Arabic source text

📘 মাওসূআতুল ফিরাকিল মুনতাসিবাহ লিল ইসলাম (মাজমুআহ মিনাল মুয়াল্লিফীন)

📘 موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام (مجموعة من المؤلفين)

📘 মাওসূআতুল ফিরাকিল মুনতাসিবাহ লিল ইসলাম (মাজমুআহ মিনাল মুয়াল্লিফীন)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
وأما جيش فروة فقد ولوا عليهم عبد الله بن أبي الحوساء الطائي وسماه البغدادي عبد الله بن جوشا (1). وقد ثار هذا الخارجي على معاوية بعد أن أوثق أهل الكوفة صاحبهم فروة فولاه الخوارج أمرهم وكان تهديد معاوية لا يزال له رنين في آذان أهل الكوفة فقاتلوهم حتى قتلوهم هم ورئيسهم ابن أبي الحوساء في ربيع الأول أو الآخر سنة 41هـ (2)، في موضع خروجهم بالنخيلة.
ثم خرج عليه حوثرة بن وداع الأسدي في برازلروز، وذلك بعد قتل ابن أبي الحوساء سنة 41هـ؛ حيث اجتمع الخوارج فولوه أمرهم وكان لا يشك في أن قتال علي بن أبي طالب حق، ولهذا عبد الله بن فروة حين شك في ذلك. ولما اجتمع له مائة وخمسون رجلا أتى النخيلة مكان هزيمة سلفه ابن أبي الحوساء، فانضم إليه من بقي من جنود أبي الحوساء وهم عدد قليل.
فأراد معاوية أن يضربه بأبيه فأرسله إليه وقال له: اخرج إلى ابنك فلعله يرق إذا رآك. فخرج إليه وناشده وذكره فلم يقبل منه، فأراد أن يثير فيه عطف الأبوة فقال: ألا أجيئك بابنك فلعلك إذا رأيته كرهت فراقه، فرد عليه حوثرة رد المستميت قائلا له: أنا إلى طعنة من يد كافر برمح أنقلب فيه ساعة أشوق مني إلى ابني. فيئس أبوه منه وأخبر معاوية خبره فقال له: يا أبا حوثرة عتا هذا جدا. فأرسل إليه معاوية جيشا بقيادة عبد الله بن عوف في ألفين وكان معه أبا حوثرة، وفي المعركة دعا ابنه إلى البراز فقال له حوثرة: يا أبت لك في غيري سعة. واشتد القتال وتبارز حوثرة: وعبد الله بن عوف، فطعن ابن عوف حوثرة فأراده قتيلا وقتل أصحابه إلا خمسون رجلا دخلوا الكوفة، وقد رأى ابن عوف أن قتيله حوثرة بوجهه أثر السجود فندم على قتله وقال شعرا:
قتلت أخا بني أسد سفاها … لعمر أبي فما لقيت رشدي
قتلت مصليا محياء ليل … طويل الحزن ذا بر وقصد
قتلت أخا تقي لا نال دنيا … وذاك لشقوى وعثار جدي
فهب لي توبة يا رب واغفر … لما قارفت من خطأ وعمد (3).
ويذكر البغدادي أنه كان من المستأمنين إلى علي يوم النهروان (4).
ويذكر ابن عبد ربه أن حوثرة الأقطع كان أول من خرج من الخوارج بعد قتل علي، والصحيح أن فروة بن نوفل، وقد قال حوثرة حين رأى تجمع أهل الكوفة عليه: " يا أعداء الله أنتم بالأمس تقاتلون معاوية لتهدوا سلطانه، واليوم تقاتلون معه لتشدوا سلطانه " وكان يرتجز في حملاته عليهم بقوله:
أحمل على هذي الجموع حوثرة … فعن قريب ستنال المغفرة--------------------------------------------
(1) ((الفرق بين الفرق)) (ص82).
(2) ((الكامل)) لابن الأثير (3/ 410).
(3) ((الكامل)) لابن الأثير (3/ 410).
(4) ((الفرق بين الفرق)) (ص82).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 376)

ويذكر ابن عبد ربه أيضا أن القاتل له رجل من طيئ وأنه ندم حينما رأى أثر السجود في جبهته (1).ثم أراد الخروج عليه سنة 41هـ رجل من محارب يسمى معنا فصغر إلى معين بن عبد الله، كان يريد الخروج وذلك في زمن ولاية المغيرة بن شعبة، فلما علم ذلك المغيرة أرسل إليه وعنده جماعة فأخذه وحبسه وكتب في شأنه إلى معاوية، فكتب إليه معاوية أن يستشهده فإن شهد أن خلافة معاوية حق أطلقه فأحضره المغيرة وقال له: أتشهد أن معاوية خليفة وأنه أمير المؤمنين. فأجابه جواب من هانت عنده المنايا قائلا له في غير مبالاة: " أشهد أن الله عز وجل حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور ". فأمر به فقتله قبيصة الهلالي الذي لاقى فيما بعد حتفه على أيدي الخوارج الذي ائتمروا به (2) انتقاما لقتله معنا. ثم خرج أبو مريم وهو مولى لبني الحارث بن كعب وقد أحب أن يشرك النساء معه في الخروج؛ إذ كانت معه امرأتان قطام وكحيلة، فكان يقال لهم يا أصحاب كحيلة وقطام تعبيرا لهم، وقد أراد بهذا أن يسن خروجهن فعابه أبو بلال فقال له: قد قاتل النساء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع المسلمين بالشام وسأردهما، فردهما وكان بموضع يقال له بادوربا فوجه إليه المغيرة جابر البجلي فقاتله حتى قتله وانهزم أصحابه (3). ثم خرج رجل يقال له أبو ليلى، أسود طويل الجسم، وقبل أن يعلن خروجه دخل مسجد الكوفة وأخذ بعضادتي الباب، وكان في المسجد عدة من الأشراف، ثم صاح بأعلى صوته: لا حكم إلا لله، فلم يعترض له أحد، ثم خرج وخرج معه ثلاثون رجلا من الموالي بسواد الكوفة، فبعث له المغيرة معقل ابن قيس الرياحي فقتله سنة 42هـ (4).
ثم خرج المستورد بن علفة التيمي، وكان بدء خروجهم سنة 42هـ عندما بدءوا يتشاورون في ذلك، ولما جاءت سنة 43هـ أعلنوا الخروج المسلح انتقاما لمصارع إخوانهم، فقد كانت الخوارج يلقى بعضهم بعضا فيذاكرون مصارع إخوتهم بالنهر، فيترحمون عليهم ويحض بعضهم بعضا على الخروج للانتقام من حكامهم الجورة الذين عطلوا الحدود واستأثروا بالفيء، فاجتمع رأيهم على ثلاثة نفر منهم لتولي قيادتهم المستورد بن علفة التيمي، ومعاذ بن جويني الطائي، وحبان بن ظبيان السلمي الذي كان منزله مكانا لا جتماعاتهم، ولكن كل واحد من هؤلاء الثلاثة دفع تولي الخلافة عن نفسه، وأخيرا اتفقوا على أن يتولاها المستورد هذا، وكانوا أربعمائة شخص ونادوه بأمير المؤمنين، وكان المستورد ناسكا كثير الصلاة وله آداب وحكم مأثورة، واتفق على أن يكون الخروج غرة شعبان سنة 43هـ.
ولما علم بذلك المغيرة بن شعبة أرسل مدير شرطته قبيصة بن الدمون إلى مكان اجتماعهم وهو منزل حيان كما تقدم، فأخذوهم وجاءوا بهم إلى المغيرة فأودعهم السجن بعد استجوابهم وإنكارهم أن يكون اجتماعهم لشيء غير مدارسة كتاب الله.
ثم خرج المستورد إلى الحيرة وصار ملجأ للخوارج فأخذوا يختلفون إليه، فلما خاف أن يفتضح أمرهم لجأ إلى دار صهره سليم بن محدوج، ولكن المغيرة بن شعبة علم بأن الخوارج قد عزموا على الخروج قريبا، فقام في الناس خطيبا فذكر لطفه بهم ومحبته لهم وأنهم سيضطرونه إلى تعديل رأيه فيهم حتى يأخذ الحليم بالسفيه، فأجابه رؤساء القبائل بأنهم مستعدون للقيام معه بمجاهدة من يخالفه ويشق عصى الطاعة.--------------------------------------------
(1) ((العقد الفريد)) (2/ 216 - 217). وانظر: ((شرح نهج البلاغة)) (4/ 134).
(2) ((الكامل)) لابن الأثير (3/ 412).
(3) ((الكامل)) لابن الأثير (3/ 412).
(4) ((الكامل)) لابن الأثير (3/ 413).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 377)

فوصل كل ما دار في هذا الاجتماع إلى المستورد من غير ابن محدوج الذي رجع كئيبا مهتما، فسأل ابن محدوج عن كل هذا فأخبره وقال له: كرهت أن أعلمكم فتظنوا أنه ثقل علي مكانكم. فقال: له المستورد. قد أكرمت المثوى وأحسنت ونحن مرتحلون عنك.
فلما بلغ هذا إلى مسامع الذين في سجن المغيرة قال معاذ بن جوين بن حصين يتحسر:
ألا أيها الشارون قد حان لامرئ … شرى نفسه لله أن يرتحلا
أقمتم بدار الخاطئين جهالة … وكل امرئ منكم يصاد ليقتلا
فشدوا على القوم العداة فإنما … إقامتكم للذبح رأيا مضلالا
فيا ليتني فيكم على ظهر سابح (1) … شديد القصيري (2) دارعا (3) غير أعزلا
وياليتني فيكم أعادي عدوكم … فيسقيني كأس المنية أولا
يعز علي أن تخافوا وتطردوا … ولما أجرد في المحلين (4) منصلا
ولو أنني فيكم وقد قصدوا لكم … أثرت إذا بين الفريقين قسطلا (5)
فيا رب جمع قد فللت وغارة … شهدت وقرن قد تركت مجدلا
في أبيات له يتحسر على ما أصاب الخوارج من محن.
ثم أرسل المستورد إلى أصحابه أنه مكان الاجتماع سورا وعليهم أن يخرجوا متفرقين مستخفين، فاجتمعوا بها ثلاثمائة رجل ثم انتقلوا إلى الصراة.
ولما علم المغيرة بهذا الأمر استشار الناس فيمن يلي حربهم، وكان عنده رؤساء الشيعة، فكل واحد منهم ترجى المغيرة أن يكون هو المتولي حربهم فولى معقل بن قيس الرياحي وجهز معه ثلاثة آلاف رجل هم نقاوة الشيعة وفرسانهم.
وقد صار الخوارج إلى بهرسير وأرادوا الدخول إلى المدينة التي كانت بها منازل كسرى، وكان الوالي عليها سماك بن عبيد الأزدي فمنعهم فكتب إليه المستورد هذا الكتاب:
" من عبد الله المستورد أمير المؤمنين إلى سماك بن عبيد أما بعد:
فقد نقمنا على قومنا الجور في الأحكام وتعطيل الحدود والاستئثار بالفيء، وإنا ندعوك إلى كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وولاية أبي بكر وعمر رضوان الله عليهما، والبراءة من عثمان وعلي لإحداثهما في الدين وتركهما حكم الكتاب، فإن تقبل فقد أدركت رشدك، وإلا تقبل فقد بالغنا في الإعذار إليك وقد آذناك بحرب فنبذنا إليك على سواء، إن الله لا يحب الخائنين ".
فلما قرأ سماك كتابه قال: بئس الشيخ أنا إذا، ثم كتب للمستورد كتابا يدعوه فيه إلى الدخول في الجماعة، وأن يأخذ له الأمان فلم يجبه وأصر على ما هو عليه.
وسار معقل إليه، فلما علم به جمع أصحابه واستشارهم قائلا لهم: " إن المغيرة قد بعث إليكم معقل بن قيس وهو من السبئية المفترين الكاذبين فأشيروا علي برأيكم؟ ". فافترقوا في رأيهم بين قائل بالحرب وآخر بدعاء الناس إلى صفهم وإقامة الحجة على مخالفيهم. ولكن كان رأي المستورد غير هذا وهو أن يستعمل المطاولة في حربهم فيخرج من مكان إلى آخر حتى يبددهم، ثم يلقاهم وقد تعبوا فكان هذا رأيهم فصاروا يتنقلون من محل إلى آخر، وكانت تقع بعض المناوشات بينهم وبين رجل كان معه قوة من الفرسان يلازمهم من أصحاب معقل، ولما انتهى به المطاف إلى ديلمايا كانت المعركة النهائية حيث تبارز المستورد مع معقل فضرب كل واحد منهما صاحبه فخرا ميتين، وهزمت الخوارج وقتلوا شر قتلة فلم ينج منهم غير خمسة أو ستة (6)، وقتل المستورد سنة 43هـ.--------------------------------------------
(1) أي: فرس.
(2) القصيري: أسفل الأضلاع.
(3) عليه درع.
(4) الذي يستحل قتاله أو الذي لا عهد له ولا حرمة.
(5) أي الغبار الساطع.
(6) انظر: ((تاريخ الطبري)) (5/ 181 - 209)، وانظر: ((الكامل)) لابن الأثير (3/ 421 - 436)، وانظر: ((شرح نهج البلاغة)) (4/ 134).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 378)

ثم كان خروج سهم بن غالب الهجيمي والخطيم واسمه يزيد بن مالك سنة 46هـ عند الطبري، وعند ابن الأثير إن بدء خروجهما كان سنة 41هـ ونهايته كانت سنة 46هـ، فلما اجتمع لسهم سبعون رجلا خرجوا على ابن أبي عامر الوالي من قبل معاوية.
خرج هؤلاء فنزلوا بين الجسرين والبصرة، وهناك أخذوا في ارتكاب جرائم القتل، وكانوا أشرارا يقتلون من يقول إنه مسلم ويتركون من يقول إنه من أي ملة كان، ففي أثناء ذلك الخروج مر بهم الصحابي عبادة بن فرص الليثي راجعا من غزو الكفار، ومعه ابنه وابن أخيه فقال لهم الخوارج: من أنتم؟ قالوا: قوم مسلمون. قالوا: كذبتم. قال عبادة: سبحان الله! اقبلوا منا ما قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم مني، فإني كذبته وقاتلته ثم أتيته فأسلمت فقبل ذلك مني، قالوا: أنت كافر وقتلوه وقتلوا ابنه وابن أخيه. وقد خرج لقتالهم ابن عامر بنفسه فقتل منهم وانتصر عليهم واستأمن بقيتهم، وكان فيهم سهم والخطيم فآمنهم، فلما تولى زياد البصرة – وقيل في ولاية ابن زياد – خاف سهم منه وخرج إلى الأهواز واجتمع إليه الناقمون على بني أمية، ثم أقبل يريد أخذ البصرة ولحسن الحظ أن جيشه قد تفرق عنه حين دخل البصرة حتى لم يبق إلا هو وحده فطلب الأمان لنفسه، ولكن صادف رجلا لا يعرف الرحمة فأخذه وقتله وصلبه في داره، وأما الخطيم فإن زيادا سيره إلى البحرين ثم أذن له في الرجوع إلى البصرة على أنه إذا بات ليلة خارج داره فقد أذن في قتله، وذات ليلة لم يبت في بيته فجاء مسلم بن عمرو وقال لزياد: إن الخطيم لم يبت الليلة في بيته، فأخذه زياد وقتله وانتهت حركتهم. وقد رثى أحد الخوارج سهما بقوله:
فإن تكن الأحزاب باءوا بقتله … فلا يبعدن الله سهم بن غالب (1)
ثم خرج قريب بن مرة وزحاف بن زحر الطائي سنة 50هـ.
وكان هذان الرجلان ابني خالة وكانا من العابدين المجتهدين بالبصرة، ولما غلبت عليهما شقوتهما خرجا بقلوب تغلي غيظا على المجتمع وقد اختلف في أيهما كان الرئيس، وذلك في ولاية ابن زياد على الكوفة، فحينما خرجا أخذا يستعرضان الناس استعراضا، وكانا قد أشاعا القتل والخوف فيهم لا يبالون بمن قتلوه كائنا من كان ما دام قد وجد أمامهم، حتى إنهم مروا بشيخ ناسك من بني ضبيعة يسمى رؤية الضبعي أو حكاك، فقال حين رآهم: مرحبا بأبي الشعثاء، فلم تشفع له شيخوخته عندهم بل قتلوه، وكانوا إذا مروا ببلد يهرب أهل تلك البلد إلى بيوتهم ويتنادون: الحرورية الحرورية، النجا النجا.
وكان رجل من بني قطيعة حين سمع بهم أخذ سيفه فناداه الناس: الحرورية! انج بنفسك، فنادوه: لسنا حرورية نحن الشرط فلا تخف؛ فوقف، فلما أخذوه قتلوه وصاروا يتنقلون بين القبائل فلا يمرون بقبيلة إلا قتلوا من تمكنوا من أخذه، ولما مروا ببني علي من الأزد وكان هؤلاء رماة مهرة وكان فيهم مائة يجيدون الرمي وقفوا لهم ورموهم رميا شديداً، حتى صاح الخوارج: يا بني علي، لا رماء بيننا البقيا. ولكن هذا النداء لم يسمع منهم، فقال رجل يحرض عليهم:
لا شيء للقوم سوى السهام … مشحوذة (2) في غلس الظلام
فهربت الخوارج منهم وأتوا مقبرة لبني يشكر ثم أتوا إلى مزينة فقتلهم الناس عن آخرهم. ولما بلغ خبرهما إلى أبي بلال الخارجي لم يرضه اعتراضهما الناس على هذه الصورة الوحشية، فقال: قريب لا قربه الله من الخير، وزحاف لا عفا الله عنه فلقد ركباها عشواء مظلمة. أو نحو هذا الكلام.--------------------------------------------
(1) انظر: ((تاريخ الطبري)) (5/ 228). وانظر: ((الكامل)) لابن الأثير (3/ 417، 418).
(2) مشحوذة: أي محددة.

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 379)

ويذكر الطبري وابن الأثير أن خروجهما كان سنة 50 بالبصرة وأن زيادا حين بلغه خروجهما قال لأهل البصرة: والله لتكفنني هؤلاء أو لأبدأن بكم، والله لئن أفلت منهم رجل واحد لا تأخذون العام من عطائكم درهما. أما البغدادي فيذكر أن خروجهما كان على عبيد الله بن زياد فأرسل إليهم عباد بن الحصين الحبطي فقتلهم (1).ثم خرج زياد بن خراش العجلي في مكان يسمى مسكن من أعمال سواد العراق ومعه ثلاثمائة فارس، فأرسل زياد فرقة من الجيش قتلته ومن معه سنة 52هـ (2).
ثم خرج طواف بن غلاق سنة 58هـ.
وقد كان بالبصرة رجل اسمه جدار يجتمع إليه الخوارج فيعيبون خلافة بني أمية، فلما علم بهم ابن زياد أخذهم وحبسهم ثم اخترع طريقة في العفو عنهم وهي أن يقتتلوا فيما بينهم فمن نجا أطلق سراحه، فقام بعضهم بقتل بعض كأنهم كلاب مسعورة، وكان فيمن نجا طواف بن غلاق.
ولما خرجوا عابهم أصحابهم قائلين لهم: قتلتم إخوانكم؟ فقالوا: أكرهنا، وقد يكره الرجل على الكفر وهو مطمئن بالإيمان، فعرضوا الدية على أولياء المقتولين فأبوها، ثم عرضوا عليهم القصاص فأبوا؛ فعظم الندم في نفوسهم على فعلتهم هذه، وكانوا يبكون ويقولون: أما من توبة، وكان طواف قد بلغ به الجزع والحزن مبلغا عظيما فأتى رجلا يسمى الهثهاث فقال له: أما ترى لنا من توبة؟ فقال له: لا أجد لكم إلا آية في كتاب الله وهي ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ [النحل: 110].
فخرج طواف في يوم عيد الفطر ومعه سبعون رجلا فأخذوا يقتلون الناس مستعرضين لهم، فاجتمع عليهم الناس فقتلوهم عن آخرهم فقال رجل منهم يرثيهم:
يا رب هب لي التقى والصدق في ثبت … واكف المهم فأنت الرازق الكافي
حتى أبيع التي تفنى بآخرة … تبقى على دين مرداس وطواف
وكهمس وأبى الشعثاء إذا نفروا … إلى الإله وذي الإخبات زحاف (3)
ثم كان خروج أبي بلال مرداس بن أدية الحنظلي سنة 61هـ.
خرج أبو بلال في أربعين شخصا بناحية الأهواز في توج، وكان عظيم القدر عند الخوارج لا يعدلون به أحدا. كان عابدا مجتهدا كل الخوارج تتولاه وكل فريق ينسبه لنفسه، حتى الشيعة فقد ادعت أنه خرج غاضبا لآل البيت وكان حين خرج يقول لمن لقيه: " إنا لا نريد قتال ولا نروح أحدا، وإنما هربنا من الظلم ولا نأخذ من الفيء إلا أعطياتنا ولا نقاتل إلا من قاتلنا ".
وقد مر به مال لعبيد الله بن زياد فاستوقفه وأخذ أعطيات أصحابه ثم ترك الباقي، وقال لمن يحملون ذلك المال: " قولوا لصاحبكم إنما أخذنا أعطياتنا "، فقال له أصحابه: لماذا تترك الباقي؟ قال: " إنهم يقسمون هذا الفيء كما يقيمون الصلاة فلا تقاتلوهم ما داموا على الصلاة ".--------------------------------------------
(1) انظر: ((تاريخ الطبري)) (5/ 237، 238). ((الكامل)) لابن الأثير (3/ 463)، ((العقد الفريد)) (1/ 220، 221). ((شرح نهج البلاغة)) (4/ 135)، ((الفرق بين الفرق)) (ص82).
(2) ((الكامل)) لابن الأثير (3/ 491).
(3) ((الكامل)) لابن الأثير (3/ 516، 517).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 380)

وحين بلغت أخبارهم ابن زياد وجه إليهم جيشا مكونا من ألفي رجل بقيادة أسلم بن زرعة الكلابي أو زرعة بن مسلم العامري، ويذكر الطبري أنه ابن حصن التميمي، فالتحموا مع الخوارج في معركة حامية انهزم فيها جيش الخلافة شر هزيمة، فلما وصل المنهزمون إلى ابن زياد غضب عليهم، ثم وجه إلى الخوارج قائدا آخر هو عباد بن أخضر التميمي، وفي أثناء المعركة – وكان يوم جمعة – طلب أبو بلال من عباد وجيشه إمهالهم حتى تؤدى الصلاة فأجابوهم، فلما دخلوا في الصلاة شدوا عليهم فقتلوهم عن آخرهم سنة 61هـ، وهم بين راكع وساجد وقائم في الصلاة وقاعد، فرجع القائد عباد ظافرا إلا أنه قد نال منيته على أيدي بعض الخوارج الذين كانوا في البصرة منهم عبيدة بن هلال؛ فقد استوقفوا عبادا كأنهم خصماء فيما بينهم في رجل قتل أخاهم ولم ينصفهم أحد فقال لهم عباد: اقتلوه قتله الله؛ فنزلوا عليه ضربا بالسيوف حتى قتلوه.
وقد رثى الخوارج مرداسا رثاء محزنا خصوصا تلك القتلة التي تمت بالغدر، ومن هذه المراثي قول عمران بن حطان:
أصبحت عن وجل مني وإيجاس (1) … أشكو كلوم جراح ما لها آسي
يا عين ابكي لمرداس ومصرعه … يا رب مرداس اجعلني كمرداس
أبقيتني هائما أبكي لمرزئتي … في منزل موحش من بعد إيناس
أنكرت بعدك ما قد كنت أعرفه … ما الناس بعدك يا مرداس بالناس
أما شربت بكأس دار أولها … على القرون فذاقوا جرعة الكاس
فكل من لم يذقها شارب عجلا … منها بأنفاس ورد بعد أنفاس
ومما يجدر ذكره أن أبا بلال كان مع جيش علي في صفين أثناء الحرب بين علي ومعاوية. وقد قيل عن سبب خروجه أن ابن زياد قد توعد امرأة خارجية يقال لها البثجاء فقال لها مرداس: إن التقية لا بأس بها فتغيبي فإن هذا الجبار قد ذكرك. قالت: أخشى أن يلقى أحد بسببي مكروها، ولما أخذها ابن زياد قطع يديها ورجليها ورمى بها في السوق، فمر أبو بلال في السوق فرأى زحام الناس فجاء فلما شاهد البثجاء عض على لحيته، وقال يخاطب نفسه: " هذه أطيب نفسا بالموت منك يا مرداس، ما ميتة أموتها أحب إلي من ميتة البثجاء ". فكانت أمنيته أن يموت كميتة البثجاء التي جادت بنفسها في جهاد ابن زياد (2).
وكان أبو بلال شخصية مثالية عند الشيعة والخوارج والمعتزلة، فكل فرقة من هذه الفرق تدعيه كما تقدم. يقول ابن أبي الحديد في هذا: " وكان أبو بلال عابدا ناسكا شاعرا ومن قدماء أصحابنا من يدعيه لما كان يذهب إليه من العدل وإنكار المنكر، ومن قدماء الشيعة من يدعيه أيضا" (3).
وفي أوائل الستينات وأثناء خروج أبي بلال الذي تحدثنا عنه آنفا ظهر نافع بن الأزرق بفرقته ثم تتابع ظهور الفرق بعده.
ومع ذلك فقد ظل ظهور الخوارج بحركاتهم الحربية التي قدمناها – ظل ظهورهم يتتابع خلال بقية الحكم الأموي.--------------------------------------------
(1) أي مشفقا متحسبا لما يحدث.
(2) ((تاريخ الطبري)) (3/ 313)، ((الكامل)) لابن الأثير (3/ 518، 520)، (4/ 94، 95)، ((الفرق بين الفرق)) (ص91 - 93)، ((العقد الفريد)) (1/ 217، 218)، وانظر أيضا: (ص399، 400)، وانظر: ((شرح نهج البلاغة)) (4/ 136).
(3) ((تاريخ الطبري)) (3/ 313)، ((الكامل)) لابن الأثير (3/ 518، 520)، (4/ 94، 95)، ((الفرق بين الفرق)) (ص91 - 93)، ((العقد الفريد)) (1/ 217، 218)، وانظر أيضا: (ص399، 400)، وانظر: ((شرح نهج البلاغة)) (4/ 136).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 381)

وفي عهد عبد الملك بن مروان بدأ خروج الصالحية التي يجعلها بعض العلماء فرقة من الفرق، بينما هي في الحقيقة حركة ثورية – أكثر منها فرقة دينية – من تلك الحركات التي كانت تحدث بين آونة وأخرى على الخلفاء الأمويين تزعمهم صالح بن مسرح أو ابن مشروح كما يسميه بعضهم، حين خرج في هلال شهر صفر سنة 76هـ، وكون له جماعة حارب بهم جيش الأمويين، وكانت له بعض الآراء التي أخذها من أسلافه من الخوارج قبله.
يقول عنه صاحب كتاب (الأديان): " الفرقة السادسة: الصالحية أصحاب صالح بن مشروح استحل من قومه ما استحله منهم ابن العسم من القتل والسبا وغنيمة الأموال، ولم يزل كذلك حتى أهلكه الله ".
ويقول الأشعري: " ومن الخوارج أصحاب صالح ولم يحدث صالح قولا تفرد به ويقال إنه كان صفريا ". هذا ما ذكره عنهم الأشعري ولم ينسب إليهم شيئا من الآراء، إلا ما قال عنهم من أنهم أوصلوا الذنب المغلظ إلى أنه عبادة للشيطان، ويذكر ابن الأثير أن اسم زعيمهم هو صالح بن مسرح التميمي وأنه كان رجلا ناسكا مصفر الوجه صاحب عبادة، وكان بدارا وأرض الموصل والجزيرة قد تزعم أصحابه يقرئهم القرآن ويعلمهم الفقه والقصص. فلما اجتمع له أقل ما يريد قيل: (120) وقيل: (110) دعاهم إلى الخروج وكاتب شبيبا في ذلك فأجابه شبيب وأقبل ومعه جماعة من أصحابه إلى دارا، وحينئذ عزم صالح على الخروج، ولكن تلك الجهات قد تحصنت منه، ولما بلغ محمد بن مروان (1) مخرجهم – وهو أمير الجزيرة حينذاك – أرسل إليهم جيشا يقوده عدي بن عدي الكندي في ألف فارس، ولكن صالحا باغتهم فانهزموا هزيمة منكرة وهرب عدي فانتهب الخوارج ما وجدوا في معسكر عدي، وحين أقبلت فلول عدي غضب عليهم محمد بن مروان، فأرسل لهم قائدين أيهما وصل الأول فهو أمير صاحبه أحدهما خالد بن جزء السلمي في ألف وخمسمائة فارس، والثاني الحارث بن جعونة العامري وبعثه في ألف وخمسمائة فارس، فالتقوا بصالح في آمد. ولكن صالحا قسم جيشه إلى قسمين أيضا قسم بقيادة شبيب وكان من أشجع الفرسان وجهه إلى الحارث بن جعونة، وقسم بقيادته هو وتوجه إلى خالد فنشبت المعركة من وقت العصر إلى الليل وكثر الجرحى والقتلى في جيش الخلافة، وقتل من أصحاب صالح ثلاثون رجلا، وفي الليل تم رأيهم على أن يذهبوا إلى الدسكرة.
وحين وصلت أخبارهم إلى الحجاج بعث لهم جيشا من أهل الكوفة يبلغ ثلاثة آلاف بقيادة الحارث بن عميرة بن ذي المشعار الهمداني، وحين وصلوا إلى صالح بن مسرح بدأت المعركة وكان صالح في تسعين رجلا واشتدت المعركة جدا فقتل صالح فيها وكاد شبيب أن يقتل وحينذاك نادى من بقي من أصحابه وكانوا 70 رجلا: إلي يا معاشر المسلمين؛ فلاذوا به فقال لأصحابه: ليجعل كل واحد منكم ظهره إلى ظهر صاحبه وليطاعن عدوه، حتى ندخل هذا الحصن ونرى رأينا. وفعلا تقدموا إلى الحصن وتحصنوا به فأمر الحارث بالباب أن يحرق فحرق فقال لأصحابه: إنهم لا يقدرون في الخروج منه ومصبحهم غدا فنقتلهم، وقد بايع الخوارج شبيبا في ليلتهم تلك، ثم أتوا باللبود فبلوها وجعلوها على جمر الباب وخرجوا، فلم يشعر الحارث ومن معه إلا والخوارج يضربون رؤوسهم بالسيوف فصرع الحارث فاحتمله أصحابه وانهزموا نحو المدائن هاربين، فأخذ شبيب كل ما بقي في معسكر الحارث (2).--------------------------------------------
(1) هذا ما يذكره ابن الأثير والطبري وأكثر أهل الفرق، وأما البغدادي فيذكر أن خروج صالح كان في ولاية بشر بن مروان ويذكر عن المدايني أنه يقول بأن خروج صالح كان في زمن الحجاج. ((الفرق بين الفرق)) (ص110).
(2) انظر: ((تاريخ الطبري)) (6/ 215، 223)، ((الكامل)) لابن الأثير (4/ 393، 396)، كتاب ((الأديان)) (ص103)، ((مقالات الإسلاميين)) (1/ 196، 201).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 382)

وشبيب هذا هو شبيب بن نعيم بن يزيد الشيباني ويكنى بأبي الصحاري، وله من الشجاعة والمعرفة بفنون الحرب ما يكاد يكون خيالا. لقد كان قائدا فذا مجربا للحروب يروغ روغان الثعلب ويهجم هجمة الأسد، قتل من جيش الخلافة الآلاف والعديد من القواد رغم قلة جيشه.
ويختلف النقل في كيفية تولي شبيب القيادة بعد صالح؛ فالبغدادي يذكر أن صالحا حين أحس بالموت قال لأصحابه: قد استخلفت عليكم شبيبا وأعلم أن فيكم من هو أفقه منه ولكنه رجل شجاع مهيب في عدوكم فليعنه الفقيه منكم بفقهه. ثم مات وبايع أتباعه شبيبا ". بينما يذكر بعضهم ومنهم ابن الأثير وابن جرير الطبري أن شبيبا تولى أثناء حصار الخوارج في الحصن الذي ألجأهم إليه الحارث بن عميرة في تلك الليلة (1) وبعد مقتل صالح كما تقدم.
وتعرف هذه الفرقة أيضا بأصحاب السؤال، فإذا ذكر بعضهم أصحاب السؤال فالمقصود بهم الشبيبية، وقد نسبهم الأشعري إلى البيهسية، ونسبهم غيره إلى الصالحية.
وقد خالف شبيب صالحا في مسألة جواز تولي المرأة الإمامة العظمى؛ إذ كان شبيب يجيزها إذا قامت بأمورهم وخرجت على مخالفيهم، ولهذا فقد تولت غزالة قيادتهم بعد مقتل شبيب.
وقد اشتهر شبيب بالشجاعة وخوض الحروب فقد دوخ بني أمية وهزم لهم أكثر من عشرين جيشا في خلال سنتين. وجه أول جيش إليه من قبل الحجاج بقيادة عبيد الله بن أبي المخارق ومعه ألف فارس فهزمهم شبيب، ثم وجه إليه الحجاج عبد الرحمن بن الأشعث فهزمهم شبيب، ثم وجه إليه عتاب بن ورقاء التميمي فقتله شبيب هو وزهرة بن حوية.
ويذكر الشهرستاني أن شبيبا قتل من جيش الحجاج أربعة وعشرين أميرا كلهم أمراء الجيوش. فكم يكون القتل من أتباعهم؟! وقد استطرد الطبري وابن الأثير وغيرهما من المؤرخين في تفاصيل حروب شبيب وهي كثيرة تركت منها ما يتعلق بدقائق أخبار المعارك والخطط الحربية فيها وذكر المغامرين في اقتحامها، وكلها تشير إلى أنه قلما ينهزم شبيب في معركة إلا لحيلة أو الإعداد لكرة أخرى، في كل تلك المعارك التي خاضها مع جيوش الخلافة وحتى البدو لم يسلموا من شبيب؛ فقد أغار عليهم وأرهبهم في عدة غزوات لهم، وقد داهم الحجاج في عقر داره بالكوفة؛ فقد دخلها هو وأمه غزالة، أو زوجته في قول آخر، وخطبت على منبر الكوفة وفاء بنذرها، وصلى أيضا الصبح في مسجد الكوفة. وقد تنقل في ليلته تلك في أكثر من مساجد الكوفة لا يجد أحدا إلا قتله.
وقد خبأ الحجاج نفسه فلم يخرج تلك الليلة إلى أن اجتمع له أربعة آلاف من جنده ثم خرجوا يقتتلون في سوق الكوفة، حتى كثر القتل في أصحاب شبيب فانهزم إلى الأنبار وقد عير الحجاج بتلك الحادثة فقيل فيه:
أسد علي وفي الحروب نعامة … ربداء تجفل من صفير الصافر
هلا برزت إلى غزالة في الوغى … أم كان قلبك في جناحي طائر
وفي السنة السابعة والسبعين من الهجرة أو الثامنة والسبعين (على قول) كانت نهاية شبيب إذ مات غريقا، وذلك أنه حين أراد الانصراف من قتال أهل الشام إلى الجهة الأخرى من جسر دجيل الأهواز أمر أصحابه فتقدموا أمامه وتأخر هو في آخرهم وفي أثناء عبوره كان راكبا على حصان وكانت أمام الحصان فرس أنثى فنزا فرسه عليها، فخرج حافره على حرف السفينة فسقط في الماء.--------------------------------------------
(1) انظر: ((الملل والنحل)) (1/ 127)، ((الفرق بين الفرق)) (ص109–110، 223)، ((الكامل)) لابن الأثير (4/ 396).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 383)

وقد قيل في غرقه سبب آخر وهو ضعيف لا يعتد به، ومفاده أن بعض جيشه كان حانقا عليه لما قتل من أقوامهم فحين تخلف في آخر جيشه قال هؤلاء: ننتهز الفرصة ونقطع به الجسر فندرك ثأرنا، فنفدوا هذا الرأي وأغرقوه. وانتهت حركته وتفرق من بقي من أتباعه (1).
وفي عهد عمر بن عبد العزيز سنة 100هـ خرج بسطام اليشكري ويعرف بشوذب وهو رجل من بني يشكر خرج بالعراق، وكان الوالي على العراق عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب. خرج بسطام في مكان يسمى جوخى ومعه ثمانون فارسا أغلبهم من ربيعة، ولما بلغ أمرهم إلى عمر كتب إلى عبد الحميد أن يبعث إليهم رجلا حازما وألا يحركهم بشيء إلا أن يسفكوا دما أو يفسدوا في الأرض، فبعث إليهم عبد الحميد محمد بن جرير في ألفي رجل من أهل الكوفة وأمره بما قال عمر.
ثم كتب عمر إلى بسطام يدعوه إلى الطاعة ويسأله عن سبب خروجه ويطلب إليه أن يبعث من قبله من يناظره لتظهر الحجة على أحدهما، فكتب بسطام إلى عمر قد أنصفت ثم بعث وفدا من قبله إلى عمر فتناظرا فظهرت الحجة لعمر ولكن وجهوا إلى عمر سؤالا محرجا قائلين له: " أخبرنا عن يزيد لم تقره خليفة بعدك؟ فاعتذر بأنه لم يوله هو وإنما ولاه غيره "، ولكن هذا الجواب لم يكن كافيا عندهم في هذه المسألة فقال له الخوارج: " أفرأيت لو وليت مالا لغيرك ثم وكلته إلى غير مأمون عليه أتراك كنت أديت الأمانة إلى من ائتمنك؟ "، فقال لمن تولى المحاورة وكانا اثنين: أنظراني ثلاثا، فخرجا من عنده. وحين علم بنو أمية بهذا خافوا خروج الخلافة عنهم فيقال إنهم دسوا له سما فتوفي في تلك الأيام الثلاثة، ومناظرتهم مشهورة في كتب التاريخ. وبعد وفاة عمر أمر عبد الحميد محمد بن جرير بمناجزتهم قبل أن يبلغ الخوارج موت عمر وقبل أن يرجع وفدهم فعلموا حينذاك أن حدثا قد حدث في الخليفة وأنه قد مات، فحملت الخوارج على محمد بن جرير فهزموه شر هزيمة فأرسل لهم يزيد، تميم بن الحباب في ألفين ولما التقوا قال لهم تميم: إن يزيد لا يفارقكم على ما فارقكم عليه عمر، فلعنوه ولعنوا يزيد معه، ونشبت المعركة فانهزم تميم وجيشه، فوجه إليهم يزيد جيشا آخر بقيادة الشحاج بن وداع في ألفين فكان مصيره مصير من سبقه، وهكذا وقفوا كأنهم القدر المحتوم لا يستطيع أحد أن ينال منهم مطلبا إلى أن جاء مسلمة بن عبد الملك الكوفة فشكا أهلها إليه ما لاقوه من شوذب وخوفوا مسلمة منه، فأرسل مسلمة حينذاك قائدا شجاعا هو سعيد بن عمرو الحرشي في عشرة آلاف فارس، فالتقوا في معركة حامية الوطيس كانت فيها نهاية الخوارج؛ فقد أفنوهم عن آخرهم وانتهى بسطام وانتهت حركته (2).--------------------------------------------
(1) انظر: ((تاريخ الطبري)) (6/ 224 - 284)، ((الكامل)) لابن الأثير (4/ 396 - 433)، وانظر: ((الفرق بين الفرق)) (ص109–112)، ((الملل والنحل)) (1/ 128)، ((التنبيه والرد)) (ص55)، وانظر: ((العقد الفريد)) (1/ 219–220)، ((البداية والنهاية)) (9/ 19)، ((مروج الذهب)) (3/ 147).
(2) ((تاريخ الطبري)) (6/ 555، 556، 575، 578)، وانظر: ((الكامل)) لابن الأثير (5/ 45 - 48)، وانظر أيضاً (ص68 - 70).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 384)

وفي سنة 105هـ، خرج عقفان ومعه ثمانون رجلا في خلافة يزيد بن عبد الملك فأشير على يزيد أن لا يرسل جيشا لمحاربته بل يرسل إلى كل رجل مع عقفان رجلا من أقاربه حتى يرده عن الخروج بالاستعطاف والتلطف إليه، وفعلا نجحت هذه الخطة حتى بقي عقفان وحده فأرسل إليه يزيد أخاه فاستعطفه فرده عن الخروج، وانتهت فتنة كادت أن لا تنتهي إلا بضحايا كثيرة. فلما توفي يزيد وتولى هشام بن عبد الملك ولاه أمر العصاة فاشتد حتى أنه لم يرحم ولده الذي جاء من خراسان غاضبا على الخليفة فقد قبض عليه عقفان وأرسله إلى هشام مقيدا، فقال هشام: لو خاننا عقفان لكتم أمر ابنه ثم عفا عنه لأبيه وولى عقفان أمر الصدقة (1).
وهذه هي الطريقة التي ينبغي اتباعها ولو أن خلفاء بني أمية سلكوا هذه الطريقة الحسنة لكان الأمر عكس ما وقع من فتن قتل فيها الآلاف المؤلفة بين مستحق وغير مستحق.
ثم خرج مسعود العبدي سنة 105هـ أيضا. هذا الخارجي يسمى مسعود بن أبي زينب العبدي ومكان خروجه البحرين، وقد أخذ في التوسع إلى أن بلغ اليمامة فخرج إليه عاملها سفيان بن عمرو العقيلي فالتقوا بالخضرمة واقتتلوا قتالا شديدا، وقتل مسعود فتولى بعده رجل يسمى هلال بن مدلج، واستمرت المعركة يوما آخر كاملا إلى أن جاء المساء فتفرق الخوارج منهزمين حتى بقي هلال ومعه جماعة قليلة تحصن بحصن كان هناك، ولكن لم يدم بقاؤه فيه فقد نصبت السلالم عليه وأخذ هلال فقتل واستأمن من بقي منهم (2).وفي نفس السنة خرج مصعب بن محمد الوالبي، خرج هو ومن معه إلى أن وصلوا إلى مكان يسمى حزة من مقاطعة الموصل فأرسل لهم هشام جيشا فالتقوا هناك في معركة انتهت بقتل مصعب وكثير من الخوارج (3).
ثم خرج الصحاري بن شبيب سنة 119هـ. جاء هذا الرجل إلى خالد بن عبد الله والي العراق من قبل هشام بن عبد الملك يسأله الفريضة مع أهل الشرف فهزئ به خالد وقال: وما يصنع ابن شبيب بالفريضة؟، فلم يظهر الصحاري أي تغير ثم ودع خالدا وخرج، ولكن ذلك الخروج قد هز ضمير خالد فخاف أن يفتق عليه أمرا يكرهه فأرسل في طلبه من يرده فقال لهم: أنا كنت عنده آنفا فأبوا أن يتركوه فجرد سيفه عليهم فتركوه فذهب مستخفيا بنفسه إلى أن وصل إلى مكان يسمى جبل كما يقول الطبري، أو حبل كما يقول ابن الأثير، ينزله ناس من بني تيم اللات من ثعلبة فاستمالهم إليه فقبل منه بعضهم، وتوقف آخرون، وأبى غيرهم وقالوا: نحن في عافية، فخرج الصحاري بمن أطاعه وكانوا ثلاثين فارسا حتى أتى المناذر، وحين بلغ أمره خالدا قال: قد كنت خفتها منه فأرسل إليهم جيشا التحم معهم في معركة انتهت بالقضاء على الصحاري ومن معه جميعا (4).
وفي هذه السنة أيضا خرج كثارة.
ويسمى بهلول بن بشر ويلقب كثارة، كان عابدا مجتهدا وكان على جانب عظيم من الشجاعة والخبرة الحربية، وكان السبب في خروجه أنه ذات يوم أرسل غلاما ليشتري له من أحد المحلات خلا بدرهم، فجاء الغلام بخل وكان قد التبس على صاحب المحل الاسم ولم يتأكد من الغلام فسارع وأعطاه خمراً، وحين جاء الغلام بالخمر إلى كثارة وقال لغلامه: ارجع فخذ الدرهم. فامتنع البائع من رد الدرهم.--------------------------------------------
(1) ((الكامل)) لابن الأثير (5/ 118).
(2) ((الكامل)) لابن الأثير (5/ 118).
(3) انظر: ((الكامل)) لابن الأثير (5/ 118 - 119).
(4) ((تاريخ الطبري)) (7/ 137 - 138)، ((الكامل)) لابن الأثير (5/ 213).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 385)

وأراد الله أن يتطور هذا النزاع فذهب كثارة إلى حاكم تلك المنطقة ليشكو أمره فأجابه الحاكم بغاية القسوة قائلا له: "الخمر خير منك ومن قومك. وعندها عقد بهلول العزم على الخروج ولكنه أخفى ذلك حتى يتم حجه، فذهب إلى مكة وفيها قابل بعض أصدقائه والذين يرون رأيه فعزموا على الخروج معه وتحت إمرته واتعدوا مكانا سموه من نواحي الموصل، فلما اجتمعوا في تلك القرية أجمع رأيهم على أن لا يمروا بأحد إلا قالوا له بأنهم راجعون من عند الخليفة هشام وأنهم ذاهبون إلى خالد لتولي بعض الأعمال وكانوا يأخذون في طريقهم دواب البريد إلى أن وصلوا تلك القرية التي اشترى فيها الخل. قال بهلول: نبدأ بهذا العامل فنقتله، وقال أصحابه: إن الغرض الأهم هو قتل خالد. فقال كثارة له: إني لأرجو أن أقتل هذا وخالدا فبدأ وقتله وبلغت أخبارهم خالدا فحذرهم الناس، ثم خرج خالد إلى الحيرة ومنها أرسل لهم ثمانمائة رجل، وعندما بدأت الحرب بينهم انهزموا أمام الخوارج. فلما وصلت أخبارهم خالدا بعث إليهم جيشا آخر يقوده رجل من بني شيبان وحين لقيهم بهلول شد عليهم فقال له ذلك القائد: نشدتك بالرحم فإني جانح مستجير فكف عنه. وانهزم أصحابه ثم طمحت نفس كثارة إلى قتل الخليفة هشام نفسه ما دام كثارة قد خرج لله، ثم عزم على السير لقتل هشام ولكن عمال هشام خافوا إن وصل كثارة إلى الشام أن ينتقم منهم الخليفة، فجند له خالد جندا من أهل العراق ومثله عامل الجزيرة، ووجه إليه هشام أيضا جندا من أهل الشام لاستغاثة عامل الموصل به، فبلغت الأمداد عشرين ألفا يقابلهم الخوارج وهم سبعون رجلا، كما ذكر المؤرخون، فنشبت معركة بينهم حامية قتل فيها كثارة وتفرق من بقي من أتباعه منهزمين إلى الكوفة، فتلقاهم عبيد أهل الكوفة وسفلتهم فرموهم بالحجارة حتى قتلوهم (1).
ثم خرج الضحاك بن قيس سنة 127هـ، وقتل سنة 128هـ.
خرج الضحاك بالعراق وكثر أتباعه حتى بلغوا مائة وعشرون ألفا فاستولى على عدة مناطق، وكان ذلك في زمن مروان بن محمد بن محمد ولم يستطع أحد من قواد مروان إيقافه، وأخيرا قرر الضحاك الذهاب لملاقاة مروان فاجتمعوا في مكان من كفر نوثا يسمى الغز فدارت معركة قتل فيها الضحاك.
فولى الخوارج عليهم رجلا يسمى الخبيري صبيحة الليلة التي قتل فيها الضحاك، وبدأت معركة بين الخبيري وجند الخلافة وفيهم مروان نفسه، فانتصر الخبيري على القلب من جيش مروان حتى دخل فيهم ووصل إلى حجرة مروان، فانهزم مروان حتى خرج عن العسكر بستة أميال منهزما وكانت ميمنة مروان وميسرته ثابتة، فاقتحم بعض جيش مروان على الخبيري ومن معه فقتل الخبيري، وأخبر بذلك مروان فرجع. وانصرف أهل عسكر الخبيري، وولوا عليهم شيبان بن عبد العزيز ثم ارتحلوا من ذلك المكان، فتبعهم مروان يقيم عليهم إذا أقاموا ويحاربهم إذا حاربوا فصاروا يتنقلون من مكان إلى مكان وهم ينقصون ما بين متسلل بنفسه وبين مقتول، إلى أن تفرقوا وذهب كل إلى جهة فأخذ شيبان في بعض تلك الجهات فقتل بعمان (2).--------------------------------------------
(1) ([8296]) انظر: ((تاريخ الطبري)) (7/ 130، 134). ((الكامل)) لابن الأثير (5/ 209 - 212).
(2) ([8297]) ((تاريخ الطبري)) (7/ 345 – 353).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 386)

وأخيرا كان خروج عبد الله بن يحيى الملقب "بطالب الحق" سنة 128هـ، وقتل سنة 130هـ، وهو من حضرموت، كان مشهورا بأنه من العباد المجتهدين وكان السبب في ظهوره هو أبا حمزة الشاري، فقد كان أبو حمزة يحج في كل سنة ويدعو من يتوسم فيه الإجابة إلى خلاف مروان بن محمد والخروج عليه، وكان ممن التقى بهم طالب الحق فدعاه إلى رأيه وحسن له الخروج على مروان، فقال له عبد الله بن يحيى: "يا رجل أسمع كلاما حسنا وأراك تدعو إلى حق، فانطلق معي فإني رجل مطاع في قومي"، فخرج معه إلى حضرموت وهناك بايعه أبو حمزة على الخلافة وعلى الخروج على مروان، فكتب إلى علماء البصرة من الإباضية يشاورهم في الخروج فكتبوا إليه: إن استطعت أن لا تقيم يوما واحدا فافعل فإن المبادرة بالعمل الصالح أفضل، ولست تدري متى يأتي عليك أجلك، ولله خيرة من عباده يبعثهم إذا من لنصرة دينه، ويخص بالشهادة منهم من يشاء. وهنا عزم على الخروج وبدأ في التوسع، فأخذ منطقة حضرموت وامتد سلطانه إلى صنعاء، حين سار إليها في ألفين، فقابله عامل مروان على صنعاء القاسم بن عمر في مكان يسمى لحج، ودارت بينهم معركة انتصر فيها الخوارج، وواصلوا زحفهم إلى صنعاء، فمكث فيها طالب الحق شهرا يحسن السيرة في أهلها، وألان جانبه لهم فكثر أتباعه ووافاه الخوارج من كل مكان وبسط سيطرته على تلك المناطق، فبعث إليه مروان بن محمد عبد الملك بن محمد بن عطية السعدي، فالتقى هو وطالب الحق فدارت معركة قتل فيها طالب الحق وحمل رأسه إلى مروان بالشام سنة 130هـ (1).
وكان هذا هو آخر عهد بني أمية بالخوارج حيث انتهت دولتهم في عام 132هـ بقيام الدولة العباسية.

‌‌المصدر:الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص129--------------------------------------------
(1) ([8298]) انظر: ((كشف الغمة)) (ص307 – 314)، ((تاريخ الطبري)) (7/ 348، 400)، و ((الكامل)) لابن الأثير (5/ 351، 392).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 387)

‌‌المبحث الثالث: حركات الخوارج الثورية على الدولة العباسية
رأينا سابقا كيف أن الخوارج منذ أن فارقوا علي بن أي طالب رضي الله عنه أخذوا في تضخيم السخط على مخالفيهم والحث الشديد على محاربتهم وتضخيم خطاياهم، في كل مسألة ينادون بأعلى أصواتهم لا حكم إلا لله لا لعلي ولا لبني أمية ولا لبني العباس ولا لأحد، الحرب، الحرب، لهذا فقلما يجتمع منهم جماعة إلا وسارعوا وأعلنوها حربا شعواء لا يمكن أن تنتهي إلا بمنتصر ومهزوم.
فقد خاضوا مع بني أمية كما تقدم حربا لا هوادة فيها كلفوا أنفسهم خسائر ضخمة، وكلفوا الخلافة من الأنفس والأموال ما لو أنفق في جهاد الكفار لكان مفخرة إسلامية. استمر الخوارج طوال عهد الدولة الأموية وهم في صراع حاد معها فأوهنوا قوتها وأوهنت قوتهم، وكانوا كالشجا في حلق كل خليفة لا يخف ألمه إلا ليبدأ من جديد، وهكذا إلى أن غير الله الحال وانتهت الدولة الأموية برأسها وخلفتها الدولة العباسية ولا زال مرجل الخوارج يغلي ولكنه يغلي على بقية جمر كاد أن يصير رمادا واختلف خوارج اليوم عن خوارج الأمس، فالخوارج على بني أمية كانوا أكثر جمعا وأشد بأسا، أما الخوارج على بني العباس فكانوا كما وصفهم أحمد أمين بقوله: "كانوا الخوارج في حالة الاحتضار وحركاتهم التي أتوا بها في العهد العباسي تشبه حركة المذبوح" (1).
ومن هنا توالت عليهم الهزائم فلا يخرجون على خليفة إلا ورماهم بكل ما لديه من ثقل إلى أن أصبحوا في وضع لا يمكنهم فيه أن يلفتوا إليهم نظرا، فلا يخشى بأسهم ولا يحسب لقوتهم مثل ما كان لأسلافهم. يقول أحمد أمين في نتيجة هزائمهم: "وكانت هذه الهزائم المتوالية للخوارج سببا في ضعف أمرهم وقلة شأنهم؛ فلم يعد لهم من القوة والقتال أثر في التاريخ كبير" (2).
ولنبدأ الآن بذكر أشهر الخارجين على الدولة العباسية، وأول الخارجين كان:
هو الجلندي الذي خرج على السفاح، ويسمى الجلندي بن مسعود بن جيفر الأزدي، فقد أراد هو وأصحابه من أهل عمان صد جيش الخلافة عن دخول بلادهم، وكان قائد جيش الخليفة أبي العباس السفاح، رجلا يسمى خازم بن خزيمة فالتقوا في الصحراء فاقتتلوا قتالا شديدا يوما كاملا، ثم استأنفوا القتال في اليوم الثاني في معركة لا تقل عن اليوم الأول، ثم هدأت الأمور قليلا ولكنهم استأنفوها على أشدها. وقد فكر جيش خازم في حيلة أشار بها عليهم رجل من أهل الصغد وهي أن يجعل كل جندي على طرف سنانة مشاقة، وهي ما خلص من القطن والكتان والشعر، ويرووها بالنفط ثم يشعلوا فيها النيران ثم يقذفوها على بيوت الجلندي وأصحابه، وتمت هذه الفكرة بنجاح فاشتعلت النار في البيوت وكانت من خشب فاشتغل أصحاب الجلندي بإخراج أهلهم وأموالهم عن النار، وعندها مال عليهم جيش خازم يقتلونهم كيف شاءوا وانتهت المعركة بقتل عشرة آلاف منهم، ثم أخذت رؤوسهم وبعث بها إلى البصرة فمكثت أياما ثم بعث بها إلى الكوفة إلى أبي العباس كما هي عادة أهل التجبر والقهر في من يقع تحت سطوتهم" (3).
وخرج بعد ذلك ملبد بن حرملة الشيباني على المنصور بناحية الجزيرة بالعراق، وكان فيه شجاعة شبيب ودهائه وخبرته بالحرب وأنواعها.--------------------------------------------
(1) ([8299]) ((ضحى الإسلام)) (3/ 335).
(2) ([8300]) ((ضحى الإسلام)) (3/ 335).
(3) ([8301]) انظر: ((تاريخ الطبري)) (7/ 463)، وانظر ((تاريخ ابن كثير)) (10/ 57).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 388)

خرج إليه في أول الأمر ألف فارس من المرابطين في الجزيرة فهزمهم، ثم تتابعت الجيوش بعد ذلك على حربه فسارت إليه روابط الموصل فهزمهم، ثم سار إليه يزيد بن حاتم المهلبي فهزمه، وعجز الناس عنه فبعث إليه أبو جعفر المنصور مولاه المهلهل بن صفوان في ألفين من نخبة الجند فهزمهم، ثم وجه إليه آنذاك آخر خراسانيا يسمى نزارا فهزمهم، ثم وجه إليه صالح بن مشكان فهزمهم، ثم وجه إليه صالح بن صبيح فانهزم أيضا، ثم سار إليه حميد بن قحطبة فهزمه هو الآخر. فأرهب الناس وأهمهم أمره، ثم وجه إليه أبو جعفر عبد العزيز بن عبد الرحمن وضم إليه زياد بن مشكان فانهزما أيضا، فبعث إليه المنصور خازم بن خزيمة في ثمانية آلف فدارت بينهم معركة قتل في نهايتها ملبد وأكثر جيشه وهرب من بقي منهم متسللين بأنفسهم (1).
وقد خرج على المنصور أيضا أهل المغرب بقيادة أبو حاتم الإباضي. ويسمى يعقوب بن حبيب، وكان عامل تلك الجهة وهي طرابلس يسمى الجنيد بن بشار فكتب إلى عمر بن حفص القائد العام لإفريقية يستمده فأمده بعسكر التقى مع الإباضية في معركة فانهزموا أمام أبي حاتم إلى قابس، فلحقهم وحاصرهم فيها، ثم حاصر القيروان وكثر أتباعه وضيق عليها الحصار مدة ثمانية أشهر حتى أكلوا دوابهم وكلابهم. وفي هذه الأثناء جاءهم الخبر بوصول عمر بن حفص فاستبشروا وجاء عمر حتى نزل مكانا يسمى الهريش، فلما علم أبو حاتم ترك حصار القيروان وحول جمعه لملاقاة عمر، فلما علم بهم عمر، وكان في سبعمائة فارس ذهب إلى تونس فتبعه البربر فعاد إلى القيروان مسرعا وأدخل إليها كل ما يلزم من دواب وطعام وغير ذلك، فجاء أبو حاتم إلى القيروان وحاصرها كحصار المرة الأولى حتى أجهدها وكانوا في أثناء الحصار تحصل بينهم مناوشات غير مجدية، وهنا عزم عمر على منازلتهم كيفما كانت النتيجة ثم التحم معهم في معركة قتل فيها، فقام بالأمر بعده أخوه لأمه حميد بن صخر فوادع الثائرين ريثما يجيء مدد الخليفة المكون من ستين ألفا على رأسهم يزيد بن حاتم بن قتيبة ابن المهلب، ثم حصلت حروب عدة قضي فيها على تلك الحركات جميعها في معارك بلغت 375 معركة فيما قيل (2).ثم خرج الصحصح بالجزيرة على الرشيد، وكان عامله على الجزيرة يسمى أبو هريرة محمد بن فروخ فوجه إليه الصحصح جيشا ولكنه انهزم، ثم توسع الصحصح وخرج إلى الموصل فلقيه عسكرها واقتتلوا فقتل منهم كثيرا، ثم رجع إلى الجزيرة فسير إليه الرشيد جيشا القتوا به في دورين في معركة قتل فيها الصحصح وأصحابه (3).
ثم خرج على الرشيد أيضا الوليد بن طريف التغلبي بالجزيرة واستولى عليها وعلى نصيبين ووصل إلى أرمينية وأذربيجان وحلوان وأراضي السواد، فوجه إليه الرشيد يزيد بن مزيد الشيباني وقد أراد يزيد أن يطاوله ليضعفه ويمكر به، إلا أن البرامكة كانت في نفوسهم حزازة عليه فقالوا للرشيد: إنما يتجافى يزيد عن الوليد للرحم لأنهما كليهما من وائل وأخذوا يهونون أمر الوليد فكتب إليه الرشيد كتاب مغضب وقال له: "لو وجهت أحد الخدم لقام بأكثر مما تقوم به ولكنك مداهن متعصب، وأقسم بالله إن أخرت مناجزته لأوجهن إليك من يحمل رأسك"، فقام يحرض أصحابه قائلا لهم: "فداكم أبي وأمي إنما هي الخوارج ولهم حملة فاثبتوا، فإذا انقضت حملتهم فاحملوا عليهم فإنهم إذا انهزموا لم يرجعوا"، ثم نشبت المعركة فقتل الوليد، فرثته أخته بقصيدة منها:
بتل تباثا رقم قبر كأنه … على علم فوق الجبال منيف
ألا يا لقومي للنوائب والردى … ودهر ملح بالكرام عنيف--------------------------------------------
(1) ([8302]) ((تاريخ الطبري)) (7/ 495، 498).
(2) ([8303]) ((الكامل)) لابن الأثير (5/ 599، 601).
(3) ([8304]) ((الكامل)) لابن الأثير (6/ 112).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 389)

فيا شجر الخابور مالك مورقا … كأنك لم تجزع على ابن طريف
فتى لا يحب الزاد إلا من التقى … ولا المال إلا من قنا وسيوف
فلا تجزعا يا ابني طريف فإنني … أرى الموت نزالا بكل شريف (1).
ثم خرج عبد السلام بن هشام اليشكري بالجزيرة أيضا وكثر أتباعه بها وذلك في زمن المهدي، فبعث إليه المهدي الجيش تلو الجيش وهو يهزمهم أولا بأول، فأرسل المهدي إلى القائد الذي بحيالهم ويسمى شبيب بن واج ألف فارس، وكان المهدي قد قوى نفوسهم فجعل لكل جندي ألف درهم وألحقهم بشبيب، فلما وصلوا إليه خرج بهم في طلب عبد السلام، فانهزم منهم عبد السلام، فاتبعوه حتى أتى قنسرين فأحيط به وقتل هناك (2).
ثم كان خروج يوسف بن إبراهيم البرم على المهدي بخراسان ناقما على المهدي سيرته فتبعه خلق كثير في تلك النواحي. فبعث إليه المهدي يزيد من مزيد الشيباني فالتقوا في معركة أسر فيها البرم، فوجه به يزيد إلى المهدي ومعه وجوه أصحابه فلما وصلوا إلى المهدي أمر بقطع يدي يوسف ورجليه وضرب عنقه وعنق أصحابه الذين معه (3).
وكان آخر الخارجين على المهدي يس التميمي وكان خروجه بالموصل محكما، وكان على رأي صالح بن مسرح واجتمع له خلق كثير وأخذ في التوسع فأخذ أكثر ربيعة والجزيرة، فخرج لقتاله عسكر الموصل ولكنه هزمهم. فوجه المهدي قائدين أحدهما أبو هريرة محمد بن فروخ، والآخر هرثمة بن أعين فدارت بينهما معارك انتهت بقتله وانهزم من بقي من أتباعه (4).
وبانهزامه انتهت حركات الخوارج ضد الدولة العباسية في المشرق والمغرب، وإن أصبحت للإباضية منهم دولة في عمان والمغرب نتناولها بالدراسة في الفصل التالي.

‌‌المصدر:الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص155--------------------------------------------
(1) ([8305]) ((الكامل)) لابن الأثير (6/ 141 - 143).
(2) ([8306]) ((تاريخ الطبري)) (8/ 130، 142).
(3) ([8307]) ((تاريخ الطبري)) (8/ 124).
(4) ([8308]) ((الكامل)) لابن الأثير (8/ 124).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 390)

‌‌المبحث الأول: شجاعتهم وسرعة اندفاعهم
لقد بلغ الخوارج القمة في الإقدام على الموت في ساحات القتال لا يهابون بطش أحد ولا يقف دون غضبهم حاجز، وقد اشتهروا شهرة لا يخطئها مطلع على أحوالهم في مجال الشجاعة النادرة والاستبسال في المعارك، وقد ساعد على شجاعتهم النادرة وجود العدة الكافية من خيل جياد وأسلحة تامة؛ ذلك أنهم كانوا سريعي الإغارة والتحرك من مكان إلى مكان، فكانوا يتخيرون ركوب الخيل الجياد.
وأعتقد أن تلك الشجاعة وذلك الاستبسال لو وجه وجهة صحيحة لكان له أثر بالغ في مجرى التاريخ فكانوا جنودا عاملين في نشر الفتوحات الإسلامية بدلا من حربهم للمسلمين وإضعافهم لقوة الدولة الإسلامية، وكذلك لو عومل الخوارج معاملة حسنة بالصبر والحكمة لخفت تلك الثورة العنيفة، ولكن موقف الحكام تجاههم كان موقفا عنيدا زاد الطين بلة، فلو عولجوا ببعض الحكمة والرأفة لقل أو لربما انعدمت تلك المعارك التي ذهب ضحيتها آلاف البشر مما لا يحصيهم إلا الله. وهذا يذكرنا بموقف يزيد بن عبد الملك حين أرسل إلى الخارجي عقفان أخاه يستعطفه حتى رده عن خروجه، فلما ولي هشام بن عبد الملك ولاه أمر العصاة فقدم ابنه من خراسان غاضبا فشده وثاقا وبعث به إلى هشام فأطلقه لأبيه، وقال: لو خاننا عقفان لكتم أمر ابنه، واستعمل عقفان على الصدقة فبقى عليها إلى أن توفي هشام (1).
فبنو أمية وبعدهم بنو العباس لو كانوا قد سلكوا معهم مثل هذا المسلك لتغير الوضع بالنسبة لهم أو لم يكن - على أقل تقدير – يمثل ما كانوا عليه من الحدة والعنف، ولكنهم كانوا لا يراعون في الخوارج إلا ولا ذمة يقتلونهم قتلا تقشعر منه الجلود، مستعملين في ذلك كل ما استطاعوه من بطش وإرهاب ضدهم. ومن هنا جاش غضب الخوارج إضافة إلى ما كان في اعتقادهم من أن المجتمع قد فسد، والحكام قد خرجوا عن طاعة الله وتحكيم كتابه فأطاعوا الشيطان وخرجوا عن حكم الله – كما كانوا يتصورون-، فكانت شجاعتهم واستبسالهم أمرا طبيعيا إزاء هذه الأوضاع. .... ومن الشنائع التي تروى أيضا في شدتهم على مخالفيهم وغلظ قلوبهم عليهم ما يروى عنهم من أنهم أخذوا امرأة فقتلوا أباها بين يديها وكانت جميلة، ثم أرادوا قتلها فقالت: أتقتلون من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين. فقال قائل منهم: دعوها. فقالوا: قد فتنتك ثم قدموها فقتلوها (2).
وكما اشتهر رجالهم بالشجاعة اشتهرت نساؤهم كذلك فاشتهرت عدة منهن بمواقف عجيبة في الثبات، كانت المرأة يؤتى بها أسيرة حتى يوقف بها أمام الحجاج ذلك الجبار المخيف فلا تخضع له بل ترى وكأنها غير مكترثة به ....... وهكذا أدت الشجاعة بالخوارج إلى التهور في الحرب وسفك الدماء إلى هذا الحد السيء.

‌‌المصدر:الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص231--------------------------------------------
(1) ((الكامل)) لابن الأثير (5/ 118).
(2) انظر: ((شرح نهج البلاغة)) (4/ 164).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 391)

‌‌المبحث الثاني: مبالغتهم في العبادة والزهد
اشتهر الخوارج بالمبالغة في العبادة فقد بلغوا فيها مبلغا عظيما، وكذلك كان لهم اشتغالهم الدائم بقراءة القرآن قد لا يدركه الكثير من غيرهم. يصفهم جندب الأزدي بقوله: " لما عدلنا إلى الخوارج ونحن مع علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، قال: فانتهينا إلى معسكرهم فإذا لهم دوي كدوي النحل من قراءة القرآن وإذا فيهم أصحاب البرانس – أي الذين كانوا معروفين بالزهد والعبادة- " (1).وقد وصف زعيم منهم وهو عبد الله بن وهب بأنه ذو الثفنات (2) لشدة عبادته واجتهاده وكثرة سجوده، حتى أصبحت يداه كثفنات الإبل من كثرة وضعها على الأرض. وهذا أبو بلال مرداس كان من عبادهم وزهادهم مر بأعرابي وهو يداوي بعيره بالقطران فهرج البعير من شدة القطران، فوقف عليه أبو بلال فلما رآه غشي عليه، فقام الأعرابي يرقيه ظانا أن به مسا فلم أفاق قال له: قد رقيتك، قال له: ليس بي شيء مما خفته علي، وإنما ذكرت به قطران جهنم فأصابني ما رأيت (3).بل لقد وصل الاجتهاد في العبادة ببعضهم إلى حد المغالاة والخروج عن الرفق بالنفس إلى الأمر المذموم، فقد طلب ابن زياد من مولى عروة بن حدير أن يصف له أمر عروة بعدما قتله قائلا له: صف لي أمره واصدق، فقال:: أأطنب أم اختصر؟ فقال: بل اختصر، قال: ما أتيته بطعام في نهار قط، ولا فرشت له فراشا بليل قط. قال الشهرستاني بعد أن ذكر هذه الحادثة: " هذه معاملته واجتهاده وذلك خبثه واعتقاده " (4)، وقد ذكر ابن أبي الحديد في ترجمته المختصرة له أنه كان له أصحاب وأتباع وشيعة (5).وحتى نافع بن الأزرق وهو المشهور بسفك الدماء يكتب إلى أهل البصرة ويذم في كتابه الدنيا ويصفها بأنها غرارة مكارة ينبغي الحذر منها ومن الركون إليها، في كلام عذب أخاذ عليه فصاحة العرب وقوة حجتهم، فمنه قوله: " فلا تغتروا ولا تطمئنوا إلى الدنيا فإنها غرارة مكارة لذتها نافذة ونعمتها بائدة، حفت بالشهوات اغترارا وأظهرت حبره وأضمرت عبره، فليس آكل منها أكلة تسره ولا شارب شربة تؤنقه إلا دنا بها درجة إلى أجله وتباعد بها مسافة من أمله، وإنما جعلها الله دارا لمن تزود منها إلى النعيم المقيم والعيش السليم، فلن يرضى بها حازم دارا ولا حليم بها قرارا، فاتقوا الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى " (6).--------------------------------------------
(1) ((تلبيس إبليس)) (ص93)، ((فتح الباري)) (12/ 296).
(2) ((الكامل)) للمبرد (2/ 155).
(3) ((الملل والنحل)) (1/ 118).
(4) ((الملل والنحل)) (1/ 118).
(5) ((شرح نهج البلاغة)) (4/ 132).
(6) ((الكامل)) للمبرد (2/ 179).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 392)

وأما خلفه أبو حمزة الخارجي فله خطبة مشهورة خطبها حين دخل المدينة المنورة غازيا وصف في هذه الخطبة أصحابه بالعبادة قائلا: " يا أهل المدينة بلغني أنكم تنتقصون أصحابي، قلتم: شباب أحداث وأعراب جفاة، ويلكم يا أهل المدينة وهل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شبابا أحداثا، شباب والله مكتهلون في شبابهم، غضية عن الشر أعينهم، ثقيلة عن الباطل أقدامهم، قد باعوا الله عز وجل أنفسا تموت بأنفس لا تموت، قد خالطوا كلالهم بكلالهم، وقيام ليلهم بصيام نهارهم، منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن، كلما مروا بآية خوف شهقوا: خوفا من النار، وإذا مروا بآية شوق شهقوا شوقا إلى الجنة ". ........ وقد روي عن ابن ملجم ما يحير العقل من تناقضهم في سلوكهم الديني، فبينما هم شديدو الغلو في الدين والعبادة إذا هم شديدو الحقد على خيار الصحابة ومستحلون لدمائهم. فهذا ابن ملجم يقتل علي بن أبي طالب، ومع ذلك يقف عند القصاص منه كأثبت الناس وأعبدهم، يقول ابن الجوزي: " فلما مات علي رضي الله عنه أخرج ابن ملجم ليقتل، فقطع عبد الله بن جعفر يديه ورجليه فلم يجزع ولم يتكلم، فكحل عينيه بمسمار محمي فلم يجزع وجعل يقرأ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ [العلق: 1 - 3] حتى ختمها، وإن عينيه لتسيلان فعولج على قطع لسانه فجزع، فقيل له: لم تجزع، فقال: أكره أن أكون في الدنيا مواتا لا أذكر الله " (1).ومثله في هذا عروة بن حدير الذي تحدثنا عنه آنفا، فبينما هو يتبرأ من خيار الصحابة علنا دون خوف أحد إذا به من أعبد الناس وأصومهم، وقد قتله ابن زياد بعد أن تمت بينهما المناقشة الحادة التي يحكيها الشهرستاني بقوله: " وعروة بن حدير نجا بعد ذلك من حرب النهروان وبقي إلى أيام معاوية، ثم أتي به إلى زياد بن أبيه ومعه مولى له، فسأله زياد عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فقال فيهما خيرا، وسأله عن عثمان فقال: كنت أوالي عثمان على أحواله في خلافته ست سنين ثم تبرأت منه بعد ذلك للأحداث التي أحدثها، وشهد عليه بالكفر، وسأله عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، فقال: كنت أتولاه إلى أن حكم الحكمين ثم تبرأت منه بعد ذلك، وشهد عليه بالكفر، وسأله عن معاوية فسبه سبا قبيحا ثم سأله عن نفسه فقال: أولك لزنية وآخرك لدعوة وأنت فيما بينهما بعد عاص ربك، فأمر زياد بضرب عنقه ثم دعا مولاه فقال له: صف لي أمره واصدق، فقال: أأطنب أم اختصر؟ فقال: بل اختصر، فقال: ما أتيته بطعام في نهار قط ولا فرشت له فراشا بليل قط " (2).
.......... ولقد كان خليقا بهم وهم على هذه الدرجة من العبادة والورع أن يعفوا عما وقعوا فيه من المحارم وما لغوا فيه من دماء المسلمين، ولكن تدينهم على هذا النحو الذي كانوا عليه ليس هو الصورة الصحيحة للتدين المثمر الذي يحول بين صاحبه وبين محارم الله.

‌‌المصدر:الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص240--------------------------------------------
(1) ((تلبيس إبليس)) (ص94).
(2) ((الملل والنحل)) (1/ 118).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 393)

‌‌المبحث الثالث: فصاحتهم وقوة تأثيرهم
وقد اشتهر الخوارج بالفصاحة وقوة الأسلوب وعرض مذهبهم والدعاء إليه بصورة شيقة تجذب إليهم القلوب وتتأثر بكلامهم أيما تأثر، فلهم خطب وأشعار وأمثال ومناظرات مشهورة في كتب الأدب تتميز بفصاحتها وقوة تأثيرها، ومن أمثلة ذلك: " إن عبد الملك بن مروان أتي برجل منهم فبحثه فرأى منه ما شاء فهما وعلما، ثم بحثه فرأى منه ما شاء الله أدبا ودهيا، فرغب فيه واستدعاه إلى الرجوع عن مذهبه فرآه مستبصرا محققا، فزاده في الاستدعاء فقال له: لتغنك الأولى عن الثانية وقد قلت فسمعت فاسمع أقل، قال له: قل: فجعل يبسط له من قول الخوارج ويزين له مذهبهم بلسان طلق وألفاظ بينة ومعان قريبة، فقال عبد الملك بعد ذلك على معرفته: لقد كاد يوقع في خاطري أن الجنة خلقت لهم وأني أولى بالجهاد منهم، ثم رجعت إلى ما ثبت الله علي من الحجة ووقر في قلبي من الحق فقلت له: لله الآخرة والدنيا، وقد سلطني الله في الدنيا ومكن لنا فيها وأراك لست تجيب بالقول. والله لأقتلنك إن لم تطع" (1) الخ. وقد وصف ابن زياد أسلوب الخوارج وقوة بيانهم بقوله: "لكلام هؤلاء أسرع إلى القلوب من النار إلى اليراع " (2).ويصفهم الشيخ أبو زهرة بقوله إنهم " اتصفوا بالفصاحة وطلاقة اللسان والعلم بطرق التأثير البياني، وكانوا ثابتي الجنان لا تأخذهم حبسة فكرية ويقول: " وكانوا يحبون الجدل والمناقشة ومذاكرة الشعر وكلام العرب، وكانوا يذاكرون مخالفيهم حتى في أزمان القتال "، ويقول أيضا:" وقد كان التعصب يسود جدلهم فهم لا يسلمون لخصومهم بحجة ولا يقتنعون بفكرة مهما تكن قريبة من الحق وواضحة الصواب، بل لا تزيدهم قوة الحجة عند خصومهم إلا إمعانا في اعتقادهم وبحثا عما يؤيده " (3).

‌‌المصدر:الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص245--------------------------------------------
(1) انظر: ((الكامل)) للمبرد (2/ 146).
(2) ((الكامل)) للمبرد (2/ 155).
(3) ((تاريخ المذاهب الإسلامية)) (1/ 76).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 394)

‌‌المبحث الرابع: صدقهم في الحديث ومع فصاحة الخوارج ولباقتهم، فقد اشتهروا بالصدق والنفرة عن الكذب لأنهم يعتبرونه من صفات الجبناء الذي لا مكان لهم عندهم، يقول المبرد: " قال أبو العباس: والخوارج في جميع أصنافها تبرأ من الكاذب ومن ذي المعصية الظاهرة " (1).وقد وصفهم ابن تيمية بأنهم " ليسوا ممن يتعمد الكذب بل هم معروفون بالصدق حتى يقال إن حديثهم من أصح الحديث" (2)، وقال في تفضيلهم على الرافضة: وهم أصح منهم عقلا وقصدا، والرافضة أكذب وأفسد دينا " (3).ويصفهم بأن بدعتهم لم تكن عن زندقة وإلحاد بل كانت عن جهل وضلال في معرفة معاني الكتاب (4).

‌‌المصدر:الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص247--------------------------------------------
(1) ((الكامل)) للمبرد (2/ 106).
(2) ((منهاج السنة)) (1/ 15).
(3) ((منهاج السنة)) (1/ 164).
(4) ((منهاج السنة)) (1/ 15).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 395)