Arabic source text

📘 মাওসূআতুল ফিরাকিল মুনতাসিবাহ লিল ইসলাম (মাজমুআহ মিনাল মুয়াল্লিফীন)

📘 موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام (مجموعة من المؤلفين)

📘 মাওসূআতুল ফিরাকিল মুনতাসিবাহ লিল ইসলাম (মাজমুআহ মিনাল মুয়াল্লিফীন)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
3 - إيمان باليوم الآخر. أما ما وراء ذلك مما هو خارج عن علمهم فأمره مفوض إلى ربهم وبذلك يعيشون الحياة تحت ظل السعادة الظليل متحابين متعاونين على عمل ما فيه الخير لكل قبيل" (1).وإذا ما استنكر أحدهم الترحم على نصراني قال "إذا كان حكمكم على الكافر صحيحاً فإن النصراني ليس بكافر" (2).
ولنقف هنا ولنجمع الشتات.
القومية الوطنية.
التقريب بين الأديان.
فصل الدين عن الدولة.
أحسبها وجوهاً متعددة لقضية واحدة، هدفها واحد: إقصاء الدين الحق وقيام قومية وطنية .. لا دينية "علمانية" .. تنبذ الدين وتقصيه عن ميدان السياسة وحينئذ يسهل انقيادها لمن خطط لذلك ووقف خلفه من وراء الستار هل ترون الأصابع الخفية؟! إنها الصهيونية العالمية تسعى للقضاء على القومية الدينية.
وصهر الأديان تحت عنوان التقريب بينها وهو تذويب لها وتدمير.
وفصل الدين عن الدولة.
وظفرت في يومنا هذا على حلم كبير من أحلامها فقد صرح زعيم عربي بـ
فصل الدين عن الدولة بمنع الخطباء في المساجد من التعرض لما يجري في السياسة … الخ.
وسعى ويسعى في بناء مسجد "إسلامي" و "كنيسة نصرانية" و "معبد يهودي"في سيناء في سبيل التقريب بين الأديان أليس "خير أوجه الوحدة الوطن" كما يقول الشيخ محمد عبده (3) آخر أخبار هذا المشروع أن هذا الزعيم طلب من ممثلة أفلام الخلاعة والجنس أن تتبرع لبناء هذه المعابد ولو بدولارين.
وفي الإجتماع والأسرة:
والحديث هنا متشعب الأطراف متعدد الجوانب وأهم الأطراف وأخطر الجوانب قضية المرأة أليست المرأة هي الأم وهي الأخت وهي البنت وهي الزوجة وهي المربية وهي المعلمة؟! وهي في كل قاعدة تقف عليها أو منصب يجد الرجل والطفل والشاب ما يجذبه إليها ويشده ومن هنا يكون تأثيرها.
إن صلحت أصلحت وإن فسدت أفسدت أليست المرأة الصالحة خير متاع الدنيا؟! إذاً فاظفر بذات الدين ترتبت يداك.
وأحسب أن المرأة جوهرة يجب أن تصان عن أعين اللصوص وغبار الطريق ما الذي ترجوه من امرأة خلعت جلبابها وهتكت سترها وتزينت وتبرجت وفتنت وافتتنت واختلطت برجال تأججت غرائزهم وانفلت زمامهم، ما إن يفتح أحدهم مجلة حتى يرى الصورة المثيرة، ويذهب إلى دار السينما فيرى ما هو أشد ويفتح التلفاز والمذياع فيسمع ويرى قصص الحب والغرام وماذا بعد هذا؟!
ينظر إلى زميلته في العمل أو على كرسي المدرسة وقد اكتست من المدنية سربالاً وتزينت بزينتها ولبست لباسها وأصابها ما أصاب الرجل نفسه وخلا لهم المكان والزمان بعد هذا؟!--------------------------------------------
(1) ((دين الله واحد على ألسنة جميع الرسل)) محمود أبو رية (ص 168).
(2) ((دين الله واحد على ألسنة جميع الرسل)) محمود أبو رية (ص 28).
(3) ((تاريخ الأستاذ الإمام)) رشيد رضا (2/ 194).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 296)

ما الذي ترجوه من امرأة تسلم أولادها لمربية وتخرج إلى واجهات المتاجر والمعارض وتتخذ وسيلة لإغراء المشترين حيث تحدثهم بأرق حديث وألينه، أو تتجه إلى آلات المصانع ودخان المعامل وتهين نفسها بين العمال والموظفين هذا يغمزها وذاك يلمزها وذاك ينظر إليها بعين النهم؟! أو تنساق وراء مغريات الحضارة والحياة الغربية وتتبع شهواتها ورغباتها والمتعة المحرمة؟ كل هذا ولا شك سبب خطير لوقوعها في الرذيلة، إن لم تختصر الطريق وتجعل الرذيلة مهنتها … وحينئذ فلا أسرة؟ وتشتت الأسر ضياع للمجتمع، وضياع المجتمع ضياع للأمة؟ إذاً فضياع المرأة ميزان لضياع الأمة يرتفع ضياعها بارتفاع ضياع المرأة وينخفض بانخفاضه ويسلم بسلامتها، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء)) (1) ، وفي رواية ((أضر على أمتي)) (2).وقبل هذا قال تعالى زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [آل عمران: 14] عدد سبحانه في هذه الآية متاع الحياة الدنيا وجعل في مقدمته النساء قال ابن حجر رحمه الله تعالى "وبدأ بهن قبل بقية الأنواع إشارة إلى أنهن الأصل في ذلك" (3).أدرك ذلك المقياس العز لدين الله لما قيل له: إن نساء قصر الإخشيد قد أغرقن في الترف ورفعن نقاب الحياء والسرف واستهن بالفضيلة وتركن رسالتهن قال في زهو وانتصار "اليوم فتحت يا مصر" (4).
وأدرك هذا الشاعر العربي حين قال:
الأم مدرسة إذا أعددتها … أعددت شعباً طيب الأعراق
وأدرك هذا أيضاً الاستعمار ومن خلفه الصهيونية العالمية وجندت جنودها لهذا الهدف، ولقد خدمها ولا زال يخدمها في تحقيقه كثير وكثير من الناس منهم من يعلم أنه جند من جنود الاستعمار ومنهم من يعلم أنه جند من جنود الصهيونية نفسها ومنهم إمعة يخدمهم من حيث لا يدري.
ظهر أول كتاب في مصر يدعو إلى "تحريرها" من النظام الإسلامي سنة 1894م عنوانه (المرأة في الشرق) لمؤلفه مرقص فهمي المحامي وبعده بسنوات خمس أصدر قاسم أمين كتابه الأول (تحرير المرأة) دعا فيه إلى:
1 - القضاء على الحجاب الإسلامي المعروف.
2 - إباحة الاختلاط للمرأة المسلمة بالأجانب عنها.--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (5096) ، ومسلم (2740) ، من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه.
(2) رواه أحمد (5/ 200).
(3) ((فتح الباري شرح صحيح البخاري)) ابن حجر العسقلاني (9/ 138).
(4) ((الحركات النسائية وصلتها بالاستعمار)) جمع محمد عطية خميس (ص 14).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 297)

3 - تقييد الطلاق ووجوب وقوعه أمام القاضي.4 - منع الزواج بأكثر من واحدة (1).ونحن ندرك صلة الشيخ محمد عبده بهذا الكتاب فهي لا تخفى وسبق الحديث عنها وأقل ما قيل في هذه الصلة أن هذا الكتاب "وضعه – قاسم أمين – بإيعاز من الأميرة نازلي وبتشجيع من المغفور له الشيخ محمد عبده" (2).وقد حقق الأستاذ محمد عمارة في (الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده) أن هذا الكتاب إنما جاء ثمرة لعمل مشترك بين كل من الشيخ محمد عبده وقاسم أمين .. وإن في هذا الكتاب عدة فصول قد كتبها الأستاذ الإمام وحده، وعدة فصول أخرى كتبها قاسم أمين ثم صاغ الأستاذ الإمام الكتاب صياغته النهاية بحيث جاء أسلوبه على نمط واحد هو أقرب إلى أسلوب محمد عبده منه إلى أسلوب قاسم أمين" (3).
وقد أحدث صدور هذا الكتاب ضجة في المجتمع المصري دونها الضجة التي أحدثها على عبدالرازق في كتابه (الإسلام وأصول الحكم) أو طه حسين في (في الشعر الداهلي) أو محمد أحمد خلف الله في (الفن القصصي في القرآن الكري). ذلك أن هذه الكتب إنما يعنى بها رجال السياسة والأدب وعلوم القرآن وإن شئت فقل الطبقة المثقفة.
أما (تحرير المرأة) فيمس كل الطبقات لارتباطه بحياة كل أسرة وتناوله المباشر لأحد أركانها ولهذا كان له من الأثر والصدى في المجتمع وردود الفعل ما لم يكن لتلك. قالوا عن الكتاب فيما قالوا "إننا نظن أن يكون ظهور هذا الكتاب مصدر تغير عظيم في أفكار الأمة ينشأ عنه فيما بعد تغير أعظم في أخلاقها … " (4).
لذلك فلا عجب أن يقوم ضد هذا الاتجاه الفكري طائفة من الناس كبيرة إما لغرض ديني محض، وإما تقرباً للمجتمع المصري الرافض لهذا الاتجاه وهو الجانب الأكبر. وقف فيمن وقف ضد هذا الاتجاه الحزب الوطني (5) الذي شجب هذا الاتجاه في أول اجتماع عقده بعد صدور الكتاب في 5 شعبان 1317هـ 18 سبتمبر 1899م وفتح صدر صحيفته اللواء لكل طاعن على قاسم أمين وأفكاره (6).وحينما توفي قاسم سنة 1908م وأقام له شيعته حفلة تأبين أشادوا فيها بدعوته إلى السفور قابل رجال الحزب الوطني هذه الحركة بإقامة احتفال كبير للدعوة إلى الحجاب (7).وفي مقابلة هذا كان "حزب الأمة" من المناصرين لقاسم أمين وأفكاره على صفحات "الجريدة" وكان لطفي السيد باشا في مقدمة المروجين لها بمقالاته العديدة (8).وكان لابد من تدخل الاستعمار الذي استغل فترة الحرب العالمية الأولى فاعتقل رجال الحزب الوطني وأوعز إلى أنصار الدعوة النسائية بإصدار مجلتهم (السفور) (9) وحتى هذا الوقت كانت النساء الداعيات إلى السفور يخرجن في مظاهرات وهن متحجبات ومنهن هدى شعراوي وصفية زغلول حرم سعد زغلول أحد تلاميذ الأستاذ الإمام.--------------------------------------------
(1) ((الحركات النسائية وصلتها بالاستعمار)) جمع محمد عطية خميس (ص 14).
(2) ((الحركات النسائية وصلتها بالاستعمار)) جمع محمد عطية خميس (ص 74).
(3) ((الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده)) جمع وتحقيق محمد عمارة (1/ 252).
(4) ((الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده)) جمع وتحقيق محمد عمارة (ص245).
(5) هذا حزب وطني جديد ليس هو الذي شارك محمد عبده في صياغة دستوره وسبق الحديث عنه.
(6) ((الحركات النسائية وصلتها بالاستعمار)) جمع محمد عطية خميس (ص 75 - 76).
(7) ((الحركات النسائية وصلتها بالاستعمار)) جمع محمد عطية خميس (ص 78).
(8) ((الحركات النسائية وصلتها بالاستعمار)) جمع محمد عطية خميس (ص 80 - 81).
(9) ((الحركات النسائية وصلتها بالاستعمار)) جمع محمد عطية خميس (ص 80 - 81).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 298)

وفي عام 1922م تلقت هدى شعراوي دعوة من الاتحاد النسائي الدولي بروما وعند عودتها ورسو الباخرة في الميناء المصري ألقت حجابها في ماء البحر .. ثم كونت الاتحاد النسائي المصري عام 1923م ووضعت حجر الأساس له في أبريل 1924م. ودعا الاتحاد النسائي إلى تطبيق المبادئ التي نادى بها مرقص فهمي وقاسم أمين وفي مقدمتها تعديل قوانين الطلاق ومنع تعدد الزوجات علاوة على المطالبة للمرأة بالحقوق الاجتماعية والسياسة المزعومة (1) وبعد عشرين عاماً من إنشائه أي سنة 1944م استطاع الاتحاد النسائي أن يمهد لعقد المؤتمر النسائي العربي وجاءت قراراته بالدعوة إلى تطبيق ذلك؟!.هل تريدون أن أذكر شيئا من صلة الصهيونية العالمية بذلك؟ إذن فاعلموا أن حرم الرئيس الأمريكي روزفلت أبرقت إلى المؤتمر بتاريخ 17 ديسمبر 1944م أشادت فيها بالاتحادات النسائية في البلاد العربية وقالت فيها إنها "واثقة" من أن النساء العربيات سيقمن بدورهن إلى جانب شقيقاتهن في بلدان العالم أملاً في نشر التفاهم والسلم العالمي في المستقبل "ولسنا في حاجة إلى أن نذكر الجهد الكبير الذي بذلته مسز روزفلت في تكوين الوطن القومي لليهود في فلسطين … " (2).
وعقب هذا المؤتمر تكون "الحزب النسائي" سنة 1945م وفي عام 1949م تكون حزب بنت النيل وزعيمته درية شفيق وأصدر العديد من المجلات بالعربية والفرنسية للكبار والصغار.
وأول سؤال يتبادر إلى الذهن هو السؤال عن إيرادات هذا الحزب المالية وقدرته على إصدار هذه المجلات؟ والجواب كما نشرت الصحف بعد ذلك أنه من سفارتي بريطانيا وأمريكا؟!.وقد لقي هذا الحزب الترحيب من الاستعمار بكافة دوله، وزيرة الشؤون الاجتماعية في انجلترا تقوم بزيارته ورئيسة الاتحاد الدولي تبرق إلى رئيسة الحزب تدعوها للزيارة في أثينا. وجمعية سان جيمس النسائية بانجلترا تهنئ الهيئات النسائية المصرية على كفاحها وتعلن تأييدها لها، ورئيسة لجنة الحقوق الاقتصادية بالاتحاد الدولي تقوم بزيارة على مصر لغرض الاطمئنان على أحوال الجمعيات النسائية في مصر (3).اهتمام عجيب ما عهدناه منهم فيما فيه صلاحنا وصلاح ديننا ولكنهم يدركون أنهم بذلك إنما يسعون لخدمة مصالحهم الصهيونية؟! نعم الصهيونية ذاتها! أتريدون شاهداً على ذلك! لقد دعا المؤتمر النسائي الدولي إلى اجتماع في استوكهلم عاصمة السويد ومن قراراته قرار يقضي بمطالبة وزير الداخلية في السويد بإنزال أشد العقوبات على مسيو أنيراير؟ أتدرون لماذا؟!؟ لمواصلته أعمال الدعاية ضد الصهيونية في السويد!! وقد كتب مسيو أنيراير على إثر ذلك إلى الجامعة العربية والحكومة المصرية يستنكر موقف مندوبات الهيئات النسائية المصرية الممثلة في المؤتمر لموافقتهن على هذا القرار (4)!!
وبهذا وغيره كثير تبدو لنا صلة الحركات النسائية بالاستعمار ومن خلفه الصهيونية العالمية.
ومعذرة إذا أطلت الحديث عن الاتحادات النسائية وصلتها بالاستعمار فما قصدت إلا بيان أثر تلكم الدعوة التي قام بها رجال المدرسة العقلية الحديثة بزعامة أستاذهم محمد عبده لما أسموه "تحرير المرأة" والصلة بين هذه الحركات النسائية ودعوة الأستاذ محمد عبده وتلميذه قاسم أمين صلة قوية واضحة.
بقي .. وقفة .. وهمسة.--------------------------------------------
(1) ((الحركات النسائية وصلتها بالاستعمار)) جمع محمد عطية خميس (ص 82 - 83).
(2) ((الحركات النسائية وصلتها بالاستعمار)) جمع محمد عطية خميس (ص 85 - 86).
(3) ((الحركات النسائية وصلتها بالاستعمار)) جمع محمد عطية خميس (ص 86 - 93).
(4) ((الحركات النسائية وصلتها بالاستعمار)) جمع محمد عطية خميس (ص 94 - 95).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 299)

وقفة مع محمود عوض الذي أبدى دهشته وأسفه لتحول منزل قاسم أمين "إلى كباريه .. كباريه اسمه .. اسمه الإريزونا! ".
وهمسة نهمسها في أذن محمود عوض هذا:- ألا تستقي العبرة .. ألا تستوحي من هذا أن هذه "الدعوة" توصل إلى هذه "النتيجة".
ز- في السيرة النبوية:
وعلى النهج الذي سلكناه في بيان أثرهم في بعض النواحي الفكرية فلن يشمل الحديث هنا أثرهم في جميع جوانب تأريخ السيرة النبوية وإنما في جانب هو أسها وقاعدتها وأعني به المعجزات المحمدية.
وممن تأثر بهم في هذه المسألة وسار على خطاهم محمد حسين هيكل في كتابه (حياة محمد) فهو حرصاً منه على تضييق نطاق الغيبيات التي لا تتفق مع عملية الغرب المادية، راح ينكر كل معجزة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ويستثنى من هذا – كما استثنوا – معجزة القرآن الكريم. حتى عنوان الكتاب (حياة محمد) يبدو التأثر فيه واضحاً فليس فيه ما يشير إلى رسالته أو نبوته بل "محمد" مجرد من كل شيء كأي "محمد" سواء، أليس هذا هو ما يبقى له بعد تجريده من المعجزات وأليس هذا هو مراد الغربيين من ذلك، وإن ثبت له شيء بعد هذا فإنما هي العبقرية لا النبوة، ولا أحسب هيكل أراد هذا بهذا العنوان وقصده وإنما هو التلقي والتأثر عن الغربيين من غير أن تترك له عين الرضا والإعجاب والدهشة التمحيص والتأمل وهو أمر أصاب غيره وكثير من قبله ومن بعده حتى ألفت الأسماع هذا وهو نشاز .. ويزداد خوفي عندما أقرأ له عند مناقشة إحدى القضايا عبارة "وندع الدين جانباً" (1) يزداد خوفي أن يكون أراد ترك الدين جانباً في عنوان كتابه (حياة محمد)؟!
أنكر أو أوَّل المعجزات لنبينا صلى الله عليه وسلم إلا معجزة القرآن الكريم، ونحن لا ننكر أن معجزته صلى الله عليه وسلم الكبرى هي القرآن الكريم ولكننا ننكر حصر معجزاته صلى الله عليه وسلم في ذلك وإنكار ما سوى المعجزة القرآنية كما بينا ذلك سابقاً.
فنحن المسلمون نؤمن بما ثبت من معجزاته صلى الله عليه وسلم غير القرآن الكريم، نؤمن بانشقاق القمر وبالإسراء والمعراج وقصة فرس سراقة وبصقة صلى الله عليه وسلم في عين علي فبرئت وكلها ورد في البخاري ومسلم. وغير ذلك من معجزاته الثابتة نؤمن بها ونؤمن مع هذا بمعجزة القرآن الكريم وأنه المعجزة الكبرى.--------------------------------------------
(1) ((حياة محمد)) محمد حسين هيكل (ص 34).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 300)

لكن الأستاذ هيكل يرفض هذا لأسباب: الأول: أن أكثر هذه المعجزات لا يصدقها العقل حيث يقول "وندع الدين جانباً (!!) ونقف عند سيرة صاحبه عليه السلام فقد أضافت أكثر كتب السيرة إلى حياة النبي ما لا يصدقه العقل ولا حاجة إليه في ثبوت الرسالة" (1).الثاني: أن العلم لا يقرها ومن الواجب مراعاة جانب الدقة العلمية في تمحيصها قال "أمر ومضرة الروايات التي لا يقرها العقل والعلم قد أصبحت واضحة ملموسة فمن الحق على كل من يعرض لهذه الأمور أن يراعي جانب الدقة العلمية في تمحيصها خدمة للحق وخدمة للإسلام ولتاريخ النبي العربي، وتمهيداً لما يجلوه البحث في هذا التاريخ العظيم من حقائق تنير أمام الإنسانية سبيلها إلى حضارتها الصحيحة" (2).الثالث: أن القرآن لم ينص عليها قال "لم يرد في كتاب الله ذكر لمعجزة أراد الله بها أن يؤمن الناس كافة على اختلاف عصورهم برسالة محمد إلا القرآن الكريم" (3).ثم قال "أما وذلك ما يجري به كتاب الله وما يقتضيه حديث رسول الله فأي داع دعا طائفة من المسلمين فيما مضى ويدعو طائفة منهم اليوم إلى إثبات خوارق مادية للنبي العربي؟ إنما دعاهم إلى ذلك أنهم تلوا ما جاء في القرآن عن معجزات منهم سبق محمداً من الرسل فاعتقدوا أن هذا النوع من الخوارق المادية لازم لكمال الرسالة فصدقوا ما روي منها وإن لم يرد في القرآن" (4)؟! وقال في موضع آخر "فما دام الوحي لم ينزل بها فلا جناح على من يؤمن بالله ورسوله أن يجعل ما يتصل به من أمرها محل تمحيص فما ثبت بالحجة اليقينية أخذ به، وما لم يثبت بها فله فيه رأيه، ولا تثريب عليه، فالإيمان بالله وحده لا شريك له لا يحتاج إلى معجزة، ولا يحتاج إلى أكثر من النظر في هذا الكون الذي خلقه الله والشهادة برسالة محمد .. لا تحتاج إلى معجزة غير القرآن" (5).وقال "فقد لاحظ الذين درسوا هذه الكتب أن ما روته من أنباء الخوارق والمعجزات ومن كثير غيرها من الأنباء كان يزيد وينقص دون مسوغ إلا اختلاف الأزمان التي وضعت هذه الكتب فيها فقديمها أقل رواية للخوارق من متأخرها" (6).
ولنا وقفة مع هيكل هنا فقد كشف لنا ناحية أخرى من نواحي تأثره برجال المدرسة العقلية الحديثة ألا وهو التقليل من شأن السنة والاحتجاج بها.
ما الذي يقصده بقوله "فصدقوا ما روي منها وإن لم يرد في القرآن" هل يقصد أنه لا يصح شيء مما ورد في السنة واستقلت ببيانه ولم يرد في القرآن!؟ إن كان يقصد هذا فالأمر أخطر وأكثر ضلالاً وانحرافاً؟! وهل يقول هذا من فقه الإسلام؟! إذن ففي أي سورة من سور القرآن ذكر عدد ركعات الصلوات الخمس وأوقاتها وفي أي سورة بيان أنصبة الزكاة المفروضة وفي أي سورة بيان وقت الصوم وفي أي سورة بيان أركان الحج وواجباته؟ إن لم يكن هذا كله مما لا يصدق لأنه لم يرد في القرآن فأي شيء من الإسلام يبقى؟!--------------------------------------------
(1) ((حياة محمد)) محمد حسين هيكل (ص 34).
(2) ((حياة محمد)) محمد حسين هيكل (ص70).
(3) ((حياة محمد)) محمد حسين هيكل (ص71).
(4) ((حياة محمد)) محمد حسين هيكل (ص71).
(5) ((حياة محمد)) محمد حسين هيكل (ص72).
(6) ((حياة محمد)) محمد حسين هيكل (ص64).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 301)

إذن ففقه الإسلام وحقيقته تحتم الأخذ بالسنة مع القرآن الكريم، وبهما معاً يكون كمال الإسلام ومن نبذ أحدهما فقد نبذ الإسلام كله لأن الإسلام كل لا يتجزأ "والإسلام الكامل" الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله وأمر بنشره جاء بالمعجزات ورواها عنه أصحابه إلى أن وصلت إلينا كما وقعت، وإن أصاب رواياتها ما أصاب غيرها من الروايات من الزيادة أو النقص أو الوضع فإن هذا لا يبرر رفضها جميعا وإنكارها. فإن أهل الحديث قد محصوا الروايات ونقوها من الزيادات الموضوعة وبينوا الدخيل منها والأصيل.
ولو أنه دعا إلى التمحيص والتدقيق القائم على القواعد والأسس الثابتة التي سار على نهجها سلفنا علماء الحديث لحمدنا له ذلك ولامتدحناه، أما أن يرفض المعجزات النبوية التي رويت في الصحاح وأقرها علماء الحديث المسلمون يرفض هذا كله لمجرد أن شابه بعض الوضع فهذا منهج مردود.
أما الزعم بأنه مخالفة للعقل أو العلم فهذا لا يثبت ولا يصح وقد سبق بحثه في المعجزات.
وليعلم أولئك الذين يسعون لتجريد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من المعجزات تقرباً منهم "للعلمية الغربية" إنهم بهذا يجنون جناية لا تغتفر وأنهم بهذا يجردونه من صفة النبوة إلى صفة "العبقرية" التي يقر بها بعض "أحرار الإفرنج" ويطمعون منا أن نسلم لهم بهذا وهو ما يؤدي إليه تجريده صلى الله عليه وسلم من المعجزات. وحتى ندرك عمق هذا الأثر لنقرأ النتيجة التي توصل إليها هيكل في كتابه حياة محمد بعد أن جرد حياته صلى الله عليه وسلم من المعجزات "المادية" قال "فحياة محمد – كما رأيت – حياة إنسانية بلغت من السمو غاية ما يستطيع إنسان أن يبلغ، وكانت لذلك أسوة حسنة لمن هداه القدر أن يحاول بلوغ الكمال الإنساني من طريق الإيمان والعمل الصالح" (1).
وتأمل معي وصفه لحياته صلى الله عليه وسلم بأنها بلغت "غاية ما يستطيع إنسان أن يبلغ" وأنها "أسوة حسنة" لمن "يحاول بلوغ الكمال الإنساني".--------------------------------------------
(1) ((حياة محمد)) محمد حسين هيكل (ص 579 - 580).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 302)

إذن فحياته صلى الله عليه وسلم ليست حياة نبوة، لأن حياة النبوة ليس في قدرة الإنسان بلوغها حتى يحاول ذلك وليست غاية ما يستطيع الإنسان أن يبلغ لأن غاية ذلك دونها بكثير، وإنما هذا شأن السمو الإنساني المجرد من النبوة وإن شئت فسمه العبقرية. والاعتراف بالعبقرية لنبينا صلى الله عليه وسلم لا يكفي لصحة الإيمان برسالته إلا عند المنهزمين أمام العلمية الغربية الذين اعتبروا أن الاعتراف "بأن محمداً صلى الله عليه وسلم كان عبقرياً من طراز خاص فاق به جميع العباقرة" أنه "كسب عظيم للقائلين بنبوته" (1).وتأثرهم بالعلمية الغربية والمستشرقين تجاوز حده إلى قبول أقوالهم وأخذها بعين الاعتبار وتقديمها في الحكم على الأحاديث ومن حيث السند أيضاً على أقوال أهل الحديث أنفسهم، فحديث شق الصدر الذي رواه البخاري ومسلم يقول فيه هيكل "لا يطمئن المستشرقون ولا يطمئن جماعة من المسلمين كذلك إلى قصة الملكين هذه ويرونها ضعيفة السند" (2) ويقول "وإنما يدعو المستشرقين ويدعو المفكرين من المسلمين إلى هذا الموقف من ذلك الحديث أن حياة محمد كانت كلها إنسانية سامية وأنه لم يلجأ إلى إثبات رسالته إلى ما لجأ إليه من سبقه من أصحاب الخوارق" (3).وقد أنكر هيكل غير هذا من الخوارق والمعجزات المحمدية ففي قصة فرس سراقة مثلاً زعم أن ما أصاب فرسه من الكبو إنما هو "لشدة ما جهده" وعند قومة الجواد من كوبته الثانية "كبا كبوة عنيفة ألقى بها الفارس من فوق ظهره يتدحرج في سلاحه وتَطَيَّر سراقة، وألقى في روعه أن الآلهة مانعة منه ضالته وأنه معرض لنفسه لخطر داهم إذا هم مرة رابعة لإنفاذ محاولته" (4).والذي ورد في صحيح البخاري قول سراقة نفسه في وصف ما جرى له ولفرسه عند مطاردته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبي بكر رضي الله عنه في طريق هجرتهما من مكة إلى المدينة قال عن ذلك (ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عثان "أي غبار" ساطع في السماء مثل الدخان) (5).--------------------------------------------
(1) ((مجلة الأزهر)) ج1 المجلد العاشر محرم 1358هـ مقال ((السيرة المحمدية تحت ضوء العلم والفلسفة)) محمد فريد وجدي (ص 15).
(2) ((حياة محمد)) محمد حسين هيكل (ص 111 – 112).
(3) ((حياة محمد)) محمد حسين هيكل (ص 111 - 112).
(4) ((حياة محمد)) محمد حسين هيكل (ص 227).
(5) رواه البخاري (3906).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 303)

وحتى ندرك عمق الصلة بين هيكل وأتباع المدرسة العقلية الحديثة في التفسير وتأثره بهم نذكر أن الشيخ مصطفى المراغي هو الذي كتب المقدمة لهذا المؤلف مشيداً بما جاء فيه ومعجباً به ومؤيداً له. ودافع عن المؤلف والكتاب السيد رشيد رضا في مجلته (المنار) وجاء في دفاعه "أهم ما ينكره الأزهريون والطرقيون على هيكل أو أكثره مسألة المعجزات أو خوارق العادات وقد حررتها في كتاب (الوحي المحمدي .. ) بما أثبت به أن القرآن وحده هو حجة الله القطعية على ثبوت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بالذات .. وأن الخوارق الكونية شبهة عند علمائه لا حجة لأنها موجودة في زماننا ككل زمان مضى وأن المفتونين بها هم الخرافيون من جميع الملل" (1).والمؤلف نفسه كثيراً ما يستشهد فيما يذهب إليه بأقوال محمد عبده نفسه ويشيد به (2) وأكبر ظنه أن أولئك الذين كتبوا السيرة النبوية لو عاشوا إلى زماننا هذا ورأوا كيف اتخذ خصوم الإسلام ما ذكروه منها حجة على الإسلام وعلى أهله لالتزموا ما جاء به القرآن ولقالوا بما قال به الغزالي ومحمد عبده والمراغي وسائر المدققين من الأئمة (3).ويقول عن الشيخ عبده ودعوته "وكانت دعوته موضع إعجابي وقد دعاني ذلك لقراءة كتابه (الإسلام والنصرانية) وكتاب أستاذه السيد جمال الدين الأفغاني في (الرد على الدهريين) وأذكر أنه قد كان لكثير من مقالاته في جريدة (العروة الوثقى) التي كان يصدرها مع أستاذه جمال الدين أثناء نفيه نفسه في باريس أثر أبلغ الأثر في نفسي" (4).
والصلة بعد هذا قوية لا تنفصم بين هيكل ورجال المدرسة. وممن تأثر بهم أيضاً في هذا الناحية محمد أحمد خلف الله الذي زعم أن القرآن حارب فكرة المعجزات، وبين أنها لم تكن إلا للتخويف والإلزام وأن العقل البشري يجب أن يترك من غير تخويف ليتحمل المسؤولية على أساس من الحرية والمقدرة الحقة على التمييز والمفاضلة والاختيار" (5) و "يحرص القرآن على المعجزات في إثبات نبوة محمد عليه السلام" (6).وزعم أن القرآن حرر الإنسان من "الآيات الملجئة المتمثلة في المعجزات وخوارق العادات ورده إلى نفسه يفكر فيها وإلى الآفاق يتدبر أمورها" (7).وهو أيضا يستند فيما يقول إلى محمد عبده "ويقول الأستاذ الإمام قولاً يؤكد دور القرآن في عملية تحرير العقل البشري من فكرة الخوارق والمعجزات "دخل الإنسان بدين الإسلام في سن الرشد فلم تعد مدهشات الخوارق هي الجاذبة له إلى الإيمان … إلخ" (8).

‌‌المصدر:منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير لفهد الرومي - ص 733--------------------------------------------
(1) ((مجلة المنار)) في 3 مايو 1935 مجلد 34 الجزء العاشر (ص 793).
(2) انظر مثلاً الصفحات (34، 70، 181، 520، 521، 571، 573).
(3) ((حياة محمد)) محمد حسين هيكل (ص 70).
(4) ((مذكرات في السياسة المصرية)) محمد حسين هيكل (1/ 28 - 29).
(5) ((القرآن ومشكلات حياتنا المعاصرة)) محمد أحمد خلف الله (ص 76).
(6) ((القرآن ومشكلات حياتنا المعاصرة)) محمد أحمد خلف الله (ص 76).
(7) ((القرآن ومشكلات حياتنا المعاصرة)) محمد أحمد خلف الله (ص 79).
(8) ((القرآن ومشكلات حياتنا المعاصرة)) محمد أحمد خلف الله (ص 77).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 304)

‌‌المبحث الخامس: موقف المدرسة العقلية الحديثة من السنة النبوية
لقد تأثر رجال هذه المدرسة بالمعتزلة وآرائهم في الحديث النبوي الشريف، رداً وتشكيكاً، وتأثروا كذلك بالشبه التي أثارها المستشرقون، ورددوها في مواقفهم وانحرافاتهم. فعلى طريق المعتزلة (1): مجدوهم ودافعوا عنهم، هم وتلامذتهم كأحمد أمين والنشار وأبي رية. وذموا أهل الحديث وطعنوا في نهجهم. يقول الشيخ محمد عبده: " .. اللهم إلا فئة زعمت أنها نفضت غبار التقليد، وأزالت الحجب التي كانت تجول بينها وبين النظر في آيات القرآن، ومتون الأحاديث، لتفهم أحكام الله منها، ولكن هذه الفئة أضيق عطناً، وأحرج صدراً من المقلدين وإن أنكرت كثيراً من البدع .. " (2).وينقل محمود أبو رية عن شيخه قوله: "ورحم الله أستاذنا الإمام محمد عبده حيث قال: في رجل .. قد حفظ متن البخاري كله، لقد زادت نسخة في البلد" "حقاً والله ما قال الإمام - أي أن قيمة هذا الرجل – الذي أعجب الناس جميعاً به لأنه حفظ البخاري لا تزيد عن قيمة نسخة من كتاب البخاري، لا تتحرك ولا تعي" (3).
أهكذا بلغ الأمر بحفظة حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وحملة سنته حتى يسخر بهم أفراخ المعتزلة وتلامذة الغرب، وما الذي قدموه للإسلام غير الطعن فيه والإساءة إليه؟! وأحاديث الآحاد (4): ردها الإصلاحيون، كما ردها سلفهم من أهل الاعتزال، وطعنوا فيها، لأنها تفيد ظناً، ولا مجال للظن في أمور العقائد. قال الشيخ محمد عبده: "وأما ما ورد في حديث مريم وعيسى، من أن الشيطان لم يلمسهما، وحديث إسلام شيطان النبي صلى الله عليه وسلم، وإزالة حظ الشيطان من قلبه، فهو من الأخبار الظنية، لأنه من رواية الآحاد، ولما كان موضوعها عالم الغيب، والإيمان بالغيب من قسم العقائد، وهي لا يؤخذ فيها بالظن، لقوله تعالى: وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا [النجم: 28] كنا غير مكلفين بالإيمان بمضمون تلك الأحاديث في عقائدنا" (5).والأحاديث صحيحة وردت في البخاري ومسلم، فحديث شق صدره صلى الله عليه وسلم وإزالة حظ الشيطان أخرجه مسلم (6) "كتاب الإيمان 1/ 147".وحديث مس الشيطان لعيسى ابن مريم وأمه رواه البخاري (7) وحديث إسلام شيطان النبي أخرجه مسلم كذلك (8).وأكد هذا المنهج السيد محمد رشيد رضا بقوله: "أصول العقائد وقضايا الإيمان التي يكون بها المرء مؤمناً .. لا يتوقف شيء منها على أحاديث الآحاد" (9).
وهناك كثير من الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ردها الإصلاحيون بعقولهم وطعنوا فيها بحجة أنها أحادي آحاد، مفادها الظن، فلا تبنى على مثلها العقائد الثابتة منها:
1 - حديث نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان.
2 - أحاديث الدجال والجساسة.
3 - حديث سحر النبي صلى الله عليه وسلم.
4 - حديث المعراج.
5 - حديث وقوع الذباب في الإناء.
6 - حديث إن أحدكم يعمل بعمل أهل الجنة.--------------------------------------------
(1) انظر: ((موقف المدرسة العقلية من السنة النبوية)) إعداد الطالب الأمين الصادق الأمين، رسالة ماجستير/ أم القرآن 1414هـ (ص 628) و (ص 714).
(2) ((الإسلام والنصرانية)) الشيخ محمد عبده، مطبعة محمد علي صبيح/ 1954م.
(3) ((أضواء على السنة المحمدية)) محمود أبو رية، (ص 329)، مطبعة التأليف بمصر، ط أولى/ 1377هـ - 1958م.
(4) انظر: ((موقف المدرسة العقلية من السنة النبوية)) (ص 638 - 643).
(5) ((تفسير المنار)) (3/ 392)، محمد رشيد رضا، دار المنار/ 1967م مصر.
(6) وانظر: ((صحيح البخاري))، كتاب الصلاة (1/ 91 - 93)، وكتاب الحج (2/ 167).
(7) ((صحيح البخاري)) (3431)، ومسلم (2366)
(8) ((صحيح مسلم)) (2814).
(9) ((مجلة المنار))، المجلد (19)، (ص: 29).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 305)

7 - حديث موسى عليه السلام وملك الموت.8 - حديث إسلام شيطان النبي، وحديث عدم مس الشيطان لعيسى ابن مريم وأمه عليهما السلام (1).وهذا وإن شيخ المدرسة الإصلاحية "محمد عبده" كان قليل البضاعة من الحديث، وكان يرى في الاعتماد على المنطق والبرهان العقليين خير سلاح للدفاع عن الإسلام، ومن هذين العاملين، وقعت له آراء في السنة ورواتها، وفي العمل بالحديث والاعتداد به، ما صح أن يتخذه "تلاميذه" ومنهم أبو رية تكأة يتكئ عليها، ليخرج على المسلمين بمثل الآراء الشاذة التي خرج بها. "وخبر الآحاد عند الجمهور حجة يجب العمل بها، وإن أفادت الظن" (2).وقد أثبت الشافعي رحمه الله في الرسالة تحت عنوان: (الحجة في تثبيت خبر الواحد) ببيان قوي وأدلة ناهضة من الكتاب والسنة وعمل الصحابة والتابعين، وتابعي التابعين وفقهاء المسلمين، وجوب العمل بخبر الواحد والأخذ به" (3).
تأثر الإصلاحيين بالمستشرقين في إثارة الشبه حول السنة:
لقد تحامل المستشرقون على السنة النبوية – الركن الثاني من قواعد هذا الدين – وأثاروا الشبه والشكوك، وأشاعوا أن فيها كثيراً من الوضع، وأن تدوينها قد تأخر، ولذلك فلا صحة لكثير من الأحاديث المتداولة، كما شككوا في كبار رواة الحديث من الصحابة كأبي هريرة رضي الله عنه، رغم أنه لم يلق علم من العلوم ما لقي علم الحديث من العناية والاهتمام، منذ عهد الصحابة إلى يومنا هذا.
وقد تأثر الإصلاحيون بشبه المستشرقين، وآراء المعتزلة، وكانوا جسراً يسير فوقه العصرانيون الجدد في إثارة الشبه نفسها حول السنة النبوية، كما سيتضح لنا ذلك في الأبحاث القادمة.
1 - التشكيك في صحة الحديث النبوي الشريف: قال بعض تلامذة الاستشراق: "وخلاصة القول في هذا الموضوع أننا يجب علينا الاقتصار على كتاب الله تعالى مع استعمال العقل والتصرف، أو بعبارة أخرى "الكتاب والقياس"، أما السنة فما زاد منها على الكتاب، إن شئنا عملنا به، وإن شئنا تركناه" (4).--------------------------------------------
(1) انظر: ((موقف المدرسة العقلية من السنة النبوية)) (ص 644 - 714) ففيها تفصيل لموقف الإصلاحيين والردود المناسبة على افتراءاتهم.
(2) ((السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي)) د. مصطفى السباعي (ص 167).
(3) انظر: ((الرسالة للإمام الشافعي)) (ص 41) تحقيق أحمد شاكر، طبعة البابي الحلبي بمصر.
(4) ((مجلة المنار)) في العددين (7 - 12) من السنة التاسعة، أعلن د. توفيق صدقي في مقالين تحت عنوان ((الإسلام هو القرآن وحده)).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 306)

وقد تحدثنا عن منهج المدرسة الإصلاحية في التفسير وناقشنا هذه المسألة، وأن القول بعدم وجوب العمل بالأحاديث مخالفة الحق، مجانب لآيات القرآن والأحاديث الصحيحة. قال الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله: "وقصارى القول أن إنكار حجية السنة والادعاء بأن الإسلام هو القرآن وحده لا يقول به مسلم يعرف دين الله وأحكام شريعته تمام المعرفة، وهو يصادم الواقع، فإن أحكام الشريعة إنما ثبت أكثرها بالسنة، وما في القرآن من أحكام إنما هي مجملة وقواعد كلية في الغالب، وإلا فأين نجد في القرآن أن الصلوات خمسة، وأين نجد ركعات الصلاة ومقادير الزكاة، وتفاصيل شعائر الحج وسائر أحكام المعاملات والعبادات؟! " (1).وقال ابن حزم رحمه الله: "ولو أن امرءاً قال: لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن، لكان كافراً بإجماع الأمة، وكان لا يلزمه إلا ركعة ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل، وأخرى عند الفجر، وإنما ذهب إلى هذا بعض غالية الرافضة ممن اجتمعت الأمة على كفرهم" (2).وعندما استدل بعضهم بحديث: (إذا جاءكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فخذوه، وما خالف فاتركوه) (3). وهو حديث موضوع مختلق كما بين علماء الحديث، وضعه الزنادقة بغرض إهمال الأحاديث، وقالوا: عرضنا هذا الحديث الموضوع على كتاب الله، فوجدناه مخالفاً له، لأنا وجدنا في كتاب الله: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا [الحشر: 7].وقد أجمعت الأمة، على أن الحديث الصحيح لا يخالف القرآن أبداً لأنه بيان للقرآن، وهو وحي من عند الله فلا يمكن أن يخالف القرآن وإلا فسد الدين بالمعارضة (4).قال الشافعي رحمه الله: "إن سنة رسول الله لا تكون مخالفة لكتاب الله بحال، ولكنها مبينة، عامة وخاصة" (5).ومن المعلوم أن معارضة السنة بالقرآن مذهب رديء تبناه أهل البدع والضلالة من المعتزلة ومن سار على منوالهم، وأما السلف رحمهم الله، فكانوا منزهين عنه، وقد رد العلماء قديماً على من عارض السنة بالقرآن، وبينوا فساد منهجه وضلاله (6).
2 - وقد شككوا في بعض ما في الصحيحين: قال الشيخ محمد رشيد رضا: "ودعوى وجود أحاديث موضوعة في أحاديث البخاري المسندة بالمعنى، لا يسهل على أحد إثباتها، ولكنه لا يخلو من أحاديث قليلة في متونها نظر، قد يصدق عليه بعض ما عدوه من علامات الوضع، وإن في البخاري أحاديث في أمور العادات والغرائز ليست من أصول الدين ولا فروعه … فإذا تأملتم هذا وذاك، علمتم أنه ليست من أصول الإيمان، ولا من أركان الإسلام أن يؤمن المسلم بكل حديث رواه البخاري مهما يكن موضوعه … فالعلماء الذين أنكروا صحة بعض تلك الأحاديث، لم ينكروها إلا بأدلة قامت عندهم، قد يكون بعضهاً صواباً، وبعضها خطأ، ولا يعد أحدهم طاعناً في دين الإسلام" (7).--------------------------------------------
(1) ((السنة ومكانتها في التشريع الإسلام)) (ص 165).
(2) ((الإحكام في أصول الأحكام)) لابن حزم، (2/ 79 – 80) مطبعة السعادة بمصر.
(3) قال يحيى بن معين كما في ((عارضة الأحوذي)) (5/ 332) باطل وضعه الزنادقة وقال ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم)) (2/ 1191): هذه الألفاظ لا تصح عنه صلى الله عليه وسلم عند أهل العلم بصحيح النقل من سقيمه.
(4) انظر: ((السنة حجيتها ومكانتها في الإسلام)) د. محمد لقمان السلفي (ص80) دار البشائر الإسلامية/ ط1، بيروت/ 1409هـ.
(5) ((الرسالة)) للإمام الشافعي (ص 228).
(6) انظر: ((موقف المدرسة العقلية من السنة النبوية)) الصادق الأمين/ (ص: 743).
(7) ((مجلة المنار)) المجلد (29) (ص 104 - 105).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 307)

وإذا كانت دعوة السيد رشيد رضا مغلفة، فقد جاء من أنكر كثيراً مما في الصحيحين من أتباع هذه المدرسة، كأحمد أمين ومحمود أبي رية، مما سنبينه في فصول لاحقة. ولرد هذه الضلالة ننقل بعض أقوال العلماء .. قال الإمام النووي رحمه الله: "اتفق العلماء رحمهم الله على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري ومسلم، وتلقتهما الأمة بالقبول، وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة" (1).وقال ابن تيمية رحمه الله: "فليس تحت أديم السماء كتاب أصح من البخاري ومسلم بعد القرآن" (2).وقال الدهلوي رحمه الله: "أما الصحيحان فقد اتفق المحدثون على أن جميع ما فيهما من المتصل المرفوع صحيح بالقطع، وأنهما متواتران إلى مصنفيهما، وأن كل من يهون من أمرهما فهو متبع غير سبيل المؤمنين" (3).
3 - التشكيك في تدوين الحديث النبوي: زعم هؤلاء جرياً وراء ترهات المستشرقين أن الحديث لم يكتب في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، مما يدعو على التلاعب والفساد، ما قد حصل. ولذا طرأ على السنة من التبديل والزيادة، كما طرأ على أهل الكتاب، لعدم كتابتها في عهده، وعدم حصر الصحابة لها في كتاب معين، وعدم تبليغها للناس بالتواتر، وعدم حفظها لهم جيداً في صدورهم (4).قال الشيخ محمد أبو زهو: "فهذه الدعوى من الشيخ – يقصد محمد رشيد رضا – عفا الله عنه، لا أساس لها، بل تخالف نصوص القرآن الكريم وتتعارض مع ما تواتر من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم الأمين، ولا تتفق وما أجمع عليه المسلمون في كافة الأزمان من عهد النبي إلى اليوم" (5).وقال: "الحق أن الصحابة فهموا أن السنة دين عام دائم كالقرآن، وكان هذا أمراً بدهياً عندهم لا يحتاج إلى استدلال، بل هو ضرورة من ضرورات الدين وبدهي عند عامة المسلمين في جميع الأزمان حتى اليوم" (6).
4 - تقسيم السنة إلى عملية وغير عملية:--------------------------------------------
(1) ((شرح النووي على مسلم)) (1/ 14).
(2) ((الفتاوى)) لابن تيمية (18/ 74).
(3) ((حجة الله البالغة)) ولي الله الدهلوي/ تحقيق السيد سابق/ دار الكتب الحديثة/ القاهرة/ ومكتبة المثنى/ بغداد.
(4) انظر ((مجلة المنار)) المجلد (9) (ص 515، 911).
(5) ((الحديث والمحدثون)) الشيخ محمد أبو زهو (ص242، 237).
(6) ((الحديث والمحدثون)): الشيخ محمد أبو زهو (ص 242، 237).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 308)

لا يلتزم الإصلاحيون إلا بالسنة العملية دون القولية. قال الشيخ محمد رشيد رضا: "إن سنته التي يجب أن تكون أصل القدوة هي ما كان عليه وخاصة أصحابه عملاً وسيرة، فلا تتوقف على الأحاديث القولية" (1) وقال: "فالعمدة في الدين هو القرآن، وسنة الرسول المتواترة، وهي السنة العملية كصفة الصلاة، والمناسك مثلاً، وبعض الأحاديث القولية التي أخذ بها جمهور السلف، وما عدا هذا من أحاديث الآحاد التي هي غير قطعية الرواية، أو غير قطعية الدلالة فهي محل اجتهاد" (2).وقال محمود أبو رية: "وسنة الرسول المتواترة – وهي السنة العملية – وما أجمع عليه مسلمو الصدر الأول، وكان معلوماً عندهم بالضرورة، كل ذلك قطعي لا يسع أحد رفضه أو جحده بتأويل ولا اجتهاد … أما إطلاق السنة على ما يشمل الأحاديث فاصطلاح حادث" (3)."ولو قصرت السنة على السنة المتواترة العملية لفرط في كثير من الأحاديث القولية التي نقلت عنه صلى الله عليه وسلم في جوانب الدين في الأحكام والأخلاق والمواعظ" (4).هذا وإن السنة تشمل أقواله صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته. "وهذا الذي عليه أهل العلم قديماً وحديثاً، كما تطلق على الأحاديث المتواترة والآحاد، والقول بأن السنة هي السنة العملية المتواترة فقط، قول لا صحة له، بل هو اصطلاح حادث لا يخفى بطلانه" (5).5 - القدح في عدالة الصحابة رضي الله عنهم (6):قد شكك بعض الإصلاحيين وتلامذتهم بعدالة الصحابة، رواة الحديث. قال محمود أبو رية: "إنهم – أي العلماء – قد جعلوا جرح الرواة وتعديلهم واجباً تطبيقه على كل راو مهما كان قدره، وإنهم قد وقفوا دون عتبة الصحابة، فلم يتجاوزوها، إذ اعتبروهم جميعاً عدولاً لا يجوز عليهم نقد، ولا يتجه إليهم تجريح ومن قولهم في ذلك "إن بساطهم قد طوي"، ومن العجب أنهم يقفون هذا الموقف، على حين أن الصحابة أنفسهم قد انتقد بعضهم بعضاً" (7).قال أبو حاتم بن حبان رحمه الله: "فإن قال قائل: فكيف جرحت من بعد الصحابة؟ وأبيت ذلك في الصحابة، والسهو والخطأ موجود في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما وجد فيمن بعدهم من المحدثين؟ يقال له: إن الله عز وجل نزه أقدار أصحاب رسوله عن ثلب قادح، وصان أقدارهم عن وقيعة منتقص، وجعلهم كالنجوم يقتدى بهم … ومن شهد التنزيل وصحب الرسول، فالثلب لهم غير حلال، والقدح ضد الإيمان، والتنقص لأحدهم نفس النفاق، لأنهم خير الناس قرناً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم … " (8).وممن ألصقوا بهم مجموعة من التهم الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه، متابعين في ذلك من أكل الحقد قلوبهم من المستشرقين يهوداً أو نصارى، وذلك له افتراء وبطلان (9).

‌‌المصدر:العصرانيون بين مزاعم التجديد وميادين التغريب لمحمد حامد الناصر - ص 59--------------------------------------------
(1) ((مجلة المنار)) مجلد (10) 852، ومجلد (27) (ص 616).
(2) ((مجلة المنار)) مجلد (10) 852، ومجلد (27) (ص 616).
(3) ((أضواء على السنة المحمدية)) (ص 351).
(4) انظر: ((دفاع عن السنة)) (ص 29)، للدكتور محمد أبي شهبة/ دار اللواء لنشر/ الطبعة الثانية/ 1407هـ الرياض.
(5) انظر: ((الأنوار الكاشفة)) (ص 21، 57).
(6) انظر: ((موقف المدرسة العقلية من السنة النبوية)) (ص754 - 768).
(7) ((أضواء على السنة المحمدية)) (ص310).
(8) ((الضعفاء والمتروكين من المحدثين)) محمد بن حبان/ تحقيق محمد إبراهيم زايد، توزيع دار الباز للنشر والتوزيع.
(9) انظر: ((مجلة المنار)) (29/ 43)، و (19/ 99)، ((فجر الإسلام)) (ص 219)، ((أضواء على السنة المحمدية)) (ص 154، 196).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 309)

‌‌المبحث السادس: موقف علماء المسلمين منهم
أ- المعاصرين لهم: ونبدأ ذلك بأقوال الشيخ محمد الجنبيهي صاحب كتاب (بلايا بوزا) الذي وضعه رداً على طه حسين في كتابه (في الشعر الجاهلي) ويرمز الشيخ الجنبيهي بـ (بوزا) لطه حسين وهو اصطلاح فرنساوي وهي قطعة من الخشب وزنها خفيف .. على هيئة قبل الرجال ولقد ركبت تلك القطعة على مقعر من رصاص ثقيل .. فتراها كلما ألقيت فوق الأرض كانت قائمة وقد ضربها عقلاء الأقدمين مثلاً لكل ضال حائر مغرور ذي لسانة وسفه فقد مزايا الأدباء وشذ عن مناهج الفضلاء متلبساً بعناد وإصرار شيطاني من حيث لا يشعر بما يقول ولا بما يعمل فلا تتوجه به أمياله إلا إلى مخالفة الفضلاء ومعارضة الأدباء بما لا يعلم عاقبته ولا يستطيع أن يقيم على صحته دليلاً" (1).وحينما يتحدث الشيخ عن الأفغاني ومحمد عبده فإنه لا يتحدث حديث التخرص والظنون وإنما حديث من خالطهم وعاشرهم، فهو حديث خبير بهم حيث يقول "إني نشأت بعد بلوغ الرشد وطلب العلم في الأزهر الشريف مصاحباً لتلميذ جمال الدين الأفغاني ومحاذياً له قدماً بقدم بعدما أتى جمال الدين الديار المصرية وكثيراً ما جالست ذلك الرجل وتذاكرت معه مذكرات ذكرتها في بعض الكتب وما كان يدعوني إلى مجالسته إلا صاحبي الذي كان يظن أن يجذبني إلى الميل إلى ما مال إليه من فتنة ذلك الفاتن وكنت أطمع أن أكون سبباً في خلاصه من تلك الفتنة "ولكن الله غالب على أمره"" (2).إذن فحديثه حديث المخالط المعاشر فلنذكر حديثاً له مع جمال الدين الأفغاني، كان محور الحديث بينهما ما يروى من الحديث القدسي ((كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق فبي عرفوني)) قال الجنبيهي "ولقد كان لي في هذا الحديث القدسي مع جمال الدين الأفغاني واقعة كانت سبباً لعدم اتصالي به مع شديد رغبته ورغبة تلميذه الذي أشرنا إليه من قبل، وتلك الواقعة هي أني سألته عن هذا الحديث لعلمي أنه ينكر الأحاديث القدسية لأنه طبيعي لا يعترف بوجود إله، وكنا في مجمع من الناس فقال ليس هذا وقت الكلام على هذا الحديث فأمهلني لوقت آخر "إلى أن قال أنه وجده في مجالس اللاهين في قهوة من القهاوي فقال له "هذا وقت الكلام على ذلك الحديث الشريف" فما كان جوابه إلا أن قال:- ذهب فيلسوف إلى المنتزه في يوم العيد فوجد الناس على حال مضحك: منهم من هو مخمور ومنهم من هو لاعب ومنهم من هو مرافق لامرأة من المومسات ومنهم من هو راقص ومنهم من هو متلبس بما لا يرتضيه أبناء البشر فنظر ذلك الفيلسوف إلى السماء قائلاً "الآن وقعت الحسرة في قلبك أهؤلاء كلهم عرفوك" فعند ذلك تغير حالي وعلمت أن الرجل ضال فقلت له أن هذا الفيلسوف لأحمق ومجنون قال: ولم ذلك قلت: لأن من جهل ربه في الدنيا يعرفه فيما بعد الموت ومن جهله في الرخاء يعرفه عند الشدة فما ذلك الفيلسوف إلا ضائع العقل والدين ثم تركت الرجل محزوناً لأن فتنته لم تؤثر في قلبي أثراً كان يريده وكان ذلك الموقف آخر عهدي به" (3).--------------------------------------------
(1) ((بلايا بوزا)) محمد الجنبيهي (ص 28 - 29).
(2) ((بلايا بوزا)) محمد الجنبيهي (ص 38).
(3) ((بلايا بوزا)) محمد الجنبيهي (ص 118 - 119).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 310)

ويتحدث الجنبيهي عن المقادير التي جمعت بين دول الاستعمار وأنهم "ألهموا أن المتمسكين بآداب الدين القويم لن يغلبوا ما داموا متمسكين به سواء كثروا أو قلوا لأن المتمسك بدينه مرتكن على قوي متين لا يغلب ولا يقاوم فلذلك أجمعوا رأيهم على أن يعتمدوا على العلماء السياسيين منهم في حل روابط ذلك التماسك فقرر أولئك السياسيون فيما بينهم أن روابط الدين القوية لا تنحل إلا بثلاثة أمور: استبدال العلم النافع الذي كان يسأل رسول الله ربه أن يزيده منه بالعلم الذي كان يستعيذ بربه منه، والأمر الثاني تولية المناصب لغير أهلها .. والأمر الثالث إيجاد أسباب قوية توقد نيران العداوة والبغضاء والتشاجر بين المسلمين حتى لا يتمسكوا بدينهم ولا يتفقوا على عمل مرض" إلى أن قال "وبمقتضى هذه الفكرة السياسية بعث جمال الدين الأفغاني إلى الديار المصرية لتنفيذ مفهوم تلك الفكرة" (1).ويتحدث عن علماء الأزهر آنذاك بأنهم "أيقنوا أنه – أي الأفغاني – من رجال الفتنة التي يتيحها الله لأشرار العلماء" (2).ويتحدث عن محمد عبده ويسميه "ابن عبده الغرابلي" لأن أهله كما يقول الدكتور محمد محمد حسين من الفقراء الذين يمتهنون صناعات صغيرة منها صناعة الغرابيل (3) قال الجنبيهي عن محمد عبده "ِأن الأسباب التي جعلت ابن عبده الغرابلي محبوباً لفحول السياسيين ولولاة الأمور من الدول المتحالفة على محو الإسلام اسماً ورسماً وصيرته محموداً عند محرري الجرائد الأوربية تتمدح باسمه وتعتني بعمل تذكار له هي بعينها الأسباب التي يتناول بها أستاذ الجامعة المصرية – يقصد طه حسين – مرتباً كبيراً بسبب شهادة الدكتوراه التي تناولها من أوربا لسبب عداوته للدين ورجاله حتى يكون إذا أعلوا شأنه فتنة لأبناء المسلمين" (4).ويستدل الجنبيهي على سوء اتجاه محمد عبده الفكري بعلاقته باللورد كرومر فيقول "فهلا فكرت .. في الأسباب التي صعدت بمحمد ابن عبده الغرابلي .. وقد اتخذه جناب اللورد كرومر أستاذاً ومرشداً في الدين وفي السياسة ثم نعاه بعد موته .. فهل كان ابن عبده الغرابلي في عصره من أكابر المرشدين الدينيين وكان ذلك اللورد متعطشاً لأن يسلك سبيل المؤمنين .. فهل تفكر في الأسباب التي جعلته محبوباً لرؤساء الدول المتحالفة على محو الإسلام اسماً ورسماً وما ذلك إلا لأنه أجهد نفسه في حل روابط المدنية الإسلامية السماوية .. " (5).وتحدث عن محمد عبده بعد عودته من المنفى في البلاد الشامية "فلما انقضت مدة النفي ورجع إلى الديار المصرية كانت ثقة اللورد كرومر به أكبر ثقة فسكن في منشية الصدر بعيداً عن عيون الرقباء وكانت الواسطة بينه وبين اللورد رجلاً انكليزياً يسمى "بلنت" كان يتزيا هو وزوجته بزي عرب البادية .. فلما قويت رابطة التواصل بين ذلك الإنكليزي وبين ابن عبده الغرابلي أعطاه قطعة أرض ..--------------------------------------------
(1) ((بلايا بوزا)) محمد الجنبيهي (ص 45 - 46).
(2) ((بلايا بوزا)) محمد الجنبيهي (ص 47).
(3) ((الإسلام والحضارة الغربية)) محمد محمد حسين (ص 87).
(4) ((بلايا بوزا)) محمد الجنبيهي (ص 35 - 36).
(5) ((بلايا بوزا)) محمد الجنبيهي (ص10).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 311)

ليكون له جاراً وفي ذلك الحين اتخذه اللورد أستاذاً ومرشداً يسترشد برأيه في كل عمل يطلبه في تنفيذ الغرض الذي أجمع عليه السياسيون فكان الإصلاح الأزهري الذي ذهب بالدين وعلمه النافع أدراج الرياح من إشارات ذلك المفتون، وكذلك كان إصلاح المحاكم الشرعية وما أنشئت الجامعة المصرية إلا بإرشاده وكان من تعليماته لذلك اللورد أن لا يتولى المناصب العالية متمسك بدينه وكان بين ذلك التلميذ وبين المبشرين رابطة وداد قوية فكانوا يزورونه في غالب الأحيان للاسترشاد به في مهمات التضليل التي أجمعوا عليها .. وكان من مساعدة اللورد كرومر لشيخه ومرشده أن ولاه مناصب القضاء الأهلي حتى وصل به إلى وظيفة مستشار .. ثم عينه مفتياً بالديار المصرية ليكون له الحق في التداخل بشؤون الأزهر الذي أجمع السياسيون على خرابه فكان كل من أراد أن يلتحق بالمناصب العالية يتظاهر بازدراء الدين ورجاله ويكون كزب الأرض في ثباته على تمثيل هيئة العناد والإصرار بعدم الانقياد لأي واعظ كان من النصحاء … وما زالت تماثيل زب الأرض تتفاقم رزاياها وتنتشر مصائبها من سفهاء الزيغ الذي افتتنوا بذلك الطالب المارق من الدين ظانين أن انتشار صيته في الممالك كان لمهارته في العلم وتمسكه في العلم وتمسكه بالحق وليس الأمر كذلك وإنما هي فتنة اتخذها اللورد كرومر طريقاً مسلوكاً لتنفيذ أغراض السياسيين في البطش بالدين الإسلامي والخلافة وضياع العلم الديني وكان أمر الله قدراً مقدوراً" (1).ونذكر بعد هذا رأي الشيخ يوسف النبهاني وهو مع رأي الجنبيهي كما يقول الدكتور محمد محمد حسين "يصوران الجانب الآخر لصدى دعوة الأفغاني ومحمد عبده عند المعاصرين وهو الجانب الذي اختفى الآن أو كان يختفي تحت تأثير الضغوط والحماية التي تساند هذه المدرسة وتحارب خصومها" (2).
والشيخ النبهاني – أيضاً – إنما يتحدث ويقول بعد معاشرة ومخالطة للأفغاني إذن فقوله قول من أدرك الأمور على حقيقتها لا قول متخرص ظان.
يصفهم بادعاء الاجتهاد المطلق وهم "الجاهلون" قال نظماً:
وكم من قرون قد توالت ولم يجل … بدعوى اجتهاد مطلق عالم فكراً
ادعاه الجاهلون بعصرنا … قما أقبح الدعوى وما أفظع الأمرا (3)
ويرى أن قوله تعالى وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَاّ يَشْعُرُونَ [البقرة: 11] يرى أنهم هم المرادون بها ويستدل بما نقله السيوطي في الدر المنثور عن سلمان الفارسي رضي الله عنه أنه سئل عن هؤلاء القوم فقال لم يأتوا بعد وذكر ذلك البيضاوي ثم قال النبهاني "قلت لا شك أن المنافقين المذكورين في هذه الآيات السابقة واللاحقة، والخوارج الذين خرجوا على سيدنا علي رضي الله عنه وغيره من أئمة الإسلام متصفون بهذه الأوصاف الذميمة إلا أنهم لم يدعوا أنهم مصلحون لدين الإسلام ويلقبوا أنفسهم بهذا اللقب مثل هذه الفرقة الضالة فرقة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده المصري في مطابقة الآية لهذه الفرقة أكثر من مطابقتها للمنافقين والخوارج وإن شملتهم جميعاً أحكامها" (4).
وقال نظماً:
فما بالهم لا يصلحون نفوسهم … أما هي بالإصلاح من غيرها أحرى (5)
وقال:
وكل امرئ لا يستحي في جداله … من الكذب والتلفيق مهما أتى نكراً--------------------------------------------
(1) ((بلايا بوزا)) محمد الجنبيهي (ص 50 - 53) باختصار.
(2) ((الإسلام والحضارة الغربية)) محمد محمد حسين (ص 94).
(3) ((الرائية الصغرى)) يوسف النبهاني ضمن العقود اللؤلؤة في المدائح النبوية له (ص: 354).
(4) ((الرائية الصغرى)) (ص 356).
(5) ((الرائية الصغرى)) (ص 356).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 312)

فمن قال صلوا قال قائلهم له … يجوز لنا في البيت نجمعها قصراً (1)
وقال:
وأعداؤهم من بيننا كل عالم … ولا سيما إن كان في فقهه بحراً
وقال:
فإياك أن تغتر منهم بفاجر … وإن أنت قد شاهدت من فعله الخيرا
فذلك شيء جاء ضد طباعهم … وقد فعلوا أضعاف أضعافه شرا
وكم أيد الإسلام ربي بفاجر … فنهدي له لا الفاجر الحمد والشكر
أشد من الكفار فينا نكاية … وأعظم منهم في ديانتنا ضرا
من الكفر ذو الإسلام يأخذ حذره … ومن هؤلاء القوم لا يأخذ الحذرا (2)
وقال عن جرائدهم ومجلاتهم:
بها خلطوا بالحق باطل غيهم … بها مزجوا الإسلام بالملل الأخرى (3)
وقال عن الأفغاني:
تسمى جمال الدين مع قبح فعله … كما وضعوا لفظ المفازة للصحرا (4)
وقال عن محمد عبده:
فمن جهة يدعي الإمام ويقتدي … بأعمال أهل الكفر من جهة أخرى
يذم خيار المسلمين وعندما … يرى حاجة للكفر يستحسن الكفرا
لكي ما يقال الشيخ حر ضميره … فيبلغ عند القوم مرتبة كبرى
وما زال مشهوداً على الدين شره … وإن زعم العميان أن به خيرا
ويصف عبده – بعد عودته إلى مصر من منفاه:
وعاد إلى مصر فأحدث مذهباً … ولوث من أقذاره ذلك القطرا
وأيد أعداء البلاد بسعيه … وأوهم أهل الجهل أن بهم خيرا
يحسن بين الناس قبح فعالهم … ومهما أساءوا راح يلتمس العذرا
بمقدار ما خان البلاد وما أتى … لأعدائها نصحاً علا عندهم قدرا
وقال:
ونال بجاه القوم في الناس رتبة … بها حاز فيمن شاءه النفع والضرا
وقال:
فمن رهبة أو رغبة كم سعى له … طغام من الجهال أكسبهم خسرا
وقال عن منهجهم في التفسير:-
وقد ضل في القرآن مع عظم نوره … كما خبطت عشواء في الليلة القمرا
فتفسيره من رأيه ليس خالياً … فإما يرى فسقاً وإما يرى كفراً
أحذر كل الناس من كتب دينه … وبالرد والأعراض تفسيره أحرى
وقال عنه:
يعاشر نسوان النصارى ولا يرى … بذلك من بأس وإن كشف السترا
ويأكل معهم كل ما يأكلونه … ويشربها حمراء إن شاء أو صفرا
ويفتي بحل المسكرات جميعها … وإذا هي بالأسماء خالفت الخمرا
ويأكل مخنوقاً ويفتي بحله … لئلا يقولوا أنه ارتكب الوزرا
وتحليله لبس البرانيط والربا … به بعض أهل العلم قد ألحق الكفرا
وكم زار باريز ولندره ولم … يزر مكة يوماً ولا طيبة الغرا
وإن كان يوماً للرياء مصلياً … يرى فاعلاً يوما وتاركها شهرا
وقال:
وقد كنت في لبنان يوماً صحبته … لقرب غروب الشمس من ضحوة كبرى
وصليت فرض الظهر والعصر بعده … لديه وما صلى هو الظهرا والعصرا
وكان صحيح الجسم لا عذر عنده … بلى إن ضعف الدين كان له عذرا
وقال:
وقبل غروب الشمس صاحبت شيخه … لقرب العشا أيام جاورت في مصرا
ولم أره أدى فريضة مغرب … فقاطعت شيخ السوء من أجلها الدهرا
وقال:
ولولا حديث المصطفى لأسامة … يقول به هلا شققت له الصدرا
لما صحت الدعوى بإسلام بعضهم … لدى وما استبعدت عن بعضهم كفرا
وكنت كتبت الكاف والفاء بعدها … على جبهات القوم كي يعرفوا والرا
كما جاء في الدجال يكتب لفظها … فيقرأ من يقرأ ومن لم يكن يقرأ
فقد أشبهوه في معان كثيرة … من الدجل والإلحاد والبدع الأخرى
وما الفرق إلا أنهم في قلوبهم … عماهم ودجال الورى عينه عورا
مقدمة للجيش عنه تقدموا … وجند له من قبله مهدوا الأمرا
تقدم فيهم نائباً عنه عبده … فأغوى الذي أغوى وأغرى الذي أغرى (5)
وقال عن رشيد رضا ومجلته المنار:--------------------------------------------
(1) ((الرائية الصغرى)) (ص 356).
(2) ((الرائية الصغرى)) الصفحات (362 - 363).
(3) ((الرائية الصغرى)) الصفحات (362 - 363).
(4) ((الرائية الصغرى)) (ص354).
(5) ((الرائية الصغرى)) يوسف النبهاني من (ص 365) إلى (ص 374).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 313)

وكم ضل رأياً من سقامة فهمه … بأمر صحيح من شريعتنا الغرا
ولو سأل الأشياخ أدرك سره … ولكنه مع جهله قد حوى كبرا (1)
وقال عن الثلاثة:
ثلاث أثاف تحتها نار فتنة … ومن وفقها الإلحاد صار لها قدرا
وقد دخلوا حزب المسون بهمة … بها حل كل من محافله الصدرا
ومذهبهم حكم الديانات واحد … تساوى به الإسلام والملل الأخرى (2)
وهذا رجل آخر يكشف حالهم ويعلنها للناس وهو الشيخ مصطفى صبري شيخ الإسلام للدولة العثمانية سابقاً يقول "أما النهضة الإصلاحية المنسوبة إلى الشيخ محمد عبده فخلاصته أنه زعزع الأزهر عن جموده على الدين فقرب كثيراً من الأزهريين إلى اللادينيين خطوات، ولم يقرب اللادينيين إلى الدين خطوة، وهو الذي أدخل الماسونية في الأزهر بواسطة شيخه جمال الدين الأفغاني كما أنه على ما يقال وسيأتي إيضاحه في هذا الكتاب هو الذي شجع قاسم أمين على ترويج السفور في مصر" (3).وقال عن محمد عبده "فلعله وصديقه أو شيخه جمال الدين أرادا أن يلعبا في الإسلام دور لوثر وكلفين زعيمي البروتستانت في المسيحية فلم يتسن لهما الأمر لتأسيس دين حديث للمسلمين وإنما اقتصر تأثير سعيهما على مساعدة الإلحاد بالنهوض والتجديد" (4).وقال عنه أيضاً "وكان من مضار الشيخ بالإسلام وعلمائه الناشئين بعده أن حملة الأقلام بمصر المنحرفين عن الثقافة الإسلامية كما أكبروا الشيخ وآراءه الشاذة التي انتقدتها في هذا الكتاب وأوجدوا من السمعة العلمية السامية ما لا يزال طنينه في أذن الشرق الإسلامي. ولاشك في تأييده القوة الماسونية له كان ذلك حثاً للذين يحبون الشهرة والظهور من شباب العلماء وكهولهم على نيل ما أرادوه بواسطة الشذوذ في الرأي والتزلف إلى الكتاب المتفرنجين بل الانتماء إلى الماسونية" (5).ولا نريد أن نذكر بعد هذا موقف الشيخ عليش رحمه الله تعالى الذي كان يلاحقهم في صحن الأزهر بعصاه أو موقف أبي الهدى الصيادي الذي وصف جمال الدين بأنه "مارق من الدين كما مرق السهم من الرمية" (6) أو اعترافات أتباعه أنفسهم بأن الأفغاني "برز في علم الأديان حتى أفضى به ذلك إلى الإلحاد والقول بقدمية العالم زاعماً أن الجراثيم الحيوية المنتشرة في الفضاء هي المكونة بترقٍّ وتحرير طبيعيين ما نراه من الأجرام التي تشغل الفلك ويتجاذبها الجو وأن القول بوجود محرك أولي حكيم وهم نشأ عن ترقي الإنسان في تعظيم المعبود على حسب ترقيه في المعقولات" (7) أو وصف السلطان عبدالحميد لجمال الدين الأفغاني بأنه رجل الإنجليز، وأنه مهرج (8).
ب- من بعدهم:--------------------------------------------
(1) ((الرائية الصغرى)) يوسف النبهاني (ص 377).
(2) ((الرائية الصغرى)) يوسف النبهاني (ص 384).
(3) ((موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين)) مصطفى صبري (1/ 133 - 134).
(4) ((موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين)) مصطفى صبري (1/ 144).
(5) ((موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين)) مصطفى صبري (1/ 133 - 134).
(6) ((تاريخ الأستاذ الإمام)) رشيد رضا (1/ 90).
(7) ((تاريخ الأستاذ الإمام)) رشيد رضا (1/ 43).
(8) ((مذكرات السلطان عبدالحميد)) ترجمة محمد حرب عبدالحميد (ص 67).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 314)

ومن هؤلاء أيضاً الشيخ محمد حسين الذهبي حيث قال عن المدرسة العقلية الحديثة "أنها أعطت لعقلها حرية واسعة فتأولت بعض الحقائق الشرعية التي جاء بها القرآن الكريم، وعدلت بها عن الحقيقة إلى المجاز أو التمثيل، وليس هناك ما يدعو لذلك إلا مجرد الاستبعاد والاستغراب، استبعاد بالنسبة لقدرة البشر القاصرة، واستغراب لا يكون إلا ممن جهل قدرة الله وصلاحيتها لكل ممكن. كما أنها بسبب هذه الحرية العقلية الواسعة جارت المعتزلة في بعض تعاليمها وعقائدها وحملت بعض ألفاظ القرآن من المعاني ما لم يكن معهوداً عند العرب في زمن نزول القرآن، وطعنت في بعض الحديث تارة بالضعف وتارة بالوضع، مع أنها أحاديث صحيحة رواها البخاري ومسلم وهما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى بإجماع أهل العلم كما أنها لم تأخذ بأحاديث الآحاد الصحيحة الثابتة في كل ما هو من قبيل العقائد أو من قبيل السمعيات مع أن أحاديث الآحاد في هذا الباب كثرة لا يستهان بها" (1).وقال "وإذا كان الأستاذ الإمام قد أعطى لعقله الحرية الكاملة في تفسيره للقرآن الكريم فإنا نجده يغرق في هذه الحرية ويتوسع فيها إلى درجة وصلت به إلى ما يشبه التطرف في أفكاره والغلو في آرائه" (2).وقال في موضع آخر ما خلاصته "الأستاذ الإمام ومن على طريقته لا يفرقون بين رواية البخاري وغيره فلا مانع عندهم من عدم صحة ما يرويه البخاري، كما أنه لو صح في نظرهم فهو لا يعدو أن يكون خبر آحاد لا يثبت به إلا الظن وهذا في نظرنا هدم للجانب الأكبر من السنة" (3).وقال عن موقفه من حديث ((كل بني آدم يمسه الشيطان يوم ولدته أمه إلا مريم وابنها)) (4). وقد رواه الشيخان قال الذهبي عن موقف محمد عبده "فهو لا يثق بصحة الحديث رغم رواية الشيخين له ثم يتخلص من إرادة الحقيقة على فرض الصحة بجعل الحديث من باب التمثيل، وهو ركون إلى مذهب المعتزلة الذين يرون أن الشيطان لا تسلط له على الإنسان إلا بالوسوسة والإغواء فقط" (5).وقال أيضاً "وهذا المسلك الذي جرى عليه الشيخ رشيد هو مسلك شيخه ومسلك الزمخشري وغيره من المعتزلة الذين اتخذوا التشبيه والتمثيل سبيلاً للفرار من الحقائق التي يصرح بها القرآن ولا تعجز عنها قدرة الله وإن بعدت عن منال البشر" (6).وقال "ثم إن صاحب (المنار) لا يرى السحر إلا ضرباً من التمويه والخداع وليس له حقيقة كما يقول أهل السنة وهو يوافق بهذا القول قول شيخه وقول المعتزلة من قبله" (7).ولم يكن الشيخ الذهبي بالوحيد الذي ربط بين اتجاههم واتجاه المعتزلة بل حتى أنور الجندي الذي أشاد بهذه المدرسة وخدع بها قال "وإذا كان جمال الدين الأفغاني هو أول من فتح باب المنطق والفلسفة في الفكر العربي الحديث بحسبانه طريقاً إلى الدفاع عن الإسلام في مواجهة الفلسفات الحديثة على نفس المنهج الذي اتخذه المعتزلة فإن محمد عبده هو الذي عمق هذا الاتجاه حتى أطلق عليهما اسم "معتزلة العصر الحديث" (8).--------------------------------------------
(1) ((التفسير والمفسرون)) محمد حسين الذهبي (3/ 215 - 216).
(2) ((التفسير والمفسرون)) محمد حسين الذهبي (3/ 235).
(3) ((التفسير والمفسرون)) محمد حسين الذهبي (3/ 241).
(4) رواه البخاري (3431) ، ومسلم (2366) ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(5) ((التفسير والمفسرون)) محمد حسين الذهبي (3/ 241).
(6) ((التفسير والمفسرون)) محمد حسين الذهبي (3/ 249).
(7) ((التفسير والمفسرون)) محمد حسين الذهبي (3/ 249 - 250).
(8) ((اليقظة الإسلامية في مواجهة الاستعمار)) أنور الجندي (ص132).

(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 315)