي بن الحبال، لأن فرعون كان داعي وقته، فلما أبطأ الناطق قال: (أنا ربكم الأعلى) (2) يعني إمامكم الأعظم، وهامان الذي فتح له باب المعصية) (3).ويقول أيضًا في رسالة (الصيحة الكائنة): (وما منكم أحد إلا وقد نصحته بحسب الهداية إلى دعوته، فمنكم من استجاب، ونكث مثل علي بن أحمد الحبال الذي كان مأذونًا لي، وعلى يده استجاب نشتكين الدرزي) (4).
ويذكر كذلك في (رسالة الرضا والتسليم): (وأما البرذعي فأنا أرسلت إليه ودعوته إلى توحيد مولانا جل ذكره، فلما أرسل إليه الدرزي رسوله ومعه ثلاثة دنانير وأوعده بالمركوب والخلع فمضى إلى عنده وفتح له أبواب البلايا والكفر، أما أصحابه كلهم فمكتوبة عندي عليهم وثائق بالشهود العادلة لأن لا يراجعوا عما سمعوه مني أبدًا). ومن خلال هذه الرسالة يتبين لنا أن حمزة عندما عرض على البرذعي أمر الاستجابة إلى دعوته، شرط عليه أن يأتيه بتوقيع الحاكم، (وهذا يعني أن الحاكم كان يعلم بدعوة حمزة، وكان على اتصال وثيق به) (5).
وفي ختام حديثنا عن دعاة الدروز، لابد أن نلم قليلاً باثنين من حدودهم الخمسة وأكابر دعاتهم وهما:
أبو إبراهيم إسماعيل بن حامد التميمي، صهر حمزة ويليه في مرتبة الحدود، والذي يلقب بالنفس، وذومصة، والمشيئة، وإدريس زمانه، وأخنوخ أوانه.
والداعية الثاني هو: بهاء الدين أبو الحسن علي بن أحمد السموقي، المعروف بالضيف، وهو الحد الخامس من الحدود، ومرتبته الجناح الأيسر، أو التالي. أما التميمي، فلاشك أنه من الحدود الكبار – عند الدروز – الذين قام المذهب على أكتافهم، (وتؤكد النصوص التاريخية أن حمزة كان يعتمد على صهره وساعده الأيمن الذي ينفذ بدقة ونشاط أصعب المهمات وأشدها خطرًا) (6).
وقد كتب التميمي عدة رسائل من مجموع رسائل الدروز منها: رسالة في تقسيم العلوم، والزناد، والشمعة، والرشد والهداية، وله أيضًا شعر يمجد فيه الحاكم اسمه (شعر النفس).
ومع ذلك فنحن نعجب لسكوت كتب التاريخ، ورسائل الدروز عن هذا الداعية بعد غياب حمزة سنة 411 هـ، إذ لا يوجد لدينا أي شيء عن هذا الداعية بعد هذا التاريخ.--------------------------------------------
(1) هما بلدان على الساحل السوري، وعند القنيطرة.
(2) يشير إلى الآية الكريمة فَحَشَرَ فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى *النازعات:23 - 24*.
(3) ((رسالة الغاية والنصيحة)).
(4) ((رسالة الصبحة الكائنة)).
(5) مصطفى غالب: ((الحركات الباطنية في الإسلام))، (ص: 243).
(6) مصطفى غالب: ((الحركات الباطنية في الإسلام))، (ص: 251).

(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 345)

ونأتي بعد ذلك إلى الداعية الآخر بهاء الدين، والذي كان له أكبر الأثر في انتشار مذهب الدروز وقيامه بعد غياب حمزة سنة 411 هـ، وذلك لأن مرتبته في الدعوة هي مرتبة الجناح الأيسر أو التالي، وسنرى في حديثنا عن الحدود في العقيدة الدرزية، أن من يشغل هذه المرتبة يكون لسان الدعوة، وله من الحدود: الجد، والفتح، والخيال. وقد استمر بهاء الدين يحمل أعباء الدعوة إلى مذهبه، فكتب الرسائل إلى الملوك والأمراء يدعوهم إلى الدخول في مذهبه، كما كتب إلى الذين خرجوا عن المذهب بعد أن كانوا من دعاته أمثال الداعي (سكين) (1) الذي ادعى أنه الإِله المعبود، وأنه الحاكم بأمر الله.
ومما يذكر أن الكثير من رسائل الدروز، قد كتبها بهاء الدين، ومن هذه الرسائل: (رسالة التنبيه والتأنيب والتوبيخ)، (رسالة التعنيف والتهجين)، (ورسالة القسطنطينية)، وغير ذلك من رسائل كثيرة كتبها، وأغلبها في الرد على الآراء الجديدة التي حاول الخارجون عليه أن يبثوها، لذلك تحمل أكثر العناوين من رسائله التأنيب والتوبيخ والتعنيف. ولما شعر بهاء الدين باضطراب الأحوال، بعد أن كثرت الآراء الدخيلة في المذهب، أخذ يهدد أتباعه باعتزال الدعوة، وبالفعل اعتزلها سنة 434 هـ، بعد أن أقفل باب الاجتهاد حرصا على الأصول والأحكام التي وضعها حمزة، والتميمي، وما وضعه هو نفسه) (2).
هؤلاء هم دعاة الدروز، وعلى أيديهم قام المذهب الجديد، وسنعرض عند الحديث عن حدود الدروز باقي هؤلاء الدعاة.
ولاشك أن حمزة كان إمامهم وداعيتهم الأكبر، وكان طموحه كبيرًا وكان بهاء الدين بالفعل متممًا حقيقيًا لما بدأه حمزة، ولولا بهاء هذا لانقرض هذا المذهب بعد غياب حمزة.

‌‌المصدر:عقيدة الدروز عرض ونقد لمحمد أحمد الخطيب – ص 103--------------------------------------------
(1) أحد دعاة الدروز الأوائل، وكان يشبه الحاكم في بعض ملامحه، فلما قتل الحاكم ادعى أنه الحاكم، فاجتمع حوله بعض المفتونين، واستطاع أن يدخل القصر على أنه الحاكم، ولكن لم يلبث أن عرف الحراس حقيقته فقتل، ويعتبره الدروز مارقا وخارجا عن مذهبهم.
(2) مصطفى غالب: ((الحركات الباطنية في الإسلام))، (ص: 252).

(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 346)

‌‌المبحث الخامس: أسماء الدروز
الدروز:
هذا هو الاسم المشهور عنهم والمتداول على ألسنة الناس، وهو نسبة إلى نشتكين الدرزي، وقد رأينا أنه مع شهرة هذا الاسم عنهم إلا أنهم لا يحبون أن يطلق عليهم؛ لأنه ينسبهم إلى درزي المذكور وهم قد انحرفوا عن موالاته بعد أن اختلف هو وحمزة بن علي، وصاروا بعد ذلك يلعنونه ويحكمون عليه بالضلال والكفر بمبادئهم لما سبق ذكره.
الموحدون: هذا هو الاسم الذي يحبونه ويطلقونه على أنفسهم في كتبهم التي يقدسونها (1).ويجب ملاحظة أن هذه التسمية لا تعني توحيد الله عز وجل الذي يعبده المؤمنون، ولكن معناها الإخلاص في توحيد الحاكم بأمره حيث يذكر حمزة بن علي الزوزني ذلك بقوله: (التوحيد لمولانا عوض الشهادتين) (2)

‌‌المصدر:فرق معاصرة لغالب عواجي 2/ 600--------------------------------------------
(1) انظر: ((طائفة الدروز)) (ص6)
(2) ((الحركات الباطنية في العالم الإسلامي)) (ص278)

(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 347)

‌‌المبحث السادس: كيف انتشرت العقيدة الدرزية
حينما فرَّ الدرزي من مصر توجه إلى بلاد تيم في لبنان، وكانت تقيم فيه قبائل عربية في الجاهلية ثم اعتنقوا الإسلام.
وفي أيام الدولة العبيدية انتشر بينهم المذهب الإسماعيلي بتأثير هذا الداعي وفراغهم عن معرفة الدين الإسلامي.
وهذه العقيدة على تفاهتها وجدت من يستمع لها ويدين بها إلى وقتنا الحاضر مع شدة حرصهم على كتمانها، الأمر الذي جعل المعلومات حولهم ناقصة جداً ومتضاربة في كثير منها حول ديانة هؤلاء الدروز، وهي في مجملها تتألف من أفكار شتى ونظريات مختلفة فلسفية وهندية ويونانية وفارسية وفرعونية، ثم أحاطوها بالسرية الكاملة لا يبيحون لأحد أن يطَّلع عليها غيرهم، كما لا يبيحون لأحد منهم أن يفشي سراً من أسرارها.
وقد جاء في كلام لحمزة بن علي قوله في الترهيب من إفشاء أسرارهم: (إن أكبر الآثام وأعظمها إظهار سر الديانة وإظهار كتب الحكمة –يعني كتبهم- والذي يظهر شيئاً من ذلك يقتل حالاً تجاه الموحدين ولا أحد يرحمه).ويقول: (عليكم أيها الإخوان الموحدون في دفن هذه الأسرار، ولا يقرأها إلا الإمام على الموحدين في مكان خفي، ولا يجوز أن تظهر كتب الحكمة التي كلها رسم ناسوت مولانا سبحانه، وإن وجد شيء من هذه الأسرار في يد كافر فيقطع إرباً إرباً) (1).
على أنه لا مانع مع الحفاظ على هذا التكتم أن يتظاهر الدرزي –كما أوصاه علماؤه- بإنكار هذه المبادئ أمام الآخرين إذا لم تكن له قوة أمامهم مستعملا في ذلك ما بوسعه من النفاق والكذب والخداع، وأن يظهر لكل أهل مذهب الرضى عن مذهبهم والسلوك في سبيلهم على طريقة الباطنية. وقد ذهب الغلو بمحمد كامل حسين أن يقول: (وللدروز قضاة منهم يحكمون دائماً حسب الشريعة والتقاليد الإسلامية، إلا أنهم في بعض المسائل الخاصة يحكمون حسب التقاليد الدرزية) (2).
ثم مثَّل بعدة أمثلة هي ضد الإسلام، ومما ينبغي التنبيه له أن الدروز لا يزالون على اعتقاد تأليه الحاكم إلى وقتنا الحاضر يقرونه في مجالسهم الخاصة وخلواتهم، ولكنهم قد يتظاهرون أمام الناس بعدم تأليه الحاكم وهم يعلمون أنهم لو تركوا هذه الفكرة لأصبحوا بلا دين. وقد كشف هذا الستار أحد علماء الدروز وهو عبد الله النجار الذي قتلوه بعد ذلك في أحداث لبنان فهو يقول: (وإني لأذكر عتاب كبير الأشياخ الثقات؛ لأني ذكرت في أحد الكتب المطبوعة أن أم الحاكم كانت صقلية؛ إذ قال لي: إن الحاكم لا أم له مردداً ما جاء في الرسالة 26: حاشا مولانا جل ذكره من الابن والعم والخال لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: 3 - 4] (3).
فهذه شهادة شاهد من أهلها، والباطل لا بد وأن يكشفه الله مهما حاول أهله التستر عليه. وقد كان لهذه الفكرة الإجرامية نتائجها على الحاكم فيما بعد؛ فإنه أنكر ولم يوص بالخلافة لولده (الظاهر بالله) وإنما أوصى بها إلى شخص آخر للإيحاء بأن الأمر لا يزال بيده حتى وإن غاب عنهم يعطيه من يشاء ويمنعه عن من يشاء. ومن هنا فقد انتقم الظاهر من هؤلاء بعد توليه الخلافة أشد انتقام.

‌‌المصدر:فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام لغالب عواجي – 2/ 601--------------------------------------------
(1) ((عقيدة الدروز)) (ص175)
(2) ((طائفة الدروز)) (ص29)
(3) ((مذهب الدروز والتوحيد)) (ص105، 106)، عن ((الحركات الباطنية)) (ص237)

(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 348)

‌‌المبحث السابع: معاملة الدروز لمن يكشف شيئاً من عقائدهم
ومن هذا الموقف فإن من أفشى شيئاً من عقائد الدروز فإنهم لا يقابلونه بالمناقشة والحجة كما يفعل سائر الناس الذين يثقون بمبادئهم، وإنما يقوم هؤلاء الدروز وهم يعرفون تفاهة مذهبهم بسبّ الشخص وإلصاق التهم به وإثارة الضجة حوله إذا لم يستطيعوا قتله.
ويذكر الدكتور الخطيب أن الشيخ زيد بن عبد العزيز الفياض كتب في مجلتي المنهل وراية الإسلام اللتين كانتا تصدران في جدة والرياض عنهم بعض الحقائق، ورد على من يسميهم مسلمين فقامت قيامة الدروز على الفياض وسبوه بأقذع السباب، وأصدر شيخ العقل في لبنان فتوى ضده ونشروا ذلك في عدة صحف. وقد قام أحد علماء الدروز ويسمى عبد الله النجار بإصدار كتابه مذهب الدروز والتوحيد، وبيَّن حقيقة هذا المذهب، فقامت ضجة حوله وحول كتابه، وحاكمه مشائخ الدروز لفضحه أسرار المذهب، وجمعوا نسخ الكتاب من الأسواق وأحرقوها وقد استغلوا أحداث لبنان واغتالوا النجار (1).
ولا شك أن قيامهم بمثل هذا الإجرام يعتبر دليلاً واضحاً على معرفتهم برداءة مذهبهم وبطلانه؛ إذ الحق لا يخاف صاحبه من إظهاره؛ بل يحب ويتودد إلى الناس لنشره وانتفاع الناس به.
ويقول محمد أحمد الخطيب عن موقف الدروز منه حين طبع كتابه (عقيدة الدروز) وما لاقاه من مضايقات وتهديدات بسبب ما دونه من حقائق لا يستطيعون دفعها بأي حال لاستناده فيما كتبه عنهم إلى مصادرهم، يقول: (وللحقيقة أذكر أن هذه الأمور مجتمعة قد حدثت معي شخصياً حينما تم طبع ونشر كتاب عقيدة الدروز عرض ونقض، وهي رسالة ماجستير نوقشت في جامعة الإمام محمد بن سعود عام 1400هـ؛ حيث ظهر، وبشكل واضح طريقة التعامل القذر الذي يتم مع كل من يحاول أن يبحث عن حقيقتهم. فقد توالت عليّ المكالمات الهاتفية التي تهدد بالقتل، وجاء على أثرها الكثير من الرسائل والتي تتوعدني بالويل والثبور إن لم أعتذر عن كتابي وما ورد فيه، ولم يكتفوا بذلك بل عملوا على جمع ما يستطيعون من نسخ الكتاب المذكور وإحراقه، وكذلك عملوا على مطالبة المسئولين في كثير من البلاد العربية بمنع الكتاب، فكان أن منع في عدد من البلاد العربية) (2).
ومما لا يخفى أن هذه الدول التي منعت انتشار الكتاب والانتفاع بما فيه إنما تمثل الانهزام التام والتودد إلى هؤلاء الأشرار هذا إن أحسنا بهم الظن، وإلا فإن هؤلاء مما يترجح لدى كل فاهم لأوضاع الدول العربية أنهم ممن يبيتون النية السيئة لشعوبهم ولدينهم، وأنهم أقرب إلى أعداء الإسلام وأشد على المسلمين من كثير ممن يتظاهر بعدم الإسلام. والله المستعان.

‌‌المصدر:فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام لغالب عواجي – 2/ 604--------------------------------------------
(1) ((عقيدة الدروز)) (ص179)
(2) ((عقيدة الدروز)) (ص299)

(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 349)

‌‌المبحث الثامن: طريقة الدروز في تعليم ديانتهم
علماء الدروز من أشد الناس تستراً على مبادئهم حتى من الموالين لهم، فلا يطلعون أحداً على أسرار المذهب إلا بعد أن يجتاز امتحانات كثيرة من قبل هؤلاء المشائخ الذين هم بمنزلة السلطة العليا.
وقد وصف محمد كامل حسين ذلك بقوله: (وهم من الناحية الدينية ينقسمون إلى عقال أو أجاويد أي الذين لهم الحق في معرفة شيء من العقيدة السرية، وبين جهال أي الذين ليس لهم الحق في معرفة أسرار الدين.
والعقال ينقسمون بدورهم إلى درجات ثلاث؛ ففي مساء كل يوم جمعة يجتمع العقال في أماكن العبادة التي تعرف بالخلوات (جمع خلوة) بسماع ما يتلى عليهم من الكتاب المقدس، وبعد تلاوة المقدمات يخرج من الخلوة الطبقة الدنيا من العقال، ثم بعد تلاوة بعض الرسائل البسيطة التي ليس بها تأويلات تخرج الطبقة الثانية بحيث لا يبقى إلا رجال الدرجة الأولى الذين لهم وحدهم الحق في سماع الأسرار العليا للعقيدة.
أما الجهال فلا يسمح لهم بحضور هذه الخلوات أو بسماع شيء من الكتب المقدسة إلا في يوم عيدهم، وهو يوافق عيد الأضحى عند المسلمين، على أن طبقة الجهال يسمح لهم بأن ينتقلوا إلى طبقة العقال بعد امتحان عسير شاق يقوم على ترويض النفس وإخضاع شهواتها مدة طويلة؛ إذ لا يقبل في طبقة العقال من يدمن التدخين مثلاً، وقد يستمر الامتحان أكثر من سنة بأكملها حتى يثق الشيوخ بأحقية الطالب أن ينتقل من طبقة الجهال إلى طبقة العقال).
وقال عن صفات العقال: (والعقال في المجتمع الدرزي يعرفون بعمائمهم ولبس القباء الأزرق الغامق ويطلقون لحاهم، على أن الذين يسند إليهم وظائف حكومية يباح لهم ترك هذه الملابس وارتداء الزي الذي يتطلبه منصبه الرسمي).
وقال عن مكانة المرأة في المذهب الدرزي: (والنساء في المجتمع الدرزي ينقسمن أيضاً إلى عاقلات وجاهلات مثل الرجال تماماً، لا فرق بين المرأة والرجل، والنساء العاقلات يلبسن النقاب وثوباً اسمه صاية).
وعن التنظيم الاجتماعي السائد في المجتمع الدرزي يقول: (وللدروز رؤساء دينيون في كل مكان، على رأسهم شيخ يلقب بشيخ العقل ويتولى منصبه بالانتخاب أو بالاتفاق بين الزعماء وكبار رجال الطائفة، ولشيخ العصر أعوان في كل قرية أو بلد هم شيوخ عقل محليون. وشيوخ العقل في لبنان ينقسمون إلى حزبين سياسيين هما الشيوخ الجانبلاطية والشيوخ اليزبكية، بينما ينقسم الدروز عامة في لبنان مدنياً إلى أمراء ومشائخ وعامة، فالأمراء هم آل أرسلان والمشائخ هم الجانبلاطية واليزبكية) (1).ويذكر محمد حمزة أن أغلب الأحكام الفقهية التي ليس للدروز فيها تشريع خاص يتبعون فيها مذهب أبي حنيفة النعمان، وأن ذلك كان بتأثير العثمانيين الذين فرضوا المذهب الحنفي في سوريا ولبنان (2).

‌‌المصدر:فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام لغالب عواجي – 2/ 609--------------------------------------------
(1) انظر: ((طائفة الدروز)) (ص28،29) فصل ((طبقات المجتمع عند الدروز)).
(2) ((التآلف بين الفرق الإسلامية)) (ص124)

(খণ্ড: 9) (পৃষ্ঠা: 350)