المبحث الثاني: موقف المعتزلة من الصفات عامة
• المطلب الأول: تقسيم المعتزلة للصفات.
• المطلب الثاني: رأي جمهور المعتزلة في الصفات وشبهاتهم والجواب عليها.
• المطلب الثالث: ذكر بعض أقوال المعتزلة التي فيها إشارة إلى شبهة التعدد والتركيب.
• المطلب الرابع: توضيح شبهة التركيب والرد عليها.
• المطلب الخامس: بيان تناقض المعتزلة في إثباتهم الأسماء ونفيهم الصفات.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 397)
المطلب الأول: تقسيم المعتزلة للصفات
ذكر المعتزلة تقسيما خاصا بهم للصفات؛ لكن الملاحظ أن هذا التقسيم لا أثر له على حقيقة مذهبهم؛ لأنه وكما سيتبين في المطلب القادم - بإذن الله - أن المعتزلة تنفي قيام جميع الصفات بالله عز وجل على الحقيقة.
فقد ذكر القاضي عبد الجبار أن صفات الله ثلاثة أقسام:
1 - صفات يختص بها على وجه لا يشاركه فيه غيره، مثل كونه قديرا وغنيا. 2 - صفات يشاركه فيها غيره في نفسها، ويخالفه في كيفية استحقاقه لها (1)، نحو كونه قادرا، عالما، حيا، موجودا.3 - صفات يشاركه فيها غيره في نفس الصفة وفي جهة الاستحقاق، نحو كونه مدركا، ومريدا، وكارها، فإن الله مدرك لكونه حيا بشرط وجود المدرك، كذلك الواحد منا، وكذلك هو مريد وكاره بالإرادة والكراهية، وكذلك الواحد منا، إلا أن ثم فرقا هو القديم تعالى حي لذاته فلا يحتاج إلى حاسة، ومريد وكاره بإرادة وكراهة موجودتين لا في محل، بينما الواحد منا مريد وكاره لمعنيين محدثين في قلبه (2).
وكما قلت: فإن هذا التقسيم لا أثر له في حقيقة مذهبهم في الصفات؛ لأنهم لا يثبتون الصفات حقيقة في الذات، وهذا الأمر سيتضح أكثر عند الكلام على منهجهم في النفي في باب الصفات.
منهج المعتزلة في النفي في باب الصفات
المصدر:النفي في باب صفات الله عز وجل بين أهل السنة والجماعة والمعطلة لأزرقي سعيداني - ص 556--------------------------------------------
(1) ((شرح الأصول الخمسة)) (183).
(2) ((شرح الأصول الخمسة)) (130)، ((مقالات الإسلاميين)) (2/ 505).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 398)
المطلب الثاني: رأي جمهور المعتزلة في الصفات وشبهاتهم والجواب عليها عرفنا أن القول بنفي الصفات قد بدأ قبل ظهور المعتزلة على يد الجعد بن درهم، ثم الجهم بن صفوان الذي اشتهر بنشره لهذا المذهب، وإليه نسبت فرقة الجهمية (1)، ثم أنه لما ظهرت المعتزلة أخذت في جملة ما أخذته من الجهمية القول بنفي الصفات، ودليل ذلك: أن مؤسس مذهب الاعتزال واصل بن عطاء (2) كان ينفي الصفات معتقدا أن إثباتها يؤدي إلى تعدد القدماء؛ وذلك شرك، ولذا كان يقول: "إن من أثبت لله معنى وصفة قديمة فقد أثبت إلهين" (3).ويرى الشهرستاني: أن القول بنفي الصفات كما بدأه واصل كان غير ناضج؛ لأنه شرع فيه على قول ظاهر، وهو الاتفاق على استحالة وجود إلهين قديمين أزليين (4).أما المعتزلة الذين خلفوه؛ فإنهم عاصروا حركة ترجمة الكتب اليونانية والكتب الفارسية إلى العربية التي تشتمل على الفلسفة وبعض الأمور الدينية؛ وخصوصا كتب الفلاسفة (5).وكان الفلاسفة يرون أن الله تعالى واجب الوجود بذاته، وأنه واحد من كل وجه (6)؛ فنفوا صفات الباري تعالى زائدة على الذات، وقالوا: أنه تعالى عالم بالذات لا يعلم زائد على ذاته (7).فهذا أفلوطين (8) وهو الذي تأثر به المسلمون أكثر من تأثرهم بغيره من فلاسفة اليونان، يتحدث عن تعالية الله تعالى، ويمنع أن نطلق عليه صفة من الصفات؛ لأننا بذلك نشبهه تعالى بالأفراد، فلا نقول أن لله تعالى علما لأنه هو العلم. . وليس يحتاج تعالى إلى بصر؛ لأنه ذاته النور الذي يبصر به الناس (9).
وقد تأثر المعتزلة بهؤلاء الفلاسفة، فاقتبسوا منهم قولهم في الصفات. يقول الغزالي والشهرستاني: "إن المعتزلة وافقوا الفلاسفة على قولهم في الصفات" (10).
ولذا فإن المعتزلة الذين جاؤوا بعد واصل أخذوا بتأثير الفلسفة يفسرون قوله، ويضيفون إليه بعض التعديلات التي لا تؤثر على الجوهر، ويؤيدون ذلك بشبهات عقلية، فقالوا: إن الله عالم بذاته، قادر بذاته لا يعلم وقدرة هي صفات قديمة ومعان قديمة ومعان قائمة به. وقد ذكر ابن المرتضي المعتزلي إجماعهم على ذلك، فقال: "وأما ما أجمعت عليه المعتزلة، فقد أجمعوا على أن للعالم محدثا قديما قادرا عالما حيا لا لمعان .. " (11). وقد تمسكوا في قولهم هذا بشبهات، منها ما يلي:
الشبهة الأولى: يقول أبو الحسن الخياط (12): "أن الله تعالى لو كان عالما بعلم، فإما أن يكون ذلك العلم قديما أو يكون محدثا، ولا يمكن أن يكون قديما؛ لأن هذا يوجب وجود اثنين قديمين، وهو تعدد وهو قول فاسد. ولا يمكن أن يكون علما محدثا، لأنه لو كان كذلك يكون قد أحدثه الله إما في نفسه أو في غيره أو لا في محل؛ فإن كان أحدثه الله في نفسه أصبح محلا للحوادث، وما كان محلا للحوادث فهو حادث، وهذا محال، وإذا أحدثه في غيره، كان ذلك الغير عالما بما حله من دونه، كما أن من حله اللون فهو المتلون به دون غيره، ولا يعقل أن يكون أحدثه لا في محل؛ لأن العلم عرض لا يقوم إلا في جسم، فلا يبقى إلا حال واحد، وهو أن الله عالم بذاته" (13).
المناقشة:--------------------------------------------
(1) ((سرح العيون)) (293).
(2) ((فرقة الواصلية)) (52) من الرسالة.
(3) ((الملل والنحل)) (1/ 51).
(4) ((الملل والنحل)) (1/ 51)، بتصرف.
(5) ((الملل والنحل)) (1/ 51)، بتصرف.
(6) ((نهاية الإقدام)) (90)، بتصرف.
(7) ((المنقذ من الضلال)) (107)، ((نهاية الإقدام)) (100)، بتصرف.
(8) ((الموسوعة العربية الميسرة)) (182).
(9) ((المعتزلة)) (63).
(10) ((نهاية الإقدام)) (91)، ((المنقذ من الضلال)) (107).
(11) ((المنية والأمل)) (56).
(12) ((فرقة الخياطية)) (72) من الرسالة.
(13) ((الانتصار)) (82).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 399)
يقال لهم: أما قولكم أن الله تعالى لو كان عالما بعلم؛ فإما أن يكون ذلك العلم قديما أو يكون محدثا. فهذا نوافقكم عليه، فإنه لا ثالث لهذين القسمين.
وأما قولكم "ولا يمكن أن يكون علما محدثا. . "؛ فهذا نوافقكم عليه أيضا، فإن الصفة ليست حادثة بل هي قديمة بقدم موصوفها، كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
بقي الآن قولكم "ولا يمكن أن يكون علما قديما؛ لأنه يوجب تعدد القدماء. . ".
ونقول: "إن قولكم هذا فيه إجمال، لا نجيبكم عليه حتى نعرف مرادكم منه؛ إن أردتم بقولكم ". . علما قديما" بمعنى القائم بنفسه المستقل عن موصوفه؛ فصفة العلم ليست قديمة بهذا الاعتبار، بل هي صفة القديم. وإن أردتم بقولكم "قديما" بمعنى أنه لا ابتداء له، ولم يسبقه عدم مطلق، فصفة العلم قديمة بقدم موصوفها، وإذا كان قدمها تابعا لقدم موصوفها: فليس هناك تعدد قدماء كما تزعمون، بل هناك قديم وصفته، ولا يلزم من كون الصفة قديمة لقدم موصوفها أن يكون هناك تعدد، وإلا للزم أن تكون صفة الإله إلها، وصفة الإنسان إنسانا (1)، وبطلان هذا لا شك فيه عند من له شيء من العقل، وما يؤدي إلى الباطل فهو باطل؛ وبذلك يبطل تعدد القدماء الذي تزعمونه من إثبات الصفات، وعليه فإن شبهتكم هذه تنتقض ببطلان أحد مقدماتها، وهو قولكم "ولا يمكن أن يكون قديما. . ". والله أعلم.
الشبهة الثانية: يقول يحيى بن الحسين (2) – وهو من أئمة الزيدية -: ". . وأما ما ذكر من العلم فإنه لا يخلو من أن يكون الله العالم بنفسه ويكون العلم من صفاته في ذاته لا صفته لغيره، فقد جعل مع الله سواه، ولو كان مع الله سواه؛ لكان أحدهما قديما والآخر محدثا، فيجب على من قال بذلك أن يبين أيهما المحدث لصاحبه، فإن قال: إن العلم أحدث الخالق كفر، وإن قال: إن الله أحدث العلم، فقد زعم أن الله كان غير عالم حتى أحدث العلم، ومتى لم يكن العلم فضده لا شك ثابت، وهو الجهل، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وإن رجع هذا القائل الضال إلى الحق من المقال. . فقال: إنه العالم بنفسه. . وأنه لا علم ولا عالم سواء. . " (3).
المناقشة:
والجواب عن هذه الشبهة من وجوه منها:
الأول: أما قولكم أن يقال الصفة عين الذات، كالعلم يقال فيه عين العالم، فإنه يوجب الكثرة في الذات؛ وذلك لما يلي:
أ- أن هناك فرقا بين قولنا: ذاته ذاته، وبين قولنا: ذاته علمه، فإن هذا يوجب التغاير، ومن ثم يوجب الكثرة في الذات. ب- أن حقيقة العلم مغاير لحقيقة القدرة ولحقيقة الحياة والإرادة، فلو كان الكل عبارة عن حقيقة ذاته لزم القول بأن الحقائق الثلاثة حقيقة واحدة، وذلك باطل. وأيضا فإنه يوجب الكثرة في الذات (4)، وهو باطل فما يؤدي إليه مثله، وبذلك يبطل الجزء الأول من الشبهة. الثاني: أما قولكم "أو غيرها" أي: الذات. نقول: لفظ الغير مجمل إن أريد به ما هو مباين له تعالى، فلا يدخل علمه وسائر صفاته في لفظ الغير، كما يدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من حلف بغير الله فقد أشرك)) (5). وقد ثبت في السنة جواز الحلف بصفاته تعالى كعزته وعظمته، فعلم أنها لا تدخل في مسمى الغير عند الإطلاق. وإذا أريد بالغير أنه ليس هو إياه، فلا ريب أن العلم ليس هو العالم (6) كما بيناه في الرد على الجزء الأول من الشبهة.--------------------------------------------
(1) ((منهاج السنة النبوية)) (2/ 95)، بتصرف.
(2) ((رسائل العدل والتوحيد)) (2/ 2).
(3) ((رسائل العدل والتوحيد)) (2/ 137).
(4) ((الأربعين في أصول الدين للرازي)) (135)، بتصرف.
(5) ((تحفة الأحوذي)) (5/ 136).
(6) ((منهاج السنة النبوية)) (2/ 433)، بتصرف.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 400)
وعلى ذلك فلا نقول الصفة عين الذات – كما تزعمون – لما فيه من اللوازم الفاسدة التي سبق عرض بعضها؛ وليست الصفة غير الذات بمعنى مباينة لها بل هي صفة الذات بمعنى أنها ليست هي الذات، ولا يلزم من كون الصفة ليست هي الموصوف لا يلزم من ذلك أن يكون مع الله سواه، لأن الصفة تابعة للموصوف غير مستقلة عنه، كما أنها تتبعه قدما وحدوثا، وبما أن الله قديم فإن صفاته قديمة بقدمه، وبذلك تبطل هذه الشبهة. والله أعلم.
الشبهة الثالثة: يروي الشهرستاني عن المعتزلة أنهم قالوا: "لو قامت الحوادث بذات الباري تعالى لا تصف بها بعد أن لم يتصف، ولو اتصف لتغير، والتغير دليل الحدوث؛ إذ لابد من مغيره" (1).
المناقشة: نقول: شبهتكم هذه تتبنى على إلزامكم بأن الصفات حادثة، وهو إلزام باطل لما يلي:
أولا: أن القول بحدوث الصفة يشير إلى أن الله تعالى كان جاهلا حتى أحدث العلم، وعاجزا حتى أحدث القدرة، ووصف الله بالجهل أو العجز كفر بلا خلاف؛ لأنه وصف له بصفة نقص تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فما يؤدي إليه مثله.
ثانيا: أنا لم نقل: أن الصفات حادثة، بل قلنا: إنها تابعة لموصوفها بالقدم من غير أن تكون مستقلة عنه على التفصيل الذي سبق ذكره في كلمة القديم عند الرد على الشبهة الأولى، وبذلك تبطل هذه الشبهة. والله أعلم.
الشبهة الرابعة: يقول الرازي (2) – وهو يحكي شبهات المعتزلة في نفي الصفات: "والشبهة السادسة: أن الله تعالى إنما كفر النصارى في قوله تعالى: لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ [المائدة: 73]. فلا يخلو إما أن يقال أنه تعالى إنما كفرهم؛ لأنهم أثبتوا ذواتا ثلاثة قديمة بأنفسها، أو لأنهم أثبتوا ذاتا موصوفة بصفات متباينة، والأول باطل؛ لأن النصارى لا يثبتون ذواتا ثلاثة قديمة قائمة بأنفسها، ولما لم يقولوا بذلك استحال أن يكفرهم الله بسبب ذلك، ولما بطل القسم الأول ثبت القسم الثاني، وهو أنه تعالى إنما كفرهم لأنهم أثبتوا ذاتا موصوفة بصفات متباينة، ولما كفر النصارى لأجل أنهم أثبتوا صفاتا ثلاثة، فمن أثبت الذات مع الصفات فقد أثبت أكثر من ثلاثة، وكان كفره أعظم من كفر النصارى؛ لأنه أثبت أكثر مما أثبتوا. . " (3).
المناقشة: يقال لهم: إن استدلالكم بهذه الآية باطل؛ وذلك أن الله تعالى إنما كفر النصارى لأنهم أثبتوا صفاتا ثلاثة، هي في الحقيقة ذوات بدليل اعتبارهم إياها آلهة، ومن أثبت كثرة في الآلهة فلا شك في كفره (4)؛ ويدل على أنهم يعتبرونها آلهة قوله تعالى في آخر الآية: وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَاّ إِلَهٌ وَاحِدٌ [المائدة: 73]. فحصره سبحانه وتعالى الألوهية في واحد بعد تكفيره من قال: إن الله ثالث ثلاثة؛ دليل على أن المراد من ثلاثة ثلاثة آلهة. وبدليل قوله تعالى: وَلَا تَقُولُواْ ثَلَاثَةٌ انتَهُواْ [النساء: 171].يقول القرطبي – عند تفسير هذه الآية –: "المعنى: ثلاثة آلهة" (5).ويقول الرازي – في معرض رده على هذه الشبهة –: ". . ألا ترى أنهم – أي: النصارى – جوزوا انتقال أقنوم الكلمة من ذات الله إلى بدن عيسى – عليه السلام – والشيء الذي يكون مستقلا بالانتقال من ذات إلى ذات أخرى، يكون مستقلا بنفسه قائما بذاته؛ فهم وإن سموها صفات؛ إلا أنهم قائلين في الحقيقة بكونها ذوات، ومن أثبت كثرة في الذوات المستقلة، فلا شك في كفره" (6).--------------------------------------------
(1) ((نهاية الإقدام)) (115).
(2) ((الأعلام)) (7/ 203)، ((معجم المؤلفين)) (11/ 79).
(3) ((الأربعين في أصول الدين)) (159).
(4) ((التفسير الكبير)) (12/ 60)، ((الأربعين في أصول الدين)) (165).
(5) ((تفسير القرطبي)) (6/ 250).
(6) ((الأربعين في أصول الدين)) (165).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 401)
وعلى ذلك: فإن تكفير الله للنصارى ليس لأنهم أثبتوا ثلاث صفات بل لأنهم أثبتوا ثلاثة آلهة.
وبذلك يبطل استدلالكم بهذه الآية. والله أعلم.
الشبهة الخامسة:
يقول ابن تيمية: (ادعت المعتزلة أن صفات الباري تعالى ليست زائدة على ذاته؛ لأنه لا يخلو إما أن يقوم وجوده بتلك الصفة المعينة بحيث يلزم من تقدير عدمها عدمه. أو لا.
إن كان لا يقوم وجوده إلا بها؛ فقد تعلق بها وصار مركباً من أجزاء لا يصح وجوده إلا بمجموعها، والمركب معلول. وإن كان لا يقوم وجوده بها ولا يلزم من تقدير عدمها عدمه فهي عرضية والعرض معمول (1)، وهما على الله محال فلم يبق إلا أن صفات الباري غير زائدة على ذاته، وهو المطلوب) (2).
المناقشة:
لقد أجاب ابن تيمية –رحمه الله عن هذه الشبهة فقال: الذي عليه الكتاب والسنة أن الله سبحانه وتعالى له علم وقدرة ورحمة ومشيئة وعزة. . . وساق النصوص على ذلك من الكتاب والسنة إلى أن قال. . . وأما الجواب على شبهتي العرض والتركيب، فهو كما يلي:-أولا: أنهم- أي: المعتزلة- يثبتونه تعالى عالماً وقادراً ويثبتونه واجباً بنفسه فاعلاً لغيره، ومعلوم بالضرورة أن مفهوم كونه عالماً، غير مفهوم الفعل بغيره، فإذا كانت ذاته مركبة من هذه المعاني لزم التركيب الذي ادعوه، وإن كانت عرضية؛ لزم الافتقار الذي ادعوه، وإن كان الواجب بنفسه لا يتميز عن غيره بصفة ثبوتية، فلا واجب، وإذا لم يكن واجبا لم يلزم من التركيب محال؛ وذلك أنهم إنما نفوا المعاني باستلزامها ثبوت التركيب المستلزم نفي الوجوب، وهذا محال (3).ثانيا: أنا لا نسلم أن هناك تركيبا من أجزاء بحال، وإنما هي ذات قائمة بنفسها مستلزمة للوازمها التي لا يصح وجودها إلا بها، وليست صفة الموصوف أجزاء له ولا أبعاضا يتميز بعضها عن بعض أو تتميز عنه حتى يصح أن يقال هي مركبة منه أو ليست مركبة، فثبوت التركيب وعدمه فرع تصوره، وتصوره هنا منتف (4).
ثالثا: أنه لو فرض أن هذا يسمى مركبا، فليس هذا مستلزما للإمكان، ولا للحدوث؛ وذلك أن الذي علم بالعقل والسمع أنه يمتنع أن يكون الرب تعالى فقيرا إلى خلقه، بل هو الغني عن العالمين. وقد علم أنه حي قيوم بنفسه وأن نفسه المقدسة قائمة بنفسه وموجودة بذاته، وأنه أحد صمد، غني بنفسه، ليس ثبوته وغناه مستفادا من غيره، وإنما هو بنفسه لم يزل ولا يزال حقا صمدا قيوما، فهل يقال في ذلك أنه مفتقر إلى نفسه أو محتاج لأن نفسه لا تقوم إلا بنفسه؟ فالقول في صفاته التي هي داخلة في مسمى نفسه هو القول في نفسه (5).
المصدر:المعتزلة وأصولهم الخمسة لعواد المعتق – ص 84
إن التعرف على بطلان مذهب المعتزلة في الصفات من الأمور التي لا تحتاج إلى تبحر في العلم ودقة في الفهم، بقدر ما تحتاج إلى تصور صحيح إلى الشبهات التي أقام عليها هذا المذهب تعطيله لصفات الباري عز وجل، فإن التصور الصحيح لهذا المذهب وأمثاله من مذاهب المعطلة كاف في بيان بطلانها وتهافتها.--------------------------------------------
(1) ((تلبيس الجهمية)) (1/ 605).
(2) ((تلبيس الجهمية)) (1/ 605)، ((شرح الأصول الخمسة)) (201).
(3) ((تلبيس الجهمية)) (1/ 605)، بتصرف.
(4) ((تلبيس الجهمية)) (1/ 606)، بتصرف.
(5) ((تلبيس الجهمية)) (1/ 607)، بتصرف.
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 402)
المطلب الثالث: ذكر بعض أقوال المعتزلة التي فيها إشارة إلى شبهة التعدد والتركيب أول من عرف عنه الإشارة إلى هذه الشبهة من المعتزلة واصل بن عطاء، فإنه كان ينفي الصفات بدعوى أن إثباتها يؤدي إلى تعدد القدماء، وكان يقول في ذلك: "إن من أثبت لله معنى وصفة قديمة فقد أثبت إلهين" (1).
ثم جاء من بعده وخاض فيها أكثر، فمن ذلك: قول أبي الهذيل العلاف: "إن الله عالم بعلم، وعلمه ذاته، قادر بقدرة، وقدرته ذاته، حي بحياة، وحياته ذاته. . " (2).ويقول الشهرستاني إن أبا الهذيل العلاف إنما اقتبس هذا القول: "من الفلاسفة؛ الذين اعتقدوا أن ذاته واحدة لا كثرة فيها بوجه، وإنما الصفات ليست وراء الذات معاني قائمة بذاته، بل هي ذاته. . " (3).وقول أبي الحسين الخياط السابق: "إن الله تعالى لو كان عالما بعلم، فإما أن يكون ذلك العلم قديما أو يكون محدثا، ولا يمكن أن يكون قديما؛ لأن هذا يوجب وجود اثنين قديمين، وهو تعدد، وهو قول فاسد" (4).
ويقول القاضي عبد الجبار: "اعلم أن الواحد قد يستعمل في الشيء ويراد به أنه لا يتجزأ ولا يتبعض، على مثل ما نقوله في الجزء المنفرد أنه جزء واحد، وفي جزء من السواد والبياض أنه واحد.
وقد يستعمل ويراد به أن يختص بصفة لا يشاركه فيها غيره، كما يقال: فلان واحد زمانه.
وغرضنا إذا وصفنا الله تعالى بأنه واحد: إنما هو القسم الثاني؛ لأن مقصودنا مدح الله تعالى بذلك، ولا مدح في أنه لا يتجزأ ولا يتبعض، وإن كان كذلك؛ لأن غيره يشاركه فيه. إذا ثبت هذا، فالمخالف في المسألة لا يخلو، إما أن يقول: إن مع الله قديما ثانيا يشاركه في صفاته، ولا قائل بهذا. . " (5).ومنها قول يحيى بن الحسين (6): ". . وأما ما ذكر من العلم فإنه لا يخلو من أن يكون الله العالم بنفسه، ويكون العلم من صفاته في ذاته لا صفته لغيره، فقد جعل مع الله سواه، ولو كان مع الله سواه؛ لكان أحدهما قديما والآخر محدثا. . " (7)، لأنه على مقتضى قوله لا يمكن أن يكونا قديمين معا؛ فإن هذا تعدد للقدماء.
وغير ذلك من أقوالهم ونصوصهم الدالة على مذهبهم هذا.
شبهة التركيب عند المعتزلة مأخوذة من الفلاسفة:
وإن مما لا شك فيه أن المعتزلة قد استقوا هذه الشبهة من الفلاسفة، ولقد أشار العديد من أهل العلم إلى أن مصدر المعتزلة في هذه الشبهة إنما هم الفلاسفة، ومن أولئك:
الأشعري في المقالات حين حكى مذهب أبي الهذيل العلاف – وهو من أئمة المعتزلة - في الصفات: "قوله إن علم الله هو الله، وإن قدرته هي هو؛ لأنه إذا كان علمه هو هو، وقدرته هي هو، فواجب أن يكون علمه هو قدرته، وإلا لزم التناقض، كما لزم أصحاب الاثنين. وهذا أخذه أبو الهذيل عن أرسطاطاليس، وذلك أن أرسطاطاليس قال في بعض كتبه: إن الباري علم كله، قدرة كله، حياة كله، سمع كله، بصر كله، فحسن اللفظ عند نفسه، وقال: علمه هو هو، وقدرته هي هو" (8).
وهذا المذهب بني على شبهة نفي التعدد والتركيب. ومنهم أبو حامد الغزالي، فبعد أن فصل القول في حجة التركيب التي احتج بها الفلاسفة وبين حقيقة مذهبهم في الصفات قال: "إن المعتزلة وافقوا الفلاسفة على قولهم في الصفات" (9).ونفس العبارة أطلقها الشهرستاني في نهاية الإقدام (10)، وقال في الملل والنحل في مذهب أبي الهذيل العلاف أنه يقول: "إن الله عالم بعلم، وعلمه ذاته، قادر بقدرة، وقدرته ذاته، حي بحياة، وحياته ذاته. . " (11).وعقب عليه بأن أبا الهذيل العلاف إنما اقتبس هذا القول: "من الفلاسفة؛ الذين اعتقدوا أن ذاته واحدة لا كثرة فيها بوجه، وإنما الصفات ليست وراء الذات معاني قائمة بذاته، بل هي ذاته. . " (12).--------------------------------------------
(1) ((الملل والنحل)) (1/ 40).
(2) ((الملل والنحل)) (1/ 44)، ((نهاية الإقدام)) (180).
(3) ((الملل والنحل)) (1/ 44)، ((مقالات الإسلاميين)) (1/ 485).
(4) ((الانتصار والرد على ابن الراوندي)) (82)، نقلا عن ((المعتزلة وأصولهم الخمسة)) (85)، ((رسائل العدل والتوحيد)) (2/ 130).
(5) ((شرح الأصول الخمسة)) (277).
(6) ((رسائل العدل والتوحيد)) (2/ 19)، ((الأعلام)) (8/ 141).
(7) ((الرد والاحتجاج على الحسن بن محمد بن الحنفية، ضمن رسائل العدل والتوحيد)) (2/ 130).
(8) ((مقالات الإسلاميين)) (1/ 485).
(9) ((المنقذ من الضلال)) (107).
(10) (ص 91).
(11) ((الملل والنحل)) (1/ 44)، ((نهاية الإقدام)) (180).
(12) ((الملل والنحل)) (1/ 44).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 403)
المطلب الرابع: توضيح شبهة التركيب والرد عليها
..... المعتزلة لم يشاركوا الفلاسفة إلا في القول بنوع واحد من أنواع التركيب الخمسة التي قالوا بها، ورتبوا عليه نفس النتيجة التي رتبها عليه الفلاسفة وهي تعطيل الله عز وجل عن صفاته جميعا.
وهذا النوع من التركيب المنفي عن الله عز وجل هو: تركيب الموجود في الذات والصفات.
ولقد بني المعتزلة هذه الشبهة على أن أخص وصف لله عز وجل هو: القدم، وهو إجماع عندهم. يقول الشهرستاني: "والذي يعم طائفة المعتزلة من الاعتقاد، القول بأن الله تعالى قديم، والقدم أخص وصف ذاته" (1).وقال شيخ الإسلام رحمه الله: "ومقصود المعتزلة من قولهم: إن أخص وصف الرب القدم: أن لا يثبتوا له صفة قديمة؛ لامتناع المشاركة في أخص وصفه" (2).
ونفي هذا النوع من التركيب في نظر المعتزلة من جهة أنه يوجب كثرة في القديم، وهذا يتنافى مع أخص وصف لله عز وجل: وهو: القدم. وإثبات صفة قديمة، يجعل القديم أكثر من واحد، أي: يكون مركبا؛ فـ: "لو كان موصوفا بصفات قائمة بذاته؛ لكانت حقيقة الإلهية مركبة من تلك الذات والصفات" (3).فإن الصفات لو شاركته في القدم الذي هو أخص وصفه جل وعلا، لشاركته في الإلهية، ولكانت آلهة مثله بزعمهم (4).والتركيب يستلزم الافتقار، في نظر المعتزلة، كما أنه يدل على الحدوث بزعمهم (5).
وقد رد عليهم شيخ الإسلام هذا الزعم الباطل بجواب كاف شاف، من جهة التغاير في الصفات ضرورة، فإن الصفة الواحدة ليست هي عين الصفة الأخرى، وهذا مما لا يمكن رده.
فقال رحمه الله: "وإن قال نفاة الصفات: إثبات العلم والقدرة والإرادة مستلزم تعدد الصفات، وهذا تركيب ممتنع.
قيل: وإذا قلتم: هو موجود واجب. . فهذه معان متعددة متغايرة في العقل وهذا تركيب عندكم، وأنتم تثبتونه وتسمونه توحيدا.
فإن قالوا: هذا توحيد في الحقيقة وليس هذا تركيبا ممتنعا.
قيل لهم: واتصاف الذات بالصفات اللازمة لها توحيد في الحقيقة وليس هو تركيبا ممتنعا. وذلك أنه من المعلوم في صريح العقول أنه ليس معنى كون الشيء عالما هو معنى كونه قادرا، ولا نفس ذاته هو نفس كونه عالما قادرا، فمن جوز أن تكون هذه الصفة هي الموصوف فهو من أعظم الناس سفسطة" (6)، وفساد مثل هذا القول معلوم بالضرورة (7).فإن العقل الصريح يعلم أن كل صفة ليست هي الأخرى، ولا هي نفس الموصوف (8).
ويلزم من قول المعتزلة أن الصفة هي عين الصفة الأخرى أو هي عين الذات يلزم منه أمران:
الأول: التناقض، فإن واجب الوجود لا بد أن يتميز عن غيره، والتميز لا يكون إلا بالصفات الثبوتية، مثل كونه حيا، عليما، قديرا. . ونحو ذلك، ويمتنع أن يكون كل معنى هو الآخر، أو أن تكون تلك المعاني هي الذات.--------------------------------------------
(1) ((الملل والنحل)) (1/ 38). ((الشامل في أصول الدين)) (251).
(2) ((تلخيص كتاب الاستغاثة)) (1/ 315)، بتصرف يسير.
(3) ((شرح المقاصد)) (4/ 83).
(4) ((الملل والنحل)) (1/ 38)، ((شرح المقاصد)) (4/ 83).
(5) ((الملل والنحل)) (1/ 38)، ((شرح المقاصد)) (4/ 83).
(6) ((التدمرية)) (40)، ((بيان تلبيس الجهمية)) (1/ 57)، ((منهاج السنة النبوية)) (1/ 267)، ((الصفدية)) (1/ 127)، ((مجموع الفتاوى)) (6/ 345)، ((درء تعارض العقل والنقل)) (1/ 283، 8/ 268).
(7) ((درء تعارض العقل والنقل)) (6/ 268). المسألة المصرية في القرآن، ضمن ((مجموع الفتاوى)) (12/ 166).
(8) ((الصفدية)) (1/ 127)، ((بيان تلبيس الجهمية)) (1/ 507)، ((شرح حديث النزول)) (92).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 404)
وإذا نفينا هذه المعاني نكون بذلك نفينا واجب الوجود. وهذا هو وجه التناقض في قولهم: فإن المعتزلة ومن تبعهم إنما ينفون هذه المعاني لإثبات واجب الوجود، مع أن نفيها عنه نفي لواجب الوجود، وهذا هو التناقض الصريح (1).
كما رد عليهم أيضا من وجه آخر، وهو: أن الواجب بنفسه إذا كان لا يتميز عن غيره بصفة ثبوتية، فهذا يستلزم لا محالة أن لا يوجد واجب بنفسه. فقال رحمه الله: "فإن كان الواجب بنفسه لا يتميز عن غيره بصفة ثبوتية فلا واجب، وإذا لم يكن واجبا لم يلزم من التركيب محال، وذلك أنهم إنما نفوا المعاني لاستلزامها ثبوت التركيب المستلزم لنفي الوجوب، وهذا تناقض فإن نفي المعاني مستلزم لنفي الوجوب، فكيف ينفونها لثبوته؟ وذلك أن الواجب بنفسه حق موجود عالم قادر فاعل، والممكن قد يكون موجودا عالما قادرا فاعلا، وليست المشاركة في مجرد اللفظ؛ بل في معان معقولة معلومة بالاضطرار" (2).
الثاني: اللوازم الباطلة لهذا القول:
فقد لفت شيخ الإسلام رحمه الله إلى اللوازم الباطلة التي تلزم من هذا القول.
فإن في قول المعتزلة أن الصفة هي الموصوف يلزم منه شيء خطير وهو القول بوحدة الوجود. فإن "من يجعل وجود العلم هو وجود القدرة، ووجود القدرة هو وجود الإرادة، فقول هذه المقالة يستلزم أن يكون وجود كل شيء هو عين وجود الخالق تعالى، وهذا منتهى الإلحاد، وهو مما يعلم بالحس والعقل والشرع أنه في غاية الفساد، ولا مخلص من هذا إلا بإثبات الصفات مع نفي مماثلة المخلوقات، وهو دين الذين آمنوا وعملوا الصالحات" (3).
وقد تم بحمد الله الإشارة إلى هذا القول والرد عليه وبيان بطلانه.
وأود أن أشير هنا إلى أن ابن تيمية رحمه الله لم يكن الوحيد الذي تقطن لتلبيسات هؤلاء المبتدعة ورد عليهم بل سبقه إلى ذلك أئمة كثيرون من أئمة السلف، والذي حملني على الاقتصار على أقواله في الرد التفصيلي على أقوال المبتدعة غالبا هو دقته رحمه الله في نقل أقوالهم، ويسر عبارته، وتفصيلاته الدقيقة التي تجعل الرد عليهم شاملا لجميع جوانب الشبهة.
وأورد هنا نموذجا واحدا من كلام الأئمة المتقدمين الذي فيه رد على شبهة التعدد والتركيب التي يدعيها المعتزلة، وهو كلام الإمام أحمد رحمه الله.
حيث قال: "فقال الجهمي لنا لما وصفنا الله بهذه الصفات: إن زعمتم أن الله ونوره، والله وقدرته، والله وعظمته، فقد قلتم بقول النصارى حين زعمتم أن الله لم يزل ونوره، ولم يزل وقدرته.
قلنا: لا نقول إن الله لم يزل وقدرته، ولم يزل ونوره، ولكن نقول: لم يزل بقدرته ونوره، لا متى قدر ولا كيف قدر.
فقالوا: لا تكونوا موحدين أبدا حتى تقولوا: قد كان الله ولا شيء. فقلنا: نحن نقول قد كان الله ولا شيء؛ ولكن إذا قلنا: إن الله لم يزل بصفاته كلها، أليس إنما نصف إلها واحدا بجميع صفاته، وضربنا لهم في ذلك مثلا فقلنا: أخبرونا عن هذه النخلة، أليس لها جذع وكرب وليف وسعف وخوص وجمار، واسمها اسم شيء واحد، وسميت نخلة بجميع صفاتها، فكذلك الله – وله المثل الأعلى – بجميع صفاته إله واحد، لا نقول: إنه قد كان في وقت من الأوقات ولا قدرة حتى خلق له قدرة، والذي ليس له قدرة هو عاجز، ولا نقول: قد كان في وقت من الأوقات ولا يعلم حتى خلق له علما فعلم، والذي لا يعلم هو جاهل؛ ولكن نقول: لم يزل الله عالما قادرا مالكا، لا متى ولا كيف، وقد سمى الله رجلا كافرا اسمه الوليد بن المغيرة المخزومي فقال: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَّمْدُودًا [المدثر:11] وقد كان هذا الذي سماه الله وحيدا، له عينان وأذنان ولسان وشفتان ويدان ورجلان وجوارح كثيرة، فقد سماه الله وحيدا بجميع صفاته، فكذلك الله – وله المثل الأعلى – هو بجميع صفاته إله واحد" (4).
المصدر:النفي في باب صفات الله عز وجل بين أهل السنة والجماعة والمعطلة لأزرقي سعيداني – ص 562--------------------------------------------
(1) ((منهاج السنة النبوية)) (2/ 268).
(2) ((مجموع الفتاوى)) (6/ 345).
(3) ((درء تعارض العقل والنقل)) (1/ 283).
(4) ((الرد على الجهمية والزنادقة)) (49).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 405)
المطلب الخامس: بيان تناقض المعتزلة في إثباتهم الأسماء ونفيهم الصفات من الطرق التي رد بها أئمة أهل السنة والجماعة على المعتزلة مذهبهم الباطل، بيان تناقضهم حيث أنهم أثبتوا الأسماء ونفوا الصفات وقد سبق النقل عن ابن المرتضى المعتزلي إجماع المعتزلة على قولهم في الصفات، فقال: "وأما ما أجمعت عليه المعتزلة، فقد أجمعوا على أن للعالم محدثا، قديما، قادرا، عالما، حيا، لا لمعان. ." (1).
ولهم في نفي المعاني القائمة بالأسماء مسلكان: الأول: من قال: العليم والقدير ونحو ذلك أعلام محضة مترادفة، وليست دالة على أوصاف أو معاني قائمة بالله تعالى، وذلك مثل تسميتك ذاتا واحدة يزيد، ومحمد، وعلي، فهذه أعلام خالصة لا تدل على صفة لهذه الذات المسماة بها (2).الثاني: من قال: إن كل علم منها مستقل، فالله يسمى عليما، وقديرا، وليست هذه الأسماء مترادفة، ولكن كل اسم لا يدل على صفة عندهم، فالعليم لا يدل على صفة العلم، والقدير لا يدل على صفة القدرة، وهكذا. .، فهو في الحقيقة مرادف للقول الأول (3).وقد كشف أبو الحسن الأشعري – وهو الخبير بهم – حقيقة قولهم هذا فقال: "وزعمت الجهمية – يعني المعتزلة – أن الله تعالى لا علم له ولا قدرة ولا حياة ولا سمع ولا بصر له، وأرادوا أن ينفوا أن الله تعالى عالم قادر حي سميع بصير؛ فمنعهم خوف السيف من إظهارهم نفي ذلك، فأتوا بمعناه؛ لأنهم إذا قالوا: لا علم لله ولا قدرة له، فقد قالوا إنه ليس بعالم ولا قادر ووجب ذلك عليهم، وهذا إنما أخذوه عن أهل الزندقة والتعطيل؛ لأن الزنادقة قد قال كثير منهم: إن الله تعالى ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا بصير، فلم تقدر المعتزلة أن تفصح بذلك فأتت بمعناه، وقالت: إن الله عالم قادر حي سميع بصير من طريق التسمية، من غير أن يثبتوا له حقيقة العلم والقدرة والسمع والبصر" (4).وقد بين أهل العلم وجه تناقضهم في مذهبهم هذا، فقال شيخ الإسلام رحمه الله: "والمقصود هنا أن المعتزلة لما رأوا الجهمية قد نفوا أسماء الله الحسنى، استعظموا ذلك، وأقروا بالأسماء، ولما رأوا هذه الطريق توجب نفي الصفات: نفوا الصفات؛ فصاروا متناقضين؛ فإن إثبات حي، عليم، حكيم، سميع، بصير، بلا حياة، ولا علم، ولا قدرة، ولا حكمة، ولا سمع، ولا بصر، مكابرة للعقل؛ كإثبات مصل بلا صلاة، وصائم بلا صيام، وقائم بلا قيام، ونحو ذلك من الأسماء المشتقة، كأسماء الفاعلين، والصفات المعدولة عنها" (5).وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: "إن نفاة الصفات يلزمهم نفي الأسماء من جهة أخرى، فإن العليم والقدير، والسميع، والبصير، أسماء تتضمن ثبوت الصفات في اللغة فيمن وصف بها، فاستعمالها لغير من وصف بها استعمال للاسم في غير ما وضع له، فكما انتفت عنه حقائقها فإنه تنتفي عنه أسماؤها، فإن الاسم المشتق تابع للمشتق منه في النفي والإثبات، فإذا انتفت حقيقة الرحمة والعلم والقدرة والسمع والبصر، انتفت الأسماء المشتقة منها عقلا ولغة، فيلزم من نفي الحقيقة أن تنفي الصفات والاسم جميعا، فالمعتزلة لا تقر بأن الأسماء الحقيقية تستلزم الصفات، ثم ينفون الصفات ويثبتون الأسماء بطريق الحقيقة كما قالوا في المتكلم والمريد" (6).
وهناك أوجه أخرى للرد عليهم ذكرها أهل العلم، أذكر منها ما يلي:--------------------------------------------
(1) ((المنية والأمل في شرح الملل والنحل)) (56).
(2) ((التدمرية)) (18)، ((التحفة المهدية)) (55)، ((الفصل)) (2/ 108)، ((شرح العقيدة الأصفهانية)) (106).
(3) ((التدمرية)) (18)، ((التحفة المهدية)) (55).
(4) ((الإبانة عن أصول الديانة)) (143)، ((النبوات)) (1/ 262).
(5) ((النبوات)) (1/ 265).
(6) ((مختصر الصواعق)) (2/ 343).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 406)
-"وإن كان المخاطب ممن ينكر الصفات، ويقر بالأسماء، كالمعتزلي الذي يقول: إنه حي عليم قدير، وينكر أن يتصف بالحياة والعلم والقدرة.
قيل له: لا فرق بين إثبات الأسماء وإثبات الصفات؛ فإنك إن قلت: إثبات الحياة والعلم والقدرة يقتضي تشبيها أو تجسيما؛ لأنا لا نجد في الشاهد متصفا بالصفات إلا ما هو جسم.
قيل لك: ولا تجد في الشاهد ما هو مسمى بأنه: حي عليم قدير، إلا ما هو جسم، فإن نفيت ما نفيت لكونك لم تجده في الشاهد إلا للجسم، فانف الأسماء؛ بل وكل شيء؛ لأنك لا تجده في الشاهد إلا للجسم. فكل ما يحتج به من نفي الصفات، يحتج به نافي الأسماء الحسنى فما كان جوابا لذلك، كان جوابا لمثبتي الصفات" (1).- "أن الله تعالى وصف أسماءه بأنها حسنى، وأمرنا بدعائه بها، فقال: وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180]، وهذا يقتضي أن تكون دالة على معاني عظيمة، تكون وسيلة لنا في دعائنا، ولا يصح خلوها عنها، ولو كانت أعلاما محضة، لكانت غير دالة على معنى سوى تعيين المسمى، فضلا عن أن تكون حسنى ووسيلة في الدعاء" (2).-"أن القول بأن أسماء الله أعلام محضة مترادفة لا تدل إلا على ذات الله فقط: قول باطل. . ألا ترى أن الله تعالى يسمي نفسه باسمين أو أكثر في موضع واحد، كقوله: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ [الحشر:23]، فلو كانت الأسماء مترادفة ترادفا محضا؛ لكان ذكرها مجتمعة لغوا من القول عديم الفائدة (3).
المصدر:النفي في باب صفات الله عز وجل بين أهل السنة والجماعة والمعطلة لأزرقي سعيداني – ص 579--------------------------------------------
(1) ((التدمرية)) (35)، ((التحفة المهدية)) (89)، ((تقريب التدمرية)) (29).
(2) ((تقريب التدمرية)) (29).
(3) ((تقريب التدمرية)) (30)، ((شرح العقيدة الأصفهانية)) (107)، ((جلاء الأفهام)) (92)، ((الصواعق المرسلة)) (3/ 938).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 407)
المطلب الأول: دليل الأعراض وحدوث الأجسام عند فرق المبتدعة
بنى المبتدعة مذهبهم في صفات الله تعالى على مقدمات وأقيسة عقلية جعلوها أصولا لدينهم.
وعند تأمل هذه الأصول: نجد أنها خالية عن البرهان، معطلة عن الدليل، قائمة على آراء وأهواء وفهوم أصحابها المستمدة من عقولهم القاصرة، دون اعتماد على كتاب الله، أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أقوال الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين. .
وقد ادعى هؤلاء أن هذه الأصول عارضت مدلول السمع؛ فأوجبوا تقديمها عليه. .
ومن تلك الأصول: ما أطلق عليه اسم (دليل الأعراض وحدوث الأجسام): فإن أصحاب هذا الدليل أرادوا أن يثبتوا وجود الله تبارك وتعالى وخلقه للمخلوقات؛ وهو ما يعرف عندهم بـ (إثبات الصانع)، فادعوا أن ذلك لا يحصل إلا بالنظر (1) .. .
والنظر المقصود: هو النظر العقلي في الأعراض، وملازمتها للأجسام دون اعتماد على الوحي. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن هؤلاء، وعن طريقتهم في إثبات وجود الله تبارك وتعالى: "جعلوا ذلك نظرا مخصوصا؛ وهو النظر في الأعراض، وأنها لازمة للأجسام، فيمتنع وجود الأجسام بدونها" (2).وقد أوجبوا هذا النظر، أو القصد إلى النظر، والاستدلال العقلي على كل أحد، ليتمكن من إثبات الصانع، بل جعلوه أول واجب على المكلف (3).يقول عبد الرحمن النيسابوري (4): "أول ما يجب على المكلف القصد إلى النظر الصحيح المؤدي إلى العلم بحدوث العالم، وإثبات العلم بالصانع. والدليل عليه: إجماع العقلاء على وجوب معرفة الله تعالى: وعلمنا عقلا أنه لا يعلم حدوث العالم، ولا الصانع إلا بالنظر، والتأمل. وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به، فهو واجب" (5).ثم استدل على حدوث العالم بدليل الأعراض وحدوث الأجسام (6).
ولما كان الاستدلال العقلي – الذي أوجبوه -، والنظر المخصوص – الذي ألزموا به – من الأمور التي لا يتأتى لكل أحد معرفتها بديهة، ألزموا كل مسلم بتعلم علم المنطق، حتى يستطيع إقامة البراهين على وجود الله. فمن لم يتسن له تحصيل المنطق يكون عاجزا عن إثبات وجود ربه، وتصحيح عقيدته. . لذلك قالوا: إن علم المنطق هو معيار العلم، وقانون الإسلام (7).
فلابد – عندهم – من سلوك هذا الطريق المعتاص في إثبات الصانع ومعرفته – جل وعلا -؛ وهو ما يعرف عندهم بـ (دليل حدوث العالم بحدوث الأجسام)، و (دليل الأعراض)، و (دليل حدوث الأجسام)، و (دليل حدوث الجواهر والأعراض)، وكلها أسماء لدليل واحد وطريقة واحدة.--------------------------------------------
(1) ((المواقف للإيجي)) (39).
(2) ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام)) (16/ 329).
(3) ((التوحيد للماتريدي)) (135)، ((الغنية في أصول الدين للنيسابوري)) (55)، ((المغني في أصول العدل والتوحيد لعبد الجبار)) (4/ 41)، ((شرح الأصول الخمسة)) (60)، ((المختصر في أصول الدين)) (170)، ((الشامل في أصول الدين للجويني)) (97)، ((الإرشاد)) (3)، ((شرح المقاصد للتفتازاني)) (1/ 44)، ((المواقف في علم الكلام للإيجي)) (28)، ((إشارات المرام في علم الكلام للبياضي)) (84)، ((جوهرة التوحيد للقاني – ضمن مجموع مهمات المتون)) (11)، ((شرح الجوهرة للبيجوري)) (38)، ((شرح الجوهرة للصاوي)) (61).
(4) ((وفيات الأعيان لابن خلكان)) (3/ 133)، ((طبقات الشافعية للسبكي)) (3/ 223)، ((الوافي بالوفيات للصفدي)) (16/ 61)، ((العبر للذهبي)) (3/ 290)، ((سير أعلام النبلاء)) (18/ 585).
(5) ((الغنية في أصول الدين للنيسابوري)) (55).
(6) ((الغنية في أصول الدين للنيسابوري)) (56).
(7) ((معيار العلم في فن المنطق للغزالي)) (26)، ((الصحائف الإلهية للسمرقندي)) (60).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 408)
وقد ابتدعت الجهمية، والمعتزلة هذا الدليل. ثم تبعهم على ذلك: الكلابية، والأشعرية، والماتريدية، والمشبهة تأثرا بهم (1) …
وجعلوه كلهم – باستثناء شيخي الكلابية والأشعرية؛ ابن كلاب، وأبي الحسن الأشعري -: أصل دين المسلمين، وقاعدة المعرفة، وأساس الإيمان، وأس اليقين، فلا يحصل إيمان ولا دين ولا علم، ولا يمكن معرفة الله، وتصديق رسوله صلى الله عليه وسلم، إلا بسلوك هذه الطريق؛ طريق الاستدلال بحدوث العالم على حدوث الأجسام والأعراض. بل ويعتقدون أن من خالفها فقد خالف دين الإسلام، وصار من الملحدين (2).
فقد جعله الماتريدي الأصل الوحيد لمعرفة الله، فلا يعرف الله إلا من طريق دلالة العالم عليه .. يقول في بيان: "والأصل أن الله تعالى إذ لا سبيل إلى العلم به إلا من طريق دلالة العالم عليه، بانقطاع وجوه الوصول إلى معرفته من طريق الحواس عليه، أو شهادة السمع، .. "الخ (3).
فلا تمكن معرفة الله – حتى ولا عن طريق الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية – بل لا بد من سلوك دليل الأعراض وحدوث الأجسام أولا – على حد زعمه – ليوصل سالكه إلى معرفة ربه. وكذا عبد الجبار المعتزلي: جعله أول الأصول التي يجب على المكلف معرفتها ليستقيم توحيده، فقال: "مسألة: فإن قال: فبينوا لي جمل ما يلزمه في (التوحيد) أن يعرفه، قيل له: يدور ذلك على أصول خمسة: أولها: إثبات حدوث العالم .. " (4).
والغزالي أيضا حصر معرفة الله تعالى بهذا الدليل، وقصرها عليه، فلا اعتقاد في الصانع لمن لا يعتقد دليل حدوث الأجسام .. يقول في معرض رده على قول الفلاسفة بقدم العالم – تحت قوله مسألة: في تعجيزهم عن إقامة الدليل على أن للعالم صانعا وعلة -: "فبان أن من لا يعتقد حدوث الأجسام، فلا أصل لاعتقاده في الصانع أصلا" (5).ونقل أحد علماء الأشعرية المتأخرين قول علماء طائفته في الدليل: " قال العلماء: اعلم أن حدوث العالم أصل عظيم لسائر العقائد، وأساس كبير لما يأتي من الفوائد .. " (6).
لذلك نجد هؤلاء يبدؤون مؤلفاتهم - في العقيدة – بالنظر والعقليات وعلم الكلام، وتقرير أصولهم العقلية، وقواعدهم المنطقية - على حد زعمهم -؛ كدليل حدوث الأجسام، وغيره. ويهملون توحيد القصد والطلب، مع شدة الحاجة إليه.
وقد زعموا كلهم:
1 - أن إثبات الصانع لا يعرف إلا بالنظر المفضي إلى العلم بإثباته.
2 - ويعد النظر تبين لهم أن العلم بإثبات الصانع لا يمكن إلا بإثبات حدوث العالم؛ إذ الحدوث هو العلة المحوجة إلى المؤثر، وإذا ثبت أن العالم حادث، فلابد له من محدث يخرجه من حيز العدم إلى حيز الوجود.
3 - وقالوا: إن إثبات حدوث العالم لا يمكن إلا بإثبات حدوث الأجسام. .
4 - وحدوث الأجسام يعلم: بلزومها للأعراض؛ التي هي الصفات.--------------------------------------------
(1) ((رسالة إلى أهل الثغر)) لأبي الحسن الأشعري (185، 189، 191)، ((درء تعارض العقل والنقل)) (7/ 242)، ((الاستقامة)) (1/ 102)، ((الصفدية)) (2/ 41)، ((منهاج السنة النبوية)) (1/ 309)، ((الفتاوى المصرية)) (6/ 644)، ((شرح حديث النزول)) (160).
(2) ((درء تعارض العقل والنقل)) (1/ 303، 7/ 143، 382، 8/ 93، 228)، ((منهاج السنة النبوية)) (1/ 315)، ((شرح حديث النزول)) (161)،. ((نقد أساس التقديس)) - مخطوط - القرآن (62/ب)، ((الفرقان بين الحق والباطل)) (47)، ((الفتاوى المصرية)) (6/ 556)، ((علم الحديث)) (294).
(3) ((التوحيد للماتريدي)) (129، 231، 233).
(4) ((المختصر في أصول الدين لعبد الجبار)) (172).
(5) ((تهافت الفلاسفة للغزالي)) (197).
(6) ((جامع زبد العقائد التوحيدية في معرفة الذات الموصوفة العالية)) لولد عدلان (11).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 409)
أو لبعضها؛ كالحركة والسكون والاجتماع والافتراق، وهي التي تعرف بالأكوان. .
وتقرير هذا – عندهم – يحتاج إلى أربع مقدمات:
أ- إثبات الأعراض التي هي الصفات أولا.
أو إثبات بعضها؛ كالأكوان؛ التي هي: الحركة والسكون والاجتماع والافتراق.
ب- إثبات حدوث الأعراض ثانيا.
وذلك: بإبطال ظهورها بعد الكمون. . وإبطال انتقالها من محل إلى محل.
ج- إثبات امتناع خلو الجسم ثالثا.
إما عن كل جنس من أجناس الأعراض؛ بإثبات أن الجسم قابل لها، وأن القابل للشيء لا يخلو عنه أو عن ضده. .
وإما عن الأكوان؛ بمعنى أنها لا تنفك عن الأعراض أو بعضها.
د - إثبات امتناع حوادث لا أول لها رابعا.
وإثبات حدوث الأجسام بامتناع حوادث لا أول لها مبني على مقدمتين أساسيتين:
1 - المقدمة الأولى: امتناع خلو الجسم من الأعراض التي هي الصفات. .
حيث زعموا أن الأجسام لا تخلو عن أعراض حادثة وصفات وأفعال تعتق عليها.
2 - المقدمة الثانية: ما لا يخلو عن الصفات التي هي الأعراض – أو ما لا ينفك عن الصفات، أو ما لا يسبقها – فهو حادث؛ لأن الصفات – التي هي الأعراض – لا تكون إلا محدثة – بزعمهم. وقد زعموا أن الأجسام لا تخلوا عن كل جنس من أجناس الحوادث؛ إذ القابل للشيء لا يخلو عنه أو عن ضده، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث؛ لامتناع حوادث لا أول لها (1).
إذا: لقد استدل هؤلاء على إثبات الصانع بحدوث الأجسام:
التي يلزم من حدوثها حدوث العالم؛ لأنه أجسام وأعراض. . فيلزم من حدوث العالم إثبات الصانع؛ لأن المحدث لا بد له من محدث (2). .
وقد بنوا ذلك على مقدمتين أساسيتين كما تقدم. .
وقد اتفق المبتدعة - في باب الصفات – كلهم على دليل الأعراض وحدوث الأجسام من حيث الجملة، ولكن اختلفت فهو مهم في هاتين المقدمتين.
فتنوعت طرقهم في الأولى منهما:
إذ اختلفوا فيما بينهم على الأصل الذي يستدل به على حدوث الأجسام:
هل يستدل على ذلك بملازمتها للأعراض جميعها، أو لبعضها كالأكوان الأربعة: الحركة والسكون والاجتماع والافتراق، أو لبعض الأكوان: كالحركة مثلا؟.
وقد تبنت كل فرقة من فرق المبتدعة أصلا من هذه الأصول رأت أنه دليل واضح - في نظرها - على حدوث الأجسام.
ثم بنت على هذا الأصل تعطيل الباري جل وعلا عن صفاته أو بعضها، أو تشبيه صفاته – جل وعلا – بصفات خلقه. .
وهذا سيتضح لاحقا – إن شاء الله.--------------------------------------------
(1) ((الفرقان بين الحق والباطل)) (99)، ((الفتاوى المصرية)) (1/ 134، 6/ 519)، ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام)) (3/ 302، 12/ 149)، ((منهاج السنة النبوية)) (1/ 303)، ((علم الحديث)) (294)، ((النبوات)) (127)، ((شرح حديث النزول)) (161)، ((نقض أساس التقديس)) مطبوع (1/ 141، 257)، ((درء تعارض العقل والنقل)) (1/ 38)، (7/ 71، 242)، (8/ 17)، (9/ 132)، (10/ 260).
(2) ((الفرقان بين الحق والباطل)) (96، 98، 102)، ((الصفدية)) (1/ 274) ((منهاج السنة النبوية)) (1/ 309)، ((الرسالة التدمرية)) (148).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 410)
وتنوعت عباراتهم في الثانية: - فتارة يقولون: كل ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث (1).- وتارة يقولون: كل ما لم يسبق الحوادث فهو حادث (2).- وتارة يقولون: ما قامت به الحوادث فهو حادث (3).- وتارة: ما حلت به الحوادث فهو حادث (4).
- وتارة: ما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث.
إلى غير ذلك من العبارات المتنوعة الألفاظ، المتقاربة المعنى.
وقد نفى المعطلة أن يكون الله تعالى جسما تقوم به الأعراض والحوادث، ونفوا بالتالي أن يكون محلا للحوادث؛ لأن من كان محلا للحوادث، فلا بد أن يكون حادثا؛ إذ الحوادث - على حد قولهم – لا تحل إلا بحادث مثلها؛ لوجوب أن يكون لها أول - في نظرهم – وهو المراد من أصلهم: (امتناع حوادث لا أول لها).
فسمَّت الجهمية والمعتزلة الصفات أعراضا.
وقالوا: لو قلنا: إن الصفات تقوم به، للزم أن يكون جسما، والأجسام حادثة؛ لأنها لم تسبق الحوادث، ولا تخلو عنها، وما لا يسبق الحوادث، ولا يخلو عنها، فهو حادث.
وأطلقت الكلابية والأشعرية والماتريدية على أفعال الله تعالى اسم: حوادث.
وقالوا: لو قلنا: إن الله تقوم به الصفات والكلام، للزم قيام الحوادث به؛ لأن هذه الصفات حادثة؛ حدثت بعد أن لم تكن، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.
فعطلت هذه الفرق المبتدعة الله جل وعلا عن كل صفاته، أو بعضها، مستندة إلى دليل الأعراض وحدوث الأجسام.
ولكل فرقة من هذه الفرق توجيه خاص بها لهذا الدليل يوضح مذهبهم في الصفات، مع اتفاقهم على فحواه من حيث الجملة. وقد أطلق شيخ الإسلام رحمه الله على (دليل الأعراض وحدوث الأجسام) الذي هو أشهر دليل عند المبتدعة: أصل أصول المبتدعة في نفي الصفات (5).
المصدر:الأصول التي بنى عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات والرد عليها من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية لعبد القادر عطا – 1/ 317--------------------------------------------
(1) ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام)) (6/ 313، 330)، رسالة في الصفات الاختيارية - ضمن- ((جامع الرسائل)) (2/ 31)، ((شرح العقيدة الأصفهانية)) (70)، ((شرح حديث النزول)) (73)، ((كتاب الصفدية)) (2/ 163)، ((درء تعارض العقل والنقل)) (8/ 173)، ((النبوات)) (60)، ((الفتاوى المصرية)) (6/ 552)، ((قاعدة نافعة في صفة الكلام)) (33)، ((مجموعة الرسائل المنيرية)) (2/ 69).
(2) ((النبوات)) (60)، ((درء تعارض العقل والنقل)) (1/ 121، 8/ 18، 334، 342، 344، 9/ 72)، ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام)) (12/ 44)، ((قاعدة نافعة في صفة الكلام)) (34)، ((مجموعة الرسائل المنيرية)) (2/ 70، 74).
(3) ((الفتاوى المصرية لابن تيمية)) (6/ 645).
(4) ((نقض أساس التقديس)) لابن تيمية - مخطوط - (ق47/ب).
(5) ((الفتاوى المصرية)) لابن تيمية (6/ 645).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 411)
المطلب الثاني: شرح دليل الأعراض وحدوث الأجسام عند المعتزلة هذا الدليل هو المسلك المشهور للمعتزلة، وهو عندهم أشهر من دليل التركيب (1).وقد تلقوه عن أسلافهم الجهمية؛ إذ هم في الصفات مخانيث الجهمية (2).وهم وأسلافهم من الجهمية أئمة هذه الطريق، والشبهة كلها أصلا جهمية معتزلية محضة، كما نص على ذلك شيخ الإسلام رحمه الله (3).
والمعتزلة يرون أن الدلالة المعتبرة في إثبات وجود الله هي (حدوث العالم). فإذا كان القدم صفة ذات لله وحده يختص بها، ولا يشاركه فيها غيره، كان العالم – بكل ما فيه من أجسام - محدثا (4).فضلا عن أن الحدوث يتضمن الخلق؛ فإذا كان العالم مخلوقا لله، فهو بالضرورة – بكل ما فيه من أجسام - محدث (5).
وقد استدلوا على حدوث العالم بحدوث الأجسام والأعراض.
ويستند مذهبهم إلى:
1 - مقدمة كبرى مفادها: (أن ما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث).
2 - مقدمات ثانوية هي:
أ- الأجسام لا تنفك عن الأعراض.
ب- الأعراض لازمة للأجسام؛ (فكما أن الأجسام لا توجد معراة عن الأعراض، كذلك الأعراض تفتقر إلى الأجسام).
ج - الأعراض حادثة.
3 - نتيجة مفادها أن: الأجسام حادثة. وأول من سلك هذه الطريقة – من المعتزلة –، واستدل بها على حدوث الأجسام: أبو الهذيل العلاف (6)، فزعم "أن الأجسام لم تنفك من الحوادث، ولم تتقدمها، وما لم يخل من المحدث، ولم يتقدمه يجب أن يكون محدثا مثله" (7).
وطريقته هذه مبنية على دعاوى أربع:
1 - الأولى: الأجسام لا تنفك عن الأعراض والأكوان؛ (الاجتماع، والافتراق، والحركة، والسكون).
2 - الثانية: الأعراض زائلة. والأكوان متغيرة. وما كان زائلا، أو متغيرا فهو حادث.--------------------------------------------
(1) ((درء تعارض العقل والنقل)) (1/ 301).
(2) ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام)) (14/ 348).
(3) ((مجموع الفتاوى)) (6/ 344، 12/ 140، 592)، ((منهاج السنة النبوية)) (1/ 303)، ((نقض أساس التقديس)) – مطبوع – (1/ 257)، ((الصفدية)) (2/ 41)، ((درء تعارض العقل والنقل)) (2/ 196، 7/ 223).
(4) ((شرح الأصول الخمسة)) لعبد الجبار (130).
(5) ((شرح الأصول الخمسة)) لعبد الجبار (130).
(6) ((تاريخ بغداد)) للخطيب البغدادي (3/ 366)، ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية)) (6/ 35)، ((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (3/ 396)، ((لسان الميزان)) لابن حجر (5/ 413)، ((الأعلام)) للزركلي (7/ 131)، ((معجم المؤلفين)) لعمر رضا كحالة (2/ 91).
(7) ((شرح الأصول الخمسة)) لعبد الجبار (95)، ((أبو الهذيل العلاف)) لعلي مصطفى الغرابي (52)، ((في علم الكلام)) لأحمد محمود صبحي (1/ 339) -القسم الخاص بالمعتزلة- ، ((مذاهب الإسلاميين)) لعبد الرحمن بدوي (1/ 397).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 412)
3 - الثالثة: كل ما لا ينفك عن الحوادث، ولا يتقدمها فهو حادث. 4 - الرابعة: الأجسام حادثة؛ لأنها لم تنفك عن الحوادث، ولم تتقدمها (1).وهذه الدعاوى مرتبة – كما ذكر القاضي عبد الجبار–، "فالأولى يجب أن تكون متقدمة، والأخيرة يجب أن تكون متأخرة، والدعويان اللتان في الوسط لا ترتيب فيهما. وإنما قلنا إن الأولى يجب تقديمها؛ لأنها كلام في إثبات هذه المعاني، وما لم نعلمها لا يمكننا وصفها لا بالحدوث ولا بالقدم، كما أنا إذا لم نعلم زيدا، لا يمكننا وصفه بأنه طويل، ولا بأنه أسود. وأما الأخيرة: فإنما وجب تأخيرها؛ لأنها كلام في أن الجسم إذا لم ينفك من المحدث ولم يتقدمه وجب حدوثه مثله. وما لم تثبت الدعاوى الثلاث من قبل لا معنى لهذا الكلام. وأما اللتان هما في الأوسط: فلا ترتيب فيهما؛ لأنهما كلام في أوصاف هذه المعاني، ومتى عرفناها إن شئنا وصفناها أولا بالحدوث، وإن شئنا وصفناها بأن الجسم لم يخل منها" (2).
فالدعوى الأولى هي الأساس في هذه المسألة، وعليها بنيت الدعويان اللاحقتان، وأما الأخيرة، فهي نتيجة مترتبة على الدعاوى السابقة. وقد حرر القاضي عبد الجبار هذه الدعاوى، وحاول أن يثبت صحة كل واحدة منها (3).
1 - ففي الدعوى الأولى: وهي أن الأجسام لا تنفك عن الأكوان الأربعة: الاجتماع والافتراق والحركة والسكون: بين أن الجسم حصل مجتمعا في حال، وكان يجوز أن يبقى مفترقا، فلا بد له من أمر ثان خصص كونه مجتمعا، وإلا لم يكن حصوله مجتمعا بأولى من حصوله مفترقا (4).وتصور اعتراضا مفاده: لم لا يجوز أن يكون الجسم مجتمعا لذاته، من غير أمر ثان مخصص، ورد عليه بقوله: (قلنا: لأنه لو كان كذلك لوجب أن يكون مجتمعا أبدا، ولا يكون مفترقا أصلا، ولأنه لو كان كذلك، لوجب أن يكون كل جزء فيه مجتمعا؛ لأن صفة الذات ترجع إلى الآحاد والأفراد دون الجمل. ولأنه لو كان كذلك، لوجب إذا افترق أن يكون مفترقا لذاته، وأيضا فكان يؤدي إلى أن يكون مجتمعا على قصدنا مفترقا دفعة واحدة، وذلك محال. ولأنه لو كان كذلك، لكان يجب ألا يقف كونه مجتمعا على قصدنا ودواعينا، والمعلوم خلافه. ولأنه لو كان كذلك لوجب في الأجسام كلها أن تكون مجتمعة لأنها متماثلة، والاشتراك في صفة من صفات الذات يوجب الاشتراك في سائر صفات الذات" (5).ثم تصور عبد الجبار اعتراضات أخرى يمكن أن تثار ضد هذه الدعوى، ورد عليها ردودا عديدة، وانتهى من هذا التفنيد الطويل المتشعب إلى إثبات الأكوان الأربعة: الاجتماع والافتراق والحركة والسكون (6).
2 - وفي الدعوى الثانية: وهي إثبات حدوث الأعراض: استدل عبد الجبار على دعواه "حدوث الأعراض": بأن العرض يجوز عليه العدم، بينما القديم لا يجوز أن يعدم. والعرض لا يجوز أن يكون قديما، وإذا لم يكن قديما، وجب أن يكون محدثا؛ لأن الموجود يتردد بين هذين الوصفين، فإذا لم يكن على أحدهما، كان على الآخر لا محالة (7).
وقد بنى كلامه هذا على أصلين:
1 - أحدهما: أن العرض يجوز عليه العدم.
2 - والثاني: أن القديم لا يجوز عليه العدم.
ويريد أن يدلل بهذين الأصلين على حدوث العرض؛ لجواز العدم عليه، وانتفاء العدم عن القديم.
وقد برهن على هذين الأصلين، بما يلي:--------------------------------------------
(1) ((شرح الأصول الخمسة)) لعبد الجبار (95) - بتصرف.
(2) ((شرح الأصول الخمسة)) لعبد الجبار (96).
(3) ((شرح الأصول الخمسة)) لعبد الجبار (96).
(4) ((شرح الأصول الخمسة)) لعبد الجبار (98).
(5) ((شرح الأصول الخمسة)) لعبد الجبار (98).
(6) ((شرح الأصول الخمسة)) لعبد الجبار (99)، ((مذاهب الإسلاميين لعبد الرحمن بدوي)) (1/ 398).
(7) ((شرح الأصول الخمسة)) لعبد الجبار (104).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 413)
1 - أما الأصل الأول: وهو قوله: (العرض يجوز عليه العدم):
فالدليل عليه – كما ذكر عبد الجبار – أن: الجسم المجتمع إذا افترق، فما كان فيه من الاجتماع لا يخلو:
إما أن يكون باقيا فيه كما كان.
أو زائلا عنه.
ومحال أن يكون باقيا فيه كما كان، لحصول الافتراق، فبحصوله زال الاجتماع، وإذا كان زائلا فلا يخلو:
إما أن يكون زائلا بطريقة الانتقال.
وإما أن يكون زائلا بطريقة العدم.
ولا يجوز أن يكون زائلا بطريقة الانتقال؛ لأن الانتقال محال على الأعراض؛ فالعرض يفارق الجوهر تماما، لا ينتقل منه إلى آخر. فلم يبق إلا أن يكون زائلا بطريقة العدم (1).
2 - وأما الأصل الثاني الذي ذكره عبد الجبار: وهو قوله (القديم لا يجوز عليه العدم):
فالدليل عليه – كما زعم -: أن "القديم قديم لنفسه، والموصوف بصفة من صفات النفس لا يجوز خروجه عنها بحال من الأحوال. وهذه الدلالة مبنية على أصلين:
أحدهما: أن القديم قديم لنفسه. والثاني: أن الموصوف بصفة من صفات النفس لا يجوز خروجه عنها بحال من الأحوال" (2).
أولا: القديم قديم لنفسه؛ لأنه لو لم يكن كذلك - على حد قول عبد الجبار، لكان:
1 - إما قديما بالفاعل، وهذا محال؛ لأن من حق الفاعل أن يكون متقدما على فعله، وما تقدمه غيره لا يجوز أن يكون قديما؛ لأن القديم هو ما لا أول لوجوده.
2 - أو قديما بالمعنى، وهو محال أيضا؛ لأن المعنى لا يخلو؛ إما أن يكون قديما، أو محدثا.
ولا يجوز أن يكون محدثا؛ لأن العلة لا تتراخى عن المعلول.
ولو كان المعنى قديما لشاركت العلة معلولها، فلم تتميز عنه. ومن شأن العلة أن تتميز عن المعلل، وعدم تميزها يدل على فسادها.
فاستحال أن يكون المعنى قديما. وانتفى بذلك أن يكون القديم قديما بالمعنى، فلم يبق إلا أن يقال: إنه قديم لنفسه (3).
ثانيا: الموصوف بصفة من صفات النفس لا يجوز خروجه عنها بحال من الأحوال: لأن الذات، أو النفس – كما ذكر عبد الجبار – لما اختصت بصفة صارت ذاتا معلومة، فلو خرجت عن هذه الصفة لخرجت عن أن تكون ذاتا معلومة أصلا، ومن هنا لم يجز على الموصوف بصفة من صفات الذات خروجه عن هذه الصفة بحال من الأحوال؛ إذ صفة الذات مع الذات تجرى مجرى صفة العلة مع العلة؛ فكما أن صفة العلة تجب ما دامت العلة، فكذلك صفة الذات تجب ما دامت الذات (4).وغاية مراد القاضي عبد الجبار من كل هذا الكلام أن يدلل على حدوث الأعراض، وينفي قدمها؛ لأن القدم باق، والباقي لا ينتفي إلا بضد، أو ما يجري مجرى الضد، فيجب ألا ينقضي القديم أصلا؛ لأنه لا ضد له، ولا ما يرجي مجرى الضد (5).
وكذا الأعراض تشتمل على نسب التخالف، والتماثل والتضاد؛ إذ يمكن اجتماع المتخالفين، ويمكن ارتفاعهما، مع اتحاد المكان والزمان. ويمكن ارتفاع المتضادين معا، لكن لا يمكن اجتماعهما مع التحاد الزمان والمكان (6).وهذه من صفات المحدثات، والقديم لا يجوز عليه ذلك (7).
وأما الدعوى الثالثة: وهي أن الأجسام لا يجوز خلوها من الأكوان؛ التي هي: الاجتماع والافتراق والحركة والسكون:
فقد دلل عليها عبد الجبار بما يلي:--------------------------------------------
(1) ((شرح الأصول الخمسة)) لعبد الجبار (104).
(2) ((شرح الأصول الخمسة)) لعبد الجبار (107).
(3) ((شرح الأصول الخمسة)) لعبد الجبار (107).
(4) ((شرح الأصول الخمسة)) لعبد الجبار (108).
(5) ((شرح الأصول الخمسة)) لعبد الجبار (108).
(6) ((ضوابط المعرفة)) لعبد الرحمن حبنكة الميداني (58).
(7) ((شرح الأصول الخمسة)) لعبد الجبار (109).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 414)
1 - الجسم لو جاز خلوه عن هذه المعاني، لجاز أن يخلو عنها الآن، بأن يبقى على ما كان عليه من الخلو. "ألا ترى أن الجسم لما صح أن يكون مجتمعا أو مفترقا الآن، صح أن يكون مجتمعا أو مفترقا في كل وقت وفي كل زمان. ولما استحال أن يكون مجتمعا مفترقا دفعة الآن، استحال أن يكون في كل وقت وفي كل زمان، ولما وجب كونه مجتمعا أو مفترقا الآن وجب ذلك في كل زمن وفي كل مكان. فوجب لو جاز خلوه عنها في كل حال من الأحوال، أن يجوز خلوه عنها الآن بأن يبقى على ما كان عليه من الخلو، وهذا يوجب لو أخبرنا مخبر بأن في أقصى بلاد العالم جسما ليس بمجتمع ولا مفترق ولا متحرك ولا ساكن أن نصدقه، والعلوم خلافه، فثبت بهذا أن الجسم لا يخلو عن الأكوان في وقت من الأوقات" (1).2 - كل جسمين، إما أن يكون بينهما بون ومسافة أو لا يكون. فإن كان بينهما بون ومسافة؛ كانا مفترقين. وإن لم يكن بينهما بون ولا مسافة: فهما مجتمعان. فصح أن الجسم لم ينفك عن هذه المعاني (2).
3 - لو خلا الجسم عن الاجتماع والافتراق، فالسابق إليه لا يخلو: إما أن يكون الاجتماع، أو الافتراق.
فلو قيل: إن الذي سبق إليه هو الاجتماع، لقلنا: كيف يصح تجميع ما لم يكن مفترقا من قبل؟ وإن قيل: إن السابق إليه هو الافتراق؛ نقول: كيف يصح تفريق ما لم يكن مجتمعا؟ (3).
فدل ذلك على أن الجسم لا ينفك عن هذه المعاني.
وأما الدعوى الرابعة: وهي قوله: الجسم إذا لم ينفك عن هذه الحوادث التي هي الاجتماع والافتراق والحركة والسكون: وجب أن يكون محدثا مثلها: فقد دلل عبد الجبار عليها: بأن "الجسم إذا لم يخل من هذه الحوادث ولم يتقدمها: وجب أن يكون حظه في الوجود كحظها، وحظ هذه المعاني في الوجود أن تكون حادثة وكائنة بعد أن لم تكن. فوجب في الجسم أن يكون محدثا أيضا وكائنا بعد أن لم يكن؛ كالتوأمين إذا ولدا معا، وكان لأحدهما عشر سنين، فإنه يجب أن يكون للآخر أيضا عشر سنين" (4).
وهذا الدليل الذي ساقه عبد الجبار المعتزلي، والدعاوى الأربع التي قام عليها أول من قال بها: أبو الهذيل العلاف؛ أول من سلك هذا المسلك من المعتزلة – كما تقدم. وعلى مسلكه هذا سار المعتزلة كلهم (5). فهذا الحاكم الجشمي (6): قد بنى قضية حدوث الأجسام على أربع دعاوى:
أولهما: أن ههنا أعراضا غير الأجسام.
وثانيها: أنها محدثة.
وثالثها: أن الجسم لا يخلو منها. ورابعها: أن الجسم إذا لم يسبقها، فإنه يجب أن يكون محدثا مثلها؛ لقد وجد في حال وجودها، فحظه في الوجود كحظها" (7).--------------------------------------------
(1) ((شرح الأصول الخمسة)) لعبد الجبار (111).
(2) ((شرح الأصول الخمسة)) لعبد الجبار (113).
(3) ((شرح الأصول الخمسة)) لعبد الجبار (113).
(4) ((شرح الأصول الخمسة)) لعبد الجبار (113).
(5) ((شرح الأصول الخمسة)) لعبد الجبار (95).
(6) ((فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة)) لابن المرتضى – تحقيق فؤاد سيد (354)، ((الأعلام)) للزركلي (5/ 289)، ((الحاكم الجشمي منهجه في التفسير)) – رسالة دكتوراة لعدنان زرزور، ((الزيدية)) لأحمد محمود صبحي (228).
(7) ((شرح العيون)) للحاكم الجشمي (104)، مخطوط يوجد في المكتبة الغربية في الجامع الكبير بصنعاء، تحت رقم (99) علم الكلام – نقلا عن ((الزيدية)) للدكتور أحمد محمود صبحي (230).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 415)
وهو في ذلك موافق لأبي الهذيل على مسلكه. ودليله على حدوث الأجسام: "أنها لم تخل من أعراض المحدثات، ولم يتقدم الجسم عليها، فوجب أن يكون حكمه في الوجود كحكمها" (1).وينحو قول الحاكم الجشمي هذا قول ابن المرتضى (2).وقال محمد بن الحسن الطوسي (3) – ذاكرا الدعاوى الأربع التي سبقه إلى بيانها أسلافه من المعتزلة:"الأول: أن في الأجسام معاني غيرها" (4): أي أنها لا تنفك عن الأعراض والأكوان الأربعة؛ الاجتماع والافتراق والحركة والسكون (5)."الثاني: أن نبين أن تلك المعاني محدثة" (6): إذ الأعراض زائلة، والأكوان متغيرة، وما كان كذلك كان حادثا (7)."الثالث: أن نبين أن الجسم لم يسبقها في الوجود" (8): فهو لم يتقدمها، وحاله أنه لا ينفك عنها، ولا يخلو منها (9)."الرابع: أن ما لم يسبق المحدث يجب أن يكون محدثا" (10)، فالأجسام لم تسبق المعاني المحدثة، فحكمها في الحدوث كحكمها، فالأجسام حادثة (11).
وهذا رجع صدى لأقوال أسلافه من المعتزلة. وقال عبد الكافي (12) الأباضي (13) مدللا على حدوث الأجسام: "نظرنا في هذا العالم، فوجدناه صنفين لا ثالث لهما: إما جسم، أو عرض صفة له. ثم نظرنا في العرض، فإذا هو صفات متضادة، متعاقبة في الجسم، فقلنا: لا تخلو هذه الأشياء من أن تكون قديمة أو محدثة، فبطل أن تكون قديمة؛ لكونها متعاقبة في الجسم، آتية وذاهبة، وليس في إتيان الآتي منها أكثر من حدوثه، ولا في ذهاب الذاهب أكثر من بطلانه وفنائه. وبطل أن تكون هذه الأشياء مجتمعة مع تضادها في الجسم بحال واحدة؛ لبطلان الوصف له بها في حال واحدة. ولو كان الأمر كذلك؛ فجاز أن يسمى الجسم مجتمعا متفرقا، ومتحركا ساكنا، مع سائر تلك الصفات في حال واحدة، فثبت أن بطلان ما بطل منها لم يبطل إلا بحدوث ضده، وأن ما حدث منها لم يحدث إلا بفناء ضده وبطلانه. فلما كان الأمر هكذا، علمنا أن تلك الأشياء بجميعها محدثة كائنة بعد أن لم تكن" (14).--------------------------------------------
(1) ((شرح العيون)) للحاكم الجشمي (104)، مخطوط يوجد في المكتبة الغربية في الجامع الكبير بصنعاء، تحت رقم (99) علم الكلام – نقلا عن ((الزيدية)) للدكتور أحمد محمود صبحي (230).
(2) ((القلائد في تصحيح العقائد)) (53)، ((البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع)) للشوكاني (1/ 122)، ((الأعلام)) للزركلي (1/ 269)، ((مصادر الفكر العربي الإسلام في اليمن)) لعبد الله الحبشي (584)، ((الزيدية)) لأحمد محمود صبحي (340).
(3) ((الفهرست)) للنجاشي (287)، ((رجال الحلي)) (248)، ((لسان الميزان)) لابن حجر (5/ 135)، ((روضات الجنات)) للخوانساري (6/ 216)، ((الكنى والألقاب)) لعباس القمي (2/ 357). ((منهج المقال)) للاستراباذي – مخطوط (ق 281/أ – 282/ب)، ((تنقيح المقال)) للمامقاني (3/ 104)، ((الأعلام)) للزركلي (6/ 84).
(4) ((الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد)) للطوسي (44).
(5) ((الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد)) للطوسي (44).
(6) ((الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد)) للطوسي (44).
(7) ((الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد)) للطوسي (45).
(8) ((الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد)) للطوسي (44).
(9) ((الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد)) للطوسي (46).
(10) ((الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد)) للطوسي (44).
(11) ((الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد)) للطوسي (43).
(12) ((دراسات إسلامية في الأصول الإباضية)) (50).
(13) ((مقالات الإسلاميين للأشعري)) (1/ 183)، ((الفرق بين الفرق)) (103)، ((التبصير في الدين)) للإسفراييني (58)، ((البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان)) للسكسي (22).
(14) ((الموجز في تحصيل السؤال وتلخيص المقال في الرد على أهل الخلاف)) لعبد الكافي (1/ 38).
(খণ্ড: 3) (পৃষ্ঠা: 416)