أما الدكتور علي محمد جريشة ومحمد شريف الزيبق فقالا عن المدرسة العقلية "ونحن – على عكس كثير من غيرنا – نحسن الظن بأصحاب هذه المدارس ولا نقبل أن نسميهم عملاء وإن بدا منهم لون من الاتصال أو التعاون مع العدو المستعمر" "لكننا وإن نفينا عنهم "العمالة" فلا نستطيع أن ننفي عنهم "السذاجة" إن ظنوا أنهم يستطيعون أن يضحكوا على الاستعمار ويمكروا به فإذا به أشد مكراً ظنوا أنهم يستطيعون أن يمتطوه ليسخروه لصالح الإسلام وامتطاهم الاستعمار ليسخرهم لصالح التغريب والتغيير الاجتماعي" (1).وقال "وبهذه النية التي نحسن الظن بها ألف صاحب مدرسة العقل جمعية التقريب بين الأديان فيها المسلمون والنصارى واليهود … ولعله لم يدرك أن التقارب بين الإسلام والمسيحية واليهودية لا يمكن أن يكون إلا على حساب الإسلام .. لأنه الوحيد الدين الصحيح وغيره محرف .. ولعله لم يدرك أن المشركين حاولوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك التقارب حين قالوا نعبد إلهك يوماً وتعبد آلهتنا يوماً فأنزلها رب السماء والأرض قاطعة حاسمة قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ [الكافرون: 1 - 3] السورة" (2).
وقالا:- "وأما الذي نأخذه على الرجل العالم:-
أولاً: اقتصاره من الإسلام على الإصلاح عن طريق التعليم فالإسلام ليس مجرد ثقافة فقط لكنه منهاج تربية ومنهاج حياة، وليته في هذا الجانب استطاع أن يصلح.
ثانياً: أن الرجل وهو في موضع القدوة للمسلمين مالأ "الكافرين" الذين غصبوا الديار وما بعد الديار! … ولا ندري هل كان الإمام يحفظ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء .... الآية [الممتحنة: 1] وهل قرأ غيرها من الآيات في نفس المعنى أم أن له فيه تأويلات كتأويله في الملائكة أو في سجودهم أو في معصية آدم أو في خلق عيسى عليه السلام أو في الجن أو في السحر أو غير ذلك مما أعمل فيه عقله "الكبير" ليقول "بالرأي في تاب الله؟!! " لقد مضى الرجل إلى ربه فنترك له حساب سره وعلانيته لكننا إزاء الظاهر. وعمره الذي أفنى في محاولة إصلاح التعليم بلوغاً إلى مقاومة الاستعمار أو على النهوض بالإسلام لا نملك إلا أن نتلو قول الله قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف: 103 - 104] ونترك من قبل ذلك ومن بعد ذلك حسابه على الله لكننا نسوق ما نسوق ليعتبر أولوا الأبصار .. ويتذكر أولوا الألباب فلا تتكرر الصورة مرة أخرى" (3).أما الأستاذ غازي التوبة فعد من أخطاء محمد عبده دعوته للتقريب بين الأديان فقال "قد أخطأ محمد عبده في دعوته إلى التأليف والتقريب بين الأديان حتى صار مطية لهيئات ودول حاقدة على الإسلام والمسلمين، وما ذلك إلا لأنه لم يلتزم حد الإسلام بل أتبع هواه فكان أمره فرطاً" (4).
واستعرض الأستاذ غازي جملة الأخطاء والانحرافات بعد أن قسمها إلى قسمين:
أ) نتائج سياسة: وعد منها:
1 - التعاون مع رياض باشا عمل الإنجليز.
2 - التعاون مع المحتل الإنجليزي.--------------------------------------------
(1) ((أساليب الغزو الفكري للعالم الإسلامي)) علي جريشة ومحمد الزيبق (ص201).
(2) ((أساليب الغزو الفكري للعالم الإسلامي)) علي جريشة ومحمد الزيبق (ص 202 - 203).
(3) ((أساليب الغزو الفكري)) (ص 204 - 205).
(4) ((الفكر الإسلامي المعاصر)) غازي التوبة (ص 23).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 316)
3 - الاصطدام مع عباس الثاني فقد كانت في مصر آنذاك سلطتان سلطة الاحتلال وسلطة الخديوية إحداهما مغتصبة والأخرى شرعية تمثلت الأولى في الثعلب العجوز اللورد كرومر والثانية في الخديوي عباس الثاني.
4 - تبرير وجود المحتل.
5 - تكوين مدرسة سياسية باسم محمد عبده حيث وجد الاحتلال في محمد عبده وتلاميذه مدرسة سياسية تحقق أغراضه وتنقذ مآربه فرعاها ونماها.
ب) النتائج الفكرية: كان الاستعمار يشعر بتحول المجتمع المسلم نحو الحضارة الغربية وأخذه منها في كل مجال وتقليده لها في كل أمر ولكنه كان يؤمن – في الوقت نفسه بأن الهوة ستبقى قائمة بين الغرب والمسلمين من جهة ولا يؤمن الانتكاس من جهة ثانية طالما أن الإسلام باق على طبيعته وحقيقته لذلك فقد صب جهوداً كبيرة كي يحور ويحول الإسلام من الداخل ليعطي السند الفكري والدعم الديني لمعطيات الحضارة الغربية من ناحية وتناولها دون التحرج من ناحية أخرى، وقد وجد الاستعمار في محمد عبده ضالته التي تحقق له هدفه ذاك في التحويل والتحوير أو قل التي تبدأ له بالخطوة الأولى في ذاك التحويل والتحوير" (1).والدكتور محمد محمد حسين غير مكثر في ميدان الكتابة لكنه رصين الاداء مقتدر في استيفاء جوانب موضوعه ينظر إلى الأمور في عمق كما قال الأستاذ أنور الجندي (2) وقد كان لدراسته العميقة في دعوة الأفغاني وتلاميذه نتيجة خطيرة توصل إليها حيث يقول "الذي يبدو لي هو أن دعوة الأفغاني التي ربي محمد عبده في أحضانها كان لها – ككل الدعوات السرية – ظاهر وباطن فظاهرها يخاطب الجماهير. وهو يصور ما يريد صاحب الدعوة أن يعرفه جمهور المسلمين مما يعجبهم ويقع من قلوبهم موقع الارتياح والقبول، وباطنها يمثل حقيقتها التي يخفيها أصحابها عن الناس، ولا يكشفون الستر عنها قبل أن تحقق أهدافها بالوصول إلى مركز السلطة ومحمد عبده كان تابعاً لسيده الأفغاني أو خادماً له كما تعود هو نفسه أن يكتب إليه في بعض رسائله والأفغاني كان يريد أن يعيد الدور نفسه الذي لعبه الإسماعيلية من أصحاب الدعوات الباطنية التي تتستر وراء التشيع" (3).وقال عنهما أي الأفغاني ومحمد عبده "وكانا – ككل الثوار من أصحاب الدعوات السرية – يعلنان ما يحبه الناس ويستهويهم غير ما يبطنان مما ينكره الناس وما يبلغهم مطامعهم" (4).هذا الرأي ليس رأي رجل خراص وإنما رأي رجل وقف جزءاً كبيراً من نشاطه لدراسة حقيقتهم وجلاء أهدافهم حتى إذا ما وصل إلى درجة كبيرة من ذلك كشف للمسلمين ما توصل إليه مستنداً إلى حقائق ثابتة من أقوالهم أو أفعالهم التي لا تنكر وقد عرفت عنهم واشتهروا بها، وهو حينما يكشف هذا لا يكشفه لحقد أو حسد وإنما يكشفه لغرض إسلامي نبيل هو أن لا تقوم في مجتمعنا أصنام جديدة معبودة لأناس يزعم الزاعمون أنهم معصومون من كل خطأ وأن أعمالهم كلها حسنات لا تقبل القدح والنقد حتى أن المخدوع بهم والمتعصب لهم والمروج لآرائهم ليهيج ويموج إذا وصف أحد الناس إماماً من أئمتهم بالخطأ في رأي من آرائه في الوقت الذي لا يهيجون فيه ولا يموجون حين يوصف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لا يقبلون أن يوصف به زعماؤهم المعصومون" (5).
إذن فنقده نقد عارف مطلع، هدفه الإصلاح، وهذا ما نبحث عنه.--------------------------------------------
(1) ((الفكر الإسلامي المعاصر)) غازي التوبة انظر الصفحات (44 - 65).
(2) ((مفكرون وأدباء)) أنور الجندي (ص 264).
(3) ((الإسلام والحضارة الغربية)) محمد حسين (ص 83).
(4) مجلة ((رسالة الطالب المسلم)) لقاء مع الدكتور محمد محمد حسين (ص 100) العدد الأول 1397 - 1398هـ -.
(5) ((الإسلام والحضارة الغربية)) محمد محمد حسين (ص 49 - 50).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 317)
ونختم الحديث هنا برأي صنيعة من صنائعهم وأثر من آثارهم هو الأستاذ مصطفى لطفي المنفلوطي لكنه مع هذا أبى إلا أن يقول الحق في منهجهم.
أما أنه متأثر بهم معجب فشاهده أنه قال في إهداء كتابه (النظرات) "إن كان لي في هذا السفر فضيلة يعجب بها الفاضل أو رأي يرضى عنه العاقل، أو ديباجة يثني عليها الأديب فلا يد فيها لأحد من الناس غير هؤلاء الرجال الثلاثة ولي نفسي والدي السيد محمد لطفي وولي عقلي أستاذي الشيخ محمد عبده، وولي أمري سيدي سعد باشا زغلول أولئك الذين أهدي إليهم كتابي لأنه حسنة من حسناتهم وصنيعة من صنائعهم وأثر من آثار عنايتهم ورعايتهم وأولئك الذين أحسنوا إلي في هذه الحياة إحساناً لا أزال أذكر أياديهم البيضاء فيه حتى يعتاق نفسي حمامهم وعظامي رجامها" إلخ.
ولكن هذا الولاء لوالده ولا دخل لنا فيه، ولمحمد عبده ولسعد زغلول وهو مرادنا لم يمنعه من قول الحق في نقد منهج محمد عبده حيث عرض لذكره في مقالة عنوانها (يوم الحساب) تخيل فيها أنه قد انتقل من العالم الأول إلى العالم الثاني ورأى كأنه بعث بعد الموت وكأن أبناء آدم مجتمعون في صعيد واحد يحاسبون على أعمالهم فألهم أنه موقف الحشر وأنه يوم الحساب ثم تخيل حواراً جرى هناك بين محمد عبده وقاسم أمين عاتب فيه الأول الثاني على دعوته إلى السفور فإذا بقاسم أمين يجيب "أتأذن لي يا مولاي أن أقول لك: إنك وقعت في مثل ما وقعت فيه من الخطأ .. وإنك نصحتني بما لم تنصح به نفسك، أنا أردت أن أنصح المرأة فأفسدتها كما تقول، وأنت أردت أن تحيي الإسلام فقتلته، إنك فاجأت جهلة المسلمين بما لا يفهمون من الآراء الدينية الصحيحة والمقاصد العالية الشريفة فأرادوا غير ما أردت وفهموا غير ما فهمت فأصبحوا ملحدين، بعد أن كانوا مخرفين، وأنت تعلم أن ديناً خرافياً خير من لا دين. أولت لهم بعض آيات الكتاب فاتخذوا التأويل قاعدة حتى أولوا الملك والشيطان والجنة والنار، وبينت لهم حكم العبادات وأسرارها وسفهت لهم رأيهم في الأخذ بقشورها دون لبابها، فتركوها جملة واحدة! وقلت لهم عن الولي إله باطل والله إله حق فأنكروا الألوهية حقها وباطلها، فتهلل وجه الشيخ وقال له ما زلت يا قاسم في أخراك مثلك في دنياك لا تضطرب في حجة ولا تنام عن ثأر" (1).
حسبك بهذا الاتهام من صنيعة من صنائعهم وأثر من آثار عنايتهم ورعايتهم وخلاصة ما نقلنا من نقد لهم هنا أنهم:-
1 - غير ملتزمين للشعائر الإسلامية من صلاة أو حج .. إلخ.
2 - إن تعاونهم مع الاحتلال ودول الاستعمار إما لأنهم عملاء كما يقول بعض النقاد أو سذاجة منهم كما يقول آخرون.
3 - إن لهم دعوة باطنية يظهرون منها ما يخالف حقيقتها وباطنها.
4 - إنهم جاروا مذهب الاعتزال في كثير من مذاهبهم حتى أطلق عليهم أنهم معتزلة العصر الحديث.
5 - إنهم الوسيلة التي اتخذها الاستعمار والمستعمرون لتحويل وتحوير الإسلام من الداخل ليعطي السند الفكري والدعم الديني لمعطيات الحضارة الغربية.
6 - إن منهجهم في التفسير ضال ومنحرف.
كل هذا وغيره كثير كشفه الناقدون لهم لكن هذا كله، ولكنهم كلهم لم يكن لهم من الأثر ما يذكر، في التقليل من رواج حسن سيرتهم بين الناس وانخداع العلماء بهم قبل العوام حتى وصلوا إلى درجة لا يجرؤ عالم من العلماء على نقدهم علانية أمام ملأ من الناس في مجتمعهم.
لم يكن السبب في هذا سراً لا يعلمه أحد بل علمه وخبره الكثيرون وأعلنوه للناس أيضاً، قالوا أن السبب أن الاستعمار يقف خلفهم ويؤيدهم ويساند دعوتهم ويحميهم أينما ساروا، ويحمي أفكارهم ومبادئهم في اللحظة التي يحتاجون فيها إلى الحماية ويسعى إلى ترويج آرائهم بين المسلمين وإيصال صوتهم ودعوتهم إلى الناس.
وجند الاستعمار جنوده من المستشرقين للثناء عليهم ومدحهم حتى يروج ذلك بين الكتاب المسلمين فينقلوه عنهم نقل الإعجاب والتأييد "والافتخار" برجلين أو رجال من المشرق نالوا رتبة عالية عند رجال الغرب في المباحث الدينية، وهي رتبة تهفو إلى بلوغها أنظار طلاب الشهرة ولو على حساب الدين فأخذوا ينقلون ويروجون أفكارهم ومبادئهم لا نقل الفاحص الناقد وإنما نقل المؤيد المسلم لهم ما يقولون.
وبهذا راجت بين الناس أفكارهم وطغت على أذهانهم مبادؤهم فلا يسمعون صيحة "مخنوق" ضدهم ولا همس هامس في نقدهم، ولا صرخة محذر بين صيحات المخدوعين وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت: 26].
حتى ألجأوا بعض من يريد قول الحقيقة إلى قولها مشوبة بالثناء عليهم ومدحهم وتمجيدهم تقرباً إلى المخدوعين بهم.
ذلك أثر من آثار الاستعمار، ونتيجة لدراسة نقدية مزعومة من المستشرقين لا ندعي ذلك ادعاء ونثبت هنا ما يقيم أساسه
المصدر:منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير لفهد الرومي - ص 781--------------------------------------------
(1) ((النظرات)) مصطفى لطفي المنفلوطي (1/ 123 - 124).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 318)
المبحث السابع: موقف الاستعمار البريطاني منهم واعترافه بما قدموه له من خدمات
سبق أن ذكرنا ما يثبت حماية الاستعمار لهم ودفاعه المستميت عن دعوتهم، ونعيد هنا للمناسبة بعضه ونزيد عليه. ونبدأ أول ما نبدأ برجل أعلن عداءه للإسلام حيث قال جئت "إلى مصر" لأمحو ثلاث القرآن والكعبة والأزهر" (1).
ترى من الذي عاون هذا الرجل لتحقيق هدفه؟! إنهم ولا شك رجال المدرسة العقلية من حيث يدرون "فيكونوا عملاء" أو من حيث لا يدرون "فيكونوا سذاج".قال كرومر في تقريره السنوي لعام 1905م عن محمد عبده "كان لمعرفته العميقة بالشريعة الإسلامية ولآرائه المتحررة المستنيرة أثرها في جعل مشورته والتعاون معه عظيم الجدوى" (2).وقال أيضاً "لا ريب عندي في أن السبيل القويم الذي أرشد إليه المرحوم الشيخ محمد عبده هو السبيل الذي يؤمل رجال الإصلاح من المسلمين الخير منه لنبي ملتهم إذا ساروا فيه فأتباع الشيخ حقيقون بكل ميل وعطف وتنشيط من الأوروبيين" (3).وقال أيضاً "إن أهميته السياسية ترجع إلى أنه يقوم بتقريب الهوة التي تفصل بين الغرب وبين المسلمين، وأنه هو تلاميذ مدرسته خليقون بأن يقدم لهم كل ما يمكن من العون والتشجيع فهم الحلفاء الطبيعيون للمصلح الأوربي" (4).
وقد امتثل هو ما دعا إليه فمال إليهم وعطف عليهم وقدم لهم كل عون وتشجيع فكانوا له "حلفاء طبيعيون" فوجبت عليه حمايتهم. صرح اللورد كرومر بنفسه "إن الشيخ محمد عبده يظل مفتياً في مصر ما ظلت بريطانية العظمى محتلة لها" (5).وقال السيد رشيد "وقد تحقق أن اللورد كرومر قال للخديوي إن كان تحريك بعض المشايخ ضد المفتي لأجل فصله من الإفتاء فاسمح لي بأن أقول أنه ما دام لبريطانيا العظمى نفوذ في مصر فإن الشيخ محمد عبده يكون هو المفتي حتى يموت" (6).هذه بعض حمايته في الداخل أما إذا ذهب إلى الخارج كالآستانة مثلاً فإنه يكتب إلى تلميذه السيد رشيد "إن السلطان لا يستطيع حبسي لو أراده وهو يعلم عجزه عن ذلك حق العلم ولذلك أسباب لا أحب ذكرها الآن" (7) ولكن السيد رشيد يذكر السبب في هذا "وهم لا يجهلون أن السفارة البريطانية كانت بالمرصاد وأنها لا تسكت للحكومة الحميدية على ذلك لو أقدمت عليه والسلطان ورجاله لا يجهلون هذا أيضاً" (8).بل إن الاحتلال الإنجليزي كان عاملاً أساسياً من عوامل عودة محمد عبده من المنفى في الشام إلى مصر وقد صرح اللورد كرومر بهذا في كتابه (مصر الحديثة) حيث قال "عن العفو صدر عن محمد عبده بسبب الضغط البريطاني" (9).
هذه إشارة تكفي اللبيب في بيان مدى تعاون إمام المدرسة العقلية الحديثة وأستاذها مع الاحتلال ومدى حمايتهم له وهو أمر له معناه.
ترحيب المستشرقين بالمدرسة ونتائجها:--------------------------------------------
(1) ((الخنجر المسموم)) أنور الجندي (ص 29).
(2) ((الإسلام والحضارة الغربية)) محمد محمد حسين (ص 78).
(3) ((تاريخ الأستاذ الإمام)) محمد رشيد رضا (ص: 3) (ص 426).
(4) ( Medern Egept): Cromer (p. 180)
(5) (( تاريخ الأستاذ الإمام)) (1/ 501).
(6) ((تاريخ الأستاذ الإمام)) (1/ 564).
(7) ((الأعمال الكاملة لمحمد عبده)): جمع محمد عماره (1/ 117).
(8) ((تاريخ الأستاذ الإمام)) (1/ 860).
(9) ((الفكر الإسلامي الحديث)) غازي التوبة (ص 45).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 319)
كان لأفكار المدرسة العقلية صدى كبيراً في دراسات المستشرقين، والحقيقة أنا لا ندري من أين نبدأ وإلى أين ننتهي بين عبارات الثناء والترحيب بهم من المستشرقين ولعلنا نكتفي أيضاً بالإشارة. فهذا جب يقول عنهم "لسوء الحظ ظل قسم كبير من المسلمين المحافظين ولا سيما في الهند لا يخضعون لهذه الحركات الإصلاحية المهدئة وينظرون إلى الحركة التي تزعمتها مدرسة عليكره بالهند ومدرسة محمد عبده بمر نظرة كلها ريبة وسوء ظن لا تقل عن ريبتهم في الثقافة الأوروبية نفسها" (1) ثم وضح هذا المستشرق الإنجليزي جب دور المدرسة العقلية بقوله "إن في كل البلاد الإسلامية – باستثناء شبه جزيرة العرب وأفغانستان وبعض أجزاء من أواسط أفريقيا – حركات معينة تختلف قوة واتساعاً ترمي إلى تأويل العقائد الإسلامية وتنقيحها" ثم قال "وقد اتجهت مدرسة محمد عبده بكل فروعها وشعبها نحو تحقيق هذا الهدف" ثم ذكر "أن الأديب "بانيرث" المبشر يرى أن حركة الإصلاح الإسلامي – على النحو الذي تسير فيه الآن يجب أن تقابل من المسيحية الغربية بالتشجيع" (2).ولعله يكفي هنا أن ننقل عن جب رأيه في تلاميذ محمد عبده حيث يقول "إن تلامذته هم من أولئك الذين تعلموا على الطريقة الأوروبية وذلك من ناحيتين أولاهما إن ما كتبه الشيخ كان بمثابة درع واقية للمصلحين الاجتماعيين والسياسيين فإن عظمة اسمه قد ساهمت في نشر أخبار لم تكن تنشر من قبل ثم إنه قد أقام جسراً من فوق الهوة السحيقة بين التعليم التقليدي والتعليم العقلي المستورد من أوربا الأمر الذي مهد للطالب المسلم أن يدرس في الجامعات الأوروبية دون خشية من مخالفة معتقده وهكذا انفرجت مصر المسلمة بعد كبت، فقد ساهم الشيخ محمد عبده أكثر من أي شخص آخر في خلق اتجاه أدبي جديد في إطار الروح الإسلامية" (3).أما الجاسوس البريطاني ألفريد سكاون بلنت فيصف دعوتهم بأنها "الإصلاح الديني الحر" ويصفهم بأنهم "زعماء الإصلاح في الأزهر" ويصف مدرستهم بأنها "تلك المدرسة الواسعة التقية" (4).وقال عن الأفغاني "ومن أغرب ما يروى أن الفضل في نشر هذا الإصلاح الديني الحر بين العلماء في القاهرة لا يعود إلى عربي أو مصري أو عثماني ولكن إلى رجل عبقري غريب يدعى السيد جمال الدين الأفغاني" (5).وقال عن محمد عبده أنه "رجل من أحسن وأحكم الرجال العظام ويجب أن لا يتوهم أحد أني إذ أستخدم هذه الألفاظ ألقي القول على عواهنه أو أبالغ مثقال ذرة ولكني أقولها معتمداً على معرفتي بأخلاقه في ظروف مختلفة وأحوال صعبة فقد عرفته في أول الأمر معلماً دينياً ثم قائداً لحركة الإصلاح الاجتماعي … وأخيراً حين سودته مواهبه العقلية ونصرته من جديد" (6).وتحدث عن هدف الأفغاني فقال "كان همه أن يطلق العقول من الأغلال التي قيدتها طوال الأجيال الماضية" وأن هذا "يماثل ما حدث من إحياء المسيحية بأوربا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر" (7).وهذا جولد زيهر يبين قصد مدرسة المنار بأنه "تحقيق قدرة الإسلام على الحياة بين تيارات العصر الحديث عن طريق إصلاح الأحوال المغلولة بقيود المذاهب الجامدة" واعتبر السيد جمال الدين الأفغاني المحرك الأول لهذا الاتجاه (8).
المصدر:منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير لفهد الرومي - ص 804--------------------------------------------
(1) ((إلى أين يتجه الإسلام)) للمستشرق جب عن مجلة المجتمع العدد 364 في 9 رمضان 97 هـ (ص: 29).
(2) ((إلى أين يتجه الإسلام)) للمستشرق جب عن مجلة المجتمع العدد 364 في 9 رمضان 97 هـ (ص: 63) ، ((الفكر الإسلامي المعاصر)) غازي التوبة (ص 61 - 62).
(3) ((الاتجاهات الحديثة في الإسلام)) جب (ص 70).
(4) ((التاريخ السري لاحتلال إنجلترا مصر)) ألفريد سكاون بلنت (ص 76).
(5) ((التاريخ السري لاحتلال إنجلترا مصر)) ألفريد سكاون بلنت (ص 77).
(6) ((التاريخ السري لاحتلال إنجلترا مصر)) ألفريد سكاون بلنت (ص 80).
(7) ((التاريخ السري لاحتلال إنجلترا مصر)) ألفريد سكاون بلنت (ص 78).
(8) ((مذاهب التفسير الإسلامي)) جولد زيهر (ص 347 - 348).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 320)
النتيجة
إن لمذهب المدرسة العقلية الحديثة أبعاداً ثلاثة نراها شامخة في التكوين الأساسي للمدرسة العقلية نذكر هذه الأبعاد الثلاثة إجمالاً ثم نستخلص بعد هذا النتيجة التي نراها والموقف الذي يجب أن نقفه نحن المسلمون على ضوء هذه النتيجة.
الأبعاد الثلاثة:
أولاً: أن هذه المدرسة أعطت العقل أكثر من حقه وكلفته ما لا يطيق ورفعت من قيمته وضخمت حجمه حتى ساوته بالوحي بل قدمته عليه وقدمت ما زعمته من أحكامه على أحكام الوحي.
وسعت في هذا السبيل لأجل "تضييق" حيز الغيبيات في مسائل العقيدة الإسلامية.
ثانياً: قامت هذه المدرسة بتأويل حقائق العقائد الإسلامية بما يتمشى مع الأحكام العقلية من جهة ومكتشفات الحضارة الغربية والنظريات العلمية الغربية من جهة أخرى.
وفي سبيل ذلك أيضاً قامت بتأويل المعجزات والخوارق وإنكار بعضها إذا لم يمكن قلب حقيقته بما يتمشى مع هذا البعد الفكري.
ثالثاً: تبرير تناول الحضارة الغربية ومجاراتها في مدنيتها الزائفة والتحوير من الداخل لإعطاء السند الفكري والدعم الديني لمعطيات الحضارة الغربية وتقريب الهوة التي تفصل بين الغرب وبين المسلمين تقريباً كان على حساب كثير من الجوانب الإسلامية التي تقوم عليها العقيدة الإسلامية.
تلكم هي الخطوط العريضة والأبعاد الراسخة التي نراها في منهج المدرسة العقلية.
ونتيجة لذلك فإنا نعتقد:
أولاً: أن المدرسة العقلية الحديثة ذات منهج منحرف وهي بسلوكها إياه تعاد فرقة منحرفة جديدة أقرب ما تكون إلى فرقة المعتزلة فهم كالمعتزلة.
أ) في تحكيم العقل والرجوع إلى أحكامه ورفعه إلى مرتبة الوحي وهم لو حكموا العقل نفسه لسلمنا لهم لأن أحكامه بنفسه لا تخالف حكماً ثابتاً في الشريعة الإسلامية أو قضية من قضاياه وهم إنما يحكمون العادة فيحسبون ما خالف العادة مخالفاً للعقل.
ب) وهم كالمعتزلة في إنكار المعجزات أو تأويلها.
ج) وهم كالمعتزلة أيضاً في كثير من الغيبيات كالملائكة والجن والسحر وغيره.
د) وهم كالمعتزلة في عدم تعديل الصحابة كلهم بل تجاوز بعضهم ذلك كبعض المعتزلة إلى سب الصحابة رضوان الله عليهم.
و) وإنهم كالمعتزلة في اعتقاد خلود أهل الكبائر في النار.
ومن هذا ندرك وضوح الصلة ووجه الشبه بينهم وبين المعتزلة.
ثانياً: أنه لا يكفي القول بأنهم معتزلة لأنهم يزيدون عليهم في التقريب بينهم وبين الكفار "النصارى واليهود" وتبرير تناول الحضارة الغربية ومجاراتها في مدنيتها الزائفة.
بل إنهم أخطر من المعتزلة ذلك أنهم يسعون بكل ما وسعهم لتغيير المفهوم الإسلامي في معاملة الكفار وإلغاء الفاصل والحاجز بين الفكر الحق والفكر الضال أو المنحرف وإذا ما ألغي جانب العقيدة في ميزان التفاضل فإن الكفة سترجح حتماً بنا وسيصبح الكفار آنذاك هم الأفضل والأقوى ومن ثم تكون لهم السيطرة وتكون لهم الدولة وحينئذ تكون خسارتنا للدين والدنيا.
وهو ما يسعى إليه الاستعمار وسهر من أجله الليالي ودفع جيوشه المادية والمعنوية وبث رجاله المستشرقين والمخدوعين – لأجله.
ثالثاً: إن الكثير من مفاهيمهم ومبادئهم هي السائدة في الفكر الإسلامي المعاصر وما ذاك إلا أثر من آثار فرض الاستعمار بادئ ذي بدء آراءهم على الناس وترويجه لهم وتمجيد المستشرقين لهم حتى إذا ما سار ذلك بين الناس أخذوا يتبنونه بأنفسهم ويعلنونه في مؤلفاتهم ويدافعون عنه حتى أصبح أو كاد من المسلمات.
وأصبح رجال المدرسة العقلية عندهم من الرجال الذين لا يقبل فيهم نقد أو يصل إليهم قدح.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 321)
رابعاً: إنهم مهدوا السبيل لسيطرة الفكر الغربي واتخذهم الأعداء مطية يعملون من خلالها على زلزلة عقيدة المسلمين وتشكيكهم بها ومحاربة الإسلام في عقر داره ليس عن طريق نشر المؤلفات فحسب بل عن طريق الصحافة وطريق السينما والتليفزيون والإذاعة وكل وسائل الإعلام الأخرى.
ثم عمل الاستعمار على إطفاء ما بقي من نار الغيرة على الشعائر الإسلامية بل على الدين كله في قلوب الشباب فأصبحوا لا يحرك ساكناً فيهم ما يحدث في المسلمين في الفلبين أو في الهند أو في أفغانستان أو في فلسطين أو في غيرها من مختلف البلدان، لا يحرك هذا فيهم ساكناً عند سماعه فضلاً عن أن يهبوا زرافات ووحداناً.
خامساً: لم تكن نتيجة ذلك ذات أثر على الأفراد فحسب بل على كثير من الدول التي نبذت الفقه والفقهاء الإسلاميين واستبدلت القوانين الوضعية بالفقه الإسلامي وتركت تقليد أبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد أو غيرهم من الفقهاء واستمدت جل دستورها من القوانين الأوروبية الحديثة.
وبعد.
فما الموقف منهم الذي يجب إعلانه هنا؟ لا أريد أن أستطرد في الحديث هنا بل ألخص الموقف بأسطر أحسب فيها الكفاية.
لا شك أن الواجب يقتضي أن نعيد النظر في رجال هذه المدرسة العقلية أنفسهم ونعيد تقييمهم وفق الميزان الإسلامي الحق ونعلن للناس كافة حقيقتهم ونجلوا لهم علانية زيف منهجهم وتبيين مواقع ضلاله ومواقع انحرافه.
نعيد تقييمهم تقييماً حقاً لا يراعي بحال من الأحوال ما هو سائد بين الناس عنهم.
وحين نصل إلى نتيجة ذلك نعلن بها العلماء قبل العامة لينشروه بين الناس كافة.
وحينئذ نعيد ترتيب الأمور على الميزان الحق أحسب هذا الأمر يقال في لحظة ويكتب في لحظتين ولكن تنفيذه يريد عزيمة إسلامية خالصة تطوي الزمن طياً فيحصل ما يحتاج إلى قرون عديدة في سنوات قليلة ويكون صلاح هذا الدين في هذا العصر كصلاحه في أوله.
المصدر:منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير لفهد الرومي - ص 809
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 322)
الخاتمة
وبعد، فتلك هي فرقة "المعتزلة" في ماضيها وحاضرها، في أفكارها ومعتقداتها، في مبادئها وآرائها ومناهجها. وإن كان لنا أن ندعو الشباب إلى الحذر من تلك السموم وإلى توخي الحرص عند الاستماع لأي دعوى من دعاوى العقلانية أو التجديد أو عدم التعصب أو الحرية – وإن تدثرت برداء الإسلام خداعا لأهله – فإننا ننبه إلى أنه في تلك الدعوات خيبة الدنيا وخسرانها قبل الآخرة وعذابها، ذلك أن منهج الكلام ومباحث الاعتزال هي في حقيقة أمرها مباحث نظرية بعيدة كل البعد عن الناحية التطبيقية العملية، والإسلام إنما يدعو البشر إلى الاعتقاد السهل البسيط بوحدانية الله تعالى، واتخاذه – سبحانه – إلها يعبد في كافة مناحي الحياة ثم يفتح الباب على مصراعيه للاجتهاد في استغلال ما في الأرض جميعا والسير في مناكبها والنظر في آيات الآفاق والأنفس، ليرتفع في مدارج الرقي والقوة والإنتاج فيسود العالم كله ويستعلي عليه استعلاء القوة كما استعلى عليه استعلاء الإيمان، فلا يذهب بقوته في الصراع والتناحر حول معان نظرية مجردة لا عمل تحتها – كالعرض والجوهر وما إلى ذلك – ولا فائدة من ورائها. والحقيقة أن دعاة تلك المذاهب إنما يدفعون المسلمين إلى الاستغراق في النظريات المجردة فتبعد بهم عن مجالات العمل والتطبيق وتظل قواهم مبعثرة وأراضيهم مستعمرة وشرعهم معطلا.
إن كبار العلماء في الغرب قد أدركوا – منذ زمن – أن لعبة المباحث النظرية لا تؤدي إلا إلى الضعف، وأن دعاوى الحرية والتقدم بناء على تلك النظريات إنما هي شرك يكفل تردي البشرية - لصالح فئة منها - في مهاوي التخلف والتناحر مادامت الحياة، وهو ما هدانا إليه رب العالمين حين أنزل المنهج الأمثل على سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، وحين تلقفه منه صحابته رضوان الله عليهم فانطلقوا به "عاملين" في مشارق الأرض ومغاربها فبنوا أكبر دولة على مر التاريخ في أقصر فترة زمنية! وإننا لنتساءل – ونسأل أولئك الدعاة لمنهج الاعتزال – أين هي الدولة التي قامت على مثل تلك الفروض والمباحث الكلامية النظرية؟! وإنما كان نصيب الدولة الإسلامية التفتت والمحنة يوم أن تبنت السلطة تلك النظريات في عهد المأمون العباسي. ولله در الإمام مالك حين عبر عن روح الإسلام في كلمته الجديرة بالتخليد: "أكره الكلام فيما ليس تحته عمل" (1). وقوله: "أكلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما نزل به جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم " (2) وقوله: "وأكره أن ينسب أحد حتى يبلغ آدم ولا إلى إبراهيم" (3).--------------------------------------------
(1) ((سير أعلام النبلاء)) (8/ 88)، و ((مذاهب الإسلاميين)) لبدوي (1/ 30).
(2) ((الجامع)) أبو زيد القيرواني (259).
(3) ((سير أعلام النبلاء)) (16/ 104).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 323)
ويقول الإمام الأوزاعي: "بلغني أن الله إذا أراد بقوم شرا ألزمهم الجدل ومنعهم العمل".بل إن ذلك كان وعي السلف الصالح من أئمة الإسلام حين نهوا عن الخوض في الكلام وامتنعوا عن المشاركة فيه كالشافعي وأحمد وغيرهما – ممن ذكرنا طرفا منهم في مقدمة بحثنا هذا – لما عرفوا أن ذلك الأمر إلى جانب ابتداعه فهو صارف للمسلمين عما هو نافع لهم في دينهم ودنياهم على حد سواء، بل تلك هي عبرة اندفاع الصحابة رضوان الله عليهم في الفتح والتقدم لما أعرضوا عما نهوا عنه مما لا طائل تحته، وبعد أن وعوا الحكمة النبوية في قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يزال أمر هذه الأمة موائما أو مقاربا ما لم يتكلموا في الولدان والقدر)) (1).
ثم لنستمع إلى شهادة أحد أكابر علماء الغرب القلائل الذين وضعوا أيديهم على الداء البشري وهو الدكتور الكسيس كاريل حيث يقول: "مهما كانت براعة المذاهب "النظرية" التي يبتدعها العقل، فإنها لا تعدو أن تكون نظرات جزئية، وأشباحا باهتة للواقع. وليس هناك مذهب فلسفي قط استطاع أن يحظى بقبول جميع الناس، وقوانين الحياة التي تستنبط من مثل تلك المبادئ ليست إلا فروضا وإذا أردنا تجنب الوقوع في الخطأ وجب علينا أن نستخلص قوانين الحياة من ملاحظة الحياة نفسها" (2).
ويبين كاريل بعدها مسار العقل الإنساني في اختياره للمباحث النظرية السهلة وما يجلبه ذلك من ضرر فيقول: "كان من الممكن للعلم أن يكفل لنا نجاح حياتنا الفردية والاجتماعية ولكننا فضلنا نتائج التفكير الفلسفي الذي ساد في القرن الثامن عشر على نتائج العلم الواضحة، فارتضينا أن نأسن وسط "المعاني المجردة" ولعل كسل الإنسان الطبيعي هو الذي دفعه إلى اختيار المعاني المجردة الهينة. وذلك لأن الملاحظة أشق من الاستدلال، وهذا هو السبب في أن البشرية كانت دائما تميل إلى اللعب بضروب التجريد" (3).ثم يؤكد على أن الفلسفة ومناهجها هي التي تزري بالمناهج الأصلية للبشرية في العلم والعمل: "ولا شك أن فلاسفة عصر النور – أي عصر النهضة – هم الذين مكنوا لعبادة الحرية بصورة عمياء في أوربا وأمريكا، فراحوا باسم العقل يزرون بجميع النظم التقليدية، وبذلك وسموا هذه القيود في أعين الناس بميسم الشناعة، وحينئذ بدأت المرحلة الأخيرة من الصراع ضد القواعد التي رضي أسلافنا بأن تهيمن على سلوكهم" (4).--------------------------------------------
(1) رواه ابن حبان (15/ 118) (6724) ، والحاكم (1/ 88) ، وعبد الله بن أحمد في ((السنة)) (2/ 401) ، قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولا نعلم له علة ولم يخرجاه ، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (7/ 205): رجال البزار رجاله صحيح. وقال السيوطي في ((الخصائص الكبرى)) (2/ 148): إسناده صحيح. وقال الوادعي في ((أحاديث معلة)) (225): قال البزار قد رواه جماعة فوقفوه على ابن عباس.
(2) ((تأملات في سلوك الإنسان)) (47).
(3) ((تأملات في سلوك الإنسان)) (7).
(4) ((تأملات في سلوك الإنسان)) (1).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 324)
وسبحان الله العظيم! كيف يدور الزمن دورته فيحاول "فلاسفة" عصرنا و"علمائه" أن يعيدوا تمثيل ما حدث في أوربا منذ ثلاثة قرون أو أكثر، فيمكنوا لعبادة "الحرية" ويزدروا مناهج سلفنا الصالح! أليس ذلك كفعل الببغاء الذي عقله في أذنيه!؟. ثم يعلن كاريل في قوة ووضوح أن زيف المباحث النظرية هو السبب الأصيل وراء تدهور الحضارة فيقول: "ولذلك كان انتصار المذاهب النظرية تأكيدا نهائيا لهزيمة الحضارة" (1).وإن كان كاريل قد شهد بذلك، فإننا نسوق شهادة واحد من أعتى المستشرقين وأكثرهم حقدا على الإسلام وأهله، وهو هاملتون جب حيث يقول: "إن تركيز الفكر العربي على الأحداث الفردية، جعل العلماء المسلمين معدين للتعمق في المنهج الاختياري العلمي أكثر من أسلافهم الإغريق والإسكندرانيين. إن الملاحظات المفصلة التي قام بها باحثوا الإسلام قد ساهمت بشكل ملموس في تقدم المعرفة العلمية، بل إنها المصدر الذي أعاد المنهج التجريبي إلى أوربا في العصر الوسيط" (2).
فيا للعجب! ألم يكن أجدر "بفلاسفتنا" أن يدركوا من روح الإسلام ما أدركه ذلك الخبيث!! وصدق القائل (عدو عاقل. .).
ونكتفي بهذا القدر من الشهادة لاثنين من أكابر علماء الغرب، وما كنا لننقل عن أحد من تلك الأمم، ولكن الشهادة التي يقر بها المخالف أكبر قيمة - في صدقها – من تلك التي يدلي بها الموافق. وإن في الحضارة الغربية آفات قاتلة تتركز في مناهجها ونظرياتها وسلوكياتها، وإن كان فيها من المباحث العلمية والمناهج التطبيقية والتقدم التكنولوجي ما يجب على المسلمين الأخذ به والتسابق في تعلمه وتطويره – إن أمكن – فهم أولى البشر بالأخذ بأسباب القوة وتجنب مواطن الضعف.
وإنها لحكمة جد عزيزة غالية نقدمها للمخلصين من أبناء هذا الجيل من الإسلاميين؛ أن لا تقيموا وجهة نظركم على الرفض الكامل، ولا على الموافقة التامة في كل الأحوال بل إن التوسط والاعتدال هو سبيل هذه الطائف الناجية المنصورة بإذن الله.
إن هناك دائما حق بين صفوف الباطل، وحيثما وجد الحق فنحن أولى به من الغير إذ أنه ينتمي لأمة الإسلام دون غيرها.
إن القدرة على أن نفرق بين ما نأخذ وما ندع، من ذلك الحصاد الهائل للبشرية إنما يكمن - في حقيقته - في إدراك المنهج الإسلامي الصحيح وما يدعو إليه، وفي دراسة سيرة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم دراسة واعية لأحداثها وعبرة تلك الأحداث، والله سبحانه وحده هو القادر على أن يكشف عن المسلمين الغمة، وأن يعيد إليهم القدرة على صحة الحكم، ودقة النقد فهم جد محتاجين إلى ذلك في مواجهة تلك التيارات التي يعج بها العصر. إنه سميع مجيب.
المصدر:المعتزلة بين القديم والحديث لمحمد العبده وطارق عبد الحليم – ص 141--------------------------------------------
(1) ((تأملات في سلوك الإنسان)) (11).
(2) ((الاتجاهات الحديثة في الإسلام لهاملتون جب)) (33).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 325)
الفصل الأول: وجود الخوارج في الماضي والحاضر الخوارج فرقة كبيرة من الفرق الاعتقادية، وتمثل حركة ثورية عنيفة في تاريخ الإسلام السياسي. شغلت الدولة الإسلامية فترة طويلة من الزمن، وقد بسطوا نفوذهم السياسي على بقاع واسعة من الدولة الإسلامية في المشرق وفي المغرب العربي، وفي عمان وحضرموت وزنجبار (1)
وما جاورها من المناطق الإفريقية وفي المغرب العربي، ولا تزال لهم ثقافتهم المتمثلة في المذهب الإباضي المنتشر في تلك المناطق.
ولا يخفى كذلك أن بعض أفكار الخوارج - ولا سيما الأزارقة - المتعلقة بتكفير العصاة لا يزال لها أتباع يمثلون تنطع الخوارج وتشددهم في وقتنا الحاضر، مما يستدعي عرض ودراسة هذه الفرقة، وما أنتجت من آراء وأفكار، وبيان ما جناه أتباعها على الإسلام والمسلمين.
ومما يجدر ذكره بالنسبة لكتب الخوارج أنها تكاد أن تكون مفقودة تماماً إذا ما استثنينا الإباضية منهم، فلم تعرف لهم مؤلفات موفورة كبقية الفرق، وأكثر ما نرجع في ذلك إلى ما كتبه العلماء من أهل السنة، مع ثقتنا بصحة ما نقلوه عنهم لمعايشتهم لهم، وكذلك لاحتمال أنهم عثروا على كتب للخوارج لم تصل إلينا، على أن ما وصل من كتب الإباضية تدل على مصداق أولئك في نقلهم لمذهب الخوارج.
المصدر:فرق معاصرة لغالب عواجي 1/ 226--------------------------------------------
(1) وتسمى الآن (تنزانيا)
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 326)
المبحث الأول: تعريف الخوارج لغة الخوارج في اللغة جمع خارج، وخارجي اسم مشتق من الخروج، وقد أطلق علماء اللغة كلمة الخوارج في آخر تعريفاتهم اللغوية في مادة (خرج) على هذه الطائفة من الناس؛ معللين ذلك بخروجهم عن الدين أو على الإمام علي، أو لخروجهم على الناس (1).
المصدر:فرق معاصرة لغالب عواجي 1/ 227 وقد أطلقت كلمة الخوارج هذه في كتب اللغة على طائفة من أهل الآراء والأهواء لخروجها على الدين أو على الإمام علي رضي الله عنه. فيقول الأزهري في (تهذيب اللغة): والخوارج: قوم من أهل الأهواء لهم مقالة على حدة. وهو تعريف ابن منظور والفيروزآبادي أيضاً (2). ويقول الزبيدي عنهم: هم الحرورية والخارجية طائفة منهم، وهم سبع طوائف سموا به لخروجهم على الناس أو عن الدين أو عن الحق أو عن علي كرم الله وجهه بعد صفين (3) …
المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي – ص19--------------------------------------------
(1) انظر: كتب اللغة مادة (خرج)، انظر: ((تهذيب اللغة)) (7/ 50)، ((تاج العروس)) (2/ 30).
(2) ((تهذيب اللغة)) (7/ 50)، ((لسان العرب)) (1/ 808)، ((القاموس المحيط)) (1/ 192).
(3) ((تاج العروس)) (2/ 30). والحق أن يقال: رضي الله عنه كغيره من الصحابة رضي الله عنهم.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 327)
المبحث الثاني: تعريف الخوارج اصطلاحا
اختلف العلماء في التعريف الاصطلاحي للخوارج، وحاصل ذلك:
منهم من عرفهم تعريفاً سياسياً عاماً، اعتبر الخروج على الإمام المتفق على إمامته الشرعية خروجاً في أي زمن كان. قال الشهرستاني: (كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجياً، سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين أو كان بعدهم على التابعين لهم بإحسان والأئمة في كل زمان) (1).ومنهم من خصهم بالطائفة الذين خرجوا على الإمام علي رضي الله عنه. قال الأشعري: (والسبب الذي سُمّوا له خوارج؛ خروجهم على علي بن أبي طالب) (2).زاد ابن حزم بأن اسم الخارجي يلحق كل من أشبه الخارجين على الإمام عليّ أو شاركهم في آرائهم في أي زمن. وهو يتفق مع تعريف الشهرستاني (3).وعرفهم بعض علماء الإباضية بأنهم طوائف من الناس في زمن التابعين وتابع التابعين أولهم نافع بن الأزرق (4).، ولم أر هذا التعريف عند أحد غير الإباضية.
وهذا التعريف لأبي إسحاق أطفيش يريد منه أن لا علاقة بين المحكمة الأولى –الذين لا يعتبرهم خوارج لشرعية خروجهم كما يزعم- وبين من بعدهم إلى قيام نافع سنة 64هـ، وهذا التعريف غير مقبول حتى عند بعض علماء الإباضية، ويبقى الراجح هو التعريف الثاني؛ لكثرة من مشى عليه من علماء الفرق في تعريفهم بفرقة الخوارج، وقيام حركتهم ابتداء من خروجهم في النهروان، وهو ما يتفق أيضاً مع مفهوم الخوارج كطائفة ذات أفكار وآراء اعتقاديه أحدثت في التاريخ الإسلامي دوياً هائلاً.
المصدر:فرق معاصرة لغالب عواجي 1/ 227
وأما في اصطلاح علماء الفرق فيؤخذ وجهات نظر ثلاثة في التعريف بالخوارج:
- من يرى أنهم الخارجون على الإمام الحق في أي زمان.
- من يرى أنهم الخارجون عن الإمام علي ومن يرون رأيهم.
- ومن يرى أنهم الخارجون بعد الإمام علي ابتداءً من الأزارقة.
المصدر: الخوارج تاريخهم وآراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها لغالب عواجي– ص19--------------------------------------------
(1) ((الملل والنحل)) (1/ 114).
(2) ((المقالات)) (1/ 207).
(3) ((الفصل)) (2/ 113).
(4) ((عمان تاريخ يتكلم)) (ص 103).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 328)
وتعريف الشهرستاني هذا تعريف عام يشمل أقسام الخروج، ولا يخص فرقة الخوارج، إذ الخروج على إمام المسلمين ينقسم إلى أقسام: أولا: من خرج لمنازعة في الملك، ولكنه خرج غضبا للدين، ومن أجل جور الولاة وترك عملهم بالسنة، مثل الحسين بن علي (1)، وأهل المدينة في وقعة الحرة، وزيد بن علي زين العابدين (2).ثانيا: من خرج على ولي الأمر بتأويل سائغ (3) يقره الكتاب والسنة، وهذا ما كان من أصحاب الجمل وصفين إذ خرجوا على علي رضي الله عنه لا معاندين مطالبين بالملك، بل لرأي رأوه واجتهاد صاروا إليه من طلب القصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه (4).ثالثا: من خرج لطلب الملك فقط، وكان القتال على الدنيا وهؤلاء هم البغاة حقا (5).وقد جاء الوعيد والذم لهذه الطائفة المفرقة للأمة السافكة لدماء المسلمين من أجل الدنيا والملك. رابعا: من خرج على الإمام وعلى الجماعة المسلمة للدعاء إلى معتقدهم (6)، فخروج هؤلاء نابع من مخالفة لأصول في الشريعة الاعتقادية أو العلمية (7).والقسم الرابع هذا الخارج للدعاء إلى معتقده هو الذي وردت فيه نصوص نبوية في ذمه، والأمر بقتاله لأن خطره عظيم على الأمة المسلمة وهو أخطر أقسام الخروج السابقة، يقول ابن تيمية رحمه الله: "وقد اتفق الصحابة والعلماء بعدهم على قتال هؤلاء (8)، فإنهم بغاة على جميع المسلمين سوى من وافقهم على مذهبهم، وهم يبدؤون المسلمين بالقتال، ولا يندفع شرهم إلا بالقتال، فكانوا أضر على المسلمين من قطاع الطريق؛ فإن أولئك مقصودهم المال، فلو أعطوه لم يقاتلوا، وإنما يتعرضون لبعض الناس، وهؤلاء يقاتلون الناس على الدين حتى يرجعوا عما ثبت بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة إلى ما ابتدعه هؤلاء بتأويلهم الباطل وفهمهم الفاسد للقرآن … وهم شر على المسلمين من غيرهم، فإنهم لم يكن أحد شرا على المسلمين منهم ولا اليهود ولا النصارى؛ فإنهم كانوا مجتهدين في قتل كل مسلم لم يوافقهم، مستحلين لدماء المسلمين وأموالهم وقتل أولادهم، مكفرين لهم وكانوا متدينين بذلك لعظم جهلهم وبدعتهم المضلة" (9).--------------------------------------------
(1) في ((فتح الباري)) (12/ 206) الحسن بن علي، والصحيح أنه الحسين حيث خرج على يزيد بن معاوية وقتل بكربلاء.
(2) اختلف العلماء في جواز هذا الخروج، فمنهم من أجاز الخروج على الإمام الجائر وعد ذلك من الجهاد، ومنهم من قال بعدم جوازه لما يترتب على هذا الخروج من المفاسد التي تربو على المصالح، وهذا هو القول الصحيح الذي تدل عليه النصوص الشرعية، وهو قول غالب أهل السنة. انظر ((الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة)) لعبدالله الدميجي (502 - 518 – 547).
(3) التأويل السائغ هو الجائز الذي يقر صاحبه عليه إذا لم يكن فيه جواب. انظر ((الفتاوى)) (28/ 266، 275).
(4) انظر ((الفتاوى)) (28/ 266، 275).
(5) انظر ((فتح الباري)) (12/ 286) بتصرف، شذرات الذهب في أخبار من ذهب لأبي الفلاح الحنبلي (1/ 68).
(6) انظر ((فتح الباري)) (12/ 285).
(7) انظر ((الفتاوى)) (28/ 266، 275).
(8) هؤلاء ((الخوارج)).
(9) انظر ((منهاج السنة النبوية)) (5/ 243 – 248) باختصار وتصرف يسير.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 329)
إذا الخوارج بتعريف عام: "كل من خرج على الإمام وعلى الجماعة المسلمة بالسيف للدعاء إلى معتقده وكان خروجه نابعا من مخالفة الأصول في الشريعة" فهذا التعريف أقرب لتعريف الخوارج كفرقة من الفرق، أما من خرج لغير ذلك مما تقدم فيطلق عليهم اسم الخروج العام، ويطلق عليهم خوارج "كحكم شرعي، وصفة لفعلهم. ونجد د/ ناصر العقل يعرف الخوارج كفرقة من الفرق أنهم: "الذين يكفرون بالمعاصي ويخرجون على أئمة المسلمين وجماعتهم" (1). وهذا التعريف عام وإن كان أخص مما ذكره الشهرستاني إلا أنه يشمل كل من سار على هذا المنهج، وإن تسمى باسم آخر غير الخوارج، أو انتمى إلى فرقة أخرى، إذ كل من خرج على إمام المسلمين وجماعتهم بالسيف، وكان الدافع لهذا الخروج عقيدة يعتقدها من تكفير المخالفين أو بدعة يدعو إليها يسمى خارجيا، ويعتبرون خوارج ويلحقهم الذم الوارد في النصوص (2)، لذلك يطلق على فرقة الرافضة خوارج مارقة بهذا المعنى (3).وإن كانت الخوارج والرافضة كلها تكفر بالمعاصي (4)، وترى الخروج على إمام المسلمين وجماعتهم على خلاف فيما بينهم في تفصيل ذلك إلا أن الفيصل بينهما هو القول في علي رضي الله عنه، فالخوارج الحرورية تكفره، والرافضة تتولاه. لذا إذا أردنا أن نعرف الخوارج الحرورية بتعريف خاص بهم كفرقة من الفرق، لا كحكم شرعي فيهم أو تعريف عام لهم نقول: هم كل من كفر علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعثمان وأصحاب الجمل ومن رضي بالتحكيم، وهم الذين يكفرون بالمعاصي (5)، ويرون الخروج على إمام المسلمين وجماعتهم، ويتولون فرقة المحكمة الأولى (6).فهؤلاء هم الخوارج الحرورية وهم المرادون في هذا المبحث والله أعلم، والخوارج فرق متعددة، عدها بعضهم وأوصلها إلى العشرين (7).
المصدر:موقف الصحابة من الفرقة والفرق لأسماء السويلم - ص393--------------------------------------------
(1) انظر كتاب ((الخوارج)) له (ص28).
(2) ويؤكد هذا أن أيوب السختياني رحمه الله يسمي أصحاب البدع خوارج، ويقول: " ((الخوارج)) اختلفوا في الاسم واجتمعوا على السيف". انظر كتاب الشريعة (5/ 2549)، ذم الكلام للهروي (4/ 198).
(3) أجمعت الرافضة على ترك الخروج بالسيف حتى يظهر إمامهم المنتظر، أي: إذا خرج إمامهم حملوا السيف، أما الزيدية من الشيعة بأجمعها ترى السيف والعرض على أئمة الجور وإزالة الظلم، انظر ((مقالات الإسلاميين)) (1/ 129، 150)، وانظر ((الفتاوى)) لابن تيمية (28/ 271) (13/ 113).
(4) انظر ((الفتاوى)) (28/ 261).
(5) يشمل كلمة "يكفرون بالمعاصي" كفر الشرك، وكفر النعمة، وكفر الملة، على اختلاف فرق الخوارج في ذلك.
(6) انظر ذكر مذاهب الفرق الثنتين وسبعين المخالفة للسنة والمبتدعين لعبدالله اليافعي (23).
(7) انظر ((الفرق بين الفرق)) للبغدادي (49)، المواقف في علم الكلام للايجي (424)، وهناك من ذكر ذلك انظر تلبيس إبليس لابن الجوزي (28).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 330)
الفصل الثالث: نشأة الخوارج
اختلف المؤرخون وعلماء الفرق في تحديد بدء نشأتهم، وخلاصة ذلك ما يلي:
أنهم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
أنهم نشأوا في عهد عثمان رضي الله عنه.
أنهم نشأوا في عهد علي رضي الله عنه حين خرج عليه طلحة والزبير، كما يزعم بعض علماء الإباضية.
أو حين خرج الخوارج من المحكمة عن جيشه كما هو الراجح.
أنهم ظهروا في عهد نافع بن الأزرق ابتداء من سنة 64هـ، كما تقدم في التعريف بهم. وفيما يلي مناقشة تلك الأقوال وبيان الصحيح منها:
أما بالنسبة للقول الأول، فإن المقصود به ما وقع للرسول صلى الله عليه وسلم من قيام ذي الخويصرة- عبد الله ذي الخويصرة التميمي- في إحدى الغزوات في وجه الرسول معترضاً على قسمة الرسول صلى الله عليه وسلم للفيء، وأنه لم يعدل - حاشاه - في قسمتها.
وقد قال بهذا القول كثير من العلماء منهم: الشهرستاني وابن حزم وابن الجوزي، والآجري، إلا أنه ينبغي التفريق بين بدء نزعة الخروج على صورة ما، وظهور الخوارج كفرقة لها آراء وتجمع قوي. فذو الخويصرة لا يعتبر في الحقيقة زعيماً للخوارج، لأن فعلته حادثة فردية- تقع للحكام كثيراً- ولم يكن له حزب يتزعمه ولا كان مدفوعاً من أحد - إلا طمعه وسوء أدبه مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ومع هذا فيمكن القول بأن نزعة الخروج قد بدأت بذرتها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) وأما بالنسبة للقول الثاني، فهو رأي لبعض العلماء أيضاً كابن كثير وابن أبي العز (2) ، ولكن يرد على هذا أن أولئك الثوار البغاة كان هدفهم قتل عثمان وأخذ المال، ولا ينطبق عليهم وصف فرقة ذات طابع عقائدي خاص، ولهذا اندمجوا مع المسلمين بعد تنفيذ جريمتهم ولم يشكلوا فرقة مستقلة –وإن كان فعلهم يعتبر خروجاً عن الطاعة وخروجاً على الإمام –إلا أنهم ليسوا هم الخوارج كفرقة عقائدية سياسية لما تقدم. وأما بالنسبة للقول الثالث؛ وهو للورجلاني الإباضي، فأنه قول مردود؛ فإن طلحة والزبير رضي الله عنهما لا يصح وصفهما بالخوارج ولا ينطبق عليهما وصف الخوارج كفرقة، وكان معهما أيضاً أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وقد شهد الله لها بالإيمان، وطلحة والزبير رضي الله عنهما من العشرة المبشرين بالجنة (3).
وأما بالنسبة للقول بأن نشأتهم تبدأ من قيام نافع بن الأزرق؛ فإنه لم يقل به غير من ذكرنا من علماء الإباضية؛ لنفيهم وجود صلة ما بين المحكمة ومن سار على طريقتهم وبين الأزارقة بعدهم، وهو قول غير مقبول لوجود تسلسل الأحداث وارتباطها من المحكمة إلى ظهور نافع بن الأزرق. والحاصل أن الخوارج بالمعنى الصحيح اسم يطلق على تلك الطائفة ذات الاتجاه السياسي والآراء الخاصة، والتي خرجت عن جيش الإمام علي رضي الله عنه والتحموا معه في معركة النهروان الشهيرة (4).
ومما نذكره هنا محاورات بين علي رضي الله عنه والخوارج، تصور لنا مدى التعنت الذي اتصف به الخوارج.
المصدر:فرق معاصرة لغالب عواجي 1/ 232--------------------------------------------
(1) حديث ذي الخويصرة رواه البخاري (3610) ، ومسلم (1064) ، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(2) انظر: ((البداية والنهاية)) (7/ 189) و ((شرح الطحاوية)) (ص 472).
(3) انظر: ((الدليل لأهل العقول)) (ص15).
(4) انظر لتلك الأقوال: ((تلبيس إبليس)) (ص 90)، ((الفصل)) لابن حزم (4/ 157)، ((الملل والنحل)) للشهرستاني (1/ 21) ((شرح الطحاوية)) لابن أبي العز (ص472) ((البداية والنهاية)) لابن كثير (7/ 189) ((الدليل لأهل العقول)) للورجلاني (ص15)، ((عمان تاريخ يتكلم)) للسالمي (ص103).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 331)
يختلف المؤرخون في تحديد بدء نشأة الخوارج هل كان ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أو في عهد عثمان أو في عهد علي رضي الله عنهما أو أن نشأتهم لم تبدأ إلا بظهور نافع بن الأزرق وخروجه عام 64هـ؟
وسوف نتناول أقوال المؤرخين في هذا المقام بالعرض والدراسة واختيار ما نراه صحيحا منها.
القول الأول: أن أول الخوارج هو ذو الخويصرة أو عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي الذي بدأ الخروج بالاعتراض على النبي صلى الله عليه وسلم في قسمة الفيء واتهامه إياه بعدم العدل وقد ورد في حديث البخاري تحت باب (من ترك قتال الخوارج للتألف وأن لا ينفر الناس عنه) عن أبي سعيد قال: ((بينا النبي صلى الله عليه وسلم يقسم جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمى فقال: اعدل يا رسول الله. فقال: ويلك من يعدل إذا لم أعدل. قال عمر بن الخطاب دعني أضرب عنقه. قال: دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاته، وصيامه مع صيامه، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر في قذذه فلا يوجد فيه شيء، ينظر في نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر في رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر في نضيه فلا يوجد فيه شىء، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل إحدى يديه - أو قال ثدييه - مثل ثدي المرأة - أو قال مثل البضعة - تدردر، يخرجون على حين فرقة من الناس. قال أبو سعيد أشهد سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم وأشهد أن عليا قتلهم وأنا معه، جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي صلى الله عليه وسلم. قال فنزلت فيه وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ)) (1)، فهو على ما يبدو من تبويبه لهذا الحديث يعتبر ذا الخويصرة أول الخوارج وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ترك قتله للتألف. وقد أخرج الإمام مسلم رحمه الله هذا الحديث مع اختلاف في الألفاظ (2) وقد اقتصر في تسمية ذلك الخارجي الأول على (ذي الخويصرة) بينما هو في البخاري عبد الله بن ذي الخويصرة وربما رجع ذلك إلى اشتهار عبد الله باسم أبيه ذي الخويصرة فاقتصر مسلم على الشهرة بينما ذكر البخاري اسمه كاملاً. وسواء كان الخارج على النبي هو عبد الله أو أباه؛ فإن الحادثة قد وقعت بهذه الصورة وقد أورد مسلم عدة روايات حول هذه القضية ولكنه لم يصرح بالاسم إلا في رواية أبي سعيد، وفي بعض الروايات التي ذكرها الإمام مسلم عن أبي سعيد ذكر أوصاف ذلك الرجل دون ذكر اسمه كما في قوله: ((بعث علي رضي الله عنه وهو باليمن بذهبة في تربتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقسمها الرسول صلى الله عليه وسلم بين أربعة نفر؛ الأقرع بن حابس الحنظلي، وعيينة بن بدر الفزاري، وعلقمة بن علاثة العامري، ثم أحد بني كلاب، وزيد الخير الطائي، ثم أحد بني نبهان قال: فغضبت قريش فقالوا: أيعطي صناديد نجد ويدعنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني إنما فعلت ذلك لأتألفهم. فجاء رجل كث اللحية مشرف الوجنتين غائر العينين ناتئ الجبين محلوق الرأس، فقال: اتق الله يا محمد. قال: فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: فمن يطع الله إن عصيته، أيأمنني على أهل الأرض ولا تؤمنوني؟ قال: ثم أدبر الرجل فاستأذن رجل من القوم في قتله (يرون أنه خالد بن الوليد)، فقال رسول الله: إن من ضئضئ (3) هذا قوما يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)) (4).--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (6933).
(2) رواه مسلم (1064).
(3) الضئضئ: الأصل.
(4) رواه مسلم (1064). والحديث رواه البخاري (3344). من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 332)
وقد أخبر علي بن أبي طالب رضي الله عنه ببعض أوصافهم التي أخبره بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووقع مصداق ذلك حين قتلهم علي بن أبي طالب في معركة النهروان، كما جاء في كلام عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم (أن الحرورية لما خرجت وهو مع علي بن أبي طالب قالوا: لا حكم إلا لله قال علي: كلمة حق أريد بها باطل؛ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف ناسا إني لأعرف صفتهم في هؤلاء، يقولون الحق بألسنتهم لا يجوز هذا منهم (وأشار إلى حلقه)، من أبغض خلق الله إليه منهم أسود إحدى يديه طبي شاة أو حلمة ثدي، فلما قتلهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: انظروا، فنظروا فلم يجدوا شيئا فقال: ارجعوا فوالله ما كذبت ولا كذبت مرتين أو ثلاثا. ثم وجدوه في خربة فأتوا به حتى وضعوه بين يديه. قال عبيد الله: وأنا حاضر ذلك من أمرهم وقول علي فيهم: زاد يونس في روايته: قال بكير: وحدثني رجل عن أبي حنين أنه قال: رأيت ذلك الأسود) (1).وقد ذهب إلى القول بأن أول الخوارج هو ذو الخويصرة كثير من العلماء منهم ابن الجوزي وذلك في قوله: أن " أول الخوارج وأقبحهم حالة ذو الخويصرة ". وقوله: " فهذا أول خارجي خرج في الإسلام وآفته أنه رضي برأي نفسه ولو وقف لعلم أنه لا رأي فوق رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأتباع هذا الرجل هم الذين قاتلوا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه (2).ومنهم ابن حزم (3)، وهو رأي الشهرستاني أيضاً حيث يقول: وهم الذين أولهم ذو الخويصرة وآخرهم ذو الثدية (4)، واعتبر اعتراض ذي الخويصرة خروجا صريحا؛ إذ إن الاعتراض على الإمام الحق يسمى خروجاً فكيف بالاعتراض على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! ويقول بعد أن ذكر حديث ذي الخويصرة: وذلك خروج صريح على النبي صلى الله عليه وسلم، ولو صار من اعترض على الإمام الحق خارجيا فمن اعترض على الرسول أحق بأن يكون خارجياً (5).وينقل الطالبي عن أبي بكر محمد بن الحسن الآجري أنه يرى أن أول الخوارج كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثم إنهم بعد ذلك خرجوا من بلدان شتى واجتمعوا وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى قدموا المدينة فقتلوا عثمان، ثم خرجوا بعد ذلك على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (6).
القول الثاني: وهو للقاضي علي بن علي بن أبي العز الحنفي شارح (الطحاوية)، الذي يرى أن نشأة الخوارج بدأت بالخروج على عثمان رضي الله عنه في تلك الفتنة التي انتهت بقتله وتسمى الفتنة الأولى – يقول: فالخوارج والشيعة حدثوا في الفتنة الأولى (7).ويسمي ابن كثير الذين ثاروا على عثمان وقتلوه خوارج فيقول: وجاء الخوارج فأخذوا مال بيت المال وكان فيه شيء كثير جدا (8).
القول الثالث: وهو للورجلاني حيث يعتبر أن نشأة الخوارج بدأت منذ أن فارق طلحة والزبير علياً رضي الله عنه وخرجا عليه بعد مبايعتهما له، ثم يقول: وشرعا دين الخوارج دينا؛ فلهما أجور الخوارج وأوزارهما (9).--------------------------------------------
(1) رواه مسلم (1066).
(2) ((تلبيس إبليس)) (ص90).
(3) انظر: ((الفصل)) (4/ 157).
(4) ((الملل والنحل)) (1/ 116).
(5) ((الملل والنحل)) (1/ 21).
(6) ((آراء الخوارج)) (ص45).
(7) ((شرح العقيدة الطحاوية)) (ص472).
(8) ((البداية والنهاية)) (7/ 189).
(9) ((الدليل لأهل العقول)) (ص15).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 333)
القول الرابع: أن نشأة الخوارج بدأت سنة 64هـ بقيادة نافع بن الأزرق في أواخر ولاية ابن زياد وهذا الرأي لعلي يحيى معمر الإباضي (1). وهو في هذا الرأي يتابع قطب الأئمة أبي إسحاق أطفيش الإمام الإباضي الذي يرى أن ما حدث بين الإمام علي وبين الطائفة التي انفصلت عن جيشه والتي سميت فيما بعد بالمحكمة إنما هو نوع من أنواع الفتن الداخلية التي وقعت بين المسلمين في ذلك العصر؛ حيث اعتبرت تلك الطائفة أن علياً رضي الله عنه قد زالت عنه الإمامة الشرعية حينما قبل التحكيم، ولهذا فقد ولوا عبد الله بن وهب الراسبي في زهده وتقواه ودعى هذا بدوره عليا للدخول في طاعته بعد أن اختاره من معه من الصحابة وغيرهم (2) – كما يدعي الخوارج.
فلم يكن ما حدث بين علي ومن معه في نظر أصحاب هذا الرأي إلا فتنة انتهت على نحو ما انتهت عليه وليس خروجا على الإمام، كما هو المعنى الحقيقي للخروج الذي يرون أنه لم يبتدئ إلا بخروج نافع بن الأزرق. أما ما كان قبل ذلك من حركات ثورية على علي رضي الله عنه والأمويين من بعده فهي مجرد ثورات ومواقع حربية دارت بين الفريقين وليست خروجا بالمعنى الصحيح. يقول في هذا أبو إسحاق أطفيش: " الخوارج طوائف من الناس في زمن التابعين وتابع التابعين رؤوسهم: نافع بن الأزرق، ونجدة بن عامر، ومحمد بن الصفار، ومن شايعهم، وسموا خوارج لأنهم خرجوا عن الحق وعن الأمة بالحكم على مرتكب الذنب بالشرك " (3). ويقول علي يحيى معمر: " سبق إلى أذهان أكثر الناس – بسبب خطأ المؤرخين في ربط الأحداث – أن المحكمة الذين قتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في وقعة النهروان هم أصل الخوارج وهو مفهوم خاطئ؛ فإن المحكمة قد قتلوا في النهر ولم ينج منهم إلا تسعة أفراد، ثم ثار على الحكم الأموي طوائف كثيرة من الناس جماعات وأفرادا، حتى ظهر الخوارج في أواخر ولاية ابن زياد سنة 64 هـ، بقيادة نافع بن الأزرق، فمعركة النهروان هي فتنة بين الصحابة وقعت بين الإمام علي بن أبي طالب والمحكمة (4). ومما يجدر بالذكر أنه قد استبعد أن يكون الناجون من حرب النهروان تسعة فقط كما يأتي ذلك فيما بعد. وهنا أثبت ذلك العدد تأكيدا لرأيه في بدء نشأة الخوارج.
القول الخامس: أن نشأتهم بدأت بانفصالهم عن جيش الإمام علي رضي الله عنه وخروجهم عليه، وهذا الرأي هو الذي عليه الكثرة الغالبة من العلماء إذ يعرفون الخوارج بأنهم هم الذين خرجوا على علي بعد التحكيم، ومن هؤلاء الأشعري فقد أرخ للخوارج، وأقدم من أرخ لهم منهم هم الخارجون على الإمام علي وقال عنهم: " والسبب الذي سموا له خوارج خروجهم على علي بن أبي طالب (5).وقد تابعه في صنيعه البغدادي؛ حيث بدأ التاريخ للخوارج بذكر الخارجين على علي رضي الله عنه (6). وكذلك يرى أبو الحسين الملطي أن الفرقة الأولى للخوارج هي المحكّمة (7).--------------------------------------------
(1) انظر: ((الإباضية بين الفرق الإسلامية)) (ص377)، وانظر: ((الإباضية في موكب التاريخ)) (ص33).
(2) ((الإباضية بين الفرق الإسلامية)) (ص377).
(3) ((عمان تاريخ يتكلم)) (ص103).
(4) ((الإباضية بين الفرق الإسلامية)) (ص377).
(5) ((مقالات الأشعري)) (1/ 207).
(6) ((الفرق بين الفرق)) (ص74).
(7) ((التنبيه والرد)) (ص15).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 334)
وقد سار على هذا الرأي أصحاب المعاجم ودوائر المعارف (في مادة الخروج) والكتاب المحدثون الذين كتبوا عن الفرق الإسلامية كالأستاذ أحمد أمين والشيخ أبو زهرة والغرابي رحمهم الله وغيرهم، والمؤرخون في تأريخهم لأحداث الفتنة الكبرى. يقول الأستاذ أحمد أمين: واسم الخوارج جاء من أنهم خرجوا على علي وصحبه (1).ويقول الشيخ أبو زهرة: اقترن ظهور هذه الفرقة (أي الخوارج) بظهور الشيعة، فقد ظهر كلاهما كفرقة في عهد علي رضي الله عنه وقد كانوا من أنصاره (2). وصاحب كتاب (الأديان) وهو إباضي يعتبر خروج الخوارج إنما كان على علي حينما حكم (3).
وقد أصبح إطلاق اسم الخوارج على الخارجين عن الإمام علي أمرا مشتهرا بحيث لا يكاد ينصرف إلى غيرهم بمجرد ذكره.
هذه هي الأقوال في بدء نشأة الخوارج، وعلينا في اختيار ما نراه صحيحا منها أن نفرق بين بدء نزعة الخروج على صورة ما، وظهور الخوارج كفرقة لها آراؤها الخاصة، ولها تجمعها الذي تحافظ عليه وتعمل به على نصرة هذه الآراء.
والواقع أن نزعة الخروج – أو بتعبير أدق بدء نزعة الخروج – قد بدأت بذرتها الأولى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم باعتراض ذي الخويصرة عليه. لكن هل كان خروجا حقيقيا أم كان مجرد حادثة فردية اعترض فيها واحد من المسلمين على طريقة تقسيم الفيء طمعا في أن يأخذ منه نصيبا أكبر؟ وهو الأمر الذي سنرجحه فيما بعد.
أما تعبير النبي صلى الله عليه وسلم عن ذي الخويصرة بأن له أصحابا فقد يجوز:
أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد توقع وجود أصحاب يؤيدون هذا الرجل حيث استطاع الاعتراض على صاحب الدعوة، فامتنع عن قتله تألفا له ولهم.
ويجوز أيضا أن يكون ذلك القول كان توقعاً من النبي عليه السلام وإخبارا عما سيكون من عاقبة هذا الرجل وأمثاله؛ إذ إن الاعتراض على شخصيته صلى الله عليه وسلم يجعل من المتوقع أن يوجد الاعتراض على الخلفاء من بعده والخروج عليهم من باب أولى.
ويجوز أن يكون قصد النبي صلى الله عليه وسلم بالأصحاب لهذا الرجل هم من يكونون على شاكلته في مستقبل الأيام بحيث يكونون متابعين له على فكرته، وإن لم يتزعم قيادتهم في هذا الخروج على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الخلفاء.
لقد مضى عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ولم يكن لذي الخويصرة ذكر في هذه العهود بعد تلك الحادثة لا بنفسه ولا مع من يمكن أن يكونوا على شاكلته. ولم يذكر التاريخ - فيما اطلعت عليه – أنه كان كذلك من الثائرين على عثمان رضي الله عنه أو أنه كان له أبناء أو أصحاب ينتسبون إليه في تلك الثورة مع أن الفارق الزمني بين ورود الحديث فيه وبين أحداث الفتنة الكبرى يسمح بمثل هذا لو كان.
كل هذا يجعل من هذه الحادثة التي ارتكبها ذو الخويصرة حادثة فردية في وقتها؛ حيث لم يشتهر بالخروج ولم تعرف له آراء خاصة يتميز بها ولم يكون له حزبا سياسيا معارضا وإن لم يمنع هذا من اعتباره الفيء لمجرد نزعة الخروج في صورة ساذجة، إذا صح أن يكون الاعتراض على تقسيم الفيء خروجا.
وأما القول بأن نشأتهم تبدأ بثورة الثائرين على عثمان رضي الله عنه، فلا شك أن ما حدث كان خروجا عن طاعة الإمام إلا أنه لم يكن يتميز بأنه خروج فرقة ذات طابع عقائدي خاص لها آراء وأحكام في الدين، غاية ما هنالك أن قوما غضبوا على عثمان واستحوذ عليهم الشيطان حتى أدى بهم إلى ارتكاب جريمة قتله ثم دخلوا بين صفوف المسلمين كأفراد منهم.--------------------------------------------
(1) ((فجر الإسلام)) (ص257).
(2) ((تاريخ المذاهب الإسلامية)) (1/ 65).
(3) قطعة من كتاب ((في الأديان)) (ص96).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 335)