Arabic source text

📘 মাওসূআতুল ফিরাকিল মুনতাসিবাহ লিল ইসলাম (মাজমুআহ মিনাল মুয়াল্লিফীন)

📘 موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام (مجموعة من المؤلفين)

📘 মাওসূআতুল ফিরাকিল মুনতাসিবাহ লিল ইসলাম (মাজমুআহ মিনাল মুয়াল্লিফীন)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
13 - عبدالرحمن بن مهدي "علم، من أثبت المحدثين وأحفظهم".قال: "من زعم أن الله تعالى لم يكلم موسى صلوات الله عليه يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه" (1).وقال: "لو كان لي من الأمر شيء لقمت على الجسر، فلا يمر بي أحد إلا سألته عن القرآن، فإن قال: إنه مخلوق، ضربت رأسه ورميت به في الماء" (2).وقيل له: إن الجهمية يقولون: إن القرآن مخلوق، فقال: "إن الجهمية لم يريدوا ذا، وإنما أرادوا أن ينفوا أن يكون الرحمن على العرش استوى، وأرادوا أن ينفوا أن يكون الله تعالى كلم موسى، وقال الله تعالى: وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: 164]، وأرادوا أن ينفوا أن يكون القرآن كلام الله تعالى، أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم" (3).
14 - أنس بن عياض أبو ضمرة الليثي "محدث ثقة صدوق".
قال إسحاق بن البهلول "ثقة عالم": قلت لأنس بن عياض أبي ضمرة: أصلي خلف الجهمية؟ قال: " وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران: 85] " (4).
15 - يزيد بن هارون "إمام في السنة، ثبت حجة حافظ".قال: "من قال: القرآن مخلوق، فهو كافر" (5).
وقال شاذ بن يحيى الواسطي "وكان خيراً صدوقاً":حلف لي يزيد بن هارون في بيته: "والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، من قال: القرآن مخلوق، فهو زنديق" (6).
16 - أبو عبيد القاسم بن سلام "لغوي المحدثين، ثقة فقيه".قال: "من قال: القرآن مخلوق، فقد افترى على الله عز وجل، وقال عليه ما لم تقله اليهود والنصارى" (7).وقال "لو أن خمسين يؤمون الناس يوم الجمعة، لا يقولون: القرآن مخلوق، يأمر بعضهم بعضاً بالإمامة، إلا أن الرأس الذي يأمرهم يقول هذا، رأيت الإعادة، لأن الجمعة إنما تثبت بالرأس" (8).قال عبدالله ابن الإمام أحمد: فأخبرت أبي رحمه الله بقول أبي عبيد، فقال: "هذا يضيق على الناس، إذا كان الذي يصلي بنا لا يقول بشيء من هذا صليت خلفه، فإذا كان الذي يصلي بنا يقول بشيء من هذا القول أعدت الصلاة خلفه" (9).
قلت: وهذا أقوم من قول أبي عبيد، وأوفق للسنة، ولكن دل قول أبي عبيد رحمه الله على بيان فحش هذا الاعتقاد – اعتقاد الجهمية – وأنهم كفار، وإلا لما شدد هذا التشديد، وضيق هذا التضييق.
17 - أبو الوليد هشام بن عبدالملك الطيالسي "حافظ حجة".قال: "من لم يعقد قلبه على أن القرآن ليس بمخلوق، فهو خارج من الإسلام" (10).
18 - أحمد بن عبدالله بن يونس "ثقة ثبت، صاحب سنة".قال: "لا يصلى خلف من قال: القرآن مخلوق، هؤلاء كفار" (11).--------------------------------------------
(1) رواه عبدالله رقم (44، 531) وأبو داود في ((المسائل)) (ص: 262) والبيهقي في ((الأسماء والصفات (ص 249) وابن الطبري رقم (505) بسند صحيح.
(2) رواه عبدالله رقم (46، 206) وأبو داود (ص: 267) والآجري في ((الشريعة)) (ص: 80) وابن الطبري رقم (504) بسند صحيح.
(3) رواه البيهقي في ((الأسماء والصفات)) (ص 249) بسند صحيح.
(4) رواه عبدالله رقم (72) عن إسحاق به.
(5) رواه عبدالله في ((السنة)) رقم (52) وأبو داود (ص: 268) بسند جيد.
(6) روه عبدالله رقم (50) وأبو داود (ص: 268) بسند جيد.
(7) رواه عبدالله رقم (71) والآجري في ((الشريعة)) (ص: 82) والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) (ص: 253) بسند صحيح.
(8) رواه عبدالله في ((السنة)) رقم (75) بسند صحيح.
(9) كتاب ((السنة)) رقم (75).
(10) رواه أبو داود في ((المسائل)) (ص 266) بسند صحيح.
(11) رواه أبو داود (ص: 268) عنه به.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 216)

19 - هارون بن معروف المروزي "محدث، ثقة، خير".قال: "من قال: القرآن مخلوق، فهو يعبد صنماً" (1).وقال: "من زعم أن الله عز وجل لا يتكلم، فهو يعبد الأصنام" (2).
20 - يوسف بن يحيى أبو يعقوب البويطي صاحب الشافعي "ثقة فقيه صاحب سنة".قال: "من قال: القرآن مخلوق، فهو كافر، قال الله عز وجل: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ [النحل: 40] فأخبر الله عز وجل أنه يخلق الخلق بـ "كن" فمن زعم أن "كن" مخلوق، فقد زعم أن الله تعالى يخلق الخلق بخلق" (3).
21 - يحيى بن معين "العلم، إمام أهل الحديث".قال: "من قال: القرآن مخلوق، فهو كافر" (4).وقال أحمد بن إبراهيم الدورقي "ثقة حافظ": أخبرني يحيى بن معين أنه يعيد صلاة الجمعة مذ أظهر عبدالله بن هارون المأمون ما أظهر، يعني: القرآن مخلوق (5).وقال أحمد بن زهير "ابن أبي خيثمة": سمعت أبي – وسأل يحيى بن معين – فقال: إنهم يقولون: إنك تقول: القرآن كلام الله وتسكت، ولا تقول: مخلوق، ولا غير مخلوق، قال: "لا" فعاودته، فقال: "معاذ الله: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال غيره هذا فعليه لعنة الله" (6).
22 - إمام أهل السنة أحمد بن حنبل.
والنقل عنه في تكفيرهم ومجانبتهم، وترك الصلاة خلفهم، والكشف عن مساوئهم، لا يدخل تحت الحصر، فمن ذلك: قال أبو داود: قلت لأحمد: من قال: القرآن مخلوق، أهو كافر؟ قال: "أقول: هو كافر" (7).وقال حنبل: سمعت أنا عبدالله بن حنبل – وسأله يعقوب الدورقي عمن قال: القرآن مخلوق؟ - فقال: "من زعم أن علم الله تعالى وأسماءه مخلوقة، فقد كفر بقول الله عز وجل: فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ [آل عمران: 61] أفليس هو القرآن؟ ومن زعم أن علم الله تعالى وأسماءه وصفاته مخلوقة، فهو كافر، لا شك في ذلك، إذا اعتقد ذلك، وكان رأيه ومذهبه دينا يتدين به، كان عندنا كافراً" (8).وقال عبدالله ابنه: سمعت أبي رحمه الله يقول: "من قال ذلك القول لا يصلى خلفه الجمعة ولا غيرها، إلا أنا لا ندع إتيانها، فإن صلى رجل أعاد الصلاة" يعني: خلف من قال: القرآن مخلوق (9).وقال عبدالله: سمعت أبي رحمه الله يقول: "إذا كان القاضي جهمياً فلا تشهد عنده" (10).
وقال محمد بن يوسف بن الطباع "وكان ثقة": سمعت رجلاً سأل أحمد بن حنبل، فقال: يا أبا عبدالله، أصلي خلف من يشرب المسكر؟
فقال: "لا".
قال: فأصلي خلف من يقول: القرآن مخلوق؟ فقال: "سبحان الله، أنهاك عن مسلم، وتسألني عن كافر؟ " (11).وقال صالح ابنه عنه: "من زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر، ومن زعم أن أسماء الله مخلوقة كفر، لا يصلى خلف من قال: القرآن مخلوق، فإن صلى رجل أعاد" (12).
23 - أحمد بن صالح المصري "إمام ثبت حافظ".قال أبو داود: سألت أحمد بن صالح عمن قال: القرآن مخلوق؟ فقال: "كافر" (13).--------------------------------------------
(1) رواه عبدالله رقم (67) بسند صحيح.
(2) رواه عبدالله رقم (209) بسند صحيح.
(3) رواه البيهقي في ((الأسماء والصفات)) (ص 252) بسند صحيح. وروى أبو داود الجملة الأولى منه في ((المسائل)) (ص: 268) بسند صحيح.
(4) رواه عبدالله في ((السنة)) رقم (68) بسند جيد.
(5) رواه عبدالله رقم (76) عن الدورقي به.
(6) رواه ابن جرير (455) بسند صحيح.
(7) رواه أبو داود في ((المسائل)) (ص 262) ومن طريقه: الآجري في ((الشريعة)) (ص: 81).
(8) رواه الآجري (ص80) بسند صحيح.
(9) رواه عبدالله رقم (4) ومن طريقه: البيهقي في ((الأسماء)) ((ص 258)).
(10) رواه عبدالله رقم (6).
(11) رواه الآجري في ((الشريعة)) (ص 81) بسند صحيح.
(12) رواه صالح بن أحمد في ((المحنة)) (ص 66 - 67).
(13) روه أبو داود في ((المسائل)) (ص 268).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 217)

24 - هارون بن موسى الفروي "شيخ ثقة، صاحب سنة".
قال: "لم أسمع أحداً من أهل العلم بالمدينة وأهل السنن إلا وهم ينكرون على من قال: القرآن مخلوق، ويكفرونه".قال هارون: "وأنا أقول بهذه السنة" (1).
25 - محمد بن إسماعيل البخاري "العلم، صاحب الصحيح".قال: "نظرت في كلام اليهود والنصارى والمجوس، فما رأيت أضل في كفرهم منهم – يعني الجهمية – وإني لأستجهل من لا يكفرهم إلا من لا يعرف كفرهم" (2).وقال: "ما أبالي، صليت خلف الجهمي والرافضي، أم صليت خلف اليهود والنصارى، ولا يسلم عليهم، ولا يعادون، ولا يناكحون، ولا يشهدون، ولا تؤكل ذبائحهم" (3).
26 - أبو حاتم محمد بن إدريس، وأبو زرعة عبيدالله بن عبدالكريم الرازيان "إماما الجرح والتعديل".قالا: "ومن زعم أن القرآن مخلوق، فهو كافر بالله العظيم كفراً ينقل عن الملة، ومن شك في كفره ممن يفهم فهو كافر" (4).
27 - أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة "إمام الأئمة".قال: "القرآن كلام الله غير مخلوق: فمن قال: إن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم، لا تقبل شهادته، ولا يعاد إن مرض، ولا يصلى عليه إن مات، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ويستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه" (5).
28 - محمد بن جرير أبو جعفر الطبري "الإمام الحافظ الفقيه الحجة".
قال القاضي أحمد بن كامل "وكان ثقة فاضلاً": سمعت أبا جعفر محمد بن جرير الطبري – ما لا أحصي – يقول: "من قال: القرآن مخلوق، معتقداً له، فهو كافر حلال الدم والمال، لا يرثه ورثته من المسلمين، يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه".
فقلت له: عمن لا يرثه ورثته من المسلمين؟
قال: "عن يحيى القطان، وعبدالرحمن بن مهدي".
قيل للقاضي ابن كامل: فلمن يكون ماله؟ قال: فيئا للمسلمين.
فهذه بعض أحكام الأئمة الأعلام في حق المعتزلة الجهمية، تبين لك عن فرقان بين الحق والباطل، والكفر والإيمان، وهؤلاء الأعلام من سادة أئمة السلف الذين كانوا أسوة الناس، وفيهم السادة الكبار الذين يفزع إليهم الناس في كشف الشبهات، وإبانة الحق من دينهم.
ولقد وقع في كلام بعض الأئمة تكفير بعض أعيان الجهمية، كفر جماعة من السلف الجعد بن درهم – أصل هذه الفتنة – وآخرون جهم بن صفون – رأسها – وآخرون بشراً المريسي – المنافح عنها – وكفر الشافعي رحمه الله حفصاً الفرد – أحد دعاتهم – وهم بقتله.
ولقد رأيت أقواماً من أهل البدع، وربما اغتر بهم بعض أهل السنة، يهونون من شأن الجهمية، وربما استنكر بعضهم على الأئمة الذين كفروهم، مع أنه لم يرد عن عامة أئمة السلف إلا تكفيرهم – كما نقله عنهم ابن جرير الطبري وغيره – وهؤلاء فيما رأى أحد رجلين:
إما مبتدع، محترق في التجهم والاعتزال، يصر على أمر عظيم، يهاب الحق وسطوة أهله، فلا يصرح، وإنما يشير ويلمح.
وإما جاهل، لم يفهم اعتقاد السلف في كلام الله تعالى، وخاف النظر في ذلك – ورعاً – يحسب أنه خوض في الكلام المذموم، فليس له إمام يقتدي به إلا الواقفة الذين أنكر الأئمة مذهبهم.
أما الأول فلا سلمه الله ولا عافاه، وكشف ستره، وأظهر سوأته.--------------------------------------------
(1) رواه الآجري في ((الشريعة)) (ص 78 - 89) بسند صحيح.
(2) ((خلق أفعال العباد)) رقم (35) ومن طريقه البيهقي في ((الأسماء)) (ص 253).
(3) ((خلق أفعال العباد)) رقم (53) ومن طريقه البيهقي (ص 254).
(4) رواه اللالكائي في ((السنة)) (1/ 178) بسند صحيح.
(5) رواه أبو عثمان الصابوني في ((الرسالة)) نص/ 7 بسند صحيح.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 218)

وأما الآخر فليتق الله وليتعلم، وليدع ما حسبه ورعاً، فوالله ما هو بالورع المشروع، فإن الباطل موجود وله دعاة، وبدعة الجهمية لم تنفك عن الناس، وليكفه الاقتداء بأعلام الأمة، ورؤوس الأئمة، من بعد عصر الصحابة وكبار التابعين، الذين عافاهم الله من هذا البلاء، مثل: الثوري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وابن معين، والبخاري.
وممن سبقت الإشارة إليهم صنف حملوا التكفير في النصوص السالفة عن الأئمة وما يشبهها على الكفر الأصغر الذي لا يفارق به الدين، وهذا أيضاً من تهوينهم لهذه القضية، وتمويههم على الناس، وإلا فإن الكثير من النصوص المذكورة وغيرها صريحة في إخراجهم من الإسلام، ويجب أن يحمل ما أطلق من ألفاظ تكفيرهم على هذا المعنى الصريح، وأنا على يقين أن من فهم الاعتقاد السليم الذي شرحناه في الباب الأول، وفهم ما شبه به المعتزلة الجهمية على الناس، فإنه لا يرتاب في كفرهم الأكبر المخرج من الإسلام.
فإن قيل: أليسوا يشهدون أن لا إله إلا الله؟
قلنا: بلى، ولكنهم نقضوها بقولهم: مخلوقة، ونقضوها بتكذيب القرآن، وبنفي صفات رب العالمين، ووصفه بالعجز والنقص، بل وصفه بالعدم، فأي توحيد بعد هذا؟
فإن قيل: هذا الإمام أحمد رحمه الله وهو من أشد الناس في هذه المسألة، ولقي بسببها ما لقي، لم يكفر المأمون، ولا المعتصم، ولا الواثق، بل ربما دعا لبعضهم، وأقر بإمرة المؤمنين، وكانوا حملة راية الفتنة بخلق القرآن، فلو كان كفراً مخرجاً من الإسلام لما دعا، أو عفا، أو أقر بإمرة المؤمنين.
قلنا: هذا جهل من المعترض بحقيقة الأمر، فإن إطلاق التكفير ليس كتعيينه، إذ الحكم به على المعين قد يتخلف لمعنى، كتأويل، أو جهل، أو إكراه، فإنه يقال: من قال كذا كفر، ومن اعتقد كذا فهو خارج من الإسلام، وليس معناه أنا إذا وجدنا مسلماً وقع في ذلك استحق وصف الكفر به، حتى نعلم يقيناً أن قد بلغته الحجة الشرعية التامة الواضحة، فانتفى جهله بذلك، ولم يبق في نفسه نوع تأويل، وهذا أمر يعسر في الغالب، ولذا لم يكن من هدي السلف تكفير المعين حتى يوجد مقتضى التكفير، وتنتفي موانعه، ألست ترى تكفيرهم للجعد وجهم والمريسي؟ كفروهم بأعيانهم لانتفاء الجهل والتأويل، لما تضمنت أقوالهم من صراحة الكفر، وألست ترى تكفير الشافعي رحمه الله حفصاً الفرد؟ كان بعد مناظرة وبيان، فقامت عليه الحجة، وانتفى أن يكون له حجة، فلم يقع الشافعي في حرج من تكفيره بعينه.
ولما لم يفهم بعض الناس هذه القضية والفصل فيها، تحيروا في تفسير ألفاظ الأئمة المطلقة في ذلك، فحملها أقوام على الكفر الأصغر، وعاب بعضهم بعض الأئمة في تلك الإطلاقات، كما رأيت ذلك لبعضهم. هذا مع أنه قد ثبت عن الإمام أحمد أنه قال: "علماء المعتزلة زنادقة" (1).
وهذا يتضمن أن حال العارف العالم منهم غير حال من يتبعهم على جهل، كالخلفاء – الذين لا يفقهون إلا حفظ المناصب – وسائر العامة، الذين تلتبس عليهم الحقائق بما تثيره المبتدعة من الشبه.

‌‌المصدر:العقيدة السلفية في كلام رب البرية لعبدالله يوسف الجديع – ص 323--------------------------------------------
(1) رواه ابن الجوزي في ((المناقب)) (ص: 158) بسند جيد.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 219)

‌‌المبحث الأول: المدرسة العقلية الحديثة وفكر الاعتزال
وللمعتزلة – أو بالأصح فكر الاعتزال – شأن في عصرنا الحديث، ولولا ذلك الشأن ما اجتهدنا في التعريف بهذه الفرقة وأفكارها ومبادئها ولاعتبرناها من الفرق التي اندثرت في التاريخ؛ ذلك أن فضح مباحثها من خلال فكر الشيعة الرافضة أو تزييف مناهجها من خلال مناهج الأشاعرة إنما يتم في ثنايا الرد على الرافضة وغيرهم في مباحثهم ومناهجهم، وإنما اعتبرنا بيان الأصول العقائدية والقواعد المنهجية للاعتزال لما أطل خلفهم في عصرنا هذا برؤوسهم، ونادوا بما ادعته المعتزلة من مناهج واتخذوا من سبيل المدح لهم والثناء على "تحررهم" و "عقلانيتهم"! ذريعة إلى نشر آرائهم الفاسدة، والاستتار تحت شعار الاعتزال لدس السم في الفكر الإسلامي التوحيدي السليم.
نعم! قالوا: أليس المعتزلة من "المسلمين"؟! ألا يحق لنا الاقتباس منهم والرجوع إليهم؟! وما لنا "نجمد" مع الجامدين من الفقهاء والأئمة والمحدثين من السلف ونلتزم طريقهم ولا نقتبس عن المعتزلة "المسلمين" مواقفهم"العقلية" "الثورية" "التحررية" التي تتناسب ومقتضيات عصرنا الراهن؟! تلك هي مجمل دعواهم وملخص قولهم الذي أرادوا به القضاء على عقيدة المسلمين والتفافهم حول كتابهم من خلال تلبيس الحق بالباطل – بعد أن نجحت جهودهم في إزاحة شريعة الحق عن الساحة – وهو شأن المفسدين في كل زمان ومكان.
وقد بدأت جذور ذلك الأمر تظهر في البلاد الإسلامية السنية بعد أن ذاعت المبادئ الثلاثة التي أطلقها الصهاينة من خلال الثورة الفرنسية ليتمكنوا من خلالها من هدم الخلقية البشرية عامة وإقامة المجتمع اليهودي على أنقاضها، وهي مبادئ "الحرية – المساواة – العدل".
"والحرية" تعني أن يتحرر الإنسان من كل القيم والأعراف والأديان ويفعل ما يحلو له كالبهيمة، وإن تمحك دعاتها في معاني الحرية السياسية أو الفكرية التي لم يقف الإسلام حائلا في سبيلها يوما من الأيام داخل الإطار الشرعي لها.
"والمساواة" تعني أن لا فرق بين مسلم ونصراني ومجوسي بل الكل مشتركون في صفة الإنسانية فهم إخوة بهذا المعنى، ولا معنى للتفريق بينهم بسبب العقيدة، فلنسقط الأديان كلها باسم المساواة، وليتحد البشر باسم الإنسانية! وسبحان القائل وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ وقال: وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ فكيف السبيل للاتحاد مع أمثال هؤلاء من المشركين!؟

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 220)

"والعدل" يعني نزع الثروات من أيدي مالكيها بدعوى سلامة التوزيع وردها إلى فئة من اليهود المسيطرين على الاقتصاد العالمي كله، وما تجارب الشيوعية والاشتراكية والرأسمالية إلا أفكارا يهودية في أصلها ومنشئها. وقد ساعدت على نشر الأفكار الهدامة المؤسسات التي أقامها الصهاينة لتكون شعارا لهم ينشرون من ورائه تلك الخبائث كنوادي الروتاري والليونز، وهي مؤسسات ماسونية تنتشر في العالم كله لامتصاص طاقته وثرواته واجتذاب علية القوم فيه للاستفادة منهم. وقد سرت عدوى "التحرر" و "العقلانية" وأمثالها إلى الوطن الإسلامي نتيجة الاختلاط بين الشرق والغرب في مطلع القرن الماضي عن طريق البعثات التعليمية وغيرها، فتأثر تلامذة البعثات بما وجدوه في أوربا ونقلوا ذلك في كتبهم – بقصد أو بدون قصد – كرفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي، إلى أن جاء دور جمال الدين الأسد آبادي – المعروف بالأفغاني – وهو إيراني المولد والمنشأ تربى في أحضان علماء الرافضة (1) – وقد قام بالعديد من الأعمال التي كان لها أسوأ الأثر في العالم الإسلامي رغم ما يحلو للبعض من المسلمين "الطيبين" أن يدعوه باسم "باعث الشرق"! وباعث الشرق هذا كان مؤسسا ورئيسا لأكبر محفل ماسوني في الشرق، وترقى في درجات الماسونية إلى أعلى المراتب. يقول محمد محمد حسين: "وإلى جانب ذلك كله نجد إشارات صريحة في كتاب لأحد كبار رجال الماسونية في مصر ومن المعروف أنها دعوة تخدم الصهيونية العالمية – تؤكد أن جمال الدين كان رئيسا لمحفل كوكب الشرق الماسوني، كما تؤكد أن محمد عبده كان عضوا في هذا المحفل" (2).وينقل أحمد أمين في كتابه (زعماء الإصلاح) عن جمال الدين قوله: "أول ما شوقني للعمل في بناية الأحرار عنوان كبير خطير (حرية – مساواة – إخاء) وإن غرضها منفعة الإنسان"!! (3).وقد تكشفت حقيقة جمال الدين هذا لعلماء تركيا الذين اطلعوا على رفضه وخبثه فطردوه من بلادهم ورموه بالكفر من أمثال الشيخ مصطفى صبري مفتي الدولة العثمانية وغيره من العلماء (4).
ولا مجال للإطالة في الحديث عن جمال الدين هذا إلا بمقدار ما ينبغي أن نعرفه كأستاذ لمحمد عبده صاحب المدرسة العقلية الاعتزالية – التي اصطلح على تسميتها بالمدرسة الإصلاحية! - والتي ظهرت أوائل هذا القرن في مصر وخرج من تحت عباءتها كثير من الكتاب الذين اتهموا بالدخل في دينهم من بعد مثل طه حسين، الذي وضع كتاب الشعر الجاهلي فحشاه بالكفر البواح وحوكم بسببه في مصر وعزل من عمله بالجامعة.--------------------------------------------
(1) ((الإسلام والحضارة الغربية)) محمد محمد حسين، ((دعوة جمال الدين الأفغاني في الميزان)) (380) مصطفى فوزي.
(2) ((الاتجاهات الوطينة)) (1/ 339).
(3) ((زعماء الإصلاح)) (73).
(4) ((دعوة جمال الدين في الميزان)) (12 وما بعدها) ((موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين)) لمصطفى صبري، الجزء الرابع.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 221)

ثم تتابعت الكتابات الهدامة المستترة تحت ستار الاعتزال والتحرر والعقلانية تنخر في جسد الأمة المسلمة بعد أن سقطت الخلافة – التي كانت آخر درع يتقي به كيد المفسدين- فظهرت كتابات طه حسين عن الشعر الجاهلي ثم عن مستقبل الثقافة في مصر وضرورة نبذ التقاليد الشرقية جملة وتفصيلا. كذلك كتابات قاسم أمين عن تحرير المرأة، وقد تمحك هؤلاء بلفظ الحرية ودعوى العقلانية والتقدم، وامتدحوا الاعتزال والمعتزلة واعتبروهم الأجدر بالاتباع في "تراثنا الإسلامي"!.تساءل أحمد أمين في كتابه (ضحى الإسلام): "والآن يحق لنا أن نتساءل: هل كان في مصلحة المسلمين موت الاعتزال وانتصار المحدثين؟ " (1). ثم أعلن أنه ليس في صالحهم القضاء على الاعتزال، بل كان من الواجب على المعتزلة والمحدثين أن يستمرا كحزبين أحدهما تقدمي والآخر محافظ! ليستفيد المسلمون من كليهما! (2) وما أبعد هذا الفكر عن الفهم الإسلامي المستوحى من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تقرر أن هناك طائفة واحدة منصورة ظاهرة على الحق وأنها وحدها الناجية دون سائر الفرق الاثنتين والسبعين!.ويعلن أحمد أمين في صراحة: " في رأيي أن من أكبر مصائب المسلمين موت المعتزلة" (3).
ولم يكن هذا الرأي، الذي عبر عنه أحمد أمين، بشأن دور الاعتزال وأهميته وضرورة تبني المسلمين له في طرق البحث ومنهاجه، رأيا ارتآه وحده بل عرف عند كثير من غيره من الكتاب الذين لمعت أسماؤهم في هذه الحقبة الأخيرة من الزمان. فهذا كاتب آخر وهو زكي نجيب محمود – الذي تبنى الوضعية المنطقية كنظرية يدين بها – بزعم أنه إن كان لنا أن نحيي جزءا من تراثنا الإسلامي فليكن هو الاعتزال. يقول في (تجديد الفكر العربي): "يبدو لكاتب هذه الصفحات أن أهم جماعة يمكن لعصرنا أن يرثها في وجهة نظرها. . أعني أن يرثها في طريقتها ومنهاجها عند النظر إلى الأمور هي جماعة المعتزلة التي جعلت العقل مبدأها الأساسي كلما أشكل أمر" (4).ويؤكد ذلك بعد صفحات فيقول: "فما زلت أرى أنه لو أراد أبناء عصرنا أن يجدوا عند الأقدمين خيطا فكريا ليتمسكوا بطرفه فيكونوا على صلة موصولة بشيء من تراثهم، فذلك هو الوقفة المعتزلية من المشكلات القائمة" (5).--------------------------------------------
(1) ((ضحى الإسلام)) (3/ 202).
(2) ((ضحى الإسلام)) (3/ 203).
(3) ((ضحى الإسلام)) (3/ 207).
(4) ((تجديد الفكر العربي)) (117).
(5) ((تجديد الفكر العربي)) (123).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 222)

وهذا المسكين قد وقع في خطأ كان لابد له من الوقوع فيه نظرا لانشغاله طوال حياته بالفكر الغربي دراسة وتحليلا وتسلية كما عبر بنفسه في مقدمة كتابه المذكور إلا سنوات قليلة أخذ "يعب فيها التراث عبا" على عجل بنظر المستشرقين لا بنظر المؤمن، هذا الخطأ هو اعتقاد أن أهل السنة والجماعة كانوا يقفون بالمرصاد لمحاولات إعمال العقل في مجال الطبيعة والحياة بحرية وانطلاق، وهو أمر ما كان في يوم من الأيام، وإنما يشهد التاريخ أن الصراع بين أهل السنة وبين غيرهم من الفرق الضالة كان بسبب إدخال العقل في مجال الغيب أولا، ومحاولة تحكيمه في نصوص الشارع الثابتة التي توجه الحياة البشرية بكليات وقواعد قد رضيها الله سبحانه لخلقه – وهو أعلم بهم – ثانيا، أما في مجال العلوم الطبيعية والتجريبية فعلى أمثال هؤلاء المفسدين إبراز دليل واحد يستدلون به على وقوف أهل السنة والجماعة في وجه تلك العلوم أو عدم إعمال العقل فيها، وحتى مهاجمة أهل السنة للفلاسفة إنما كانت في الجانب الميتافيزيقي الذي خاضوا فيه غمار العلوم الإلهية بعقولهم القاصرة فخرجوا إلى الكفر البواح كما فعل ابن سينا والفارابي، بينما لم ينكر أحد على ابن سينا وضعه لكتاب (القانون) في الطب مثلا، وإنما ادعاءات هؤلاء كلها محض باطل وتجن وهوى، ولما كان الإسلام يعالج في مبادئه وأساسياته قواعد اجتماعية وتشريعات دولية وسياسية واقتصادية تصادمت في كثير منها مع تلك الاتجاهات الهدامة، كان لهم في المواقف الاعتزالية التي قدمت العقل فيما لا يمكن الحكم فيه خير سند في دعواهم للقضاء على الشريعة الإسلامية والنهج الرباني.
وقد تناثرت تلك الدعاوى عن المعتزلة في العديد من أعمال بعض الباحثين المحدثين، كما ذكرنا، فمدحوا الاعتزال وتابعوا المستشرقين ونقلوا عنهم ما أوردوه في تحسينه وتزيينه.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 223)

يقول عرفان عبد الحميد في كتابه (دراسات في الفرق والعقائد الإسلامية) تحت عنوان أهمية المعتزلة في الفكر الإسلامي: "المعتزلة أول مدرسة كلامية ظهرت في الإسلام وكان لها دور كبير في تطوير الفكر الديني والفلسفي فيه، فهي التي أوجدت الأصول العقلية للعقيدة الإسلامية!! وجعلت للنزعة العقلية في الفكر الإسلامي مكانة مرموقة، ورفعت من شأن العقل وأحكامه وقدرته في الوصول إلى الحقيقة" (1)، ولا نحتاج إلى التعليق، حيث سبق أن بينا موقف أهل السنة من "العقل" ومجالاته، وبينا المجال الذي عملت فيه النزعة العقلية في الإلهيات فأنتجت ذلك الضلال والانحراف. ولكن أنى لمثل هذا الباحث أن يتفهم موقف الإسلام في مثل تلك الأمور وهو ينقل عن المستشرقين نص كلامهم مرتئيا له وموافقا عليه، فيقول: "والمعتزلة تمثل أول محاولة في الفكر الإسلامي تعرضت لمسألة الصلة بين الحقائق الدينية وأحكام العقل وذلك (بقوة فكرية عجيبة وثبات عظيم وحاولت حلها بطريقة مبتكرة) " وما بين القوسين منقول عن سوزانا فلزر في مقدمة كتاب (المعتزلة) وواضح تبنيه لهذا الرأي الاستشراقي! فالله الله في المسلمين وعقائدهم أيها الباحثون المجددون. ويقول عبد الستار الراوي في مقدمة كتابه (فلسفة العقل) عن الحركة الاعتزالية: "حركة ثقافية تتخطى المذهبيات المغلقة، تنتهج في جدلياتها الكلامية "الحرية" (2) وأنها "تقيم الأدلة المنطقية على عقم الاتجاهات السلفية ومواقفها الوثوقية! " (3).ومعنى قوله "مواقف السلف الوثوقية" هو وثوق أهل السنة وأتباع السلف بقيمة النص إزاء العقل ووثوقهم من مقررات النصوص الثابتة القطعية. ثم يقول في بيان شرحه لموقف الإمام أحمد إزاء محاوريه من المعتزلة إبان المحنة وتمسكه بالنصوص الثابتة: "ولما حاصرته براهين المعتزلة العقلية أقر بعجز عقله غير المدرب عن رد جدلياتهم الكلامية في مسألة الصفات يقول: لا أدري. هو (الله) كما وصف نفسه لا أزيد عن ذلك شيئا!! " (4).
ولله درك يا إمام، فقد ضاق عقل شانئيك بعد اثني عشر قرنا من أن يفهموا معنى موقفك، وحقيقته الذي حافظت به على قيمة النص الشرعي وأوقفت محاولات التلاعب بدين الله.
ولو ذهبنا نتتبع هذا التيار الذي انتشر في الكتابات الحديثة لطال الحديث ولكننا نكتفي بما ذكرنا ليكون دليلا وشاهدا على صحة ما ذهبنا إليه من محاولة الفكر الاعتزالي العودة إلى السطح – من خلال مفاهيم التحرر والتقدم والعقلانية – محمولا على أقلام بعيدة كل البعد عن منهج الإسلام الصافي الأصيل.--------------------------------------------
(1) ((دراسات في الفرق والعقائد الإسلامية)) (125).
(2) ((فلسفة العقل للراوي)) (5).
(3) ((فلسفة العقل للراوي)) (5).
(4) ((فلسفة العقل للراوي)) (24).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 224)

ومما يدعو للأسف أن هذا الاتجاه – بشكل أقل حدة – قد تعدى إلى بعض الفضلاء ممن ينتمون للحركة الإسلامية في عصرنا، فالدكتور عدنان زرزور يقدم رسالته عن الحاكم الجشمي ومنهجه في التفسير وينقل ثناء الشيخ محمد أبو زهرة على المعتزلة في كتابه (تاريخ المذاهب الإسلامية) مؤيدا هذا الثناء فيقول: "قال – أي أبو زهرة – حفظه الله: أولا: إن هؤلاء – أي المعتزلة – يعدون فلاسفة الإسلام حقا لأنهم درسوا العقائد الإسلامية دراسة عقلية مقيدين أنفسهم بالحقائق الإسلامية غير منطلقين في غير ظلها، فهم يفهمون نصوص القرآن فهما فلسفيا، ويغوصون في فهم الحقائق التي تدل عليها غير خالعين للشريعة ولا متحللين من النصوص"! (1).كما إنه يدعو "للإفادة من منهج المعتزلة العقلي – ومن سائر المناهج الكلامية الأخرى - في الدفاع عن الإسلام وشرح حقائقه أمام مناوئيه ومخالفيه من أتباعه والغرباء عنه على حد سواء"!! (2) فهل يا ترى في منهج المتكلمين وطريقة المعتزلة ما يدفع به عن الإسلام بحق؟! ثم يدعي الدكتور عدنان دعوى عريضة خالف فيها منطوق ومفهوم نصوص ثابتة صريحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كحديث الفرق الثلاثة والسبعين وحديث الفرقة المنصورة الذي رواه مسلم فقال: "وليس في تاريخ الإسلام فرقة واحدة تستطيع أن تزعم لنفسها فهم العقيدة الإسلامية على الوجه الأكمل حتى يكون كل من خالفها في شيء ضالا مبتدعا أو من أهل الزيغ والأهواء! ولا تخلو فرقة واحدة من الغلو في جانب والتفريط في جانب آخر، وليست مهمتنا الانتصار لفرقة على أخرى أو تعميق الخلاف بين هذه الفرق"! (3).والعجب العجب مما قاله! فقد اشتملت هذه الفقرة وحدها على ثلاثة أخطاء مركبة أولها: قوله: أنه لا توجد فرقة واحدة فهمت العقيدة الإسلامية على الوجه الأكمل! فأين قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق)) رواه مسلم (4)، وأين قوله صلى الله عليه وسلم: ((ستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة إحداها الناجية)) رواه الترمذي (5)، وأين فرقة أهل السنة والجماعة التي من زعمائها أئمة الإسلام مالك والشافعي وأحمد وأبو حنيفة وابن تيمية وابن القيم وابن كثير ومحمد بن عبد الوهاب. . وغيرهم كثير كثير ممن اتفقت عقائدهم وإن اختلفوا في بعض الفروع!؟ وهل للعقيدة الإسلامية بهذا القدر من الصعوبة ليتعذر فهمها على أي طائفة طوال هذه القرون؟!.
أوليس معنى ما تقدم من أنه "حتى يكون من خالفها في شيء ضالا ومبتدعا أو من أهل الزيغ والأهواء" إنكارا صريحا لوجود أهل الأهواء ابتداء إذ أين نذهب بأقوال أئمة الإسلام التي تحذر من اتباع أهل الأهواء والبدع؟ وكفانا في ذلك مراجعة ما أورده الشاطبي في الاعتصام الجزء الأول عن أهل الأهواء والتحذير منهم وكلام أئمة السنة فيهم. . ونترك للقارئ المسلم الحكم على صحة أقواله وتقييمها من خلال ما طالع في ثنايا بحثنا.--------------------------------------------
(1) ((عدنان زرزور، الحاكم الجشمي)) (21).
(2) ((عدنان زرزور، الحاكم الجشمي)) (18).
(3) ((عدنان زرزور، الحاكم الجشمي)) (18).
(4) رواه مسلم (1920).
(5) رواه الترمذي (2640) دون لفظة: (إحداها الناجية).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 225)

ثانيها: قوله: ولا تخلو فرقة واحدة من الغلو في جانب والتفريط في جانب آخر!.ونقول: بل إن سمة أهل السنة الوسطية لا إلى إفراط ولا إلى تفريط كما وصفهم ابن تيمية بقوله: "وهم (أهل السنة والجماعة) وسط في باب أفعال الله عز وجل بين المعتزلة المكذبين بالقدر والجبرية النافين لحكمة الله ورحمته وعدله. وفي باب الوعد والوعيد، بين الوعيدية الذين يقولون بتخليد عصاة المسلمين في النار وبين المرجئة الذين يجحدون بعض الوعيد وما فضل الله به الأبرار على الفجار. وهم وسط في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الغالي في بعضهم الذين يقول فيه بإلهية أو نبوة، والجافي فيهم الذي يكفر بعضهم أو يفسقه وهم خيار هذه الأمة" (1).
وثالثها: قوله: "وليست مهمتنا اليوم الانتصار لفرقة على أخرى. . ".
ويقول: بل إن مهمتنا الأساسية في الحياة هي إظهار عوار الباطل الذي تشتمل عليه أقاويل تلك الفرق الاثنتين والسبعين، كما أن مهمتنا مناهضة الإلحاد والكفر سواء بسواء، والمقبول من العمل هو ما كان خالصا صوابا؛ خالصا لوجه الله تعالى وصوابا على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالتلفيق ومحاولة التقارب المزعوم بين الفرق هو بمثابة الطعن في صحة عقيدة الحق التي عليها أهل السنة والجماعة؛ عقيدة السلف الصالح؛ وعقيدة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

‌‌المصدر:المعتزلة بين القديم والحديث لمحمد العبده وطارق عبد الحليم – ص 125 يرى بعض الباحثين أن الجهمية والمعتزلة من الطوائف التي عاشت في الساحة الإسلامية ردحاً من الزمن ثم اختفت، وأن مناقشة أفكارهم وعقائدهم صراع مع الرميم يتنزه عنه العقلاء، فنجد بعضهم يعقد في كتابه مبحثاً بعنوان: "من أسباب اضمحلالهم" فيذكر بعض الأسباب، ثم يقول: ولعل مما عجل بانقراضهم كثرة اختلافاتهم" ويقول آخر: "إذا كان الإسلام لا يتعارض مع العقل فما المدى الذي يسمح فيه للتفكير العقلي في أصول الدين، حتى لا تتكرر مأساة اختفاء المعتزلة" ويقول: "قام المعتزلة بدور رئيسي في الحياة العقلية للحضارة الإسلامية منذ القرن الثاني إلى القرن الخامس الهجري، حتى تواروا بعد ذلك عن مسرح الفكر" ثم يطمئن نفسه بأن تراث المعتزلة باق فيقول: "وقد قام الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة بن سليمان ت 614هـ أحد أئمة الزيدية باليمن بإرسال دعاته إلى خارج اليمن لاستنساخ الكتب والمصنفات التي توافق مذهب الزيدية، وخاصة مؤلفات المعتزلة، بذلك حفظت لنا مكتبات اليمن وأقبيتها، تراث المعتزلة" (2).--------------------------------------------
(1) ((الجواب الصحيح)) (1/ 8).
(2) د. أحمد محمود صبحي: ((مباحث في علم الكلام)) (ص842، 387، 393) على التوالي، والأقبية: جمع قبو، بناء تحت الأرض تنخفض حرارته في الصيف. ((المعجم الوسيط)) 2/ 713).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 226)

ويقول د. يوسف القرضاوي – مقللاً من أهمية بقاء الحوار مع المتكلمين المؤولة-: "ولهذا قلت لإخواننا العلماء في قطر والمملكة العربية السعودية حين سمعت بعضهم يجادل في قضية الصفات بين السلف والخلف، وما فيها من جدل وكلام طويل الذيول: إن المعركة اليوم ليست مع الأشاعرة ولا مع الماتريدية، ولا المعتزلة والجهمية، إن معركتنا اليوم مع الملاحدة الذين لا يؤمنون بإله ولا نبوة، ولا كتاب، ليست معركتنا مع الذين يقولون عن الله: ليس له مكان، بل مع الذين يقولون: ليس له وجود، وعلينا أن نخلقه كما قال أحدهم! ليست معركتنا مع الذين يؤولون صفات الله تعالى، بل مع الذين يجحدون الله بالكلية، وأي تحويل للمعركة عن هذا الخط يعتبر توهيناً للصف، وفراراً من الزحف، وإعانة للعدو. ومن الإنصاف أن أقول: إني وجدت تجاوباً رائعاً من علماء قطر، والمملكة العربية السعودية نحو هذا الاتجاه، فيما عدا القليل منهم." (1).
أقول: هذا كلام غير مقبول لأمور: الأول: أن هذا التوجه الأحادي الانتقائي تجاه الملل والنحل الضالة ينافي المنهج الإسلامي القويم الذي بعث الله به رسله، والذي يقضي بوجوب إقامة الدين الحق، ومحاربة كل ملة أو نحلة ضالة مخالفة للدين، قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [التوبة: 33 والفتح 28].
الثاني: مقتضى هذا القول: أن المعركة ليست بيننا وبين اليهودية والنصرانية المحرفين باعتبار أهلهما مقرين بوجود الله، وهذا ضرب من الإرجاء خطير.
الثالث: مما يقرب هذا اللازم أن كلام القرضاوي هذا – وإن كان غريباً لدى سائر المسلمين – ليس غريباً على منهج المدرسة التي ينتمي إليها، فقد بني هذا الكلام – كما يبدو لي – على أساس حاول شيخه البنا إقامته منذ مدة طويلة، حيث ألقي في 5/ 3/1946م كلمة أمام "اللجنة الأمريكية البريطانية" التي كانت تجول حول العالم العربي بخصوص تمييع قضية فلسطين، والعمل على تهجير اليهود إليها، ألقى الشيخ البنا كلمته أمام هذه اللجنة باعتباره ممثلاً للحركة الإسلامية، جاء فيها: "الناحية التي سأتحدث عنها نقطة بسيطة من الوجهة الدينية، إلا أن هذه النقطة قد لا تكون مفهومة في العالم الغربي، فأريد أن أوضحها باختصار فأقرر أن خصومتنا لليهود ليست دينية؛ لأن القرآن الكريم حض على مصافاتهم ومصادقتهم، والإسلام شريعة إنسانية قبل أن تكون قومية، وقد أثنى عليهم، وجعل بيننا وبينهم اتفاقاً: وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [العنكبوت: 46] وعندما أراد القرآن أن يتناول مسألة اليهود تناولها من الوجهة الاقتصادية والقانونية، قال تعالى: فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [النساء: 160] " (2).وقال الشيخ البنا – في مؤتمر صحفي عقد في 5/ 9/1948م للاحتفال بمرور 20 عاماً على إنشاء الجماعة-: "وليست حركة الإخوان المسلمون موجهة ضد عقيدة من العقائد، أو دين من الأديان أو طائفة من الطوائف، إذ أن الشعور الذي يهيمن على نفوس القائمين بها أن القواعد الأساسية للرسالات جميعاً قد أصبحت مهددة الآن بالإلحادية، والإباحية وعلى الرجال المؤمنين بهذه الأديان أن يتكاتفوا ويوجهوا جهودهم إلى إنقاذ الإنسانية من هذين الخطرين الزاحفين" (3).--------------------------------------------
(1) ((وجود الله)) (ص 6).
(2) محمود عبدالحليم: ((الإخوان المسلمين أحداث صنعت التاريخ)) (1/ 409 - 410) / الإسكندرية/ 1406هـ.
(3) عباس السيسي: ((في قافلة الإخوان المسلمين)) (1/ 262 - 263) / الإسكندرية/ ط2/ 1407هـ.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 227)

من تأمل هذا الكلام أدرك أن القرضاوي هنا يعي ما يقول، وأن كلامه جار على تعليمات تلقاها من مثل هذه التصريحات الغريبة التي تنافي مبدأ الولاء والبراء في الإسلام. وكيف يقال: إن ذم اليهود في القرآن محصور في الحيثية الاقتصادية والقانونية مع قوله تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلَاّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لَاّ إِلَهَ إِلَاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة: 30 - 31].والحق الذي لا ريب فيه أن المعتزلة – وإن رحلت بأعلامها ومشاهيرها – فقد بقي الاعتزال بكل معانيه وصوره، بقي الاعتزال تحت فرق تسمت بأسماء أخرى، وبقي بمناهجه وأصوله تحت أشخاص ينتسبون إلى السنة بألسنتهم، يقول محمد أبو زهرة – وهو يقر بوجود المعتزلة منشوراً بين المفكرين-: "نعم إن المسألة محصت ودرست بعد ذلك من الأخلاف، ورأى كثيرون من مفكري الإسلام رأي المعتزلة، ولكن لم يكن ذلك نتيجة للاضطهاد، بل كان نتيجة لمناظرات العلماء، وما نشره المعتزلة من رسائل، ولو ترك الأمر على رسله من غير اضطهاد لانتشرت فكرة المعتزلة أكثر مما انتشرت، وما لوث تاريخهم بذلك الاضطهاد" (1) هنا نلاحظ أنا أبا زهرة يرى أن اللوثة الوحيدة التي لحقت بفكر المعتزلة وحدت من انتشاره هي طريقتهم في نشر أفكارهم بالقوة، وأنه لولا ذلك الأسلوب لانتشر أكثر، ومعنى الانتشار أكثر أن يكتسح هذا الفكر جميع أقطار العالم الإسلامي، وإلا فقد انتشر فكرهم انتشاراً فاحشاً، ولنسمع ما يقوله جمال الدين القاسمي في هذا الموضوع: "هذه الفرقة من أعظم الفرق رجالاً، وأكثرها تابعاً، فإن شيعة العراق على الإطلاق معتزلة، وكذلك شيعة الأقطار الهندية، والشامية، والبلاد الفارسية، ومثلهم الزيدية في اليمن؛ فإنهم على مذهب المعتزلة في الأصول – كما قاله العلامة المقبلي في (العلم الشامخ) (2) – وهؤلاء يعدون في المسلمين بالملايين، وبهذا يعلم أن الجهمية المعتزلة ليسوا في قلة فضلاً عن أن يظن أنهم انقرضوا، وأن لا فائدة في المناظرة معهم، وقائل ذلك جاهل بعلم تقويم البلدان، ومذاهب أهلها" (3).
هذا ما يتعلق بانتشارهم ضمن الفرق البدعية الأخرى كالزيدية والرافضة، وغيرهم، وأما الجانب الآخر والخطير فهو انتشار فكرهم داخل المعسكر السني بواسطة أقوام مفتونين بالمنهج العقلاني، ولنأخذ مثاليين من هذا الصنف علماً بأنهم كثيرون في عصرنا حتى قامت معاهد فكرية تتبنى منهج عقلانية المعتزلة في التعامل مع النصوص الشرعية.
الأول: الشيخ محمد الغزالي الذي يعتمد على المنهج العقلاني في أكثر كتبه، ويظهر ذلك أكثر في كتابه الموسوم بـ (السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث).--------------------------------------------
(1) ((تاريخ المذاهب الإسلامية)) (1/ 159).
(2) انظر ((العلم الشامخ)) (ص 12 - 13) / بيروت/ دار الحديث ط2/ 1405هـ.
(3) ((تاريخ الجهمية والمعتزلة)) (ص 56).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 228)

واعتزاليات الغزالي تبدو لقارئ كتابه المذكور من ركوبه صهوة العقل رد كثير من النصوص الثابتة، ومن موقفه من نصوص القدر حيث يؤولها إلى الاختيار المطلق كما يقول المعتزلة، وإليك نتفاً من ذلك الكتاب:- يقول الغزالي: "والقول بأن كتاباً سبق بذلك (يعني بمصير الإنسان) وأنه لا حيلة لنا بإزاء ما كتب أزلاً هذا كله تضليل وإفك" (1).وقال: "ومن ثم فإننا نتناول بحذر شديد ما جاء في حديث مسلم: ((فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار … الخ)) (2). إذا كان الحديث المذكور تنويهاً بشمول العلم الإلهي، وأن بدايات بعض الناس قد تكون مخالفة لنهاياتهم فلا بأس من قبوله بعد الشرح المزيل للبس المبطل للجبر، أما المعنى القريب للحديث فمردود يقيناً" (3).والمثير هنا مطابقة نظر الغزالي مع نظر النظام في رد هذا الحديث حيث نسب رواية ابن مسعود رضي الله عنه إلى الكذب، وعد مدلوله من الجبر، فرد عليه العلامة ابن قتيبة رداً بليغاً (4).قال الدكتور ربيع بن هادي: "أي أنه إن انقاد له الحديث ذليلا إلى مذهب المعتزلة البعيد فلا بأس به، تفضلا من الغزالي وتكرماً على الحديث المسكين، وإن أبى واستعصى عليه فلا يفهم منه إلا ما فهم أهل السنة والجماعة فمردود يقيناً" (5).وعلى هذا السبيل المعوج سار الغزالي في هذا الباب، فيصف أحاديث القدر بأنها "لا تخدم إلا مبدأ الجبر" ويقول عن هذه الأحاديث: "إن متونها توقفنا أمامها واجمين لنبحث عن تأويل لها أو مخرج" ثم في آخر كتابه يطلق مدفع النصر، ويصفق لنفسه قائلاً: "وقد استطعت بشيء من التكلف أن أصرف شبهة الجبر عن آثار شتى" (6).--------------------------------------------
(1) انظر ((تأويل مختلف الحديث)) (ص 21 - 22).
(2) رواه البخاري (3208) ، ومسلم (2643) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(3) ((السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث)) (ص 145) / بيروت/ دار الشروق/ 1409هـ.
(4) انظر في ((تأويل مختلف الحديث)) (ص 21 - 22).
(5) ((كشف موقف الغزالي من السنة وأهلها)) (ص 195) / المدينة/ مكتبة ابن القيم/ 1410هـ.
(6) ((كشف موقف الغزالي من السنة وأهلها)) (ص 157، 158، 160) على التوالي.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 229)

المقصود: أن فكر هذا الرجل امتداد لفكر المعتزلة من حيث تقديم العقل على كل شيء ممثلاً في موقفه من نصوص القدر وغيرها، فليكن قارئ كتبه – وخصوصاً كتابه (السنة النبوية) – على حذر من السقوط على أم رأسه؛ فإنها مليئة بالبلاوي والطامات، والله المستعان. الثاني: علي مصطفى الغرابي في كتابه (تاريخ الفرق الإسلامية) والغرابي – حسب ما هو مكتوب على طرة كتابه – أستاذ في كلية الشريعة بمكة المكرمة، والكتاب لا يعبر عنوانه عما في داخله؛ لأنه في الحقيقة كتاب في فضائل المعتزلة، ومزايا الاعتزال، ونصيب الفرق الأربع الأخرى المذكورة فيه ضئيل جداً (1).ومن قرأ هذا الكتاب بتأمل لا يأخذه أدنى شك بأن الرجل من المعتزلة – وليس مجرد متعاطف معهم – لما يحتويه من الثناء على المعتزلة والمبالغة في ذلك، ووصم غيرهم بالألقاب، وتبني أصولهم بكل صراحة، وإليك نتفاً من ذلك حتى تقف على الحقيقة بنفسك:- حسن ظنه بالمنهج العقلاني وسوء ظنه بالنصوص الشرعية وقدرتها على بيان الحق وتجليته: يقول الغرابي – تحت عنوان "الحكم على واصل"-: إنه يكفي في حكمنا على واصل أنه رئيس هذه الفرقة العظيمة "فرقة المعتزلة" صاحبة الأبحاث الكلامية، والتي تركت للمسلمين تراثاً فلسفياً له قيمته، والتي فتحت أمام العقيدة الإسلامية طريق البحث المنطقي، مما جعل أصحاب الديانات الأخرى يقفون عن هجوم هذه العقيدة الجديدة، والذين كانوا يريدون أن يثأروا لأنفسهم منها بطريق الجدل الكلامي، فلما رأى منهم المعتزلة هذا الأمر مرنوا على أساليبهم وأتقنوها، وحاربوهم بمثل سلاحهم، ولو وقف الأمر عند الاحتجاج بالقرآن والحديث لما انقطعت غارات المخالفين عن هذا الدين، لأنهم لا يؤمنون بهما" (2).
قلت: هذه خدعة طالما أثارها العقلانيون، فكأن القرآن الكريم حين نزل كان يخاطب أناساً مؤمنين ولم يخاطب الكفار والدهريين الذين لا يؤمنون بشيء وراء الحس، ويقنع أحبار اليهود حتى أسلم الكثير منهم، إن الهجمات والغزوات الفكرية والشبهات العقدية التي شنها أعداء الإسلام لم تبدأ مع ظهور المعتزلة، بل بدأت مع ظهور الإسلام، وقد دحضها القرآن كلها ولم تكن هناك فلسفة، ولا منطق كلامي، فالقرآن كما أنه خطاب للقلوب والعواطف والأرواح كذلك خطاب للعقول السليمة، وشفاء للمريضة؛ لأن منزله سبحانه هو الخبير بجميع ما كان وما يكون من الأدواء، ولكن الذي يعرف ذلك ويستفيد منه هو المؤمن الحسن الظن بالقرآن، قال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلَاّ خَسَارًا [الإسراء: 82] ومن لم يهتد بهدي القرآن والسنة فلا هداية له فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ [الجاثية: 6] لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر: 21].
كم حكت لنا كتب السنن والتاريخ والسير عن أحوال قوم من الجبابرة الطغاة دخل الإيمان بشاشة قلوبهم بسماع آيات من القرآن الكريم وهذه كتب السير والتواريخ بين أظهرنا لا تخبرنا عن فيلسوف عقلاني واحد أسلم بسبب جدل المعتزلة ومناظراتهم.--------------------------------------------
(1) حيث تناول الجهمية في (18) صفحة، والخوارج في 20 صفحة، والشيعة في 11 صفحة والمشبهة في 13 صفحة، والمعتزلة في 223 صفة غالبها إشادة وتمجيد.
(2) ((تاريخ الفرق الإسلامية)) (ص 101).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 230)

تبرمه من عداوة أهل السنة لعمرو بن عبيد: بعد أن ذكر العديد من المناقب والمزايا التي زعمها لعمرو تحت عنوان "صفاته" عقد الغرابي عنواناً نصه: "عداوة أهل السنة له"ومما قال فيه: "إنه رغم هذه الصفات التي ذكرناها والتي هي بعض صفات عمرو فإننا نجد أهل السنة قد أكثروا من ذم عمرو، وناصبوه العداء، وكانوا يحضون الناس على مقاطعته" (1) لما وصف عمراً بقوله: "كان يميل إلى التحرر من كل شيء … يحب التحرر من النصوص إذا وجد منفذاً ينفذ منه إلى العقل، لا يتورع عن أن يخطئ صحابياً، أو ينتقد آخر ويرد روايته، وهذا مما جعله هدفاً لنقد المحدثين وتحاملهم عليه" (2) هل هذا هو التحامل علماً بأن معناه: "الجور وعدم العدل" (3).واصل بن عطاء عنده إنسان كامل: قال: "وعلى كل حال إذا فتشنا في جميع نواحي الرجل وجدناه قد بلغ فيها ذروة الكمال" (4) هكذا في جميع النواحي! ومما يؤكد ذلك كله وصفه أهل السنة بالإرجاء، فقال عن مرتكب الكبيرة: "والمرجئة تسميه مؤمناً فاسقاً" وقال أيضاً: "وقالت المرجئة: هو مع فسقه وفجوره مؤمن" (5) ويؤكده قوله – بعد أن ساق أقوال المعتزلة مسانداً لها-:"هذا بعض ما أجمعت عليه المعتزلة ذكرنا بعضه لبعض علمائهم، وذكرنا طرفاً منه لعالم أشعري لنبين الفرق بين ما يكتبه معتزلي عن معتزلي، وأشعري عن معتزلي حتى نأخذ أقوال هؤلاء المؤرخين للفرق بحرص واحتياط، وحتى لا نقع فيما وقعوا فيه، ونخدع بما خدعوا به" (6).
وهذا الذي قاله تلبيس، أما أولاً: فإنه لم يذكر فيما ساقه غير الدفاع العاطفي المجرد عن الاستدلال، وأما ثانياً: فليس اعتماد أهل السنة في نقدهم المعتزلة على ما ينقله المؤرخون، بل ردوا عليهم وهم حاضرون، وردوا عليهم من خلال كتبهم، ومقالاتهم التي نشروها؛ لأنها موجودة، فليس هناك خادع ولا مخدوع إلا من انتصر للبدعة، ودافع عن الباطل، وهل يبقى بعد هذا كله من يشكك في وجود المعتزلة بكل أصولها بين أظهرنا، أو أن الحق قد انبلج، وطلعت شمسه لذي عينين؟

‌‌المصدر:جناية التأويل الفاسد على العقيدة الإسلامية لمحمد أحمد لوح - ص 237
يحاول بعض الكتاب والمفكرين في الوقت الحاضر إحياء فكر المعتزلة من جديد بعد أن عفى عليه الزمن أو كاد .. فألبسوه ثوباً جديداً، وأطلقوا عليه أسماء جديدة مثل العقلانية أو التنوير أو التجديد أو التحرر الفكري أو التطور أو المعاصرة أو التيار الديني المستنير أو اليسار الإسلامي.
- وقد قوّى هذه النزعة التأثر بالفكر الغربي العقلاني المادي، وحاولوا تفسير النصوص الشرعية وفق العقل الإنساني .. فلجأوا إلى التأويل كما لجأت المعتزلة من قبل ثم أخذوا يتلمسون في مصادر الفكر الإسلامي ما يدعم تصورهم، فوجدوا في المعتزلة بغيتهم فأنكروا المعجزات المادية .. وما تفسير الشيخ محمد عبده لإهلاك أصحاب الفيل بوباء الحصبة أو الجدري الذي حملته الطير الأبابيل .. إلا من هذا القبيل.
- وأهم مبدأ معتزلي سار عليه المتأثرون بالفكر المعتزلي الجدد هو ذاك الذي يزعم أن العقل هو الطريق الوحيد للوصول إلى الحقيقة، حتى لو كانت هذه الحقيقة غيبية شرعية، أي أنهم أخضعوا كل عقيدة وكل فكر للعقل البشري القاصر.--------------------------------------------
(1) الغرابي: ((تاريخ الفرق الإسلامية)) (ص 108).
(2) ((تاريخ الفرق الإسلامية)) (ص 119 - 120).
(3) ((المعجم الوسيط)) (1/ 199).
(4) ((تاريخ الفرق الإسلامية)) (ص 103).
(5) ((تاريخ الفرق الإسلامية)) (ص 86، 89).
(6) ((تاريخ الفرق الإسلامية)) (ص72).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 231)

- وأخطر ما في هذا الفكر الاعتزالي .. محاولة تغيير الأحكام الشرعية التي ورد فيها النص اليقيني من الكتاب والسنة .. مثل عقوبة المرتد، وفرضية الجهاد، والحدود، وغير ذلك .. فضلاً عن موضوع الحجاب وتعدد الزوجات، والطلاق والإرث .. إلخ .. وطلب أصحاب هذا الفكر إعادة النظر في ذلك كله .. وتحكيم العقل في هذه المواضيع. ومن الواضح أن هذا العقل الذي يريدون تحكيمه هو عقل متأثر بما يقوله الفكر الغربي حول هذه القضايا في الوقت الحاضر. - ومن دعاة الفكر الاعتزالي الحديث سعد زغلول الذي نادى بنزع الحجاب عن المرأة المصرية وقاسم أمين مؤلف كتاب (تحرير المرأة) و (المرأة الجديدة)، ولطفي السيد الذي أطلقوا عليه: " أستاذ الجيل " وطه حسين الذي أسموه "عميد الأدب العربي " وهؤلاء كلهم أفضوا إلى ما قدموا. هذا في البلاد العربية.
أما في القارة الهندية فظهر السير أحمد خان، الذي منح لقب سير من قبل الاستعمار البريطاني. وهو يرى أن القرآن الكريم لا السنة النبوية هو أساس التشريع وأحلّ الربا البسيط في المعاملات التجارية. ورفض عقوبة الرجم والحرابة، ونفى شرعية الجهاد لنشر الدين، وهذا الأخير قال به لإرضاء الإنجليز لأنهم عانوا كثيراً من جهاد المسلمين الهنود لهم. - وجاء تلميذه سيد أمير علي الذي أحلّ زواج المسلمة بالكتابي وأحل الاختلاط بين الرجل والمرأة. - ومن هؤلاء أيضاً مفكرون علمانيون، لم يعرف عنهم الالتزام بالإسلام .. مثل زكي نجيب محمود صاحب (الوضعية المنطقية) وهي من الفلسفة الوضعية الحديثة التي تنكر كل أمر غيبي .. فهو يزعم أن الاعتزال جزء من التراث ويجب أن نحييه، وعلى أبناء العصر أن يقفوا موقف المعتزلة من المشكلات القائمة انظر كتاب (تجديد الفكر العربي) ص 123. - ومن هؤلاء أحمد أمين صاحب المؤلفات التاريخية والأدبية مثل (فجر الإسلام) و (ضحى الإسلام) و (ظهر الإسلام)، فهو يتباكى على موت المعتزلة في التاريخ القديم وكأن من مصلحة الإسلام بقاؤهم، ويقول في كتابه: (ضحى الإسلام): " في رأيي أن من أكبر مصائب المسلمين موت المعتزلة " (ج3 ص207).
- ومن المعاصرين الأحياء الذين يسيرون في ركب الدعوة الإسلامية من ينادي بالمنهج العقلي الاعتزالي في تطوير العقيدة والشريعة مثل الدكتور محمد فتحي عثمان في كتابه (الفكر الإسلامي والتطور) .. والدكتور حسن الترابي في دعوته إلى تجديد أصول الفقه حيث يقول: " إن إقامة أحكام الإسلام في عصرنا تحتاج إلى اجتهاد عقلي كبير، وللعقل سبيل إلى ذلك لا يسع عاقل إنكاره، والاجتهاد الذي نحتاج إليه ليس اجتهاداً في الفروع وحدها وإنما هو اجتهاد في الأصول أيضاً " انظر كتاب (المعتزلة بين القديم والحديث) ص 138.
- وهناك كتاب كثيرون معاصرون، ومفكرون إسلاميون يسيرون على المنهج نفسه ويدعون إلى أن يكون للعقل دور كبير في الاجتهاد وتطويره، وتقييم الأحكام الشرعية، وحتى الحوادث التاريخية .. ومن هؤلاء فهمي هويدي ومحمد عمارة ـ صاحب النصيب الأكبر في إحياء تراث المعتزلة والدفاع عنه ـ وخالد محمد خالد ومحمد سليم العوا، وغيرهم. ولا شك بأهمية الاجتهاد وتحكيم العقل في التعامل مع الشريعة الإسلامية ولكن ينبغي أن يكون ذلك في إطار نصوصها الثابتة وبدوافع ذاتية وليس نتيجة ضغوط أجنبية وتأثيرات خارجية لا تقف عند حد، وإذا انجرف المسلمون في هذا الاتجاه ـ اتجاه ترويض الإسلام بمستجدات الحياة والتأثير الأجنبي بدلاً من ترويض كل ذلك لمنهج الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ـ فستصبح النتيجة أن لا يبقى من الإسلام إلا اسمه ولا من الشريعة إلا رسمها ويحصل للإسلام ما حصل للرسالات السابقة التي حرفت بسبب إتباع الأهواء والآراء حتى أصبحت لا تمت إلى أصولها بأي صلة.

‌‌المصدر:الموسوعة الميسرة

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 232)

‌‌المبحث الثاني: نشأة المدرسة العقلية الحديثة
لم يكن في نهاية دولة الاعتزال نهاية للتقدم العلمي في العالم الإسلامي بل أن العلم لم يزل في توسعه ونموه فشمل الطب والحكمة والكيمياء والرياضيات والعمارة وغير ذلك فازدهرت العلوم وأينعت.
وبينما كان العالم الإسلامي في أوج حضارته العلمية كان العالم النصراني في أوروبا يتخبط في ظلمات الجهل فقد سيطرت الكنيسة فيه على العقول وحظرت على أتباعها ممارسة كثير من العلوم فسيطرت على العلماء واحتكرت العلم واحتفظت لنفسها بحق تفسير ظواهر الحياة ولم تكن تتردد في الإعدام والحرق والتعذيب تحت آلات أعدت له في محاكم التفتيش لكل من يجرؤ على مخالفتها من علماء الطبيعة والكيمياء والفلك وغير ذلك حتى لا يضيع سلطانها وهيبتها من النفوس. كان هذا حال الشرق وحال الغرب لكن الأمر لم يدم على هذا فقد أثار البابا جريجوري السابع الحرب الصليبية الأولى وعندما تحرك الصليبيون لم تكن هناك جبهة إسلامية موحدة في الشرق الذي كان يعاني عندئذ التفكك والانقسام فواصلوا زحفهم حتى القدس واستولوا عليها سنة 492هـ - 1099م (1) ثم لم تزل الحروب الصليبية على العالم الإسلامي تتتالى وكان من نتيجة هذه الحملات الصليبية أن نقلت الحضارة الإسلامية إلى بلادهم فاستولى الأوروبيون على الكتب العلمية في شتى العلوم والمعارف واقبلوا عليها دراسة وتجربة وتنمية ووقفت الكنيسة موقفها فأحرقت كثيراً من العلماء وأعدمت الكثير لكن هذا لم يمنع العلماء من الظهور بمظهر الاستشهاد في الدفاع عن مبادئهم وآرائهم حتى الموت مما أتاح الفرصة لدعاة التحرر الفكري من سلطان الكنيسة فهدموا الكنيسة وهدموا الدين معها وانتهى ذلك الصراع الطويل بانتصار دعاة التحرر والحد من سلطان الكنيسة وحصره فانكمش نفوذ البابا ولم يعد يجاوز طقوس التعميد والصلاة والزواج والجنائز وبذلك تحقق فصل الدين عن الدولة (2).في تلك الفترة كان العلم في حالة انكماش في الشرق وتمدد ونمو في الغرب وأستمر الأمر على هذا الحال. أضف إلى ذلك ما عاناه العالم الإسلامي من حروب أنهكته وحطمته بعد الحروب الصليبية نذكر منها هجمات المغول وسقوط الدولة العباسية على أيديهم وقتلهم الكثير من العلماء ورميهم للكتب العلمية في نهر دجلة حتى صار ماؤه أزرق ثلاثة أيام (3) كما يذكر المؤرخون أدت هذه الأمور وغيرها إلى ضعف العالم الإسلامي وانتقال الحضارة العلمية إلى أوروبا التي وجهت طاقتها وعنايتها إلى الاهتمام بالعلوم ونشرها.--------------------------------------------
(1) ((التاريخ الإسلامي)) إبراهيم الشريقي (ص 223).
(2) ((الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر)) محمد محمد حسين (1/ 254 – 255).
(3) ((مجلة التمدن الإسلامي)) السنة 15 الجزءان (15 و 16) رجب 1368هـ ((ثروتنا العلمية وفهارسها)): أحمد مظهر العظمة (ص 347).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 233)

ثم مر العالم الإسلامي بعد هذه الحروب التي أنهكته – بفترة أخلد فيها إلى الدعة وآثر السكون والخمول فلم تفت الفرصة على الأعداء فتداعوا عليه كما تتداعى الأكلة على قصعتها فأكلوا منه وشربوا حتى ٍأصبح جسماً بلا روح أو كاد بل أصبح غثاء كغثاء السيل. وأمست البلاد الإسلامية تحت سيطرة الدول الأوربية التي استغلت خيراتها ونعمت بثرواتها واستيقظ العالم الإسلامي على أزيز الطائرات ودوي المدافع وضجيج المصانع فانبهر بتلك الحضارة وبادر إلى السؤال عن أسبابها ولم يفت على الاستعمار إعداد الجواب لمثل هذا السؤال فقد أقصى أصحاب الثقافة الدينية عن ميادين الإصلاح وحصر وظائفه في المساجد التي قل روادها عموما وأصبحت الوظائف الحكومية وأدوات التوجيه الاجتماعي في أيدي أصحاب الثقافة الأوروبية (1) الذين نشأوا في أحضان الاستعمار وتشبعوا بثقافته فسيطروا على أجهزة التعليم في كثير من البلاد الإسلامية فضلا عن جهود الاستعمار الدائبة لنشر التغريب واللادينية بكل الوسائل الممكنة وأوهموا الناس أن حالة العالم الإسلامي تشبه حالة أوروبا في العصور الوسطى ولن ينهض إلا بما نهضت به أوروبا من فصل السلطة الدينية عن السلطة المدنية وبذلك يتحقق له ما تحقق للأوروبيين.
وهال الأمر علماء المسلمين وذهبوا للرد على تلك الأفكار مذاهب شتى. وحاولت فئة منهم التوفيق بين الدين والعلم وبينت للناس أن الدين الإسلامي الحق لا يحارب العلم ولا ينافي العقل وأنه دين العقل والحرية والفكر. وذهبت تبين للناس ذلك المنهج وتقيم الدين الإسلامي على العقل – الذي لا يقر أرباب الثقافة الغربية غيره حكما – وبينت أن ليس في الإسلام ما لا يقره العقل وحاولت أن تفسر القرآن الكريم على هذا المنهج وهذا الأساس وكان لهذه المدرسة العقلية رجال كان لهم نشاط واسع في نشر هذه الثقافة ومكافحة الاستعمار ومقاومة الهجوم على الدين وإلقاء التبعة عليه في التخلف الحضاري.
وكان من رجال هذه المدرسة المؤسسين لها جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده وتلاميذه محمد مصطفى المراغي ومحمد رشيد رضا وغير هؤلاء كثير.
وسميت نهضتهم هذه بالنهضة الإصلاحية وكان لهذه المدرسة آراء كثيرة تخالف رأي السلف وشطحات ما كانوا ليقعوا فيها لولا مبالغتهم الشديدة في تحكيم العقل في كل أمور الدين حتى جاوزوا الحق والصواب وشكك بعض رجال الفكر الإسلامي الحديث في نزاهة المؤسسين لهذه المدرسة أعني جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده مستدلين على ذلك ببعض علاقاتهم وما ورد في كتاباتهم.

‌‌المصدر:منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير لفهد الرومي - ص 66
يمكن للباحث من خلال كتابات عديد من الكتاب، في بضع العقود الماضية، أن يتلمس آثار مدرسة فكرية مميزة ينتمي إليها فكر هؤلاء الكتاب وآراؤهم، يستدل عليها بوحدة الآراء، وتقارب المفاهيم، وتميز بتشابه الموضوعات، وتلاقي المقاصد والغايات. هذه المدرسة – التي وإن لم تتخذ صبغة رسمية – تفجأ القارئ المسلم بتلك الدعاوى والآراء، التي هي امتداد لما عرف بالمدرسة الإصلاحية وزعماؤها: السير أحمد خان الهندي وجمال الدين الأسد آبادي، ومن بعده الشيخ محمد عبده، في نهاية القرن الماضي، وهي كذلك إحياء للمنهج الاعتزالي في تناول الشريعة، وتحكيم العقل فيما لا يحتكم فيه إليه.--------------------------------------------
(1) ((الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر)) (1/ 255).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 234)

ويمكن تحديد ما تجتمع عليه آراء تلك المدرسة في كلمة واحدة هي "التطوير" أو العصرانية كما تترجم عن الإنجليزية " Modernism" وما تعنيه من تناول أصول الشريعة وفروعها بالتعديل والتغيير، تبعا للمناهج العقلية التي اصطنعها الغرب حديثا، أو ما تمليه عقليات أرباب ذلك المذهب، التي تتلمذت لتلك المناهج. . ولا يسلم من هذا التطوير أمر من أمور الشريعة كأصول الفقه والحديث أو التفسير أو مسائل الفقه كالحجاب والطلاق أو تعدد الزوجات، والحدود أو الطامة التي عرفت بالتقارب بين الأديان.
على رأس تلك المدرسة السير أحمد خان الهندي، الذي منح لقب "سير" من قبل السلطات البريطانية تكريما له، والذي يرى أن القرآن الكريم هو المصدر الوحيد الذي يجب أن نستقي منه أحكام الشريعة، والأحاديث لا يعتد بها في هذا الشأن لتأخر تدوينها، ولأن أكثريتها أحاديث آحاد لا تفيد يقينا، كما يحل الربا البسيط في التجارة والمعاملات، ويرفض عقوبة الرجم والحرابة، وينفي شرعية الجهاد لنشر الدين. ويحل سيد أمير علي – تلميذ أحمد خان – زواج المسلمة من كتابي، والاختلاط بين الرجل والمرأة. كذلك يرى محمد أسد أن الله سبحانه لا يوصف إلا بالصفات السلبية (الإيمان ليس كذا وليس كذا. .) تماما كما قالت المعتزلة (1)، وينحو منحى محمد عبده في إنكار المعجزات المادية، كتفسير إهلاك أصحاب الفيل بوباء الحصبة أو الجدري الذي حملته الطير الأبابيل!.
ومن المعاصرين الأحياء، ينادي د. محمد فتحي عثمان بتطوير العقيدة والشريعة معا في كتابه عن الفكر الإسلامي والتطور، ويزيد الدكتور حسن الترابي خطوة فيدعو إلى تجديد أصول الفقه حيث يقول: "إن إقامة أحكام الإسلام في عصرنا تحتاج إلى اجتهاد عقلي كبير وللعقل سبيل إلى ذلك لا يسع عاقل إنكاره، والاجتهاد الذي نحتاج إليه ليس اجتهادا في الفروع وحدها، وإنما هو اجتهاد في الأصول أيضا" (2)، ويشكك محمد سعاد جلال في إمكانية وجود النبي صلى الله عليه وسلم قاطع في الشريعة ثبوتا ودلالة، حتى القرآن الكريم، الذي وإن كان ثابتا من جهة النقل، إلا أن الظن يتطرق إليه من قبل الدلالة. .ويدعو عبد اللطيف غزالي إلى دثر التراث كله حيث يقول: "أما علوم سلف المسلمين فهي شيء متخلف غاية التخلف بالنسبة لما لدينا، ولا أقول لما لدى الأوربيين من علوم. . " (3).
وفي مجال الفقه يعبر د. فتحي عثمان عن حجاب المرأة ومسألة عدم الاختلاط بقوله: "فإذا التقى الرجل والمرأة في ظروف طبيعية هادئة محكمة، فلن يغدو هذا اللقاء قارعة شديدة الوقع .. سيألف الرجل رؤية المرأة ومحادثة المرأة ومعاملة المرأة، في إطار من الدين والخلق تحدد معالمه تربية الأسرة وعرف المجتمع ورعاية الدولة، وستألف المرأة بدورها الرجل فيهدأ السعار المضطرم ولا يكون هناك مجال للانحراف والشذوذ، وتتجمع لدى الطرفين خبرات وحصانات وتجارب".
سبحان الله العظيم! وكأن تجربة الأوربيين في الاختلاط لقرون عديدة أنتجت الخبرات والحصانات، وكفلت الإحصان للمرأة والرجل! إن هذا إلى جانب كونه افتياتا على الشريعة الحنيفة، فهو جهل بالفطرة الإنسانية التي يعلم حقيقتها خالقها سبحانه. ويعلن عبد اللطيف غزالي "نحن اليوم لا نجد حرجا في التفكير في تقييد حق الرجل في الأربع وتقييد حقه في الطلاق" (4).--------------------------------------------
(1) ((عن مفهوم تجديد الدين)) بسطامي محمد سعيد (151).
(2) عن بحث ((الدعوة إلى التجديد)) عصام أحمد البشير
(3) عن بحث ((الدعوة إلى التجديد)) عصام أحمد البشير
(4) ((بحث الدعوة إلى التجديد)) (60).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 235)