Arabic source text

📘 মাওসূআতুল ফিরাকিল মুনতাসিবাহ লিল ইসলাম (মাজমুআহ মিনাল মুয়াল্লিফীন)

📘 موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام (مجموعة من المؤلفين)

📘 মাওসূআতুল ফিরাকিল মুনতাসিবাহ লিল ইসলাম (মাজমুআহ মিনাল মুয়াল্লিফীন)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
وفيما يتعلق بالقول بأن طلحة والزبير رضي الله عنهما كانا أول الخارجين على علي – كما يقول الورجلاني – فمن الصعب عليه إثبات ذلك. فقد كان معهما أم المؤمنين عائشة ومن معهم من المسلمين، وعلى كل فقد انتهت موقعة الجمل واندمج من بقي منهم في صفوف المسلمين دون أن تجمعهم رابطة فكرية معينة كتلك التي حدثت بين الخوارج على علي في جيشه فيما بعد، وكان خروجهم باسم المطالبة بدم عثمان رضي الله عنه فإذا كان قد بدئ الخروج على علي بخروج أصحاب موقعة الجمل فإنه لا ينطبق عليهم مصطلح الخوارج كطائفة لها اتجاهها السياسي وآراؤها الدينية الخاصة، وطلحة والزبير من العشرة الذين بشرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة، فكيف يجوز أن يعتبرا من الخوارج ويطبق عليهما أحاديث المروق الواردة في الخوارج؟!
أما القول بأن نشأتهم تبدأ من قيام نافع بن الأزرق فإنه لم يقل به غير علي يحيى معمر تبعا لقطب الأئمة الإباضية أبي إسحاق أطفيش لنفيهم وجود صلة ما بين المحكمة ومن ثار على طريقتهم وبين الأزارقة بعدهم، وهو قول غير مقبول لوجود تسلسل الأحداث وارتباطها من المحكمة إلى ظهور نافع بن الأزرق بحيث يظهر أن الأولين هم سلف الخوارج جميعا، كما سنبين هذا عند الكلام عن حركات الخوارج وفرقهم.
وهكذا يتضح الفرق بين مجرد وجود نزعة الاعتراض أو الثورة خروجا عن طاعة الإمام، وبين الخروج في شكل طائفة لها اتجاهها السياسي وآراؤها الخاصة؛ كخروج الذين خرجوا على علي رضي الله عنه منذ وقعة صفين، وهم الذين ينطبق عليهم مصطلح الخوارج بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، وهذا هو القول الأخير الذي نختاره ونسير عليه في هذه الرسالة مؤرخين لهذه الطائفة دارسين لآرائهم.
والواقع أن هذا هو ما يشهد له واقع تلك الحركة التي أحدثت دويا هائلا في تاريخ هذه الأمة الإسلامية عدة قرون تميزت فيها بآراء ومعتقدات وأنظمة لفتت إليها أنظار علماء التاريخ والفرق الإسلامية، بخلاف ما سبقها من حركات فإنها لم يكن لها أثر فكري أو عقائدي يذكر.

‌‌المصدر:الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص37

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 336)

‌‌الفصل الرابع: أسماء الخوارج
1 - الخوارج
.. وهو أشهر أسمائهم، هم يقبلونه باعتبار وينفونه باعتبار آخر، يقبلونه على أساس أنه مأخوذ من قول الله عز وجل: وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللهِ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [سورة النساء: 100]. وهذه تسمية مدح.
وينفونه إذا أريد به أنهم خارجون عن الدين أو عن الجماعة أو عن علي رضي الله عنه؛ لأنهم يزعمون أن خروجهم على علي رضي الله عنه كان أمراً مشروعاً بل هو الخارج عليهم في نظرهم.
والإباضيون بخصوصهم يسمونها فتناً داخلية بين الصحابة. قال نور الدين السالمي الإباضي عن تسميتهم خوارج على سبيل المدح: (ثم لما كثر بذل نفوسهم في رضى ربهم وكانوا يخرجون للجهاد طوائف – سُمُّوا خوارج، وهو جمع خارجة وهي الطائفة التي تخرج في سبيل الله) (1).وقال أحد شعراء الخوارج (2).
كفى حزناً أن الخوارج أصبحوا … وقد شتت نياتهم فتصدعوا

‌‌المصدر:فرق معاصرة لغالب عواجي 1/ 229 ويقول محمد بن عبد الله السالمي أيضاً: وكان اسم الخوارج في الزمان الأول مدحاً لأنه جمع خارجة وهي الطائفة التي تخرج للغزو في سبيل الله تعالى، قال عز وجل: وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً [التوبة:46]، ثم صار ذماً لكثرة تأويل أحاديث الذم فيمن اتصف بذكر آخر الزمان، ثم زاد استقباحه حين استبد به الأزارقة والصفرية فهو من الأسماء التي اختفى سببها وقبحت لغيرها فمن ثم نرى الإباضية لا يتسمون بذلك وإنما يتسمون بأهل الاستقامة (3).وقال الأصم الضبي قيس بن عبد الله يرثي الخوارج الذين قتلوا عند الجوسق (4):
إني أدين بما دان الشراة به … يوم النخيلة عند الجوسق الخرب
النافرين على منهاج أولهم … من الخوارج قبل الشك والريب
وقد أجمع مؤرخو الفرق على تسميتهم بهذا الاسم (الخوارج).وإذا ذكرهم أحد المؤلفين باسم من أسمائهم الأخرى فإنه يفسره بالخوارج، أو يذكرهم مرة بهذا الاسم ومرة أخرى باسم الخوارج.

‌‌المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي – ص26
2 - الحرورية
نسبة إلى المكان الذي خرج فيه أسلافهم عن علي، وهو قرب الكوفة. قال شاعرهم مقارناً بين جحف الثريد أي أكله وبين جحف الحروري بالسيف أي ضربه به:
ولا يستوي الجحفان جحف ثريدة … وجحف حروري بأبيض صارم (5)
ووردت هذه التسمية في قول عائشة رضي الله عنها: (أحرورية أنت) (6).
قالته للمرأة التي استشكلت قضاء الحائض والصوم دون الصلاة.--------------------------------------------
(1) نقله عنه علي يحيى معمر في كتابه ((الإباضية بين الفرق الإسلامية)) (ص384).
(2) ((شعراء الخوارج)) تحقيق د/ إحسان عباس (ص134).
(3) ((عمان تاريخ يتكلم)) (ص118). لكن هذا المفهوم يجعل كل المجاهدين في سبيل الله من الصحابة فمن بعدهم خوارج، وهو وصف قبيح لهم، إضافة إلى أنها تسمية خلط وسوء فهم إذا أطلقناها عليهم وطبقنا عليهم الأحاديث الواردة في ذم الخوارج.
(4) ((شعراء الخوارج)) (ص125).
(5) ((شعراء الخوارج)) (ص232).
(6) رواه مسلم (335) ، من حديث عائشة رضي الله عنها.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 337)

‌‌المصدر:فرق معاصرة لغالب عواجي 1/ 230 وقد وردت هذه التسمية في (الصحيحين) عن مصعب قال سألت أبي قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا [الكهف: 103] ، هم الحرورية؟ قال: لا، هم اليهود والنصارى، أما اليهود فكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم وأما النصارى كفروا بالجنة وقالوا لا طعام فيها ولا شراب، والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، وكان سعد يسميهم الفاسقين (1).وعن أبى سلمة وعطاء بن يسار أنهما أتيا أبا سعيد الخدرى فسألاه عن الحرورية أسمعت النبي صلى الله عليه وسلم. قال: لا أدري ما الحرورية سمعت النبي صلى الله عليه وسلم – يقول: ((يخرج في هذه الأمة - ولم يقل منها - قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حلوقهم - أو حناجرهم - يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، فينظر الرامي إلى سهمه إلى نصله إلى رصافه، فيتمارى في الفوقة، هل علق بها من الدم شيء)) (2) وعن عبد الله بن عمر - وذكر الحرورية - فقال قال النبي صلى الله عليه وسلم – ((يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية)) (3).
3 - الشراة
نسبة إلى الشراء الذي ذكره الله بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة:111]
وهم يفتخرون بهذه التسمية ويسمون من عداهم بذوي الجعائل: أي يقاتلون من أجل الجُعْل الذي بذل لهم. قال شاعرهم عيسى بن فاتك:
فلما استجمعوا حملوا عليهم … فظل ذوو الجعائل يقتلونا (4)

‌‌المصدر:فرق معاصرة لغالب عواجي 1/ 230 أما هم فليسوا كذلك بل هم – عند أنفسهم – شراة باعوا أنفسهم لله يقول معاذ بن جوين بن حصين الطائي السنبسي (5):
ألا أيها الشارون قد حان لامرئ … شرى نفسه لله أن يترحلا
ويقول كعب بن عميرة في أبي بلال يرثيه (6):
شرى ابن حديد نفسه لله فاحتوى … جناناً من الفردوس جماً نعيمها
ويقول الأشعري في سبب تسميتهم بالشراة: والذي له سموا شراةً: قولهم: شرينا أنفسنا في طاعة الله أي بعناها بالجنة (7).

‌‌المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي – ص33
4 - المارقة
وأما (هذه) التسمية فهي من خصوم الخوارج، لتنطبق عليهم أحاديث المروق الواردة في (الصحيحين) في مروقهم من الدين كمروق السهم من الرمية. قال ابن قيس الرقيات من أبيات له:
إذا نحن شتى صادفتنا عصابة … حرورية أضحت من الدين مارقة (8).--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (4728).
(2) رواه البخاري (6931)، ومسلم (1064).
(3) رواه البخاري (6932).
(4) ((شعراء الخوارج)) (ص54).
(5) ((شعراء الخوارج)) (ص45).
(6) ((شعراء الخوارج)) (ص43).
(7) ((مقالات الإسلاميين)) (1/ 207).
(8) ((الكامل)) لابن الأثير (4/ 198).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 338)

‌‌المصدر:فرق معاصرة لغالب عواجي 1/ 231 عن علي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((سيخرج قوم في آخر الزمان، حداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة)) (1) وهي تسمية قديمة قد أطلقها عليهم مخالفوهم منذ خروجهم عن جيش الإمام علي. ويروي أبو الحسين الملطي إجماع الأمة إجماعاً لا يختلف فيه ناقل ولا راوٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم سماهم مارقة، وفسر المارقة بأنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية (2)، وربما كان مستنده في حكاية هذا الإجماع وصف النبي صلى الله عليه وسلم للخارجين بالمروق وانطباق أوصافهم على هؤلاء الخوارج كما ظهر ذلك للإمام علي والمسلمين معه … قال صعصعة بن صوحان من خطبته أمام جمع من قومه يذم الخوارج في كلام طويل: ولا قوم أعدى لله ولكم ولأهل بيت نبيكم ولجماعة المسلمين من هذه المارقة (3). وقال الشهرستاني: وهم المارقة الذين اجتمعوا بالنهروان (4).

‌‌المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي – ص34
5 - المحكمةهي من أول أسمائهم التي أطلقت عليهم، وقيل: إن السبب في إطلاقها عليهم إما لرفضهم تحكيم الحكمين، وإما لتردادهم كلمة (لا حكم إلا لله) (5) وهو الراجح، وهي كلمة حق أريد بها باطل، ولا مانع أن يطلق عليهم لكل ذلك، غير أن السبب الأول ينبغي فيه معرفة أن الخوارج هم الذين فرضوه أولاً، وهم يفتخرون بهذه التسمية كما قال شاعرهم شبيل بن عزرة:
حمدنا الله ذا النعماء أنّا … نحكم ظاهرين ولا نبالي (6)

‌‌المصدر:فرق معاصرة لغالب عواجي 1/ 231 وقد صارت هذه الكلمة (لا حكم إلا لله) شعاراً لهم عندما يريدون الخروج عن طاعة الولاة أو الهجوم على خصومهم في المعركة فكانت إنذاراً شديد الخطورة لمن تقال له. وهم يفخرون بهذا الاسم على خصومهم كما قال سميرة بن الجعد الخارجي في وصف الخوارج (7):
ينادون بالتحكيم لله أنهم … رأوا حكم عمرو كالرياح الهوائج
وحكم ابن قيس مثل ذاك فأعصموا … بحبلٍ شديد المتن ليس بناهج
وقال عبيدة بن هلال وهو أحد فرسانهم من أبيات يرد بها على عمرو بن عبد الله بن معمر التميمي (8):
ولكن نقول الحكم لله وحده … وبالله نرضى والنبي المقرب.

‌‌المصدر:الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي – ص35
6 - النواصب
وأما تسميتهم بالنواصب فلمبالغتهم في نصب العداء لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه.

‌‌المصدر:فرق معاصرة لغالب عواجي 1/ 231
7 - أهل النهروان
نسبة إلى المكان الذي قاتلهم فيه علي وهم الحرورية المحكمة

‌‌المصدر:الخوارج أول الفرق في تاريخ الإسلام لناصر بن عبد الكريم العقل – ص29
8 - المكفِّرة
لأنهم يكفرون بالكبائر ويكفّرون من خالفهم من المسلمين، وهذا وصفٌ لكل من نهج هذا النهج في كل زمان.

‌‌المصدر:الخوارج أول الفرق في تاريخ الإسلام لناصر بن عبد الكريم العقل – ص30
9 - السبئية
لأن منشأهم من الفتنة التي أوقدها ابن سبأ اليهودي، وهذا وصف لأصول الخوارج الأولين ورؤوسهم.

‌‌المصدر:الخوارج أول الفرق في تاريخ الإسلام لناصر بن عبد الكريم العقل – ص30
10 - الشكاكيةوذلك أنهم لما رفضوا التحكيم، قالوا لعلي: شككت في أمرك وحكمت عدوك من نفسك، فسموا بذلك الشكاكية (9).

‌‌المصدر:الصحابة بين الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص402
تلك أسماء الخوارج وألقابهم وهم يحبون هذه الأسماء كلها ولا ينكرون غير اسم واحد وهو تسميتهم بالمارقة، فإنهم لا يرضون به لأنهم يعتبرون أنفسهم على الهدى والحق وأما من عداهم فإنهم ظالمون أهل جورٍ وكفر. قال الأشعري: وهم يرضون بهذه الألقاب كلها إلا بالمارقة فإنهم ينكرون أن يكونوا مارقة من الدين كما يمرق السهم من الرمية.

‌‌المصدر:الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص35--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (6930)، ومسلم (1066).
(2) انظر: ((التنبيه والرد)) (ص54).
(3) ((تاريخ الطبري)) (5/ 186).
(4) ((الملل والنحل)) (1/ 115).
(5) ((مقالات الإسلاميين)) (1/ 217).
(6) ((شعراء الخوارج)) (ص209).
(7) ((شعراء الخوارج)) (ص123).
(8) ((شعراء الخوارج)) (ص93).
(9) انظر ((البرهان)) (17).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 339)

‌‌تمهيد
لقد حدث في تاريخ هذه الأمة الإسلامية أحداث مؤلمة مزقت كلمتهم وجعلتهم أحزابا وشيعا، كثيرا ما تدور المعارك فيما بينهم.
فقد قوبل الإسلام في نشأته الأولى بمعارضات شديدة وتيارات جارفة للقضاء عليه منذ بزوغ فجره من قبل العناصر الدينية والشعوبية المناوئة له ولكن باءت تلك المحاولات بالفشل. ولكن أعداء الإسلام – وقد فشلوا – لا يمكن أن يقر لهم قرار أو تفوتهم فرصة من الفرص التي تحدث عند غفلة المسلمين؛ لا يمكن أن يفوتهم ذلك دون أن يحاولوا الفت في عضده بأي سلاح كان حسيا أو معنويا؛ ولهذا فقد حدثت فتن كثيرة بسبب تلك المؤامرات الخفية من تلك العناصر. وما حدوث تلك الفتنة الهوجاء التي حيرت ألباب ذوي النهى والتي راح ضحيتها آلاف المسلمين بين علي ومعاوية رضي الله عنهما فمن بعدهما إلى يومنا هذا – إلا جزء من تلك المؤامرات البعيدة. ولقد صدق الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه حين قال للثائرين عليه: "فوالله لئن قتلتموني لا تحابون بعدي، ولا تصلون بعدي جميعا، ولا تقاتلون بعدي جميعا عدوا أبدا" (1).
ومن هنا فقد حدثت بعد ذلك ظواهر هامة في تاريخ هذه الأمة كان من أهمها قيام الخوارج بحركتهم، وهي من أهم الظواهر التي برزت في الحياة الإسلامية، وقد شملت هذه الظاهرة كل النواحي الدينية والسياسية والاجتماعية والفكرية عند المسلمين، ولكل ظاهرة اجتماعية أسبابها المباشرة والبعيدة، وكلما تعقدت الظاهرة وشملت جوانب متعددة في الحياة كلما حملت على ظهورها أسباب معقدة وعوامل متشابكة.
وفي البحث عن الأسباب والعوامل التي أدت إلى ظهور حركة الخوارج يختلف المفكرون في تحديد هذا السبب أو ذاك، وفي تحديد مدى فاعلية بعض الأسباب وسوف نعرض فيما يلي أهم الأسباب التي يضعها المفكرون أمام ظاهرة حركة الخوارج.

‌‌المصدر:الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص99--------------------------------------------
(1) ([8105]) ((البداية والنهاية)) (7/ 184).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 340)

‌‌المبحث الأول: النزاع حول الخلافة
ونقصد بذلك وقوع النزاع المسلح بين المسلمين حول الخلافة من جهة، ونزاع الخوارج مع غيرهم في طريقة تولية الخليفة وشروط قيامه بمهمته من جهة أخرى.
فمن حيث وقوع النزاع بين المسلمين حول الخلافة فإن هناك من الباحثين من يعتبر الخوارج كالشيعة حزبا سياسيا ظهر في فجر الإسلام، وإن ظهورهم يرجع أولا وبالذات إلى الخلاف حول الإمامة العظمى. يقول الدكتور عبد الحليم محمود رحمه الله: "إذا كان السبب في ظهور الشيعة والخوارج هو الاختلاف على الإمامة؛ فإن السبب في ظهور الفرق – يشير إلى المشبهة والمعتزلة .. إلخ – هو البحث والجدل في العقيدة الدينية" (1).
والواقع أن خلاف المسلمين حول الإمامة العظمى بعد مقتل سيدنا عثمان رضي الله عنه لم يكن سببا في نشأة الخوارج والشيعة وحدهم، بل كان سببا قريبا أو بعيدا في نشأة فرق أخرى كالمرجئة والقدرية. . الخ. لكن أثره في نشأة الشيعة والخوارج آكد وأظهر.
فقد كان الخوارج – قبل خروجهم عن الإمام علي – يكونون جزءا كبيرا من جيشه في حربه مع معاوية، وأدت قضية التحكيم – كما سنرى فيما بعد – إلى خروجهم على علي ومعاوية جميعا. ولولا هذا الخلاف الواقع بين المسلمين حول الإمامة لما كان هناك لتلك العوامل الأخرى التي دفعت بالخوارج إلى الخروج فاعليتها المؤثرة في ظهور الخوارج، على نحو ما صار إليه أمرهم فيما بعد. فلو استقرت الأمور للإمام علي لسار في الناس بسيرة النبي والخليفتين من بعده ولما كانت هناك مبررات لهذا الخروج الذي انتهى بالأمر إلى أن يصبح صراعا مسلحا مع الدولة الإسلامية في عهودها.
فالصراع حول الإمامة إذا له أثره البالغ في إيجاد الاستعداد العام من جهة والعوامل المباشرة من جهة أخرى لخروج الخارجين وثورة الثائرين على هذا الفريق أو ذاك أو عليهما معا، وإذا كنا سنتحدث هنا عن أسباب أخرى للخروج؛ فالواقع أنها ما كانت لتدفع بهم إلى الخروج على هذا النحو لو تجردت من الجو العام الذي أحدثه الصراع حول الإمامة، وحتى لو كانت بذور الثورة كامنة في نفوس الناس - كما قيل - منذ عهد عثمان رضي الله عنه.
فقد كان استقرار أمر الخلافة بعد ذلك خليقا أن يجعل لهذه الثورة منافذ هادئة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، دون الخروج المسلح على الخلفاء والأمة معهم على هذا النحو الذي كان عليه الخوارج.
وهناك جانب آخر من جوانب النزاع حول الخلافة التي دفعت بالخوارج إلى الخروج على بني أمية وبني العباس، وهو رأيهم في طريقة اختيار الخليفة وشروط صحة خلافته وكيفية قيامة بأمر الخلافة، وكان من أكبر الدوافع التي تدفعهم إلى الخروج تلك الطريقة التي كان يتم بها اختيار الخلفاء الأمويين والعباسيين عن طريق الوراثة. وهي طريقة تخالف ما يراه الخوارج من ضرورة اختيار الخليفة ممن يصلح للحكم عن طريق الانتخاب الحر من المسلمين، كما سنرى في بحث الخلافة. يقول أحمد أمين: "وقد وضعوا نظرية للخلافة هي: أن الخلافة يجب أن تكون باختيار حر من المسلمين. . إلى أن يقول: وهذه النظرية هي التي دعتهم إلى الخروج على خلفاء بني أمية ثم العباسيين؛ لاعتقادهم أنهم جائرون غير عادلين لم تنطبق عليهم شروط الخلافة في نظرهم" (2).أضف إلى هذا ما كان في نفوسهم من الحسد لقريش على استقرار الخلافة والنبوة فيهم حسب ما ذهب إليه الأستاذ أبو زهرة من أن الخوارج "كانوا يحسدون قريشا على استيلائهم على الخلافة" (3). وأن السبب في هذا الحسد يرجع إلى أن الخوارج كانت أكثريتهم من القبائل الربعية المنافسة للقبائل المضرية قبل الإسلام، وسوف نزيد هذه المسألة وضوحا عند دراستنا للعامل الرابع من عوامل أسباب خروجهم، وهو عامل العصبية. لقد وصل الحال بالخوارج إلى أن يعتبروا خيرة الصحابة كعثمان وعلي رضي الله عنهما في مقياسهم "أئمة زائفين - على حسب تعبير فلهوزن – يريد الخوارج أن يستبدلوا بهم أئمة صالحين" (4). وهذا الموقف يعبر عن هذه الحساسية التي كانوا عليها تجاه الخلفاء وسياستهم في الحكم، فلقد كانت مسألة الخلافة نصب أعينهم في كل لحظة، وكان الخليفة (أي خليفة) أقرب إلى الاتهام عندهم منه إلى البراءة، ففي كل وقت كان مهددا بالخروج عليه إن زلت به قدم أو صدرت منه فلتة لسان.
وهكذا كان نزاع المسلمين حول الخلافة ودخول الخوارج طرف في هذا النزاع، وما كان لهم في موضوع الخلافة من رأي – كان كل ذلك من أول عوامل خروجهم على الإمام علي ومن جاء بعده من الخلفاء، إلى جانب أن هذا النزاع أوجد عاملا مباشرا فجر ثورة الخروج على الإمام علي وهو التحكيم.

‌‌المصدر:الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص100--------------------------------------------
(1) ([8106]) ((التفكير الفلسفي في الإسلام)) (ص108).
(2) ([8107]) ((فجر الإسلام)) (ص258 - 259)، وانظر: ((العقيدة والشريعة في الإسلام)) (ص192).
(3) ([8108]) ((تاريخ المذاهب الإسلامية)) (1/ 69).
(4) ([8109]) ((الخوارج والشيعة)) (ص43).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 341)

‌‌المبحث الثاني: قضية التحكيم
ولقد وقع التحكيم في معركة صفين، وذلك حينما رضي علي – مُكرهاً – بالتحكيم وبتحكيم أبي موسى الأشعري أيضا وعمرو بن العاص رضي الله عنهما في هذه القضية.
وقد انتهينا إلى أن علياً كان مكرها على قبوله، ومع ذلك فقد نقم عليه الخوارج قبوله له وجعلوه من أسباب خروجهم عن طاعتهم ثم زادت نقمتهم عليه حينما ظهرت النتيجة في غير صالحه، ونسوا أنهم هم الذين أرغموه على قبوله، ولهذا فقد رفضوا الدخول تحت خلافته بل خرجوا عليه.
واعتبار التحكيم سببا مباشرا في خروج الخوارج على الإمام علي هو ما يذهب إليه عامة علماء الفرق والمؤرخين. وهو ما يظهر في محاورة الخوارج للإمام علي حول خروجهم حين قالوا له: " إنا حكمنا فلما حكما أثمنا وكنا بذلك كافرين، وقد تبنا، فإن تبت كما تبنا فنحن منك ومعك، وإن أبيت فاعتزلنا فإنا منابذوك على سواء؛ إن الله لا يحب الخائنين (1)، فهم يرون أن التحكيم كفر يخرج عن الملة ويجب الخروج على من يعتقده. وهذا ما نراه في جوابهم لأبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري حين قال لهم في محاورته لهم ليرجعوا إلى الطاعة: عباد الله إنا وإياكم على الحال الأولى التي كنا عليها ليست بيننا وبينكم فرقة، فعلام تقاتلوننا؟ فقالوا: إنا لو بايعناكم اليوم حكمتم غدا. قال: فإني أنشدكم الله أن تعجلوا فتنة العام مخافة ما يأتي في قابل (2). وهو أيضا جوابهم لابن عباس إذ إنهم خرجوا كما يقولون غضبا؛ لأن التحكيم غير مطلوب في هذه القضية؛ لأن معاوية وأصحابه - في نظرهم – يجب جهادهم دون أدنى شك، فكان من ضمن جوابهم لابن عباس قولهم له: وقد حكمتم في أمر الله الرجال، وقد أمضى الله حكمه في معاوية وأصحابه أن يقتلوا أو يرجعوا وقد كتبتم بينكم وبينهم كتابا، وجعلتم بينكم الموادعة وقد قطع الله الموادعة بين المسلمين وأهل الحرب منذ نزلت براءة إلا من أقر بالجزية. بل صارحوا عليا نفسه حين سألهم عن سبب خروجهم قائلا لهم: " فما أخرجكم علينا؟ قالوا: حكومتك يوم صفين (3).وقد وصل التحدي بزرعة بن البرج الطائي أن يقول للإمام علي: " يا علي – ولم يناده بإمرة المؤمنين – لئن لم تدع تحكيم الرجال لأقاتلنك أطلب وجه الله تعالى (4). وقد تابع جولد زيهر علماء الفرق الإسلامية في اعتبار التحكيم سببا في خروج الخوارج، بل هو عنده السبب الأول وفي ذلك يقول: " وقد كانت موافقة علي على التحكيم الباعث الأول لظهور إحدى الفرق الدينية في الإسلام (5).ولكننا نجد الدكتور عبد الرحمن بدوي يقلل من قيمة كون التحكيم سببا مباشرا في خروج الخوارج فيقول: " بيد أن هذا السبب المباشر هو أوهى الأسباب؛ فإن نزعة الخروج كانت كامنة في النفوس بسبب ما آل إليه أمر الخلافة على عهد عثمان وما انتهى إليه أمر الجماعة الإسلامية بعد مقتله؛ من تفرق الأمة إلى فريقين متعارضين متحاربين (6).
والواقع أن التحكيم ليس هو أوهى الأسباب كما قال، بل هو السبب الذي فجر الموقف وشطر جيش الإمام علي شطرين كبيرين مؤيدين له وخارجين عليه، وما كان الموقف ليكون على الصورة التي كان عليها بدون هذا السبب، فلو فرضنا أن الإمام علي لم يقبل التحكيم وانتصر بجيشه على جيش معاوية وتمت السيطرة له على جميع الأمصار الإسلامية – لو فرضنا ذلك -؛ فإن من المستبعد أن تقوم حركة الخوارج على نحو ما قامت عليه إذا استقرت الأوضاع للإمام علي على هذا النحو.
أما نزعة الخروج التي كانت كامنة بين الناس فما كان لها أن تحدث نتائجها الكبيرة بدون أسباب قوية تدعو إلى تلك النتائج، ربما كانت هذه النزعة تؤدي إلى نقد بعض الأوضاع والتذمر منها والرغبة في إصلاحها – وهو شأن المحكومين دائما مع حكامهم -، ولكنها لا تؤدي إلى الخروج بالمعنى الحقيقي إلا إذا كانت هناك أسباب مباشرة قوية تدفع الناس إليه بما في نفوسهم من استعداد سابق له.

‌‌المصدر:الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص103--------------------------------------------
(1) ((الكامل)) لابن الأثير (3/ 344).
(2) ((تاريخ الطبري)) (5/ 84).
(3) ((الكامل)) لابن الأثير (3/ 327/328).
(4) ((الكامل)) لابن الأثير (3/ 334).
(5) ((العقيدة والشريعة)) (ص190).
(6) مقدمة كتاب ((الخوارج والشيعة أحزاب المعارضة السياسية الدينية)) (ص13).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 342)

‌‌المبحث الثالث: جور الحكام وظهور المنكرات بين الناس
هكذا يقول الخوارج عن أنفسهم؛ أنهم إنما خرجوا لهذا السبب حتى يقيموا العدل ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر ويعودوا بالناس إلى ربهم وإلى دينهم. ولقد كان هذا المعنى من أول المعاني التي يستعلن بها زعماء الخوارج فيحركون عامتهم للخروج وحمل السلاح ويستشيرونهم لتحقيق تلك الغاية. ومن هذا ما قاله عبد الله بن وهب الراسبي مخاطبا أتباعه من الخوارج بعد أن حمد الله وأثنى عليه: " أما بعد فوالله ما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن وينيبون إلى حكم القرآن أن تكون هذه الدنيا، التي الرضى بها والركون إليها والإيثار إياها عناء وتبار؛ آثر عندهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول بالحق. . فاخرجوا بنا إخواننا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كور الجبال أو إلى بعض هذه المدائن منكرين لهذه البدع المضللة " (1).ومثله قول حرقوص بن زهير لإخوانه من الخوارج: " إن المتاع بهذه الدنيا قليل، وإن الفراق لها وشيك فلا تدعونكم زينتها وبهجتها إلى المقام بها، ولا تلفتنكم عن طلب الحق وإنكار الظلم، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون" (2).وهكذا قول حيان بن ظبيان مخاطبا أصحابه، وقد كانوا خرجوا إلى الري فلما بلغهم نبأ مقتل علي سرهم ذلك جدا – فقال لهم حيان يحثهم على الخروج: " فانصرفوا بنا رحمكم الله، فلنأت إخواننا فلندعهم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإلى جهاد الأحزاب؛ فإنه لا عذر لنا في القعود، وولاتنا ظلمة، وسنة الهدى متروكة، وثأرنا الذين قتلوا إخواننا في المجالس آمنون، فإن يظفرنا الله بهم نعمد بعد إلى التي هي أهدى وأرضى وأقوم ويشفي الله بذلك صدور قوم مؤمنين، وإن نقتل فإن في مفارقة الظالمين راحة لنا، ولنا بأسلافنا أسوة " (3).ولم يكن الخوارج يرون أن جور الخلفاء الأمويين والعباسيين وظهور المعاصي والمنكرات والمظالم في عهودهم هو الذي حركهم للخروج، بل كانوا يرون أن هذه الحال قد بدأت منذ عهد الإمام علي رضي الله عنه؛ فهم يعتبرون خلافته شرعية وأنهم يتطلعون إلى رجل مثل عمر في عدله وحزمه وكفاءته، وهذا هو ما نسمعه على لسان عبد الله بن شجرة السلمي الخارجي عندما قال له ولأصحابه قيس بن عبادة: عباد الله، أخرجوا إلينا طلبتنا منكم - يعني قتلة عبد الله بن خباب - وأدخلوا في هذا الأمر الذي منه خرجتم وعودوا بنا إلى قتال عدونا وعدوكم، فإنكم ركبتم عظيما من الأمر تشهدون علينا بالشرك والشرك ظلم عظيم، وتسفكون دماء المسلمين وتعدونهم مشركين ". فقال له عبد الله بن شجرة السلمي: " إن الحق قد أضاء لنا فلسنا نتبعكم أو تأتونا بمثل عمر " (4).
ورأي الخوارج في علي لا يقل عن رأيهم في بقية الخلفاء من بعده؛ فهو عندهم – كما سبق – متهم بالكفر والظلم ومجانبة الحق، وأن جهاده بزعمهم قربة إلى الله، وهذا هو الذي دفعهم كما يقولون إلى الخروج عليه لعدم استحقاقه الخلافة، ولما عليه أتباعه من الضلال بزعمهم. وقد بينوا أيضاً أن من أسباب خروجهم عليه بعد التحكيم منعه لهم عن السبي يوم الجمل ظانين أنه بهذا المنع قد ظلمهم حقهم الذي استحقوه بجهادهم فيما يرون، وذلك في قولهم له: " أول ما نقمنا منك أن قاتلنا بين يديك يوم الجمل، فلما انهزم أصحاب الجمل أبحت لنا ما وجدنا في عسكرهم من المال ومنعتنا من سبي نسائهم " (5).--------------------------------------------
(1) ((تاريخ الطبري)) (5/ 174).
(2) ((تاريخ الطبري)) (5/ 174).
(3) ((تاريخ الطبري)) (5/ 174).
(4) ((تاريخ الطبري)) (5/ 84)، و ((الكامل)) لابن الأثير (3/ 343).
(5) الفرق بين الفرق (ص78).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 343)

والواقع إنهم ما كان ينبغي لهم أن يتعللوا بمثل هذا السبب في خروجهم عليه؛ إذ إن استرقاق المسلمين في حروبهم لبعضهم لا يجوز مطلقا فما بالك بنسائهم وذراريهم؟!
فإذا كانوا قد استحلوا الخروج على الإمام علي – مع عدله وفضله – فما ظنك بغيره؟! والواقع أن إقامة العدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمر واجب على المسلمين، ولكنه لا يمكن أن يكون مبررا صحيحا لخروج الخوارج على هذا النحو الذي خرجوا عليه؛ فهناك ضوابط إسلامية في الإنكار على الولاة وإحقاق الحق بين الناس، حتى تؤتي هذه القاعدة الشرعية ثمرتها المرجوة في إصلاح الحكم والمجتمع؛ إذ لو جاز لكل إنسان أن يزيل ما يراه منكرا بأنكر منه لأفضى هذا العمل بالناس إلى الفساد والفوضى والخروج عن الجماعة. وقد قال صلوات الله وسلامه عليه: ((من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه)) (1) وقد أخبر صلى الله عليه وسلم بأن الأمراء سيكون منهم تارة الخير وتارة الشر، ومع هذا فإنه لا يجوز الخروج عليهم. فعن عرفجة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ستكون في أمتي هنات وهنات وهنات - أي شرور وفساد - فمن أراد أن يفرق أمر المسلمين وهم جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان)) (2).وحين أخبر صلى الله عليه وسلم أصحابه عن أمراء قائلا لهم: ((تعرفون منهم وتنكرون: قالوا له: يا رسول الله أفلا نقاتلهم؟ قال: لا، ما صلوا)) (3).وفي رواية عند مسلم: ((قيل: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف. فقال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يدا من طاعة)) (4).
وإذا كنا قد أمرنا بطاعة أولي الأمر وعدم جواز الخروج عليهم، فليس معنى ذلك أننا مأمورون بطاعتهم في كل ما يأمرون به، بل هناك أحاديث قد بينت الحد الذي تنتهي عنده طاعتهم وذلك فيما إذا أمروا بمعصية أو ظهر منهم كفر بواح؛ فحينئذ لا طاعة لهم؛ إذ إنه قد انتفى ما يوجب طاعتهم وهو عدم تمسكهم بالشرع. وسنزيد هذا وضوحا في بحث الإمامة إن شاء الله.
أما أن يتخذ جور الحكام وظهور المعاصي بين الناس سببا لحكم الخوارج على الناس بالكفر واستباحة دمائهم وأموالهم وإشاعة المظالم والمفاسد بينهم أكثر مما كانوا عليه؛ أما أن يتخذ ذلك فإن فيه مجانبة للحق والصواب.
وسنرى عنه في حديثنا عن خصائصهم نماذج كثيرة من أعمالهم التي ارتكبوها مما لا تمت إلى العدل وإبطال المنكر بسبب، ولقد كان اعتقادهم الباطل بتكفير غيرهم من المسلمين سببا في استباحة دماء وأموال هؤلاء الذين قالوا إنهم خرجوا حماية لهم من ظلم الحكام، وإذا كانت لهؤلاء الحكام مظالمهم بين الناس، فما ذنب المحكومين؟!--------------------------------------------
(1) ([8121]) رواه الترمذي (2863)، وأحمد (4/ 130) (17209)، والحاكم (1/ 582). من حديث الحارث الأشعري رضي الله عنه. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، قال محمد بن إسماعيل – البخاري - الحارث الأشعري له صحبة وله غير هذا الحديث. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وحسنه ابن كثير في ((تفسير القرآن)) (1/ 87)، وابن حجر في ((هداية الرواة)) (3/ 464) – كما أشار لذلك في مقدمته-. وقال الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)): صحيح.
(2) رواه مسلم (1852).
(3) رواه مسلم (1854). من حديث أم سلمة رضي الله عنها.
(4) رواه مسلم (1855). من حديث عوف بن مالك رضي الله عنه.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 344)

ومن العجب أنهم مع إقرارهم بأن عمر بن عبد العزيز كان إماما عادلا وأنه أبطل مظالم بني أمية، إلا أنهم ظلوا على خروجهم عليه، وقد كان الأحرى أن يعاونوه على إقامة العدل وإشاعة الأمن بين الناس، فمن أسباب خروجهم عليه في نظرهم أنه لم يقر على آبائه بالكفر ويلعنهم كما طلبوا، وما كان ينبغي أن يكون إحجامه عن لعن آبائه دافعا لهم إلى الخروج عليه، فقد قال عمر لوفدهم الذي يمثله اثنان: أحدهما حبشي والآخر عربي: " أخبراني ما الذي أخرجكم مخرجكم هذا وما نقمتم علينا؟ فتكلم الذي فيه حبشية فقال: والله ما نقمنا عليك في سيرتك وإنك لتجري بالعدل والإحسان، ولكن بيننا وبينك أمر إن أعطيتناه فنحن منك وأنت منا وإن منعتناه فلست منا ولسنا منك. فقال عمر وما هو؟ قال: رأيناك خالفت أعمال أهل بيتك وسميتها المظالم وسلكت غير سبيلهم، فإن زعمت أنك على هدى وهم على ضلالة فالعنهم وتبرأ منهم، فهذا الذي يجمع بيننا وبينك أو يفرق. هذا هو موقفهم معه وهو موقف يتسم بغاية التنطع والتمسك بالرأي دون رؤية أو تحر للحق؛ لقد أثبتوا على أنفسهم أنهم لا يعيبون عليه أي شيء في سيرته غير أنهم سيفارقونه إن لم يلعن آباءه، ولو أن هذا الطلب قدم إلى أفسق رجل وأخلع رجل لرفضه؛ ولهذا رد عليهم عمر رحمه الله ردا مفحما، رد رجل عاقل عالم فقد قال لهم: " أرأيتم لعن أهل الذنوب فريضة مفروضة لابد منها؟! فإن كانت كذلك فأخبرني أيها المتكلم متى عهدك بلعن فرعون؟! قال: ما أذكر متى لعنته. قال: ويحك لم لا تلعن فرعون وهو أخبث الخلق، ويسعني فيما زعمت لعن أهل بيتي والتبرؤ منهم. ويحكم أنتم قوم جهال (1).
وفعلا كانوا كما ذكر، فقد اعترفوا في نهاية المحاورة برجوعهم إلى الحق، وأن الصواب مع عمر رحمه الله، ولئن كان جور الحكام وشيوع المنكرات بين الناس سببا دافعا للخروج فإنهم قد انحرفوا في الاستجابة لهذا السبب ولم يحققوا ما قصدوا إليه، بل زادوا عدد المظالم والمنكرات بأقبح منها وأشنع.

‌‌المصدر:الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص106--------------------------------------------
(1) انظر: ((مروج الذهب)) (3/ 200 - 202).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 345)

‌‌المبحث الرابع: العصبية القبلية
كان للعصبية بين قبائل العرب سلطان قوي قبل الإسلام، فلما بزغ نوره أخفت صوتها وأوهن قوتها فسكنت زمنا، ولكنها ظهرت من جديد شيئا فشيئا حتى استحكمت في خلافة عثمان وما بعدها فقد كادت العصبية أن تطل برأسها بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ومنذ بدء خلافة أبي بكر رضي الله عنه؛ فقد أراد أبو سفيان أن يحييها حيث أثارها بين بني هاشم محرضا لهم على عدم الرضا بخلافته وهو ليس بهاشمي وجعلها في علي، كما يحدثنا عن ذلك الطبري – إن صحت الرواية – عن عوانة أنه قال: لما اجتمع الناس على بيعة أبي بكر أقبل أبو سفيان وهو يقول:" والله إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا دم يا آل عبد مناف، فيم أبو بكر من أموركم؟ أين المستضعفان؟ أين الأذلان؟ علي والعباس، وقال: أبا حسن ابسط يديك حتى أبايعك، فأبى علي عليه، فجعل يتمثل بشعر المتلمس:
ولن يقيم على خسف يراد به … إلا الأذلان عير الحي والوتد
هذا على الخسف معكوس برمته … وذا يشج فلا يبكي له أحد
فزجره علي وقال: إنك والله ما أردت بهذا إلا الفتنة، وإنك والله طالما بغيت الإسلام شراً لا حاجة لنا في نصيحتك (1).
ومن هذا يتبين موقف من مواقف العصبية البغيضة ظهر مبكرا، فلو أن أبا سفيان وجد من يصغي لكلامه ويقبله؛ لكانت شرور وفتن لا تنطفئ إلا بالدماء الجارية كما أرادها أبو سفيان حسب قوله. لقد كان علي إذا أحق بالخلافة حسب قانون العصبية؛ ولهذا فقد استعظم والد أبي بكر أبو قحافة حين سمع بتولية ابنه خليفة فقال: أو رضيت بنو عبد مناف وبنو مخزوم (2).وفي عهد عثمان رضي الله عنه وجدت العصبية الجو قد تهيأ لقبولها والتأثر بها؛ لأنها وجدت متنفسا في عهده عن كبتها الذي فرضه عليها أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، قال الطالبي: وفي عهد عثمان رضي الله عنه وجدت العصبية مرتعا خصبا لما أن كثرت مجالات التنافس على المناصب في الولايات المختلفة وعلى الأموال أيضا (3).وقد اتهم عثمان رضي الله عنه بتولية أقربائه عصبية لبني أمية حتى كتب إليه مالك الأشتر قائلا له في كتابه: واحبس عنا سعيدك ووليدك ومن يدعو إليه الهوى من أهل بيتك (4)، وهو اتهام له بالعصبية في تولية هؤلاء الذين ذكرهم الأشتر. ويبدو العنف قوياً في اتهام الخوارج الثائرين لعثمان بتولية قرابته وإيثارهم بذلك حين يقولون له على لسان جبلة بن عمرو: والله لأطرحن هذه الجامعة في عنقك أو لتتركن بطانتك هذه. قال عثمان: أي بطانة؟! فوالله إني لأتخير الناس. فقال: مروان تخيرته، ومعاوية تخيرته، وعبد الله بن عامر بن كريز تخيرته، وعبد الله بن سعد تخيرته! (5). وكانت هذه الحجة، أي إيثاره قرابته من أشهر حججهم وأقواها عندهم وهي حجة واهية فأي مانع في أن يحب الشخص أقاربه ويدنيهم، ما دام أن ذلك لم يكن فيه محذور.--------------------------------------------
(1) ((تاريخ الطبري)) (5/ 209).
(2) ((آراء الخوارج)) (ص47).
(3) ((آراء الخوارج)) (ص47).
(4) ((آراء الخوارج)) (ص47).
(5) ((تاريخ الطبري)) (4/ 366).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 346)

ومن ظن بعثمان أنه ولى قرابته أمور دولته عصبية بغض النظر عن صلاحهم؛ فهو كاذب مفتر، فعثمان قد صدق والله أنه تخير، وأن من ذكرهم جبلة بن عمرو على قصد الذم هم خير منه وأصلح وهم من أبطال المسلمين المشهورين ورافعي راية الإسلام، والتاريخ يشهد لهم بهذا، ومن جهل فضلهم فليراجع سيرهم بعد أن يتجرد عن التعصب والهوى، وليراجع كتب التاريخ ليرى إجابة عثمان عن كل تلك الاتهامات الكاذبة التي وجهها إليه الثوار. والواقع أن الأمر قد صار بالمسلمين بعد أن وصفهم الله بالألفة والأخوة في قوله تعالى: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران: 103]، وفي قوله: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال: 63]- صار بهم الأمر إلى عصبيات فرقتهم شيعا وأحزابا، وقد وصف ابن العربي حالتهم بعد هياج تلك العصبيات بقوله: " وصارت الخلائق عزين في كل واد من العصبية يهيمون، فمنهم بكرية – نسبة إلى أبي بكر-، وعمرية – نسبة إلى عمر بن الخطاب-، وعثمانية – نسبة إلى عثمان بن عفان-، وعلوية – نسبة إلى علي بن أبي طالب-، وعباسية – نسبة إلى العباس، كل تزعم أن الحق معها وفي صاحبها والباقي ظلوم غشوم مقتر من الخير عديم، وليس ذلك بمذهب ولا فيه مقالة، وإنما هي حماقات وجهالات أو دسائس للضلالات، حتى تضمحل الشريعة وتهزأ الملحدة من الملة، ويلهو بهم الشيطان ويلعب، قد سار بهم في غير مسير ولا مذهب " (1).وفيما يتعلق بموضوعنا وهو استمرار ظهور العصبية في عهد الإمام علي ومدى اعتبارها كسبب محرك لظهور الخوارج - فيما يتعلق بذلك نرى أن العصبية قد استمرت في هذا العهد بين القبائل وأنها كانت تحكم تصرفات الخوارج مع الإمام علي منذ البداية، فيروي نصر بن مزاحم المنقري أن أهل العراق وخصوصا الأشعث الذي عده الشهرستاني من الخوارج الذين خرجوا على علي (2)؛ منعهم التعصب من قبول أي مضري حكما من قبل الإمام علي، وأبى إلا أحد اليمنيين وهو أبو موسى الأشعري؛ فيذكر نصر أن الأشعث قال لعلي: " لا والله لا يحكم فيها مضريان حتى تقوم الساعة، ولكن اجعله رجلا من أهل اليمن إذ جعلوا من مضر. فقال علي: إني أخاف أن يخدع يمنيكم؛ فإن عمرا ليس من الله في شيء إذا كان له في أمر هوى. فقال الأشعث: والله لأن يحكما ببعض ما نكره وأحدهما من أهل اليمن أحب إلينا من أن يكون بعض ما نحب في حكمهما وهما مضريان (3).ولهذا امتنعوا أيضا من إرسال عبد الله بن عباس للمفاوضة حين طلب إليهم علي ذلك لأنه قرشي ومن قرابته، ولم يقبلوا إلا أبا موسى وكانت لهم الكلمة في جيش علي. فيذكر المبرد أن جيش علي كان جله من اليمنيين (4)، ويذكر الطبري أن بين اليمانية والمضرية عصبية (5).--------------------------------------------
(1) ((العواصم من القواصم)) (ص189).
(2) ((وقعة صفين)) (ص573).
(3) ((الكامل)) (3/ 116).
(4) ((تاريخ الطبري)) (7/ 385).
(5) ((تاريخ الطبري)) (7/ 385).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 347)

بل لقد كانت العصبية بين أهل القبيلة الواحدة أمرا قائما حتى ولو اختلف ولاؤهم كما وقع لخثعميين قتل أحدهما الآخر في موقعة صفين، حين حمل شمر بن عبد الله الخثعمي (من خثعم الشام) على أبي كعب (رأس خثعم العراق) فطعنه فقتله ثم انصرف يبكي، ويقول: يرحمك الله أبا كعب لقد قتلتك في طاعة قوم أنت أمس بي رحما منهم وأحب إلي منهم نفسا، ولكن والله لا أدري ما أقول ولا أرى الشيطان إلا قد فتننا ولا أرى قريشا إلا وقد لعبت بنا (1). ومنها ما وقع أثناء قراءة الأشعث لكتاب التحكيم حين ضرب عروة عجز دابة الأشعث، فقد أرادت العصبية أن تثور بين النزارية واليمانية غضبا لتلك الضربة فلولا انشغالهم بقضية التحكيم لكان لهم شأن آخر (2).
وقد حدث أن الخوارج فيما بعد – كما ذكر ابن الأثير – أنهم بقيادة شبيب خرجوا في مكان يسمى (بهر سير)، وكان الوالي لتلك الجهة مطرف بن المغيرة وكان يكره ظلم الحجاج وعبد الملك، فراسل الخوارج وطلب منهم إرسال وفد إليه لينظر فيما يدعون وحين سألهم عن دعوتهم قالوا له: ندعو إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإن الذي نقمنا من قومنا الاستئثار بالفيء وتعطيل الحدود والتسلط بالجبرية. فقال لهم مطرف: ما دعوتم إلا إلى حق وما نقمتم إلا جورا ظاهرا أنا لكم متابع فتابعوني على ما أدعوكم إليه ليجتمع أمري وأمركم. فقالوا: اذكره فإن يكن حقا نجبك إليه. قال: أدعوكم إلى أن نقاتل هؤلاء الظلمة على أحداثهم وندعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه، وأن يكون هذا الأمر شورى بين المسلمين يؤمرون من يرتضونه على مثل هذه الحال التي تركهم عليها عمر بن الخطاب، فإن العرب إذا علمت أن ما يراد بالشورى الرضى من قريش رضوا وكثر تبعكم وأعوانكم. فقالوا: هذا ما لا نجيبك إليه وقاموا من عنده وترددوا بينهم أربعة أيام فلم تجتمع كلمتهم (3). فحين سمعوا بتولية أحد القرشيين نفروا عنه وعن استمالته إليهم.
ويذكر الأستاذ أبو زهرة أن العصبية والحسد هما الحافز القوي لخروج الخوارج، وقد كرر هذا المعنى في أكثر من موضع من كتابه (تاريخ المذاهب الإسلامية)، فهو يذكر أن العصبية كانت مختفية في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ثم ظلت مختفية إلى أن جاء عهد عثمان رضي الله عنه، فانبعثت في آخر عهده قوية لجية عنيفة، وكان انبعاثها له أثر في الاختلاف بين الأمويين والهاشميين أولا، ثم الاختلاف بين الخوارج وغيرهم، فقد كانت القبائل التي انتشر فيها مذهب الخوارج من القبائل الربعية لا من القبائل المضرية، والنزاع بين الربعيين والمضريين معروف في العصر الجاهلي، فلما جاء الإسلام أخفاه حتى ظهر في نحلة الخوارج، فكان من الطبيعي أن يكون الحسد من أول ثمار هذه العصبية ومن الأسباب التي حفزت الخوارج إلى الخروج. ويقول أيضا: ومن أعظم هذه الأمور التي حفزتهم على الخروج غير الحق الذي اعتقدوه - أنهم كانوا يحسدون قريشا على استيلائهم على الخلافة واستبدادهم بها دون الناس (4).--------------------------------------------
(1) ((شرح نهج البلاغة)) (5/ 205).
(2) انظر: ((مروج الذهب)) (2/ 404).
(3) ((الكامل)) لابن الأثير (4/ 434).
(4) انظر: ((تاريخ المذاهب الإسلامية)) (1/ 69 - 70)، وانظر: ((فجر الإسلام)) (ص262).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 348)

وقد أورد الأستاذ أحمد أمين رحمه الله أمثلة كثيرة لهياج العصبية بين الناس في عهد الدولة الأموية ثم العباسية. وقد قال المأمون في إجابته لرجل من أهل الشام حين طلب إليه الرفق بهم: وأما ربيعة فساخطة على الله منذ بعث نبيه من مضر، ولم يخرج اثنان إلا خرج أحدهما شاربا (1). ومن هنا فإننا لا نوافق على ما قاله فلهوزن مبرئا للخوارج من العصبية، وأنهم كما قال: كانوا حزبا ثوريا يعتصم بالتقوى لم ينشأوا عن عصبية العروبة بل عن الإسلام (2). ولقد تطورت تلك العصبيات فيما بعد إلى أن كانت من أسباب تقويض ملك بني أمية (3).ونحب أن نشير هنا إلى أن الخوارج فيما بعد قد انمحت لديهم العصبية القبلية والإقليمية، وحلت محلها العصبية للعقيدة والرأي، كما وقع في حوادث عدة كان الخوارج من القبلية يحاربون إخوانهم المخالفين لهم من نفس القبيلة حربا لا هوادة فيها، كما وقع لبني تميم من محاربة إخوانهم من بني تميم أيضا (4).وكما نتبين هذا أيضا من استعطاف عتاب بن ورقاء الرياحي للزبير بن علي بن الماحوز رئيس الخوارج الذين حاصروا عتاب بن ورقاء يغادونه القتال ويراوحونه حتى ضاق بهم ذرعا وأيقن بالهلاك، فبعث عتباب بن ورقاء الرياحي إلى الزبير بن علي: أنا ابن عمك ولست أراك تقصد في انصرافك من كل حرب غيري. فبعث إليه الزبير: أن أدني الفاسقين وأبعدهم في الحق سواء (5).

‌‌المصدر:الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص111--------------------------------------------
(1) ((ضحى الإسلام)) (1/ 43).
(2) ((الخوارج والشيعة)) (ص41).
(3) انظر: ((مروج الذهب)) (3/ 244 - 246) فقد ذكر أمثلة كثيرة لظهور العصبية بين قبائل مضر واليمن.
(4) انظر: ((الكامل)) للمبرد (2/ 326).
(5) انظر: ((شرح نهج البلاغة)) (4/ 164).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 349)

‌‌المبحث الخامس: العامل الاقتصادي
ونعني بهذا العامل أن الخوارج خرجوا مدفوعين - كما قيل - بنقمتهم على ما ظنوه جورا في توزيع الفيء والغنائم، فقاموا بما قاموا به طلبا للمال. ويرى الطالبي أن العامل الاقتصادي في ظهور الخوارج عامل له أهميته وخطورته إلى جانب عامل العصبية، وينقل في ذلك عن ابن حجر أن أبا عوانة يعقوب بن إسحاق النيسابوري ترجم في مسنده للأحاديث الواردة في الخوارج بقوله: بيان أن سبب خروج الخوارج كان بسبب الأثرة في القسمة مع كونها كانت صوابا فخفي عنهم ذلك (1).والواقع أن النقمة بسبب تقسيم الفيء بدأت حتى منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما وقع من ذي الخويصرة حيث اعتبرها الشهرستاني وابن الجوزي (2) من عوامل نشأة الخوارج، وإن خروجهم يبتدئ من هذا الوقت، وإن كانت فيما يظهر لي أنها من الوقائع اليومية التي تجري بها العادة بين الناس لما جبلت عليه النفوس من حب المال والتطلع إلى الإكثار منه، وأنها مرت في حياة المسلمين مرورا عاديا دون أن تكون لها نتائج مباشرة؛ ذلك أن ذا الخويصرة لم يكن مدفوعا فيما قاله للنبي صلى الله عليه وسلم بعصبة تحرضه على ذلك وإنما دفعته – كما قلنا – نزعته الفردية ولا سيما وأنه يعرف من عطف النبي صلوات الله وسلامه عليه ورحمته ما شجعه على ذلك.
ولهذا فإننا نلغي من حسابنا هذه الواقعة في دراسة مدى تأثير العامل الاقتصادي على قيام الخوارج، بل لقد ألغيناها سابقا كبدء لظهور فرقة الخوارج، وإن عددنا سابقة من السوابق التاريخية في تطلع الناس إلى الغنائم ونقمتهم على تقسيمها. ولقد ظهر ذلك بصورة واضحة كعامل من العوامل المحركة للثورة على عثمان رضي الله عنه؛ فبعد الهجوم عليه وقتله من قبل الثائرين تنادوا في الدار: أدركوا بيت المال لا تسبقوا إليه، وسمع أصحاب بيت المال أصواتهم وليس فيه إلا غرارتان - كما يقول الطبري، أو كان فيه مال كثير كما يقول ابن كثير - فقالوا: النجا النجا، فإن القوم إنما يحاولون الدنيا فهربوا وأتوا بيت المال فانتهبوه (3).
ولقد كان عثمان رضي الله عنه متهما عند هؤلاء الثائرين عليه بإيثار قرابته بالعطايا على حساب بقية المسلمين، من بيت المسلمين ومن ذلك ما يرويه صاحب كشف الغمة من أن عثمان أعطى مروان من بيت المال مائة ألف وأنه أنفق على نفسه ودوره من بيت المال، وأنه جعل الصدقة لنفسه ولأهل بيته دون من جعلها الله لهم، ونقص أهل بدر أعطياتهم كل واحد ألفا ألف عما فرض لهم عمر رضي الله عنه، وكنز الذهب والفضة … إلخ تلك الافتراءات التي اعتبروا فيها عثمان قد جار في توزيع الأموال، وأنه يستحق بذلك الخروج عليه. وقد أورد ابن أبي الحديد روايات في إعطاء عثمان أقاربه وأهله من بيت المال الشيء الكثير، ثم قال: والذي نقول نحن: إنها وإن كانت أحداثا إلا أنها لم تبلغ المبلغ الذي يستباح به دمه. وذكر أيضا في موضع آخر من كتابه شرح (نهج البلاغة) دفاعا عن عثمان للقاضي عبد الجبار وردا عليه من المرتضى (4).--------------------------------------------
(1) ((آراء الخوارج)) (ص51)، ((فتح الباري)) (12/ 301).
(2) ((الملل والنحل)) (1/ 21). ((تلبيس إبليس)) (ص90).
(3) ((تاريخ الطبري)) (4/ 391)، ((البداية والنهاية)) (7/ 189).
(4) انظر: ((نهج البلاغة)) (1/ 199)، و (2/ 324 - 333).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 350)

ولسنا في مقام تحقيق ما ينسب إلى عثمان رضي الله عنه في هذا الجانب أو في بيان نقده أو ذكر محامله الشرعية، فذلك له مقام آخر، وإنما نقصد هنا بيان أثر العامل الاقتصادي في ثورة الثائرين عليه. ومما لا شك فيه أن بعض عماله رضي الله عنه قد ساعدوا على تحريك هذا العامل في نفوس الناس بما وقع من فلتات كلامهم أو بعض تصرفاتهم، ونذكر في هذا المقام ما قاله سعيد بن العاص والي العراق من قبل عثمان وهو يسامر بعض وجوه أهل الكوفة فقد قال لهم: إنما هذا السواد – يعني به سواد العراق – بستان لقريش. فقال الأشتر: أتزعم أن السواد الذي أفاء الله علينا بأسيافنا بستان لك ولقومك، والله ما يزيد أوفاكم فيه نصيبا إلا أن يكون كأحدنا. وتكلم معه القوم (1).ومن هنا بدأت الفتنة في الاشتعال وبدأ سب الولاة والخليفة نفسه، وكانت هذه الحادثة نواة لأحداث أثمرت فيما بعد الهجوم على الخليفة نفسه في المدينة حتى قتلوه، ويصف معاوية رضي الله عنه أولئك الناقمين على عثمان في العراق في كتاب بعث به إليه يقول عنهم: إنما همهم الفتنة وأموال أهل الذمة (2).
وهكذا يتبين لنا أن للعامل الاقتصادي أثره في الثورة على عثمان رضي الله عنه، فهل كان الدافع لخروج الخوارج على علي أيضا هو العامل الاقتصادي؟ الجواب نعم … إنه كان سببا من أسباب خروجهم عليه، وذلك حين منعهم من سبي أهل الجمل، بل هو أول ما نقموا عليه من الأمور كما عبروا عن هذا بقولهم له: " أول ما نقمنا منك أنا قاتلنا بين يديك يوم الجمل، فلما انهزم أصحاب الجمل أبحت لنا ما وجدنا في عسكرهم من المال ومنعتنا سبي نسائهم وذراريهم (3).
ونقول: إن العامل الاقتصادي كان من أسباب خروج الخوارج على الإمام علي، ولكنه لم يكن السبب الوحيد كما ظهر لنا من استعراض الأسباب الأخرى. وكما قلنا من أن كل ظاهرة اجتماعية معقدة تكمن وراءها أسباب دينية واجتماعية واقتصادية متشابكة.

‌‌المصدر:الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص118--------------------------------------------
(1) ((تاريخ الطبري)) (4/ 323).
(2) ((الكامل)) لابن الأثير (3/ 141).
(3) ((الفرق بين الفرق)) (ص78).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 351)

‌‌المبحث السادس: الحماس الديني يرى بعض العلماء أن سبب خروج الخوارج كان رد فعل لتمسكهم الشديد بالقرآن والسنة، وهو ما ذكره الطالبي بقوله: " فالتقوى والتمسك بالقرآن والسنة تمسكا شديدا من أسباب الخروج ودواعي الإنكار، إنكار جميع الأوضاع من أساسها ونبذ الفريقين المتقاتلين جميعا، فالتقوى والتمسك بالعقيدة في أصلها أدى بالخوارج إلى الثورة العنيفة على كل شيء " (1).وهو أيضا رأي لفلهوزن حيث يذكر أن الباعث على خروج الخوارج إنما كان ناتجا عن تقوى شديدة ورغبة في التوبة الفعلية من خطئهم في صفين حين قبلوا التحكيم، ولهذا فقد طالبوا الإمام عليا أن يتوب توبة فعلية ليرجعوا إلى طاعته، بل يرى أن التشدد في مبادئ الإسلام يفضي بهم إلى أن يتجاوزوا بنقدهم إلى النبي نفسه (2).ويقول أحمد أمين: " وقد حملهم شديد إيمانهم أن ينتهزوا كل فرصة للدعوة إلى مبادئهم جهرا، ويرسلوا الرسل إلى خلفاء بني أمية يدعونهم ولم يضنوا بأي نوع من أنواع التضحية (3).ويرى الأستاذ أبو زهرة كذلك أن تلك العاطفة الدينية الجياشة التي جعلتهم يندفعون إلى الخروج إنما كانت نابعة من حياتهم البدوية الساذجة فيقول: " كان أكثرهم من عرب البادية وقليل منهم من كان من عرب القرى، وهؤلاء كانوا في فقر شديد قبل الإسلام، ولما جاء الإسلام لم تزد حالهم المادية حسنا؛ لأنهم استمروا في باديتهم بشدتها وصعوبة الحياة فيها وأصاب الإسلام شغاف قلوبهم مع سذاجة في التفكير وضيق في التصور وبعد عن العلوم، فتكون من مجموع ذلك نفوس مؤمنة متعصبة بضيق نطاق العقول ومتهورة مندفعة؛ لأنها نابعة من الصحراء، وزاهدة لأنها لم تجد " (4).
وبغض النظر عن مدى صحة ما علل به الأستاذ أبو زهرة عاطفتهم الدينية المتعصبة من الفقر والبداوة في أكثر الخوارج؛ فإن الذي يعنينا هنا هو التأكيد على أن هذه العاطفة الدينية كانت بالفعل من الأسباب القوية المحركة لكثير من الخوارج في خروجهم، كما ينبئ عن ذلك غلوهم في العبادة وهو من أهم خصائصهم، وإن لم يمنعنا ذلك من أن نأخذ عليهم أن عاطفتهم الدينية المتحمسة قد دفعتهم إلى أعمال كثيرة خارجة عما يقتضيه التدين الصحيح المتسم بالتروي وعدم التعصب في معاملة الآخرين.
هذه هي أهم الأسباب التي عرضت في تعليل خروج الخوارج على الإمام علي وعلى الخلفاء من بعده، ولعل فيما قدمناه في هذا الفصل توضيحا لمدى أثر كل سبب من تلك الأسباب، سواء منها ما كان مباشراً أو غير مباشر.

‌‌المصدر:الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص121--------------------------------------------
(1) ((آراء الخوارج)) (ص84).
(2) ((الخوارج والشيعة)) (ص37).
(3) ((فجر الإسلام)) (ص263).
(4) ((تاريخ المذاهب الإسلامية)) (1/ 68).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 352)

‌‌تمهيد
بعد أن عرضنا لوضع الخوارج الفكري والحربي والسياسي نبدأ الآن بالحديث عن فرق الخوارج؛ متى بدأ تكونها، وما هي الأسباب التي أدت إلى افتراق الخوارج بعد أن كانوا على رأي واحد، وما هي مناهج مؤرخي الفرق المختلفة في التاريخ لها؟
وأخيرا نقدم عرضا موجزا لتاريخ هذه الفرق، مرجئين بيان آرائها ومناقشتها في تلك الآراء إلى الباب التالي، اللهم إلا ما نذكره عرضا عن بعض آراء الفرق الفرعية.

‌‌المصدر:الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص189

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 353)

‌‌المبحث الأول: نشأة فرق الخوارج وأسبابها
بدأ تكون فرق الخوارج – كما قلنا سابقا – بظهور نافع بن الأزرق وجماعته التي تنتسب إليه والتي عرفت باسم الأزارقة وذلك في أوائل الستينات، وتتابع بعد ذلك ظهور تلك الفرق سواء الفرق الكبرى أو ما تشعب عنها من فرق صغرى.
ولقد كان لهذا الافتراق أسبابه الظاهرة والخفية وإن لم تكن في أغلب الأحيان أسبابا لها قيمتها، فقد عرفنا عنهم أنهم كانوا يختلفون ويفترقون لأتفه الأسباب، ومهما يكن من أمر فإلى جانب اختلافهم حول سلوك بعضهم على هذا النحو أو ذاك كانت هناك أسباب لهذا الاختلاف ترجع إلى اختلافهم في الآراء الدينية وفي مواقفهم من الجماعة الإسلامية.
فقد كان الخوارج في مبدأ أمرهم لا يعرفون تلك التفاصيل في مذهبهم التي أحدثت بينهم الخلافات فيما بعد وفرقتهم فرقا متعددة ذات آراء مختلفة، كالاختلاف في القعدة والتقية والهجرة من دار مخاليفهم إلى دارهم، كذلك حكم أطفال مخالفيهم هل هو تابع لحكم آبائهم أم يختصون بحكم مستقل مع الاختلاف في حكم هؤلاء الآباء المخالفين. . الخ.
وقد أثرت فيهم هذه الاختلافات في الآراء حين حدثت فتعددت طوائفهم، واختلفت بتعدد هذه الآراء واختلافهم. وقد اختلف العلماء في الشخصية التي أحدثت هذه الخلافات بين صفوف الخوارج وفرقت كلمتهم وجعلت بعضهم يبرأ من بعض؛ فقيل إن أول من أحدث الخلاف بين الخوارج هو نافع الأزرق الحنفي، وقيل إن أول من أحدثها عبد ربه الكبير أو رجل يسمى عبد الله بن الوضين، وأن نافعا كان من المخالفين له في مبدأ أمره ولكنه بعد وفاته تبين له أن الحق كان معه فرجع إلى الأخذ بقوله وأكفر من يخالفه بعد ذلك. وأما من خالفه قبل ذلك – أي قبل أن يرى نافع أن قوله صحيح – فليس بكافر وكأن الحكم يبتدئ عنده من يوم أن تبين له صحة رأي ابن الوضين، وقيل إن أول من أحدثها عبد ربه الصغير (1).
والحقيقة كما يظهر لي أن خلاف الخوارج لم يشتد ولم يأخذ شكله الحاد إلا حين تبنى نافع بن الأزرق آراءه الخاصة في تلك المسائل التي لم يعرفها سلف الخوارج ولم يخوضوا فيها بالتفصيل، وحينما أخذ نافع في تطبيقها اعتبرها الخوارج آراء متطرفة لم يقل بها سلفهم من أهل النهروان ولا غيرهم؛ فمثلا حرم التقية واعتبرها خشية من غير الله لا تجوز بحال مستدلا بقوله تعالى: إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً [النساء: 77].
وعلى هذا فإن القعدة الذين يستندون إلى التقية غير مؤمنين في نظره، واعتبر كل مخالفيه مشركين كفرة لا تحل مناكحتهم ولا موارثتهم ولا أكل ذبائحهم ولا يجب رد أماناتهم إليهم. ويحل أيضا قتل نسائهم وأطفالهم كما قال تعالى: وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا [نوح:27]. وعندما وصل إلى هذا الحد انفصلت عنه النجدات بقيادة نجدة بن عامر؛ لأنهم رأوا أن هذه الآراء مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله وسلفهم القديم قائلين له: " أحدثت ما لم يكن عمله السلف من أهل النهروان وأهل القبلة "، فأجابهم بأن هذه حجة عرفها وقامت عليه وينبغي الأخذ بها (2). قال عبد الرحمن النجم: " إن الآراء الشديدة الغاية التي تبناها نافع بن الأزرق وضعت الخوارج في بداية مرحلة خطيرة، فقد فتحت مجالا واسعا أمام مجتهديهم لمناقشات نظرية واسعة استمرت فترة من الزمن وأدت إلى ظهور آراء متباينة ومواقف مختلفة وكانت سببا في تفرقهم، ولا ريب أن الاتجاه المعتدل الذي يمثله النجدات هو أقرب إلى آراء عامة المسلمين " (3).وابن عبد ربه يرى أن الخوارج قبل وجود نافع بن الأزرق كانوا لا يختلفون إلا في الشيء الشاذ حتى جاء نافع فأوجد فجوات ينهم؛ يقول ابن عبد ربه: " الأزارقة أصحاب نافع بن الأزرق الحنفي وكانوا قبل على رأي واحد لا يختلفون إلا في الشيء الشاذ " (4).
ومهما يكن من اختلاف العلماء حول تحديد أول من أحدث الافتراق بين الخوارج فقد كان لهذه الاختلافات أثرها السيء على مجرى حياتهم؛ إذ أخذ كل فريق منهم يشنع على مخالفيه قوله كما سيتبين لنا ذلك فيما بعد.

‌‌المصدر:الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص190--------------------------------------------
(1) انظر: ((مقالات الأشعري)) (1/ 170)، ((الفرق بين الفرق)) (ص84).
(2) ((مقالات الأشعري)) (1/ 170)، ((الفرق بين الفرق)) (ص84).
(3) ((البحرين في صدر الإسلام)) (ص128).
(4) ((العقد الفريد)) (2/ 391).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 354)

‌‌المبحث الثاني: مناهج مؤرخي الفرق في ذكر فرق الخوارج
عندما يريد الباحث حصر فرق الخوارج الأصلية منها أو الفرعية يفاجأ بكثرة اختلاف العلماء في ذلك، وذلك لأن كتب الفرق الإسلامية لم تتفق أبدا على تقسيم فرقهم الرئيسية أو الفرعية على عدد معين، فنجد بعضهم يعدها أربعا، وبعضهم يعدها خمسا، وبعضهم يعدها سبعا، وبعضهم يعدها ثماني، وآخرون خمسا وعشرين … إلخ.
وهكذا يتباين عددهم عند علماء الفرق، وهذا يعود بالطبع إلى عوامل هامة ومنها:
أن الخوارج كانوا من الفرق الثائرة المضطهدة من جهة خصومهم وهم عامة الناس، الأمر الذي أدى إلى عدم التمكن من الدراسة الدقيقة لفرقهم في عصر خروجهم.
أنهم هم أنفسهم ساهموا في إخفاء أمرهم بحيث أخفوا كتبهم عن أعين الناس؛ إما خوفا عليها منهم أو ضنا بها عنهم وهي قليلة جدا قلة فراغ الخوارج الذين وهبوا كل أوقاتهم للحرب أو الإعداد لها على طول حياتهم.
أنهم لم ينعموا بالاستقرار والهدوء الذي ينتج عنهما نظرهم في العلوم وتحقيقهم لمذهبهم وتأريخهم لفرقهم المختلفة تأريخا مضبوطا يساعد على حصرها حصرا صحيحا.
أنهم كانوا – كما قلنا سابقا – سريعي التفرق؛ إذ حصول أقل سبب تافه كان كافيا لتفرقهم إلى فرق.
ولهذا تشعبت فرقهم واختلط أمرها على المؤرخين.
وقد ذكر العلماء أقوالا كثيرة في ندرة كتبهم وفي صعوبة الوصول إلى حقيقة أمرهم وشكوا من هذا الأمر الذي يوقف الباحث أمام مشكلة هامة، وقد مر بنا الحديث في هذه المسألة في مقدمة الرسالة. وقد نتج عن سرعة تفرقهم لأقل سبب يحدث أن كثر رؤساؤهم وفرقهم كثرة اختلط أمرهم بسببها على المؤرخين، وفي هذا يقول أحمد أمين عنهم: والخوارج لم يكونوا وحدة، ولم يكونوا كتلة واحدة، وإنما كان واضحا فيهم الطبيعة العربية البدوية فسرعان ما يختلفون وينضمون تحت ألوية مختلفة يضرب بعضها بعضا ولو اتحدوا لكانوا قوة في منتهى الخطورة (1).وكذلك يقول الشيخ أبو زهرة؛ فإنه يرجع سبب تفرقهم إلى فرق متباينة إلى " كثرة الاختلاف فيما بينهم وتحيز كل فرقة لما ارتأت وتجمعها حوله حتى صاروا مذاهب وجماعات متباينة" (2). ويقول الأستاذ محمد الطاهر النيفر عنهم: وكانوا كثيري التشاجر فيما بينهم لأتفه الأسباب، وربما كان هذا هو السر في انهزامهم مع قوة شكيمتهم في القتال (3).
وفيما يلي بيان للاختلاف البعيد بين علماء الفرق في عد فرق الخوارج. فالأشعري يرى أنهم أربع فرق: الأزارقة، والنجدات، والإباضية والصفرية. ثم يقول: وكل الأصناف سوى الأزارقة والإباضية والنجدية فإنما تفرعوا من الصفرية " (4).ويشاركه في هذا الحصر ابن عبد ربه، إلا أنه ذكر البهيسية مكان النجدات فهي عنده من فرقهم الكبرى (5)، بينما هي عند غيره فرقة فرعية. ويرى صاحب إبانة المناهج أنها خمس فرق رئيسية وذكر الفرق التي تقدمت عند الأشعري وابن عبد ربه مثبتا أن الكل من كبار فرقهم، ويلاحظ عليه أنه اختلط عليه اسم عبد الله بن إباضي بعبد الله بن يحيى طالب الحق فنسب الإباضية إليه، وهو خطأ تاريخي (6).ويرى البعض أنها سبع فرق رئيسية ومنهم محيي الدين الدبسي حيث أضاف إلى ما تقدم في إبانة المناهج فرقة المحكمة والعجاردة (7)، وذكر أن فروع الإباضية عنده أربع فرق والعجاردة عشر فرق، ومثله الشاطبي فهو يعدها سبع فرق وهي: المحكمة، والبيهسية، والأزارقة، والحراث، والعبدية، والإباضية.--------------------------------------------
(1) ((فجر الإسلام)) (ص 259).
(2) ((تاريخ المذاهب الإسلامية)) (ص 80).
(3) ((أهم الفرق الإسلامية)) (ص61).
(4) ((مقالات الأشعري)) (1/ 183).
(5) ((العقد الفريد)) (2/ 391).
(6) ((إبانة المناهج)) (ص 155).
(7) ((رسالة الدبس)) في فرق الشيعة والخوارج وتكفير غلاتهم (ص26).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 355)