هذه عبارات ولا شك خطيرة ولكن ما هو أخطر وأشد ضلالا ما ورد في خطاب آخر منه إلى السيد الأفغاني بتاريخ 8 شعبان سنة 1300هـ وإني لأدعو القارئ أن يمعن النظر في كل حرف أنقله من الرسالة: "أما الآن قد حبسني الجناب العالي نتيجة لأعماله فإني أصدع بأفكاري قواعد الملكوت وأزعزع بهمتي أركان سطوة الجبروت وأدعو إلى الحق دعوة الحكيم … "ثم يقول" بلغنا قبل وصول كتابكم الكريم ما نشر في "الدبا" من دفاعكم عن الدين الإسلامي "يا لها من مدافعة" ردا على مسيو رينان فظنناها من المداعبات الدينية تحل عند المؤمنين محل القبول فحثنا بعض الدينيين على ترجمتها لكن حمدنا الله تعالى إذ لم يتيسر له وجود إعداد "الدبا" حتى ورد كتابكم وأطلعنا على العددين ترجمهما لنا حضرة الفاضل حسن أفندي بيهم فصرفنا ذهن صاحبنا الأول عن ترجمتها وتوسلنا في ذلك بأن وعدناه أن الأصل العربي سيحضر فإن حضر نشر ولا لزوم للترجمة فاندفع المكروه والحمد لله".
ثم قال في عبارة أشد انحرافاً وأدعى إلى تقييم عقيدته "نحن الآن على سنتك القويمة لا تقطع رأس الدين إلا بسيف الدين ولهذا لو رأيتنا لرأيت زهاداً عباداً ركعا سجداً لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.
عجباً!! نحن الآن على سنتك القويمة: لا تقطع رأس الدين إلا بسيف الدين – ولهذا لو رأيتنا لرأيت زهاداً عباداً .. ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل؟!
هل هي دعوة باطنية يخفيها الرجلان ويسعيان تحت ستارة الدين و "بسيف الدين" لقطع "رأس الدين"؟! وقيامهم بالصلاة أمام الناس هل هو سعي إلى القبض على سيف الدين؟! ثم تركها للصلاة بعض الأحيان هل هو تنفيس "لضيق العيش" وعودتهم إليها حينا لأجل "فسحة الأمل".
عاتب الشيخ يوسف النبهاني السيد رشيد رضا على صحبته لمحمد عبده وتسميته له بالأستاذ الإمام مع تركه للحج ولفروض الصلاة ولاشتراكه في الماسونية فقال نظماً:
وذاكرته في شيخه وهو عبده … تملكه للشيطان عن قومه قسرا
فقلت له لو كابن سينا زعمتم … وعالم فاراب وأرفعهم قدرا
لقلنا لكم حقا وإن كان باطلاً … ولم نر من هذا على ديننا ضرا
ولكنكم مع تركه الحج مرة … وحج لباريز ولندره عشرا
ومع تركه فرض الصلاة ولم يكن … يسر بذا بل كان يتركها جهرا
ومع كونه شيخ المسون مجاهراً … بذلك، لا يخفى أخوتهم سرا
ومع غي هذا من ضلالاته التي … بها سار مثل السهم للجهة الأخرى
تقولون أستاذ إمام لديننا … فما أكذب الدعوى وما أقبح الأمرا
ونحن نراه عندنا شر فاسق … فيقتل فسقاً بالشريعة أو كفراً (1)--------------------------------------------
(1) ((الرائية الصغرى في ذم البدعة ومدح السنة الغراء)) ضمن كتاب ((العقود اللؤلؤية في المدائح النبوية)) وكلاهما للشيخ يوسف النبهاني (ص 383).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 276)
أما عن الشيخ الأفغاني فيقول الشيخ يوسف النبهاني "أنه اجتمع به سنة 1297هـ في مصر حين كان مجاوراً بالأزهر ولازمه من قبل الغروب على قرب العشاء فلم يصل المغرب" (1).ومن أقوال الشيخ محمد عبده التي نؤاخذه عليها وصفه للأزهر بالإسطبل والمارستان والمخروب (2) وقوله لتلميذه رشيد "أن من تطول مدة طلبه للعلم في الأزهر وأمثاله فإنه يفقد الاستعداد للعلم" (3).نشر محمد أحمد خلف الله كتابه (الفن القصصي في القرآن الكريم) زعم فيه أن ورود الخبر في القرآن لا يقتضي وقوعه وأنه يذكر أشياء وهي لم تقع ويخشى القرآن (!!) من مقارنة أخباره بحقائق التاريخ وقال "إنا لا نتحرج من القول بأن القرآن أساطير" (4). وعندما رفضت جامعة فؤاد هذه الرسالة دافع عنها أمين الخولي المشرف على الرسالة قائلاً "إنها ترفض اليوم ما كان يقرره الشيخ محمد عبده بين جدران الأزهر منذ اثنين وأربعين عاماً" (5).
ونشر قاسم أمين كتابه (تحرير المرأة) وفيه دعوة إلى نبذ الحجاب وإطراحه وإلى خروج المرأة إلى العمل في كل المجالات ودراسة كل العلوم وزعموا أن هذا تحرير المرأة وهو في الحقيقة تخريب للمرأة وتحرير لها من الكرامة التي صانها لها الإسلام. وقصة الكتاب تبدأ حينما نشر أحد الكتاب الفرنسيين مقالا هاجم فيه حجاب المرأة المصرية فكتب قاسم أمين دفاعاً عن الحجاب أغضب اللورد كرومر الذي جاء إلى مصر كما قال ليمحو ثلاثاً القرآن والكعبة والأزهر (6) فأمر بوضع كتاب (تحرير المرأة) وقيل أن الذي أمر بوضعه الأميرة نازلي حفيدة إبراهيم باشا لأنها غضبت من دفاع قاسم أمين عن الحجاب "والذين نسبوا الأمر إلى اللورد كرومر والذين نسبوه إلى "نازلي" يتفقون أن الأمر قد صدر إلى الشيخ محمد عبده، وأنه قد قام بدور كبير في تأليف الكتاب .. بل يرى بعضهم أنه هو الذي ألفه، ثم وضع على غلافه اسم قاسم أمين تجنباً للحرج والعاصفة التي كانت ستهب عليه مباشرة إذا ما وضع اسمه عليه، وهو الشيخ الأزهري ذو المناصب الدينية الكبرى، ومنها منصب مفتي الديار المصرية" (7).ولذلك فلا عجب أن يقول الأستاذ محمد عمارة الذي جمع مؤلفات ومقالات محمد عبده في كتاب (الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده) في ستة مجلدات بعد تحقيق دقيق لنسبتها إلى محمد عبده لا عجب أن يقول "والرأي الذي أؤمن به والذي نبع من الدراسة لهذه القضية هو أن هذا الكتاب إنما جاء ثمرة لعمل مشترك بين كل من الشيخ محمد عبده وقاسم أمين .. وأن في هذا الكتاب عدة فصول قد كتبها الأستاذ الإمام وحده، وعدة فصول أخرى كتبها قاسم أمين ثم صاغ الأستاذ الإمام الكتاب صياغته النهائية، بحيث جاء أسلوبه على نمط واحد هو أقرب إلى أسلوب محمد عبده منه إلى أسلوب قاسم أمين" (8) ثم ذكر بعد هذا مجموعة كبيرة من الأدلة على ذلك قدم بين يديها عددا من القرائن.--------------------------------------------
(1) ((الرائية الصغرى في ذم البدعة ومدح السنة الغراء)) ضمن ((كتاب العقود اللؤلؤية في المدائح النبوية)) وكلاهما للشيخ يوسف النبهاني (ص 372).
(2) ((تاريخ الأستاذ الإمام)) (1/ 495).
(3) ((تاريخ الأستاذ الإمام)) (1/ 181).
(4) ((الفن القصصي في القرآن الكريم)) محمد أحمد خلف الله (ص 180).
(5) ((الفن القصصي في القرآن الكريم)) محمد أحمد خلف الله: تقديم أمين الخولي ص ح.
(6) ((الخنجر المسموم الذي طعن به المسلمون)) أنور الجندي (ص 29).
(7) ((الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده)) جمع وتحقيق محمد عمارة (1/ 247 - 248).
(8) ((الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده)) جمع وتحقيق محمد عمارة (1/ 252).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 277)
منها موقف الأستاذ الإمام من الكتاب بعد صدوره فلقد أيده ودافع عنه بطريقة غير مباشرة وامتنع عن التعليق عليه أو المشاركة بشكل مباشر في المعارك التي دارت من حوله وبالذات عندما أراد خصومه إحراجه وطلبوا منه أن يفتي – منصبه الرسمي – في الموضوع. أما دفاعه غير المباشر فيتمثل في وقوع الشيخ رشيد رضا ومجلة (المنار) إلى جانب الكتاب فلقد تناولت (المنار) الكتاب بالمدح والتقريظ في أكثر من مرة واعتبرته مع (رسالة التوحيد) للأستاذ الإمام و (سر تقدم الإنجليز السكسونيين) الذي ترجمه فتحي زغلول أهم الأعمال الفكرية في ذلك العصر "المناصر 1 يوليو 1899م" كما تناولته بالثناء في عددي 15 يوليو 26 أغسطس من العام نفسه" (1).ووصف السيد رشيد رضا قاسم أمين بأنه العالم البارع في علوم الأخلاق والاجتماع (2).
وحينما أراد خصوم الشيخ إحراجه طبعوا سؤالاً موجهاً إليه هو: "هل رفع الحجاب عن المرأة وإطلاقها في سبيل حريتها بالطريقة التي يريدها صاحب كتاب (المرأة الجديدة) يسمح به الشرع الشريف أم لا؟ "ووزعوا هذا السؤال على الجمهور في صورة كتاب مفتوح إلى المفتي محمد عبده. عندما فعلوا هذا لزم الشيخ محمد عبده الصمت ودافعت (المنار) عن هذا الصمت قائله:
1 - إن الاستفتاء جاء على خلاف المعهود بأن وزع على الجمهور.
2 - أن الجواب عليه يستلزم قراءة الكتاب في حين أن المفتي مثقل بالأعمال (!!).
3 - أن من اطلع على الفتوى يحتاج إلى أن يقرأ الكتاب أولاً فإذا كان ضاراً تكون الفتوى سبباً في إذاعة الضرر (!!).4 - أن فتوى الإمام ستكون على المذهب الحنفي الذي عينته الحكومة ليفتي على أساسه في حين أن بعض المذاهب قد أباحت كشف المرأة لوجهها ويديها (3).أما الفصول التي أثبت الأستاذ محمد عمارة أنها للشيخ محمد عبده فهي "الحجاب الشرعي" و" الزواج" و"تعدد الزوجات" و"الطلاق" ثم قال عنها "إنما هي فكر خالص وصياغة خالصة للأستاذ الإمام" (4) وأقول أن هذه الفصول هي أهم ما في الكتاب. ومن هنا ندرك أن الشيخ محمد عبده يقف خلف هذه الدعوة ولذلك نرى الشيخ مصطفى صبري يكتب تحت عنوان (الأستاذ الإمام وكتاب الله في كفي الميزان) فيقول:- "وإني أرى الرسالة المستنكرة – يعني (رسالة الفن القصصي في القرآن الكريم) – وما سبقها في مصر من الأحداث والفتن المماثلة الماسة بدين الإسلام وعقائده والمحفوظة إلى عصر الشيخ محمد عبده كلها ناشئة عن الأسس التي ابتدعها هذا الشيخ الملقب بالأستاذ الإمام … فلا مناص إذن للقضاء على تيار الفتنة من مصدرها من أن تفصل الدعوى مع الإمام دون المؤتمين" (5).
المصدر:المدرسة العقلية الحديثة في التفسير لفهد الرومي - ص 124
ومن رواد هذه المدرسة وتلاميذ الشيخ محمد عبده:
- محمد رشيد رضا الذي بدأ يتحول تدريجيا من منهج المدرسة العقلية إلى منهج السلف ولعل بداية التحول، أعقبت وفاة أستاذه محمد عبده، فقد صار يهتم بطبع كتب السلف في مطبعة المنار، مثل كتب ابن تيمية وابن القيم وابن عبد الوهاب ونحوهم.
- ومن أعلام هذه المدرسة، الشيخ محمد مصطفى المراغي، شيخ الجامع الأزهر، وكان من أكبر تلاميذ الإمام محمد عبده.
- ومنهم: الشيخ محمود شلتوت، وأحمد المراغي، وعبد العزيز جاويش، ومحمد فريد وجدي وغيرهم. هذا وإن اجتهادات الشيخ وكبار تلاميذه، مما خالفوا فيه الجمهور مع فتح باب الاجتهاد العصراني، أدت إلى ظهور طبقة من تلامذة الشيخ، كان لها انحرافات حادة في مجال الأسرة: مثل قاسم أمين في كتابه (المرأة الجديدة) و (تحرير المرأة). وعلي عبد الرزاق في السياسة الشرعية، إذ دعا إلى فصل الدين عن الدولة على غرار النصارى (6) ، وفي أمور أخرى.
المصدر:العصرانيون بين مزاعم التجديد وميادين التغريب لمحمد حامد الناصر – ص 41--------------------------------------------
(1) ((الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده)) جمع وتحقيق محمد عمارة (1/ 255).
(2) ((تاريخ الأستاذ الإمام)) للسيد محمد رشيد رضا (1/ 1051).
(3) ((مجلة المنار)) المجلد 4 (1/ 33 - 34) في غرة ذي القعدة 1318هـ.
(4) ((الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده)) جمع وتحقيق محمد عمارة (1/ 258).
(5) ((موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين)) مصطفى صبري (1/ 346).
(6) انظر ((مفهوم تجديد الدين)) بسطامي محمد سعيد (ص 143 - 146) و (ص147 - 150).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 278)
المبحث الرابع: أثرها في الفكر الإسلامي الحديث
أ- ففي التفسير للقرآن الكريم:
أخذ بعض من تناول تفسير القرآن الكريم بعض مبادئ هذه المدرسة وسار على نهجها في تفسيره سواء التزم الحدود التي حددوها أم تجاوزها إلى ما هو أبعد وأعمق، فلقد كان تفسير القرآن الكريم تفسيراً يتلاءم مع كثير من المكتشفات العلمية الحديثة محل عناية واهتمام كبيرين يتلاءم مع كثير من المكتشفات العلمية الحديثة محل عناية واهتمام كبيرين من قبل رجال المدرسة العقلية وكان من أسس منهجهم في التفسير كما بينا هناك، وفصلنا. ولقد أخذ من بعدهم الشيخ الطنطاوي جوهري وهو من المتأثرين كثيراً بمحمد عبده ومن تلاميذه أخذ بهذا المنهج في التفسير وتوسع فيه وأطال وذهب يملأ تفسيره بكل ما توصل إليه العلم من مكتشفات حتى قال عنه بعضهم ما قيل في تفسير الرازي "فيه كل شيء إلا التفسير" وقال الشيخ محمد حسين الذهبي "بل هو أحق من تفسير الفخر بهذا الوصف وأولى به" (1).
وأنت إذا نظرت إلى تفسيره وجدته يحمل الآيات مالا تحتمله ويدخل في تفسيرها من المكتشفات العلمية ما لم تشر إليه ويبرر هذا بأعذار واهية لا تقوم له بها حجة. يقول في تفسير قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً … [البقرة: 67] الآيات "وأما علم تحضير الأرواح فإنه من هذه الآية استخراجه، أن هذه الآية تتلى والمسلمون يؤمنون بها حتى ظهر علم تحضير الأرواح بأمريكا أولاً ثم بسائر أوروبا ثانياً" (2) وقال "ولما كانت السورة التي نحن بصددها قد جاء فيها حياة العزير بعد موته وكذلك حماره، ومسألة الطير وإبراهيم الخليل، ومسألة الذين خرجوا من ديارهم فراراً من الطاعون فماتوا ثم أحياهم وعلم الله إننا نعجز عن ذلك جعل قبل ذكر تلك الثلاثة في السورة ما يرمر إلى استحضار الأرواح في مسألة البقرة كأنه يقول: إذا قرأتم ما جاء عن بني إسرائيل في إحياء الموتى في هذه السورة عند أواخرها فلا تيٍأسوا من ذلك فإني قد بدأت بذكر استحضار الأرواح فاستحضروها بطرقها المعروفة فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [الأنبياء: 7] ولكن ليكن المحضر ذا قلب نقي خالص على قدم الأنبياء والمرسلين كالعزير، وإبراهيم وموسى، فهؤلاء لخلوص قلوبهم وعلو نفوسهم أريتهم بالمعاينة ليطمئنوا وأنا أمرت نبيكم أن يقتدي بهم فقلت فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: 90] (3).وفي تفسير قوله تعالى يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النور 24] ونحوها من الآيات يقول " … أوليس الاستدلال بآثار الأقدام وآثار أصابع الأيدي في أيامنا الحاضرة هو نفس الذي صرح به القرآن" (4).--------------------------------------------
(1) ((التفسير والمفسرون)) محمد حسين الذهبي (3/ 183).
(2) ((الجواهر في تفسير القرآن الكريم)) طنطاوي جوهري (1/ 84).
(3) ((الجواهر في تفسير القرآن الكريم)) طنطاوي جوهري (1/ 89).
(4) ((الجوهرة)) طنطاوي جوهري (3/ 99).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 279)
لا شك أن هذا التفسير وأمثاله من أخطر التفاسير للقرآن الكريم بل هو تلاعب بالآيات وصرف لها عن حقائقها الثابتة على معان لا تثبت إلا بقدر ما تثبت مكتشفات علمية تهتز يمنة ويسرة بين الثبات والسقوط – هذا في الآيات التي قد يفهم منها ما أورده في تفسيرها فما بالك بما يورده من تفسير لا تحتمله الآي من بعيد ولا من قريب. نحن ندرك أن هدفه من سلوك هذا المنهج هو نفس هدف رجال المدرسة العقلية في سلوكه حيث يقول الأستاذ الأكبر محمد المراغي عن أحدهم في تفسيره العلمي "وحمدت له هذه النزعة العلمية التي لو تحلى بها كل مبرز في فرع من فروع العلم لاجتمع لدينا ذخر عظيم من هذه التطبيقات الثمينة تستفيد منه النابتة الحديثة زيادة معرفة بإعجاز القرآن وإيقان بأن الله ما فرط في كتابه من شيء" (1).
نحن ندرك أن هذا من أهدافه ولكن هذا لا يخلوله حق تأويل الآيات على هذا النحو وإلى هذا الحد الذي تجاوز فيه حد الأمان والسلامة. ولكن الذي تأثر بمنهج المدرسة العقلية الحديثة أكثر من هذا هو صاحب تفسير (الهداية والعرفان في تفسير القرآن بالقرآن) وهو الشيخ أبو زيد الدمنهوري وقد أحدث هذا الكتاب ضجة كبرى في المحيط العلمي وثورة ساخطة من شيوخ الأزهر على مؤلفه وانتهى الأمر بمصادرة الكتاب والحكم على صاحبه بالزيغ والضلال (2).
ولعله من المناسب هنا أن نشير إلى أهم ما ذهب إليه في تفسيره وأنت تدرك بعد هذا أثر المدرسة العقلية عليه:-
إنكاره لمعجزات الأنبياء عليهم السلام: حيث يقول "وأن آيتهم على صدق دعوتهم لا تخرج عن حسن سيرتهم وصلاح رسالتهم، وإنهم لا يأتون بغير المعقول ولا بما يبدل سنته ونظامه في كونه" (3).
معجزات عيسى عليه السلام: يقول كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ يفيدك التمثيل لإخراج الناس من ثقل الجهل وظلماته إلى خفة العلم ونوره" (4).
معجزات موسى عليه السلام: في تفسير قوله تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا [الأعراف: 160] يقول "ويصح أن يكون الحجر اسم مكان واضرب بعصاك الحجر معناه: إطرقه، واذهب إليه، والغرض أن الله هداه إلى محل الماء وعيونه" (5).وفي تفسير قوله تعالى فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ [الأعراف: 107 - 108] يقول "مثال من قوة حجته وظهور برهانه" (6).
معجزة إبراهيم عليه السلام: في قوله قوله تعالى: قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء: 69] يقول "معناه نجاه من الوقوع فيها" (7).
الإسراء: ويفسر الإسراء بالرسول صلى الله عليه وسلم أن المراد به هجرته من مكة وهي المسجد الحرام إلى المدينة وهي "المسجد الأقصى" (8).--------------------------------------------
(1) ((الإسلام والطب الحديث)) عبدالعزيز إسماعيل تقديم محمد مصطفى المراغي (ص 5 - 6).
(2) ((الاتجاهات المنحرفة في تفسير القرآن الكريم)) محمد حسين الذهبي (ص 94).
(3) ((التفسير والمفسرون)) الذهبي (3/ 201) عن ((الهداية والعرفان)) (ص 306).
(4) ((التفسير والمفسرون)) (3/ 201) عن ((الهداية والعرفان)) (ص 45).
(5) ((التفسير والمفسرون)) (3/ 203) عن ((الهداية والعرفان)) (ص131).
(6) ((التفسير والمفسرون)) (3/ 203) ((الهداية والعرفان)) (ص 126).
(7) ((التفسير والمفسرون)) (3/ 204) عن ((الهداية والعرفان)) (ص 256).
(8) ((التفسير والمفسرون)) (3/ 206) عن ((الهداية والعرفان)) (ص 256).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 280)
تفسيره للملائكة والجن والشياطين: ويقول عن الملائكة "الملائكة رسل النظام وعالم السنن وسجودهم للإنسان معناه أن الكون مسخر له" (1) أما إبليس فهو "اسم لكل مستكبر على الحق ويتبعه لفظ الشيطان والجان وهو النوع المستعصي على الإنسان تسخيره" (2).
الحدود: وما دام باب الاجتهاد مفتوحاً وميسوراً ومادامت الشروط التي وضعها الفقهاء لبلوغ رتبة الاجتهاد افتياتاً على الله ونسخاً لكتابه كما قال أصحاب المدرسة العقلية (3) فلا عجب أن يبادر أبو زيد الدمنهوري وغيره ممن استجاب لدعوتهم فيبدأ في "تطوير" الأحكام الشرعية وذهب فيها "مجتهداً" مذهباً عجيباً.
حد السرقة: ففي تفسير قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا [المائدة: 38] يقول "واعلم أن لفظ السارق والسارقة يعطي معنى التعود أي أن السرقة صفة من صفاتهم الملازمة لهم ويظهر لك من هذا المعنى أن من سرق مرة أو مرتين ولا يستمر في السرقة ولم يتعود اللصوصية لا يعاقب بقطع يده لأن قطعها فيه تعجيز له ولا يكون ذلك إلا بعد اليأس من علاجه" (4).وإلى هذا ذهب من بعده المستشار مصطفى كمال المهدوي وأيد رأيه مصطفى محمود وزعم أن فيه التزاماً واحتراماً وأن فهمه جدير بالاستماع والتأمل والبحث؟! (5) وكذا الزاني والزانية عندهم يشترط أن يكونا معروفين بالزنا وكان من عادتهما وخلقهما فهما بذلك يستحقان "الجلد" (6).
تعدد الزوجات: ولا يبيح تعدد الزوجات إلا إذا كن يتامى في حجره، وأمن من نفسه عدم الجور (7) وهو ما ذهب إليه من بعده أيضاً المهدوي ومصطفى محمود (8)، ولم يقل أحد بالشرط الأول مطلقاً ومن يطلع على سبب النزول يعلم خطأ من يشترط هذا الشرط في التعدد (9).
الربا: ويجعل الربا المحرم شرعاً هو الربا الفاحش فقط (10).
هذا بعض ما ذهب إليه هذا المفسر في تفسيره، وما قصدنا من الاستطراد في ذكر أمثلة من تفسيره إلا لتتضح لنا صلته بالمدرسة العقلية وتأثره بما ذهبت إليه من آراء في معجزات الأنبياء عليهم السلام كافة، ومن اجتهاد في غير محله ومن غير أهله في الشريعة الإسلامية، وإنا لنعجب كيف قامت الصيحات والاحتجاجات على المؤلف حتى صودر الكتاب وحكم عليه بالزيغ والضلال وهو إنما يردد ما جاءت به المدرسة العقلية الحديثة إلا ما ندر وفي الوقت نفسه يلاقي تفسير أصحاب المدرسة الترحيب والقبول؟!--------------------------------------------
(1) ((التفسير والمفسرون)) (3/ 207) عن ((الهداية والعرفان)) (ص 7).
(2) ((التفسير والمفسرون)) (3/ 207) عن ((الهداية والعرفان)) (ص 7).
(3) انظر ((الأساس العاشر من منهج المدرسة العقلية الحديثة)) وانظر ((تفسير المنار)) (1/ 114).
(4) ((التفسير والمفسرون)) (36/ 208) عن ((الهداية والعرفان)) (ص 88).
(5) ((مجلة صباح الخير)) (العدد 1093) في 16 ديسمبر 1976م مقال ((قطع اليد في القرآن)) مصطفى محمود.
(6) ((التفسير والمفسرون)) (3/ 208) عن ((الهداية والعرفان)) (ص 274).
(7) ((التفسير والمفسرون)) (3/ 209) عن ((الهداية والعرفان)) (ص 61).
(8) ((مجلة صباح الخير)) (العدد 1093) في 16 ديسمبر 1976م مقال ((قطع اليد في القرآن)) مصطفى محمود.
(9) ((التفسير والمفسرون)) (2/ 209).
(10) ((التفسير والمفسرون)) (3/ 210).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 281)
ب- في القصة القرآنية: في سنة 1926م أصدر طه حسين كتابة (في الشعر الجاهلي) وقد جاء في ص26 منه: "للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا أيضاً ولكن ورود هذين الإسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي" (1) ويقول في نفس الصفحة " .. فضلاً عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل ابن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب والمستعربة فيها، ونحن مضطرون إلى أن ترى في هذه القصة نوعاً من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة وبين الإسلام واليهودية من جهة أخرى، والقرآن والتوراة من جهة أخرى … " (2).وفي عام 1947م قدم الطالب محمد أحمد خلف الله من كلية الآداب بجامعة فؤاد رسالة للحصول على الدكتوراه بعنوان (الفن القصصي في القرآن الكريم) قرر فيها أن ورود الخبر في القرآن الكريم لا يقتضي وقوعه، وأنه يذكر أشياء وهي لم تقع ويخشى على القرآن (!!) من مقارنة أخباره بحقائق التاريخ "إن التاريخ ليس من مقاصد القرآن وإن التمسك به خطر أي خطر على النبي عليه السلام وعلى القرآن بل هو جدير بأن يدفع الناس إلى الكفر بالقرآن كما كفروا من قبل بالتوراة" (3) ويقول "إن المعاني التاريخية ليست مما بلغ على أنه دين يتبع وليست من مقاصد القرآن في شيء … إن قصد القرآن من هذه المعاني إنما هو العظة والعبرة … ومعنى هذا .. إن قيمتها التاريخية ليست مما حماه القرآن الكريم ما دام لم يقصده" (4).ويستند (5) فيما قال على ما جاء في (المنار) "ولكون التاريخ غير مقصود له لأن مسائله من حيث هي تاريخ ليست من مهمات الدين من حيث هو دين وإنما ينظر الدين من التاريخ إلى وجه العبرة دون غيره" (6) ويستدل بقول (المنار) "هذا وإن أخبار التاريخ ليست مما بلغ على أنه دين يتبع" (7) وبقوله "بينا مراراً أن أحداث التاريخ وضبط وقائعه وأزمنتها وأمكنتها ليس من مقاصد القرآن وأن ما فيه من قصص الرسل مع أقوامهم فإنما هو بيان لسنة الله فيهم وما تتضمنه من أصول الدين والإصلاح" (8).--------------------------------------------
(1) ((ذيل الملل والنحل)) محمد سيد الكيلاني (ص 48) عن ((في الشعر الجاهلي)) طه حسين.
(2) ((ذيل الملل والنحل)) محمد سيد الكيلاني (ص 84) عن ((في الشعر الجاهلي)) طه حسين.
(3) ((الفن القصصي في القرآن الكريم)) محمد أحمد خلف الله (ص 42).
(4) ((الفن القصصي في القرآن الكريم)) محمد أحمد خلف الله (ص 44).
(5) ((الفن القصصي في القرآن الكريم)) محمد أحمد خلف الله (ص 42).
(6) ((تفسير المنار)) محمد رشيد رضا (1/ 279).
(7) ((تفسير المنار)) محمد رشيد رضا (4/ 7).
(8) ((تفسير المنار)) محمد رشيد رضا (12/ 101).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 282)
واستدل أيضاً بغير ذلك من نصوص (المنار)، ومن هنا ندرك عمق الصلة بين هذا الموقف من قصص القرآن وموقف المدرسة العقلية الممثلة في تفسير (المنار) من قصص القرآن الكريم. ثم يصل الدكتور خلف الله إلى نتيجة ما قرره من الفصل بين القصة القرآنية والحقيقة التاريخية فيصف القرآن بما وصفه به المشركون من أنه "أساطير" ويستدل على هذا بأن القرآن عرض مرة واحدة للرد على المشركين "في قيلهم بأنه أساطير وهي المرة التي ترد في سورة الفرقان وهذه هي الآيات وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا [الفرقان: 5 - 6] فهل هذا الرد ينفي ورود الأساطير في القرآن؟ أو هو إنما ينفي أن تكون هذه الأساطير من عند محمد يكتبها وتملى عليه ويثبت أنها من عند الله، قل أنزله الذي يعلم السر .. إلخ" (1). ثم قال "وإذا كان القرآن لا ينفي ورود الأساطير فيه وإنما ينفي أن تكون هذه الأساطير هي الدليل على أنه من عند محمد عليه السلام وليس من عند الله إذا كان هذا ثابتاً فإنا لا نتحرج من القول بأن القرآن أساطير لأنا في ذلك لا نقول قولاً يعارض نصاً من نصوص القرآن" (2).ونذكر مثلاً من تطبيقه هذه النتيجة التي توصل إليها على قصص القرآن قوله:- "وإذا ما قال المستشرقون أن بعض القصص القرآني كقصة أصحاب الكهف أو قصة موسى في سورة الكهف قد بنيت على بعض الأساطير قلنا ليس في ذلك في القرآن من بأس فإنما هذه السبيل سبيل الآداب العالمية والأديان الكبرى ويكفينا فخراً إن كتابنا الكريم قد سن السنن وقعد القواعد وسبق غيره في هذه الميادين" (3).وزعم أيضاً أنه لن يجد من "يعارض في وجود القصة التمثيلية في القرآن الكريم وأنها وليدة الخيال وأن الخيال إنما يسود هذا النوع من القصص لحاجة البشر إليه وجريهم في بلاغتهم عليه والله سبحانه وتعالى إنما يحدثهم من هذا بما يعتادون" (4).ويستدل (5) لإثبات هذه النتيجة التي توصل إليها بما جاء في المنار عن أحدى قصص القرآن "ويحتمل أن تكون القصة من قبيل التمثيل والله أعلم" (6) ويستدل (7) أيضاً بقول الشيخ محمد عبده "وأما تفسير الآيات على طريقة الخلف في التمثيل فيقال فيه أن القرآن كثيراً ما يصور المعاني بالتعبير عنها بصيغة السؤال والجواب أو بأسلوب الحكاية لما في ذلك من البيان والتأثير فهو يدعو بها الأذهان إلى ما وراءها من المعاني كقوله تعالى يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ [ق: 30] فليس المراد أن الله تعالى يستفهم منها وهي تجاوبه وإنما هو تمثيل لسعتها وكونها لا تضيق بالمجرمين مهما كثروا ونحو قوله عز وجل بعد ذكر الاستواء إلى خلق السماء فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت: 11] والمعنى في التمثيل ظاهر" (8).--------------------------------------------
(1) ((الفن القصصي في القرآن الكريم)) محمد أحمد خلف الله (ص 178 - 180).
(2) ((الفن القصصي في القرآن الكريم)) محمد أحمد خلف الله (ص 178 - 180).
(3) ((الفن القصصي في القرآن الكريم)) محمد أحمد خلف الله (ص 182).
(4) ((الفن القصصي في القرآن الكريم)) محمد أحمد خلف الله (ص170).
(5) ((الفن القصصي في القرآن الكريم)) محمد أحمد خلف الله (ص 164).
(6) ((تفسير المنار)) محمد رشيد رضا (3/ 52).
(7) ((الفن القصصي في القرآن الكريم)) محمد أحمد خلف الله (ص 168 - 169).
(8) ((تفسير المنار)) محمد رشيد رضا (1/ 280 - 281).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 283)
ومن هنا – أيضاً – ندرك عمق الصلة بين الفكرتين فكرة خلف الله وفكرة الشيخ عبده وتلاميذه في قصص القرآن الكريم ولهذا حرص أمين الخولي المشرف على الرسالة المنحرفة على التصريح بأن جامعة فؤاد التي رفضت الرسالة المنحرفة هذه "ترفض اليوم ما كان يقرره الشيخ محمد عبده بين جدران الأزهر منذ اثنين وأربعين عاما" (1).
ولا شك بعد هذا أن هذا الزعم في قصص القرآن الكريم بأنها مخالفة لحقائق التاريخ وأن المراد بها التمثيل لا الحقيقة التاريخية لا شك أنه أثر من آثار مدرسة المنار، كيف لا وهو إنما يستشهد بأقوال أستاذهم وإمامهم.
وسواء أكان الأستاذ الإمام يقصد ما قصده خلف الله أم لم يقصده فإن الصلة بين القولين ولا شك بينة وواضحة.
بقي أن نقول أن هذه الرسالة أيضاً لقيت ردود فعل قوية واحتجاجات الرفض حتى رفضتها الجامعة، وفي الوقت نفسه كان الترحيب والقبول لما جاء به محمد عبده وتلاميذه؟!
ج- في السنة النبوية:
منذ صدع رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أمر، وأعرض عن المشركين، ومنذ أنذر عشيرته الأقربين وخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين وقال أنا النذير المبين، منذ ذلك الحين وأعداؤه وأعداء الدين ما فتئوا يكيدون للإسلام وأهله ويحاربونه بكل وسيلة وكل سبيل.
زعموا أن القرآن أساطير، وزعموا أن محمداً ساحر وشاعر وكاهن، وزعموا أنه صلى الله عليه وسلم "كذاب أشر" وزعموا أنه عبقري لا نبي، وزعموا أن الإسلام مجموعة أفكار إصلاحية بشرية لا دين إلهي.
منذ ذلك الحين والدين الإسلامي في دوامة المعركة بين الحق والباطل بين حفظ الله ومكر الكافرين، ويبتلي الله المؤمنين بين حين وآخر في ذلك الصراع بين ضعف المسلمين وقوتهم.
وكانت المؤامرات العدائية للإسلام تلبس لكل حالة لباسها فتسلك سبيل السلاح حين تضعف قوة المسلمين، وتتخذ التخريب والتدمير والقتل شأنها من غير تفكير في إصلاح اعوجاج أو تعديل انحراف.
وإذا ما عجزت سبيل الحرب عن تحقيق أهدافها لبست لذلك لباساً آخر لباس الحرب الفكرية، وهم يجمعون بين السبيلين في أحيان كثيرة فيشككون في القرآن وفي محمد وفي السنة وفي الإسلام كله ويبثون أفكارهم تلك بين نابتة المسلمين وغيرهم.
وتنشأ هذه النابتة على رفض الإسلام أو رفض شيء من تعاليمه وأفكاره ومبادئه، لا تلبث أن تشتعل فيهم اشتعال النار في الهشيم فيكونون على الإسلام عبثاً أكبر من عبثهم ويحسب الجاهلون أن لا علاقة لأعداء الدين بهذا التشكيك والحرب من المنتسبين إليه ومن داخل حصونه.
ويزيد قوم الأمر سوءاً حين يقولون ما يتمسك به المنحرفون، ويشد عضدهم ويفتح لهم سبلاً كانوا عنها غافلين.
قالوا أن قصص القرآن تمثيل وتخييل وجاء من يقول أنها أساطير مخالفة للواقع، وقالوا أن الوحي عرفان يجده الشخص في نفسه … إلخ فجاء من يقول أن محمداً عبقري وأن القائلين بنبوته يكسبون بالاعتراف بعبقريته كسباً عظيماً، قالوا إن حديث أبي هريرة الذي قال فيه كذا وكذا لا يبعد أن يكون قد رواه عن كعب الأحبار أو وهب بن منبه فجاء من يسب أبا هريرة رضي الله عنه، ويشتمه ويرفض أحاديثه كلها صحيحها وضعيفها، قالوا إن السنة ليست ديناً إلا من حيث أنها مبينة للقرآن فجاء من ينكر السنة كلها ويرفضها.
لم يكن بين الفريقين كبير فارق في الزمن أو الفكرة بل كانوا من المعاصرين لهم وكانوا من الناشرين لأفكارهم الإلحادية المروجين لها بل والمشاركين في صياغتها.
ينشر الأستاذ محمد حسين هيكل كتابه (حياة محمد) ينكر فيه معجزاته صلى الله عليه وسلم ويقدم للكتاب الشيخ محمد مصطفى المراغي ويقرظه السيد رشيد رضا؟!--------------------------------------------
(1) ((الفن القصصي في القرآن الكرم)) محمد أحمد خلف الله (ص ح).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 284)
ويكتب محمد عبده كتاباً يذيله باسم قاسم أمين وينشره بين الناس ويدعو فيه إلى ما أسماه (تحرير المرأة)؟! ويشيد بهذا الكتاب رشيد رضا ويقرظه في كل سانحة في (مجلة المنار).
وينكر الدكتور توفيق صدقي حجية السنة ويعلن عنوان مقاله (الإسلام هو القرآن وحده) وينشر له الأستاذ محمد رشيد هذا المقال في عددين من مجلته (المنار) السابع والثاني عشر من السنة التاسعة.
ويزعم في مقاله أن القرآن قد حوى كل شيء من أمور الدين، وكل حكم من أحكامه وأنه بينه وفصله بحيث لا يحتاج إلى شيء آخر كالسنة وإلا كان الكتاب مفرطاً فيه ولما كان تبياناً لكل شيء.
ويلحد في تفسير قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: 9] فيزعم أنه تكفل بحفظ القرآن وحده دون السنة ولو كانت دليلاً وحجة كالقرآن لتكفل بحفظهما؟! وجاء من بعده أحمد أمين صاحب كتب (فجر الإسلام (، و (ضحاه)، و (ظهره) تحدث في فجر الإسلام عن الحديث النبوي فمزج السم بالدسم وخلط الحق بالباطل كما يقول المرحوم مصطفى السباعي (1).
زعم أن هناك أمور كثيرة تضعف من حجية السنة منها أن الحديث لم يدون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وزعم أنه نشأ عن هذا كثرة الوضع والكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم ساعد على ذلك كثرة دخول الشعوب في الإسلام، وزعم أن علماء الحديث إنما اعتنوا بالسند ولم يعتنوا بنقد المتن عشر عنايتهم بالسند ثم شكك في حديث أبي هريرة رضي الله عنه وفي حفظه؟! وأنت قد لا تجد في كلامه نصاً صريحاً واضحاً في إنكار حجية السنة فهو أدهى من أن يظهر هذا بل يرشد من يريد إنكار حجية السنة إلى السبيل لذلك فيقول الدكتور حسن عبدالقادر "أن الأزهر لا يقبل الآراء العلمية الحرة، فخير طريقة لبث ما تراه مناسباً من أقوال المستشرقين ألا تنسبها إليهم صراحة ولكن ادفعها إلى الأزهريين على أنها بحث منك وألبسها ثوباً رقيقاً لا يزعجهم مسها، كما فعلت أنا في (فجر الإسلام)، و (ضحى الإسلام) هذا ما قاله الدكتور علي حسن نفسه للمرحوم مصطفى السباعي (2).وقد نشر إسماعيل أدهم رسالة سنة 1353هـ زعم فيها أن الأحاديث التي تضمنتها كتب الصحاح ليست ثابتة الأصول والدعائم بل هي مشكوك فيها ويغلب عليها صفة الوضع، وثارت حول هذه الرسالة ضجة انتهت بمصادرتها ودافع أدهم عن نفسه بأن ما قاله قد وافقه عليه كبار أدباء وعلماء ذكر منهم أحمد أمين، ولم يكذب أحمد أمين ما قال هذا بل كتب ما يفيد تأمله مما حصل لصاحبه واعتبار ذلك محاربة لحرية الرأي، وحجر عثرة في سبيل البحوث العلمية (3).
وفي عام 1377هـ الموافق 1957م ظهر كتاب جديد وأعني بالجديد فيه ذلكم الأسلوب الذي نهجه صاحبه وما رأيت مثله؟! رجل يحمل معول هدم السنة ينكر أحاديثها ويلقى أفظع السباب والشتائم على ناقلها الأول أبي هريرة رضي الله عنه ثم يزعم بعد هذا أنه يدافع عن الحديث؟!
أما المؤلف فمحمود أبو رية، وأما الكتاب فـ (أضواء على السنة المحمدية) أو (دفاع عن الحديث)؟--------------------------------------------
(1) ((السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي)) مصطفى السباعي (ص 236).
(2) ((السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي)) مصطفى السباعي (ص 238).
(3) ((السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي)) مصطفى السباعي (ص 238).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 285)
ومن التوافق العجيب أن الذي قدم لهذا الكتاب الذي أنكر حجية السنة هو الذي أنكر صدق قصص القرآن وأنكر حجيته فيما يخبر به – كما مر بنا – وأعني به طه حسين. أنكر محمود أبو رية حجية السنة وإذا ما قال له قائل كيف تنكر حجية السنة وأنت تستدل على ما ذهبت إليه بأحاديث منها؟ أجاب "أن الأحاديث التي أوردها في سياق كلامي للاستدلال بها على ما أريد في كتابي إنما أسوقها لكي نقنع من لا يقنع إلا بها على اعتبار أنها عنده من المسلمات التي يصدقها ولا يماري فيها "ويشبه أسلوبه هذا باحتجاج" المسلم على النصراني بما في الإنجيل وهو في نفسه غير مؤمن بما يحتج به أو عكس ذلك (1)؟! ثم يأتي بعد هذا بقواعده التي أراد بها أن يأتي "بجديد" يفوق به قواعد علماء الحديث السابقين؟! ويعدل به ما اعوج به من قواعدهم؟ قال بعد كلامه السابق "أعلم أن ذلك ليس عاماً في كل ما أورده من أحاديث في كتابي فإن منها ما يبدو عليه علائم الصحة كأن يكون بياناً للقرآن الكريم أو متفقاً مع العقل السليم، أو جاء على مقتضى الأصول التي قام عليها الدين وإليها قامت الدعوة ولأجلها منحت النبوة، أو أتنور خلال معانيه شعاعاً من نور النبوة، ولو كان خافتاً ضئيلاً – وهذا أمر أحسه بوجداني فما كان من مثل ذلك مما يطمئن به القلب ويسلم به العقل فأنا آخذ به وأرويه وأنا مطمئن، واعتبره من بيان الرسول للكتاب العزيز وإن كنت على ثقة بعد ذلك كله من أنه أحاديث آحاد وأنه ظني الدلالة بحيث لا يبلغ منزلة القطع الذي يفيد اليقين وأن روايته جاءت "بالمعنى" لا بأصل اللفظ الصحيح الذي نطق به النبي صلى الله عليه وسلم" (2).--------------------------------------------
(1) ((أضواء على السنة المحمدية)) محمود أبو رية (ص 33).
(2) ((أضواء على السنة المحمدية)) محمود أبو رية (ص 34 - 35).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 286)
بقي أن أقول أن قواعده تلك لا تقوم بها حجة على صحة الحديث فقد يكون في الحديث بيان للقرآن الكريم ولا يلزم من هذا صحة هذا الحديث وقد يتفق الحديث مع العقل السليم وقد يأتي حديث على مقتضى الأصول التي قام عليها الدين وعليها قامت الدعوة ولأجلها منحت النبوة ولا يلزم أن يكون الرسول قد قاله؟ وليس هذا كله بالأمر الذي يحتاج إلى مزيد علم لإدراكه، ولكنه الضياع يعمي الأبصار عن الحقيقة. وحتى ندرك منه ضلال منهجه في نقد الحديث نسوق قوله "ومن الأحاديث ما تقتضي البداهة بصدقه كحديث ((لا تكتبوا عني شيئاً غير القرآن)) (1).؟! ولست أنكر هنا صحة الحديث أو غيرها وإنما أنكر أن تكون "البداهة" مما تقتضي صحته؟! وأي بداهة تنكر أن يبيح الرسول صلى الله عليه وسلم كتاب حديثه؟! وحتى ندرك منه غرضه في وصف هذا الحديث بأن "البداهة" تقتضي صحته نكمل قوله "وهو الحديث الذي بنينا عليه كتابنا هذا" (2) وبه يتضح هدفه؟!.وحتى ندرك أيضاً الصلة التي تربط برجال المدرسة العقلية الحديثة وتأثره بهم فيما ذهب إليه نقول أنه كثيراً ما يسوق نصوصهم ويستشهد بها في التقليل من شأن حجية السنة أو التجريح بصحابي جليل، وحينما عاب عليه طه حسين كثرة نقله عن رشيد رضا أجاب بأنه لم يصنع ذلك "عفواً أو فقراً من الأدلة" (3) وإنما كان يقصد من ذلك أموراً مهمة، "منها أن هذا السيد يعتبر في هذا العصر من كبار أئمة الفقهاء المجتهدين عند أهل السنة الذين يعتد برأيهم … الخ" (4) "وأنه بلا منازع شيخ محدثي أهل السنة في عصرنا بحيث يعلم من أمر الأحاديث التي حملتها الكتب المشهورة لدى الجمهور ويدرك ما اعتراها من فعل الرواة وغير ذلك مما يتصل بكتابي ما لم يعلم مثله سواه" (5) "على أنه فوق ذلك ورث علم الأستاذ الإمام محمد عبده وناهيك به علماً وفضلاً بحيث لا يختلف اثنان من أنه من كبار أئمة الدين المجتهدين فما يقوله السيد رشيد إنما اعتبره كأنه صادر عن أستاذه الإمام وذلك فيما أرى أنه من منهج الأستاذ الإمام وأسلوبه في النظر إلى الدين" (6) وفوق هذا وذاك فهو يكتب عن السيد رشيد بمناسبة مرور خمسة أعوام على وفاته ويسميه "شيخنا" ويردد هذه العبارة" (7).--------------------------------------------
(1) رواه مسلم (3004) ، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بلفظ: (لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه وحدثوا عني ولا حرج … ).
(2) ((أضواء على السنة المحمدية)) محمود أبو رية (ص 34 - 35).
(3) ((أضواء على السنة المحمدية)) محمود أبو رية (ص 34 - 35).
(4) ((أضواء على السنة المحمدية)) محمود أبو رية (ص 34 - 35).
(5) ((أضواء على السنة المحمدية)) محمود أبو رية (ص 34 - 35).
(6) ((أضواء على السنة المحمدية)) محمود أبو رية (ص 35).
(7) ((مجلة الرسالة)) أغسطس 1940م مقال السيد رشيد رضا بقلم محمود أبو رية (ص1355).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 287)
أذن فهو يستند فيما ذهب إليه إلى أقوال أئمة رجال المدرسة العقلية الحديثة الأستاذ محمد عبده وتلميذه السيد رشيد، ويحسب قوله بعد هذا فوق الشبهات!! وكأن خداع العناوين مرض انتقل من أبي ريه في زعمه الدفاع عن الحديث النبوي في عنوان كتابه إلى المدعو (السيد صالح أبو بكر) فنشر كتاباً زعم أنه (الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية وتطهير البخاري منها) زعم فيه أن من أهدافه "تقديم حصيلة الفحص الدقيقة للأحاديث المعارضة للقرآن، والمنافية لما يليق بالله وبرسوله والتي جمعناها من صحيح البخاري باعتباره عمدة المراجع في هذا المجال وعددها مئة وعشرون حديثاً والتعقيب القرآني على كل منها بما يثبت أنها دخيلة على كلام النبي صلى الله عليه وسلم" (1).وعد من أهدافه "القضاء على منازعة الحديث الباطل للقرآن الكريم" (2) ومنها "إدراك العواقب المترتبة على ترك الأحاديث المخالفة للقرآن الكريم دون تجريح وإظهار لعيوبها" (3) و "إثبات أن دين الله هو القرآن بداية ونهاية" (4) وقال أخيراً "كتابنا هذا يستند إلى كتاب الله نصاً ومعنى" (5).
والحق أننا في حاجة ماسة إلى مثل هذه الأهداف والحق أيضاً أن هذا الرجل بعيد كل البعد عن المنهج الذي زعم بل عماد نقله وأسه محمود أبو رية السالف ذكره فهو كثيراً ما ينقل عنه بل نستطيع القول أن الجزء الأول منه خلاصة لكتاب أبي ريه، ثم أراد المؤلف منافسة أبي ريه على مناهله الأولى فنقل أيضاً عن محمد عبده وعن رشيد رضا وغيرهم من مدرسة المنار. بل إن بدء هجومه على أبي هريرة رضي الله عنه يصدره برأي مدرسة المنار فيضع عنوناً "أبو هريرة ورأي علماء الحديث فيه مثلاً في مدرسة المنار" (6).
وقد خصص المؤلف الصفحات من 58 إلى 63 للتشكيك في أبي هريرة رضي الله عنه وفي روايته.
وإن شئت مثالاً من الأحاديث المئة والعشرين التي كذبها المؤلف من صحيح البخاري وأسلوبه في التكذيب، حتى تدرك بعد منهجه عن عنوان الكتاب (الأضواء القرآنية) وعن أهدافه التي زعمها فإليك واحداً منها. ففي حديث ابن عمر رضي الله عنهما ((قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم ذكر الدجال فقال إني لأنذركموه وما من نبي إلا أنذره قومه، لقد أنذر نوح قومه ولكني أقول لكم فيه قولاً لم يقله نبي لقومه: تعلمون أنه أعور، وأن الله ليس بأعور)) رواه البخاري في كتاب الأنبياء باب قول الله عز وجل لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ (7).--------------------------------------------
(1) ((الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية وتطهير البخاري منها)) السيد صالح أبو بكر (ص 3 - 6).
(2) ((الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية وتطهير البخاري منها)) السيد صالح أبو بكر (ص 3 - 6).
(3) ((الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية وتطهير البخاري منها)) السيد صالح أبو بكر (ص 3 - 6).
(4) ((الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية وتطهير البخاري منها)) السيد صالح أبو بكر (ص 3 - 6).
(5) ((الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية وتطهير البخاري منها)) السيد صالح أبو بكر (ص 3 - 6).
(6) ((الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية وتطهير البخاري منها)) السيد صالح أبو بكر (ص 58).
(7) رواه البخاري (3337) ، ومسلم (169) ، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 288)
أتدرون ماذا قال المؤلف بعد أن نقله نقلاً غير ملتزم بألفاظه كما هو شأن علماء الحديث الصالحين أتحسبون الرجل استند إلى ضوء آية قرآنية واحدة في رد الحديث فضلاً عن التزام (الأضواء القرآنية)!! لا لا ليس الأمر كما تحسبون. بل قال "ودلائل الزيف في هذا الحديث وغيره من أحاديث الدجال كلها نقول فيها ما يلي:-
أولاً: إن المسيح الدجال هو كل مبدل وكل ماسخ لجمال الحق … وأن هذا المسيخ ليس رجلاً واحداً فقط ولكنهم كثيرون وهم عور وغير عور يعيشون معنا وأناس منا وكانوا مع من قبلنا وسيكونون مع من بعدنا وفي كل زمان ومكان .. وليسوا مسيخاً واحداً كما يقول الحديث.
ثانياً: إذا كان المسيخ سيظهر في آخر الزمان فقط .. فمن هو المسيخ الدجال الذي كان سبباً في ظهور الفساد والفتن في عهود الخلفاء وزمن التابعين بل زماننا هذا.
ثالثا: إذا كان المسيخ الدجال رجلاً واحداً ولا يأتي إلا في آخر الزمان فمن أي مسيخ كان يتعوذ النبي صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه والتابعين .. ومن أي مسيخ نتعوذ نحن الآن في نهاية كل صلاة كما علمنا النبي صلى الله عليه وسلم؟؟
رابعا: .. بأي عقل نصدق أن يعطيه الله كل هذه الأسباب ثم يأمرنا بمحاربته أو يلوم أتباعه وقد أعطاه من وسائل الإغراء والإقناع للناس ما لا يعطي الأنبياء والمرسلين.
خامسا: في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول أن المسيخ الدجال رجل أعور وإن ربكم ليس بأعور فكيف يعقل أن تجري هذه الألفاظ على النبي صلى الله عليه وسلم وأن تكون ألفاظه قد وصلت إلى هذا النقص في التعبير عن ذات الله وأن يتكلم عن خالقه بتلك الصورة المذرية الركيكة. سادسا: كيف أنذر نوح قومه من المسيخ الدجال كما يقول الحديث مع أن الأحاديث التي وردت فيه تقول كلها أن المسيخ سيأتي في آخر الزمان" (1).
وليس هدفنا هنا أن نرد على شبهة ونبطلها فليس هذا موضعه وإنما أردنا أن نظهر أسلوبه في النقد وأن أدلته تلك ليست أضواءاً قرآنية كما زعم ولم يستند فيها إلى آية قرآنية بل كلها شبه من فكره ومن مفهومه الضال الذي لم يستند إلى كتاب ولا إلى سنة أيضاً.
وليس هذا الأمر في هذا الحديث فحسب بل هو في كل الأحاديث التي أوردها لم يستدل فيها بآية قرآنية إلا آية تعرض عرضاً في حديثه وليس فيها من معارضة الحديث شيء.
إذن فلا عجب إذا ما أكثر النقل عن محمود أبو رية وعض على أقواله بنواجذه ولا عجب أيضاً إذا ما استند إلى أقوال محمد عبده ورشيد رضا بل إلى مدرسة المنار.
د- في الفقه:
أما فتح باب الاجتهاد وشروطه التي جاءوا بها فقد نفذ منها كل من هب ودب وأفتى في الأحكام الشرعية من غير تردد أو خوف أو وجل، وحكم في قضايا لو عرضت على مالك لقال "لا أدري" ولو عرضت على عمر لجمع لها أهل بدر.
ولا نريد أن نذكر كل ما جرى بعدهم من اجتهادات فقهية خارجة عن نطاق الاجتهاد وحدوده، ولا يصل إلى مرتبته مصدروها – ولكن نقصر الحديث هنا على واحدة من تلك الاتجاهات الفقهية المنحرفة.--------------------------------------------
(1) ((الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية)) السيد صالح أبو بكر (ص 206 – 207).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 289)
ونحن وإن كنا لا نزعم أن كل انحراف في تقنين الأحكام الشرعية وميل بها عن الحق أنه أثر من آثار المدرسة العقلية إلا أننا نؤكد أن كثيراً من ذلك يستند إلى آرائهم ويستدل بأقوالهم ويستشهد بها وما هذا إلا معيار لتأثرهم بها، نذكر من هذا مسألة تعدد الزوجات دع عنك تحرير المرأة وخروجها إلى العمل واختلاطها بالرجال في ميادينه … الخ. وقد سبق للشيخ عبده أن دعا إلى تطبيق ما ذهب إليه في مسألة تعدد الزوجات ونحن نذكر دعوته هنا حتى ندرك أن ما حدث بعد إنما هو من آثاره ومدرسته قال: "لا سبيل إلى تربية الأمة مع فشو تعدد الزوجات فيها فيجب على العلماء النظر في هذه المسألة خصوصاً الحنفية منهم الذين بيدهم الأمر وعلى مذهبهم الحكم فهم لا ينكرون أن الدين أنزل لمصلحة الناس وخيرهم وأن من أصوله منع الضرر والضرار فإذا ترتب على شيء مفسدة في زمن لم تكن تلحقه فيما قبله فلا شك في وجوب تغير الحكم وتطبيقه على الحال الحاضرة" (1).إذن فهو يدعو إلى تغيير الحكم؟! ترى هل يدعو إلى تغييره دفعة واحدة أو بطريقة أخرى؟! يفسر هذا تلميذه السيد رشيد بقوله "إن قاعدة اليسر في الأمور ورفع الحرج من القواعد الأساسية لبناء الإسلام يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: 185] ومَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ [المائدة: 6] ولا يصح أن يبني على هذه القاعدة تحريم أمر تلجئ إليه الضرورة أو تدعو إليه المصلحة العامة أو الخاصة .. وهو مما يشق امتثاله دفعة واحدة لا سيما على من اعتادوا المبالغة فيه من المفاسد فلم يبق إلا أن يقلل العدد ويقيد بقيد ثقيل وهو اشتراط انتفاء الخوف من عدم العدل بين الزوجات وهو شرط يعز تحققه ومن فقهه واختبر حال الذين يتزوجون بأكثر من واحدة يتجلى له أن أكثرهم لم يلتزم الشرط ومن لم يلتزمه فزواجه غير إسلامي" (2)؟!!
إذن فليس الأمر في المنع "دفعة واحدة" لأنه يشق على من اعتادوا المبالغة فيه والحال أن يقيد بقيد ثقيل .. وهو شرط يعز تحققه .. ومن لم يلتزمه فزواجه غير إسلامي.
وليس المانع من إلغاء التعدد دفعة واحدة "أمر شرعي وإنما المشقة على من اعتادوا المبالغة فيه، والعلاج التدرج في ذلك إلى أن يصل الأمر إلى اعتياد الناس على عدم التعدد ولا يشق على أحد إلغاؤه ومن ثم إلغاء التعدد.
لن أذكر هنا أثر تلك الدعوة على الأفراد في أقوالهم ودعواتهم لأنها كلها تنتهي إلى الدعوة إلى تطبيقه وتقنيته وإذا ما اكتفينا بذكر القوانين التي سنتها بعض الدول المسلمة في ذلك نكون قد تجاوزنا آراءهم إلى النتيجة والنتيجة هدفنا من الإشارة إلى الأثر.
وفي الواقع أن الدول التي تأثرت بهذه الدعوة انقسمت إلى قسمين ولا يزال بعضها في مرتبة "قيد ثقيل يعز تحققه .. ومن لم يلتزمه فزواجه غير "إسلامي"، واستطاع بعضهم أن يصل إلى مرتبة "دفعة واحدة".--------------------------------------------
(1) ((تفسير المنار)) محمد رشيد رضا (4/ 349 - 350).
(2) ((تفسير المنار)) (4/ 359).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 290)
أما القسم الأول فدول المغرب وسوريا والعراق قيدته المغرب قضائياً بالعدل بين الزوجات، وقيدته سوريا بالقدرة على الإنفاق، وقيد في العراق بمصلحة مشروعة وبالعدل بين الزوجات، وبالقدرة على الإنفاق عليهن."وورود أحد هذه القيود في القانون معناه أنه أصبح ملزماً ويتعين على القاضي أن يتحقق من توافره بحيث إذا لم يكن هذا الشرط متوافراً أو ذاك كان تعدد الزوجات غير جائز، لأن المفروض أن أحكام القانون جميعها ملزمة ويحمل الناس على احترامها وتطبيقها طوعاً أو كرهاً" (1).أما التي أخذت بالطريقة الثانية فتونس فمنعت تعدد الزوجات ومن تزوج بأكثر من واحدة يستوجب عقاباً بالسجن مدة عام وبخطيه "أي غرامة" قدرها 240.000 فرنك أو بإحدى العقوبتين فقط ""الفصل 18"" (2).أما في مصر فقد شكل بعض تلاميذ محمد عبده لجنة سنة 1926م اقترحت تقييد تعدد الزوجات وقدمت المقترحات لمجلس النواب وبعد مناقشات أعيدت لوزارة العدل لدراستها ثم صدر القانون رقم 25 لسنة 1929م منظماً لبعض شؤون الأسرة خالياً من مقترحات تقييد تعدد الزوجات (3) وفي سنة 1945م تقدمت وزارة الشؤون الاجتماعية بمشروع قانون لتقييد تعدد الزوجات باشتراط إذن القاضي الشرعي الذي في دائرة اختصاصه مكان الزواج، واشتراط أن لا يأذن القاضي إلا بعد الفحص والتحقق من أن سلوكه وأحوال معيشته يؤمن معها قيامه بحسن المعاشرة، والإنفاق على أكثر من في عصمته ومن تجب نفقته عليهم من أصوله وفروعه، ولم يكتب لهذا المشروع النجاح (4).
وقامت بعض الدعوات لاشتراط أن يكون جواز التعدد في حالتين، حالة مرض الزوجة مرضاً لا برء منه، وحالة عقم الزوجة الذي مضى عليه أكثر من سنوات ثلاث ومنع ما عدا هاتين الحالتين ودعوا فيما دعوا إلى عدم سماع الدعوى في نزاع يتعلق بالزواج "المتعدد إلا إذا كان بإذن القاضي وقد رفضت جبهة علماء الأزهر هذا الاقتراح. وزعم المدعو عبدالعزيز فهمي باشا أن القرآن الكريم يحرم بتاتاً تعدد الزوجات؟! فالآية في زعمه واضحة لكل متذوق أنها هزء وسخرية ممن يريد تعدد الزوجات لأن المولى سبحانه وتعالى أردفها بقوله وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ [النساء:129] ولن كما يقرر النحاة هي أشد أدوات النفي للمستقبل إذ تنفيه نفياً باتاً" (5).
وحتى نكشف مغالطة الرجل نقول أن استدلاله هنا كمن يستدل بقوله تعالى لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ [النساء: 43] ، ويدع وَأَنتُمْ سُكَارَى ولو أحسن الاستدلال وطلب الحقيقة لأكمل ما استدل به وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا [النساء: 129] فقوله سبحانه فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ غَفُورًا رَّحِيمًا كلها تبين المراد من نفي الاستطاعة بياناً لا يريده فهمي باشا ولهذا قطع الآية.--------------------------------------------
(1) ((تعدد الزوجات)) عبدالناصر توفيق العطار (ص 257).
(2) ((تعدد الزوجات)) عبدالناصر توفيق العطار (ص262).
(3) ((تعدد الزوجات)) عبدالناصر توفيق العطار (ص295 - 296).
(4) ((تعدد الزوجات)) عبدالناصر توفيق العطار (ص 295 - 296).
(5) ((مع المفسرين والكتاب)) أحمد محمد جمال (ص 208).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 291)
وأما الاستدلال بما قرره النحاة فهو تحريف لقولهم ولا يستغرب ممن كذب على القرآن أن يكذب على النحاة؟ لم يقل النحاة بأن النفي بلن نفياً باتاً أي دائماً إلا الزمخشري المعتزلي قال ذلك ليؤبد النفي في قوله تعالى لموسى لَن تَرَانِي [الأعراف: 143] حتى يستدل بها على إنكار رؤية الله التي لا يؤمن بها المعتزلة، والنحاة – سواه – على الضد من ذلك فقد قالوا:-
ومن رأى النفي بلن مؤبداً فقوله أردد وسواه فاعضدا.
نعد الحديث بعد هذا إلى شيخ أزهري هو الشيخ عبدالمتعال الصعيدي، والأزهريون متهمون بالجمود والتزمت وهما صفتان أوحى بهما الاستعمار إلى شباب المسلمين حينذاك لينفروا من الأزهر وشيوخه ثم ينفروا من الدين كله بالتبع، أراد هذا الشيخ أن ينفي هذه التهمة فأخطأ الطريق – وما هكذا تورد الإبل يا سعد – تقرب إليهم بالدعوة إلى تحريم تعدد الزوجات؟! أليست هذه الصفة من مآخذ الاستعمار على الإسلام؟! أي طريق يسلك إلى ذلك؟ استمداد ذلك من آية إباحة التعدد كما فعل عبدالعزيز فهمي أمر قد سبق إليه، وهو يريد أن يأتي بجديد فقال "لا ينكر أحد أن ينقلب المباح حراماً إذا نهى عنه ولي الأمر لمصلحة تقتضي النهي عنه كأن ينهى عن زرع القطن في أكثر من ثلث الملك تجب طاعته شرعاً في ذلك وتحرم مخالفته فيه … وكذلك الأمر في تعدد الزوجات فلولي الأمر أن ينهى عنه إذا أساء المسلمون استعماله فيصير حراماً لنهيه عنه وإن كان في ذاته مباحاً وهذا أمر معروف بين العلماء" (1)؟! وهو حينما يقول هذا يؤكد أن المسلمين قد أساؤوا استعماله ويرشد إلى الطريق السليم لتحريم التعدد كما أرشد إليه سلفه محمد عبده وتلاميذه قال الشيخ عبدالمتعال "ولعل مما يدعو إليه هذا أن الناس لم يتهيئوا بعد لفهم هذا الحق بل يعدوه خروجاً على الدين، فيحمل هذا ولي الأمر على أن يستثني في ذلك ما يستثني، ولا يذهب فيه إلى آخر ما جعله الله من حقه" (2).لذلك فلا عجب أن يقول الدكتور عفت محمد الشرقاوي معلقاً على ما ذهب إليه عبدالعزيز فهمي ونعم به عبدالمتعال "ومع ما يبدو في هذا من الغرابة والتجوز في الاستنتاج، وخروجه عن مألوف المأثور، فإنه كان النتيجة الطبيعية لشدة تأثرنا بالنظم الأوروبية في تشريع الزواج … وكان ذلك في جملته تطوراً واضحاً لنزعة قديمة حمل لواءها "محمد عبده" محاولا التفريق بين النص القرآني وهذا التصور الجديد" (3).
كانت هذه هي الحال إلى سنة 1967م ففي هذه السنة صدر قانون الأسرة في مصر والجديد الذي جاء فيه ما نصت عليه المادة "134":
أ- للزوجة التي تزوج عليها زوجها وإن لم تكن قد اشترطت عليه في العقد ألا يتزوج عليها أن تطلب التفريق بينها وبينه وفي مدى شهرين من تاريخ علمها بالزواج ما لم ترض به صراحة أو دلالة.
ب- ويتجدد حقها في طلب التفريق كلما تزوج بأخرى.--------------------------------------------
(1) ((مجلة الرسالة)) (العدد 773) السنة 16 إبريل 1948م ط489 – عبدالمتعال الصعيدي.
(2) ((مجلة الرسالة)) (العدد 773) السنة 16 إبريل 1948م ط489 – عبدالمتعال الصعيدي.
(3) ((الفكر الديني في مواجهة العصر)) عفت الشرقاوي (ص 237).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 292)
ج- وإذا كانت الزوجة الجديدة قد فهمت من الزوج أنه غير متزوج بسواها ثم ظهر أنه متزوج فلها أن تطلب التفريق. كما نصت هذه المادة على أن "التفريق للزواج بأخرى طلاق بائن" (1). وهذا لا شك "قيد ثقيل يعز تحققه .. "؟! والاتجاه العام إلى تقييد تعدد الزوجات سائر على منهج مدروس وقد بدأت بعض السلطات في بعض البلدان الإسلامية في إصدار قوانين تحرم من يعدد زوجاته من بعض الحقوق أو المزايا التي يتمتع بها سائر المواطنين كحرمانه من الاشتراك في نقابة أو ناد معين أو قصر الإعارة للخارج على المتزوجين بواحدة أو السماح بالعلاج المجاني لزوجة واحدة أو قصر الإعفاء الضريبي على المتزوجين بواحدة (2) ونحو ذلك.
وهذا كله ولا شك في سبيل "تقييد تعدد الزوجات بقيد ثقيل … يعز تحققه – ومن لم يلتزمه فزواجه غير "إسلامي" "والانتقال بعد هذا إلى الخطوة الأخرى "منع تعدد الزوجات" دفعة واحدة" وبهذا لا يشق هذا الأمر على "من اعتاد على تعدد الزوجات"؟!
هـ- في السياسة:
عمى الألوان مرض يصيب البصر لا يستطيع صاحبه التفريق أو التمييز بينها، وأحسب أن عمى الألوان هذا يصيب البصيرة فلا يستطيع صاحبه أن يفرق بين دين ودين، ومنهج وآخر.
نظرت طائفة من المسلمين أو من المنتسبين للإسلام إلى ما حدث في أوروبا في العصور الوسطى، وإلى ما حدث من صراع هناك بين الدين والعلم، وبين الدين والسياسة، وبين الدين والدولة، نظروا إلى "رجال دين" يستندون إلى كتب "محرفة" وما فيها يخالف حقائق العلم ونظرياته، أضف إلى هذا تشدد أولئك "رجال الدين" في مواجهة خصومهم.
ليس هناك مجال آخر دين محرف أقواله تصادم حقائق علمية، ورجاله متصلبون متشددون، فكان لابد من قيام ثورة للفصل بين الدين والدولة، بين الدين والسياسة بين الدين والعلم، فعزلوا الدين وأقصوه.
حسب من أصيب بعمى البصيرة أن كل دين كهذا الدين المحرف، فأراد من ينتسب إلى الإسلام منهم أن يطبق تلك الثورة على دينه الذي ينتسب إليه – إما عن جهل منه وإما عن خبث فيه – فدعوا إلى فصل الدين عن الدولة، وجعل الدين مجرد عبادة تؤدى في المسجد فإذا خرجت إلى الشارع فقد تعدت حدودها وتجاوزت مراسيمها ووجب عقابها وقمعها.
فليبق الدين في المسجد؟!
ولتبق الوطنية والقومية .. الخ في الشارع، وليسرح الناس وليمرحوا حسب نظامهما، دينهم الوطن وعقيدتهم القومية. وكان من السابقين السابقين إلى هذه الدعوة الشيخ محمد عبده حيث قال "إن خير أوجه الوحدة الوطن لامتناع الخلاف والنزاع فيه" (3) والشيخ نفسه هو الذي صاغ برنامج "الحزب الوطني" المصري وجاء فيه "الحزب الوطني حزب سياسي لا ديني فإنه مؤلف من رجال مختلفي العقيدة والمذاهب، وجميع النصارى واليهود وكل من يحرث أرض مصر ويتكلم بلغتها منضم إليه" (4) ودافع عن القبط في مصر قائلاً "ليس من اللائق بأصحاب الجرائد أن يعمدوا إلى إحدى الطوائف المتوطنة في أرض واحدة فيشملوها بشيء من الطعن أو ينسبوها إلى شائن من العمل تعللاً بأن رجلاً أو رجالاً منها قد استهدفوا لذلك … " (5).--------------------------------------------
(1) ((تعدد الزوجات)) عبدالناصر توفيق العطار (ص 316 - 317).
(2) ((تعدد الزوجات)) عبدالناصر توفيق العطار (ص 320).
(3) ((تاريخ الأستاذ الإمام)) رشيد رضا (2/ 194).
(4) ((الأعمال الكاملة لمحمد عبده)) جمع محمد عمارة (1/ 107) و ((التاريخ السري)) بلنت (ص 442).
(5) ((الأعمال الكاملة لمحمد عبده)) جمع عمارة (1/ 108).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 293)
وهو في هذا يقلد أستاذه الأفغاني الذي دعا إلى القومية والوطنية "الفرعونية" في مصر حيث يقول موجهاً حديثه للعوام "إنكم معاشر المصريين قد نشأتم في الاستعباد … تناوبتكم أيدي الرعاة ثم اليونان والرومان والفرس ثم العرب والأكراد والمماليك ثم الفرنسيس والمماليك والعلويين وكلهم يشق جلودكم بمبضع نهمه ويهيض عظامكم بأداة عسفه وأنتم كالصخرة الملقاة في الفلاة لا حس لكم ولا صوت .. انظروا أهرام مصر وهياكل منفيس وآثار تيبه ومشاهد سيوه وحصون دمياط شاهدة بمنعمة آبائكم وعزة أجدادكم:-
وتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم … إن التشبه بالرشيد فلاح (1)
وأتبعا القول بالعمل فجدا واجتهدا في سبيل هدم الخلافة الإسلامية، واستقلال العرب عن الأتراك والتقريب بين الأديان.
وقد سرت هذه الأفكار والمبادئ في المجتمع الإسلامي بعد ذلك وانتشرت ولا نزال حتى ساعتنا هذه نعاني من آثارها. وظهرت آثارها أول ما ظهرت في الثورة الكمالية الإلحادية في تركيا حيث عملت أول ما عملت على فصل الدين عن الدولة وقالوا فيما قالوا "إننا نحن العثمانيين لا يمكن أن نترقى إلا إذا نبذنا الدين وراء ظهورنا وعصرنا العلماء عصراً نمحقهم به محقاً، وسرنا وراء فرنسا خطوة خطوة" (2).وأشاد بعض العرب بهذه الحركة وفتن بها كثير منهم قال أحدهم "حصل التقدم في تركيا بعد نبذها تعاليم رجال الدين وفتاويهم وفصلها الأمور الزمنية عن الدينية، واستغنائها عن قراءة البخاري في السفن البحرية" (3).
وفي سنة 1925م وضع علي عبدالرزاق كتابه الإسلام وأصول الحكم خاض فيه في مبحثين:
1) هل منصب الخلافة ديني أم سياسي أم هو مزيج من كليهما معاً؟ 2) هل منصب الخلافة ضروري للمسلمين؟ (4)
وهو في سبيل فصل الدين عن الدولة تضمن:-
1 - جعل الشريعة الإسلامية روحية محضة لا علاقة لها بالحكم والتنفيذ في أمور الدنيا.
2 - أن الدين لا يمنع من أن جهاد النبي كان في سبيل الملك لا في سبيل الدين ولإبلاغ الدعوة إلى العالمين.
3 - وأن نظام الحكم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان موضوع غموض أو إبهام أو اضطراب أو نقص وموجباً للحيرة.
4 - وأن مهمة النبي صلى الله عليه وسلم كانت بلاغاً للشريعة مجرداً عن الحكم والتنفيذ.
5 - وإنكار إجماع الصحابة على وجوب نصب الإمام وعلى أنه لا بد للأمة ممن يقوم بأمرها في الدين والدنيا.--------------------------------------------
(1) ((تاريخ الأستاذ الإمام)) رشيد رضا (1/ 46 - 47) و ((زعماء الإصلاح)) أحمد أمين (ص 78 - 79).
(2) ((مجلة المنار)) مجلد 16 ج2 ص عدد صفر 1331 هـ (ص: 132).
(3) ((هذا هو الإسلام)) فاروق الدملوجي (ص 213).
(4) ((الإسلام وأصول الحكم)) علي عبدالرزاق؛ (ص 5).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 294)
6 - وإنكار أن القضاء وظيفة شرعية.7 - وإن حكومة أبي بكر والخلفاء الراشدين من بعده رضي الله عنهم كانت لا دينية" (1).وجاء فيه "الدنيا من أولها لآخرها وجميع ما فيها من أغراض وغايات أهون عند الله تعالى من أن يبعث لها رسولاً وأهون عند رسل الله تعالى من أن يشغلوا بها وينصبوا لتدبيرها" (2).وزعم "أن كل ما جاء به الإسلام من عقائد ومعاملات وآداب وعقوبات فإنما هو شرع ديني خالص لله تعالى ولمصلحة البشر الدينية لا غير، وسيان بعد ذلك أن تتضح لنا تلك المصالح الدينية أم تخفى علينا، وسيان أن يكون منها للبشر مصلحة مدنية أم لا فذلك مما لا ينظر الشرع السماوي إليه ولا ينظر الشرع السماوي إليه ولا ينظر إليه الرسول" (3).وقال "التمس بين دفتي المصحف الكريم أثراً ظاهراً خفياً لما يريدون أن يعتقدوا من صفة سياسية للدين الإسلامي ثم التمس ذلك الأثر مبلغ جهدك بين أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، تلك منابع الدين الصافية في متناول يديك، وعلى كثب منك فالتمس منها دليلاً أو شبه دليل فإنك لن تجد عليها برهاناً، إلا ظناً وإن الظن لا يغني عن الحق شيئا" (4).
ولن ندع مثل هذا التحدي لهذا القزم المتعملق من غير رد، ولن نأتيه بشبه دليل بل نأتيه بالصاعقة قال تعالى مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ [النساء 105] وهل الحكم بين الناس إلا عين السياسة وهدفها ولا نريد أن نعدد الأدلة بعد هذا فهي جد طويلة ولكن أتينا بما طلبه "التمس دليلاً أو شبه دليل … " إلخ؟!.وقال بنحو هذا محمد أحمد خلف الله في كتابه "القرآن ومشكلات حياتنا المعاصرة" حيث يقول "إن رياسة الخلفاء الراشدين للدولة العربية "!! " لم تكن دينية بحال من الأحوال وإنما كانت مدنية صرفة" (5).وقال "والقرآن الكريم قد أعرض إعراضاً تاماً عن الحديث في نظام أساسي للدولة العربية الإسلامية وترك أمر ذلك للمواطنين "!! " يقررون فيه ما يشاؤون "!! "" (6).ودعوا إلى حركة القومية العربية وقالوا: "إن هذه الحركة لم تتخذ من الإسلام خاصة ومن الدين عامة أساساً لها، وإنما مضت على أساس عربي خالص" (7) "وإن الفكرة العربية أكثر انتشاراً وأوسع نفوذاً من الفكرة الإسلامية" (8).
ودعوا إلى توحيد الأديان وصهرها بعضها ببعض وهو سبيل من سبيل القومية قال أبو رية "إن الناس سيصلون إن شاء الله بعلومهم وعقولهم إلى مرتقى تزول فيه الجنسيات الدينية وتختفي العصبيات المذهبية ويجتمعون على دين واحد يشمل الناس جميعاً وهذا الدين يقوم على ثلاث قواعد:
1 - إيمان بالله.
2 - عمل صالح في الحياة.--------------------------------------------
(1) ((حكم هيئة كبار العلماء في كتاب الإسلام وأصول الحكم)) (ص 5 - 6).
(2) ((الإسلام وأصول الحكم)) علي عبدالرزاق (ص 154).
(3) ((الإسلام وأصول الحكم)) علي عبدالرزاق (ص 171 - 172).
(4) ((الإسلام وأصول الحكم)) علي عبدالرزاق (ص 151).
(5) ((القرآن ومشكلات حياتنا المعاصرة)) محمد أحمد خلف الله (ص 82).
(6) ((القرآن ومشكلات حياتنا المعاصرة)) محمد أحمد خلف الله (ص 82).
(7) ((مجلة العربي)) العدد الأول مقال ((القومية العربية كما يجب أن نفهمها)) محمد أحمد خلف الله (ص 22 و 24).
(8) ((مجلة العربي)) العدد الأول مقال ((القومية العربية كما يجب أن نفهمها)) محمد أحمد خلف الله (ص 22 و 24).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 295)