رحمه الله ومن معنى قوله، لأقرِّبه على من أراده». [1/ 410] وربما صرَّح بنسبة بعض ما ينقله عن الشافعي إلى بعض كتبه المطبوعة في «الأم»، فإذا قوبلت العبارتان وُجدتا مختلفتين في اللفظ. فقول المعترض: «وقوله … » يعني الشافعي ــ مجازفة.
الثالث: أن النسّاخ لم يزالوا من قديم يخطئون ويزيدون وينقصون ويغيِّرون، فنسبة عدم حذف النون إلى المزني يتوقف على وجودها في النسخة التي بخطه أو على نصِّ ثقة سمع منه أنه قالها.
الرابع: قول المعترض: «والصواب: فيغسلا» لحن، والصواب «فتغسلا». وقد قالوا في قول الشاعر:
ولا أرضَ أبقَلَ إبقالَها(1)
وقول الآخر:
إن السماحة والشجاعة ضُمِّنا(2)
إنه ضرورة شعرية مع تأويل الأرض بالمكان، والسماحة والشجاعة بالجود والبأس مثلًا، ولا ضرورة في النثر. ولا يسوغ بعد النص على التأنيث في قوله: «ليست» تأويل، ولا حمل على مذهب الكوفيين.--------------------------------------------
(1) صدره: فلا مزنةٌ ودقَتْ وَدْقَها
والبيتُ لعامر بن جوين الطائي، وهو من شواهد سيبويه. وانظر: «الخزانة» (1/ 45).
(2) الرواية: « … والمروءة ضُمِّنَا». وعجزه: قبرًا بمروَ على الطريق الواضحِ
والبيت من القصيدة السائرة لزياد الأعجم في رثاء المغيرة بن المهلب. انظر: «الشعر والشعراء» (1/ 431) و «ذيل الأمالي» (9).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 689)
ثم قال الكوثري: «ولفظ الشافعي إثبات النون، وحذفها من تصرف الطابع، وأمانته في العلم كأمانته … ».
أقول: جزمه بأنه لفظ الشافعي مجازفة كما مرَّ. وقوله: «من تصرف الطابع» مجازفة أيضًا، فهل وقف على الأصول المطبوع عنها؟ وهل علم أن حذفها من فعل الطابع نفسه لا من إصلاح المصححين على ما ظهر لهم؟ والذي في خاتمة طبع «الأم» و «المختصر» أن القائمين بالتصحيح مصححو دار الطباعة: نصري بن محمد العادلي، ومحمد البلبيسي، ومحمود حسن زناتي. ولم يذكر لصاحب العزة أحمد بك الحسيني إلا أن الطبع على نفقته. ومع هذا فلم يزل المصححون ــ ومنهم الأستاذ ــ يصلحون ما يجدونه في الأصول القلمية مما يرونه خطأ، والغالب فيما يُطبع بمصر أن لا ينبَّه على ما كان في الأصل، بناء على أن الخطأ من النساخ كما جرت عادتهم حتى في كتابة القرآن.
وقد وقفتُ على «منية الألمعي» للعلامة قاسم بن قطلوبغا الحنفي ومقدمة الكوثري عليها، وتصفحت ما فصَّله قاسم من الأغلاط الكثيرة التي كانت في نسخة الزيلعي من كتابه «نصب الراية»، ومع ذلك أصلح الكوثري وأحبابه كثيرًا منها في الطبع بدون تنبيه، فعدَّ الكوثري صنيعهم منقبةً لهم. قال: «وفي عداد تعقبات العلامة الحافظ قاسم أمور قد ينتبه إليها الفطن بنفسه لظهور أنها من قبيل سبق القلم، فيوجد بعض ما هو من هذا [1/ 411] القبيل على الصحة في النسخة المطبوعة؛ لأن الانتباه إلى الصواب من فضل الله سبحانه، وفضلُ الله لا يكون وقفًا على أحد». لكن عذر الأستاذ واضح، وهو أنه راضٍ عن نفسه وأحبابه! ولذلك رأى التصرف في طبع «نصب
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 690)
الراية» من فضل الله سبحانه، وساخطٌ على الحسيني لسعيه في طبع بعض كتب الشافعي، فهو مضطر إلى أن يتجنَّى عليه. ولعلَّنا لو لم ننبِّه على هذا لعدَّنا الأستاذ من الأغبياء الذين لا يفرِّقون بين السخط والرضا. والله المستعان.
الثانية عشرة، والثالثة عشرة(1): قال: «وقوله: الواو للترتيب، والباء للتبعيض، مما لا يعرفه أحد من أئمة اللسان، بل الأُولى للجمع مطلقًا، والثانية للإلصاق».
أقول: جازف في النفي والإثبات. أما النفي فقد نُقل القول بأن الواو للترتيب عن قطرب، والرَّبعي، والفراء، وثعلب، وأبي عمر الزاهد(2)؛ كما في «المغني»(3). ونُقل القول بأن الباء تجيء للتبعيض عن الأصمعي، والفارسي، والقُتَبي، وابن مالك، وعن الكوفيين؛ كما في «المغني»(4) أيضًا.
وأما الإثبات فلم يقل الشافعي قط إنَّ الواو للترتيب ولا إن الباء للتبعيض، ولا ما هو بيِّن في هذا. وإنما بنى في الواو على قاعدة التقديم والتأخير المتفق عليها؛ وهي أن ما يسوغ في أصل التركيب تقديمه وتأخيره لا يقدَّم في الكلام البليغ إلا لنكتة. فإذا قال البليغ: «ادع زيدًا وبكرًا» فلم يقدِّم زيدًا إلا لنكتة. فقد يقال: الأصل تقديم ما حقه أن يقدَّم في الحكم، وإنما يصح تقديم غيره بشرطين: النكتة والقرينة. فمن قدَّم ولا نكتة ولا--------------------------------------------
(1) (ط): «الحادية عشرة والثانية عشرة» خطأ كما سبق التنبيه عليه في تكرار «العاشرة».
(2) (ط): «الزاهي» تحريف.
(3) (464).
(4) (ص 142).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 691)
قرينة، فقد أخطأ من وجهين. ومن قدَّم مع وجود إحداهما فقط فقد أخطأ من ذلك الوجه. وهذا ــ والله أعلم ــ هو مراد القائلين بأن الواو للترتيب. والفرق بينها وبين الفاء و (ثم) أن الواو وإن كانت بمقتضى قاعدة التقديم والتأخير تقتضي الترتيب فذلك ظاهر يجوز خروجها عنه لنكتة بقرينة، والفاء و (ثم) للترتيب حتمًا. وقد يقال: بل التقديم في الحكم نكتة من النكت، فحيث كانت هناك نكتة أوضح منها مثل: «جاء الملك وكاتبه» لم يفهم من الواو إلا مطلق الجمع، وإلا فالظاهر الترتيب في الحكم.
والشافعي رحمه الله إنما تعرَّض لهذا في ترتيب الوضوء فنزع بالآية، ثم ذكر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بدأ بما بدأ الله به، وأنه في [1/ 412] السعي بدأ بالصفا وقال: «نبدأ بما بدأ الله به»، وأنه في رمي الجمار يجب البدء بما بدأ به صلى الله عليه وآله وسلم. فهذه حجته، فكيف يتوهّم أنه إنما بنى قولَه على زَعْم أن الواو بمنزلة الفاء وثم؟
وأما الباء فإنه قال في مسح الرأس: « … كان معقولًا في الآية أن من مسح من رأسه شيئًا فقد مسح برأسه … ودلت السنة على أنه ليس على المرء مسح الرأس كله … »(1). وهذا قد يكون بناء على معنى الإلصاق، فقد ذكروا من أمثلته «أمسكت بزيد» مع أن يدك إنما تلاصق بعضه. وعلى هذا يكون الفرق بين الباء و «من» أن «من» نص على التبعيض، وباء الإلصاق مطلقة تَصْدُق بالبعض وتَصْدُق بالكل. ولعل هذا مراد من أطلق أنها تجيء للتبعيض. وراجع لكلام الحنفية في الحكم والآية واضطرابهم في ذلك:--------------------------------------------
(1) «الأم»: (2/ 56).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 692)
«روح المعاني» (ج 2 ص 257 - 258)(1).
وهاهنا انتهت المطاعن في فصاحة الشافعي. ولقد سعى الكوثري في تثبيت فصاحة الشافعي جهدَه، فإن أهل المعرفة يعلمون أن في الكلام الفصيح مواضع يعسر توجيهها حتى لو كان كلامَ من يجوز عليه اللحن لجزموا بأنها لحن، فإذا رأوا هذا المُجْلِبَ بخيله ورَجْله لم يجد فيما ثبتت نسبته إلى الشافعي موضعًا واحدًا بهذه الصفة، فاضطُرَّ إلى الإتيان بما تقدم مع الكلام عليه، فأي ريبة تبقى في فصاحة الشافعي؟
ومما ذكره ابن حجر في «توالي التأسيس»(2) ــ ومن عادته أن لا يجزم إلا بما صح عنده ــ قال: «قال ابن أبي حاتم عن الربيع قال: قال ابن هشام: الشافعي ممن يؤخذ عنه اللغة. قال ابن أبي حاتم وحُدِّثتُ عن أبي عبيد القاسم بن سلام نحوه. وقال أيضًا: سمعت الربيع يقول: كان الشافعي عربي النفس واللسان. قال: وكتب إليَّ عبد الله بن أحمد قال: قال أبي: كان الشافعي من أفصح الناس. وقال الساجي: سمعت جعفر بن محمد الخوارزمي يحدِّث عن أبي عثمان المازني عن الأصمعي قال: قرأت شعر الشنْفَرَى(3) على الشافعي بمكة. وقال ابن أبي الدنيا: [1/ 413] حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي: قلت لعمي: على من قرأت شعر هذيل؟ قال: على رجل من آل المطلب يقال له: محمد بن إدريس». وقال أيضًا:--------------------------------------------
(1) (5/ 43 - 44 - المنيرية).
(2) (ص 90).
(3) (ط): «الشنقري» تحريف.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 693)
«قال الحاكم: سمعت محمد بن عبد الله الفقيه: سألت أبا عمر غلام ثعلب عن حروف أُخذت على الشافعي مثل قوله: ماء مالح، وقوله: انبغى أن يكون كذا وكذا. فقال لي: كلام الشافعي صحيح، وقد سمعت أبا العباس ثعلبًا يقول: يأخذون على الشافعي، وهو من بيت اللغة يجب أن يؤخذ عنه». وقال: «قال الآبُري: أخبرنا أبو نعيم الإستراباذي، سمعت الربيع بن سليمان يقول مرارًا: لو رأيتَ الشافعي وحسنَ بيانِه وفصاحتَه لعجبتَ منه. ولو أنه ألَّف هذه الكتب على عربيته التي كان يتكلَّم بها معنا في المناظرة لم يُقْدَر على قراءة كتبه، لفصاحته وغرائب ألفاظه، غير أنه كان في تأليفه يجتهد أن يوضِّح للعوام».
فصل
وكما حاول الكوثري الطعنَ في نسب الشافعي وفي فصاحته، حاول القدح في ثقته، فقال: (ص 165): «ومن الغريب أنه إذا روى ألفُ راوٍ عن ابن معين أن الشافعي ليس بثقة مثلًا، تُعَدُّ هذه الرواية عنه كاذبة، بخلاف ما إذا كانت الرواية عنه في أبي حنيفة أو أحد أصحابه»!
[1/ 414] أقول: لا نطالب الكوثري بألف ولا بمائة ولا بعشرة، وإنما نطالبه بواحد سالم، ولن يجد إلى ذلك سبيلًا. إنما حكى هذه الكلمة عن ابن معين محمدُ بن وضَّاح الأندلسي، وابن وضاح قال فيه الحافظ أبو الوليد ابن الفرضي الأندلسي ــ وهو بلديُّه وموافق له في المذهب ــ: «له خطأ كثير يُحفظ عنه، وأشياء كان يغلط فيها، وكان لا علم عنده بالفقه، ولا بالعربية». وكان الأمير عبد الله بن الناصر ينكر عليه هذه الحكاية، ويذكر أنه رأى أصل ابن وضّاح الذي كتبه بالشرق وفيه: سألت يحيى بن معين عن الشافعي
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 694)
فقال: هو ثقة، كما حكاه ابن عبد البر في «كتاب العلم»(1). ولم ينقل أحد غيره عن ابن معين أنه قال في الشافعي: «ليس بثقة» أو ما يؤدي معناها أو ما يقرب منها. ولابن معين أصحاب كثيرون أعرف به وألزم له وأحرص على النقل عنه من هذا المغربي، وكان في بغداد كثيرون يسرُّهم أن يسمعوا طعنًا في الشافعي، فيُشيعوه.
فأما قول ابن عبد البر: «قد صح عن ابن معين من طرق أنه كان يتكلم في الشافعي على ما قدمتُ لك، حتى نهاه أحمد بن حنبل، وقال له: لم تر عيناك مثل الشافعي»، فالذي قدَّمه هو قوله: «ومما نُقم على ابن معين وعِيب به أيضًا: قولُه في الشافعي: إنه ليس بثقةٍ. وقيل لأحمد بن حنبل: إن يحيى بن معين يتكلم في الشافعي، فقال أحمد: من أين يعرف يحيى الشافعيَّ؟ هو لا يعرف الشافعي ولا يعرف ما يقول الشافعي ــ أو نحو هذا، ومن جهل شيئًا عاداه! قال أبو عمر: صدق أحمد بن حنبل رحمه الله أن ابن معين كان لا يعرف ما يقول الشافعي. وقد حُكي عن ابن معين أنه سئل عن مسألة من التيمم فلم يعرفها. ولقد أحسن أكثم بن صيفي في قوله: ويل لعالمِ أمرٍ من جاهله، من جهل شيئًا عاداه، ومن أحبَّ شيئًا استعبده». والتكلم في الرجل قد يكون بما ليس بجرح، فلا يصلح قولهم: «كان يتكلم فيه» متابعةً لكلمة: «ليس بثقة».
وقدَّم ابن عبد البر أيضًا أن ابن معين سئل عن الشافعي فقال: ما أحبُّ حديثه ولا ذِكرَه. وهذا تكلُّم، ولا يعطي معنى: «ليس بثقة»، ولا ما يقرب--------------------------------------------
(1) «جامع بيان العلم»: (2/ 1114 - 1115).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 695)
منها. وقد جاء أن ابن معين رأى في كتابٍ للشافعي تسميته لمقاتلي علي رضي الله عنه بُغاة، فأنكر ذلك، وعرَضَه على أحمد فقال أحمد: فماذا يقول(1)؟ ــ أو كما قال ــ. يعني أن هذا الوصف هو الذي وصفَ به الكتابُ [1/ 415] والسنةُ الطائفةَ التي تقاتل أهلَ الحق مطلقًا. فقد يكون ابن معين عدَّ ذلك ميلًا إلى التشيّع، فأوحشه ذلك.
وقد تواتر أن أحمد وابن معين كانا يكثران الاجتماع والمذاكرة، فلما ورد الشافعيُّ بغداد لزمه أحمد وقصَّر في مجالسة ابن معين. وهذا أيضًا مما يُوحِش ابنَ معين، وقد كان ابن معين اعتاد من أصحاب الحديث أن يهابوه ويحترموه ويلاطفوه، كما ترى شواهده في ترجمته من «التهذيب»(2) وفي ترجمة موسى بن إسماعيل(3)، فكأنّ الشافعي لما ورد بغداد قصَّر في ذلك، وهذا أيضًا مما يورث الوحشة. وقد كان الشافعي حسن الظن بإبراهيم بن أبي يحيى يُكثر الرواية عنه، وابن معين والجمهور يكذِّبون ابنَ أبي يحيى. فلا بِدْع أن تجتمع هذه الأمور في نفس ابن معين فيقول في الشافعي: «لا أحب حديثه ولا ذكره».
ولا يعطي ذلك معنى: «ليس بثقة» ولا يقارب.--------------------------------------------
(1) ساق المؤلف هذه الحكاية في «تنزيه الإمام الشافعي» (ص 320 - 321) بسياق آخر يؤدّي نفس المعنى، ثم قال: «هكذا أحفظ هذه الحكاية، ولم أهتدِ عند كتابة هذا إلى موضعها». وعلّقت هناك أن شيخ الإسلام ابن تيمية ذكر معنى هذه الحكاية في «الفتاوى»: (4/ 438)، فلعلّه مصدر المؤلف.
(2) (11/ 284).
(3) (10/ 334).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 696)
وقد روى الزعفراني وغيره عن ابن معين ثناءً على الشافعي في الرواية، كما تراه في «التهذيب»(1) و «تذكرة الحفاظ»(2). وراجع ترجمة الزبير بن عبد الواحد الأسدابادي في «التذكرة»(3).
وقد كان الرواة الذين هم أثبت من ابن وضّاح يخطئون على ابن معين، يتكلمُ ابنُ معين في رجلٍ فيروون ذاك الكلام في رجلٍ آخر، كما قدمت أمثلة من ذلك في القاعدة السادسة من قسم القواعد(4)، ولعل هذا منه كما أوضحته هناك. وإذا اختلف النقل عن إمام، أو اشتبه أو ارتيب، فينظر في كلام غيره من الأئمة، وقضي فيما روي عنه بما ثبت عنهم. فإذا نظرنا كلام الأئمة في الشافعي لا نجد إلا الثناء البالغ ممن هو أكبر من ابن معين كابن مهدي ويحيى القطان، ومن أقران ابن معين كالإمام أحمد وابن المديني، وممن هو بعده حتى قال أبو زُرْعة الرازي: «ما عند الشافعي حديث غلط فيه»، وقال أبو داود: «ليس للشافعي حديث غلط فيه»، وقال النسائي: «كان الشافعي عندنا أحد العلماء، ثقة مأمونًا». وأمثال هؤلاء كثير.
فتدبَّرْ ما تقدم، ثم تصفَّحْ ما قيل في أبي حنيفة وأصحابه مما يثبت إسنادُه، ثم انظر كلمة الأستاذ، هل تجد لها مسوِّغًا(5)؟ افرض أن لمحدثي الشافعية كلِّهم هوًى في توثيق الشافعي وتليين مخالفيه، فهل يسوغ ردُّ الحق--------------------------------------------
(1) (9/ 30).
(2) (1/ 362).
(3) (3/ 900 - 901).
(4) (1/ 105 - 126).
(5) (ط): «مسوغ» خطأ.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 697)
لموافقته هواهم؟ أم هل يسوغ ردُّ الحق لمخالفته هوى الكوثري؟!
[1/ 416] فصل
وكما حاول الكوثري الطعن في نسب الشافعي، وفي فصاحته، وفي ثقته، حاول الطعن في فقهه. قال الأستاذ (ص 139) بعد أن ذكر ما روي عن الشافعي أنه قال: «أبو حنيفة يضع أول المسألة خطأ ثم يقيس الكتاب كلَّه عليها»؛ قال الأستاذ: «لأبي حنيفة بعض أبواب في الفقه من هذا القبيل. ففي كتاب «الوقف» أخذ بقول شريح القاضي، وجعله أصلًا، ففرَّع عليه المسائل، فأصبحت فروع هذا الباب غير مقبولة حتى ردَّها صاحباه. وهكذا فعل في كتاب «المزارعة» حيث أخذ بقول إبراهيم النخعي، فجعله أصلًا، ففرَّع عليه الفروع. ولكن ما هو من هذا القبيل من مسائل (؟)(1) أبي حنيفة ربما لا يبلغ في العدِّ(2) عددَ أصابع اليد الواحدة، في حين أن ما عند ذلك العائب من هذا القبيل (؟) بحيث يحار فيه كبار الفقهاء من أهل مذهبه، فتجدهم مضطربين فيما يختارون في المذهب بين قديم المسائل وجديدها، وبين الأجوبة الشفعية المروية عن الإمام التي يقال فيها: فيها قولان. فيَشْكون من عدم مشي الفروع على الأصول، وعدم الاطراد في التأصيل والتفريع، مما ليس هذا موضع شرحه، وله محل آخر».
وذكر (ص 137) قول ابن أبي حاتم عن ابن عبد الحكم: «قال لي محمد بن إدريس الشافعي: نظرتُ في كتبٍ لأصحاب أبي حنيفة فإذا فيها--------------------------------------------
(1) علامة الاستفهام هنا وما بعدها من المؤلف، وهي إشارة منه إلى استنكار هذه العبارات!
(2) الأصل: «العدد»، فصححته من «التأنيب». [ن]. وهو على الصواب بخط المؤلف في «تنزيه الإمام الشافعي» (ص 325).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 698)
مائة وثلاثون ورقة، فعددت فيها ثمانين ورقة خلاف الكتاب والسنة». قال الأستاذ: « … بل أَفرض أن متن الرواية مما أسرَّ به الشافعي إلى محمد بن عبد الحكم على خلاف ما تواتر (؟ ) عن الشافعي أنه قال: «الناس كلهم عيال في الفقه على أبي حنيفة»، وأنه حمل عن محمد بن الحسن حِمْل جمل من علمه، وأنه أَمَنُّ الناس عليه في الفقه … وعلى فَرْض أن أحدَ أصحاب أبي حنيفة أخطأ في غالب مسائل كتيِّب، فماذا على أبي حنيفة من ذلك؟ والشافعي نفسه رجع عما حواه كتاب «الحجة» كلُّه المعروف [1/ 417] بالقديم وأمر بغسله والإعراض عنه … ولولا أن الشافعي رأى قديمَه كلَّه مخالفًا للكتاب والسنة لما رجع هذا الرجوع ولا شدَّد(1) هذا التشدد … وذلك العالم المفروض خطاؤه لم يعترف بعدُ بالخطأ اعتراف الشافعي بخطئه في القديم … وها هو محمد بن عبد الله بن عبد الحكم … ألف كتابًا سماه: «ما خالف فيه الشافعي كتاب الله وسنة رسوله … فهل نصدقه فيما يقول بالنظر إلى مبالغة ابن خزيمة في الثناء عليه حيث يقول: ليس تحت قبة السماء أحدٌ أعلم باختلاف الصحابة والتابعين واتفاقهم من محمد بن عبد الله بن عبد الحكم … ».
وقال (ص 119): «يوجد بين الأئمة من يُرْوَى عنه عدَّة أجوبة في مسألة واحدة كالروايات الست عن مالك في المسح على الخفين، وكالأجوبة المشفَّعة(2) في «الأم» للشافعي … وأما مذهب أبي حنيفة فلا تجد في مسائل ظاهر الرواية إلا قولًا واحدًا منه في كل مسألة. وأما كتب النوادر فحكم مسائلها في جنب مسائل ظاهر الرواية كحكم القراءات الشاذة … على أن قيمة روايات النوادر تقدَّر بأحوال رواتها».--------------------------------------------
(1) في «التأنيب»: «تشدّد».
(2) يعني المسائل التي للإمام الشافعي فيها قولان، كما سيشرحه المؤلف قريبًا.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 699)
أقول: أما كلمة الشافعي الأولى، فقد اعترف الأستاذ بما يوافقها وزيادة، فدلَّ مجموع كلامه على أن لأبي حنيفة كتبًا من كتب الفقه، وهي الأبواب العظيمة فيه ككتاب «الوقف» وكتاب «المزارعة»، يرى الأستاذ أنها لا تزيد على خمسة كتب بناها أبو حنيفة على ما ليس بحجة، وهو مع ذلك مخالف للحجة، ثم فرَّع فروع تلك الكتب كلّها على ذلك، فأصبحت فروع تلك الكتب كلّها غير مقبولة، ولم يرجع عنها أبو حنيفة، وإنما ردَّها صاحباه من بعده.
وأما كلمة الشافعي الثانية، فقد وقع في لفظها اختلالٌ ما، كما ذكره الأستاذ، وحاصلها أن الشافعي رأى لأصحاب أبي حنيفة كتابًا عدد أوراقه مائة وثلاثون، ثمانون منها مخالف للكتاب والسنة. واعترافُ الأستاذ بالأولى اعترافٌ بإمكان هذه؛ كأن يكون في ذلك الكتاب بعض تلك الكتب المردودة، ككتاب «الوقف» وكتاب «المزارعة» مع كتاب آخر أو أكثر.
وأما مطاعنه في فقه الشافعي فتتلخص(1) في أمور:
الأول: أنه رجع عن قديمه وأمر بغسله.
[1/ 418] الثاني: أنه يذكر في المسألة قولَيْن ولا يرجع.
الثالث: أن فروع مذهبه يكثر فيها عدم الجريان على أصوله.
فأما الأول، فالأستاذ يعلم قبل غيره أنه يركب فيه المجازفة الفاحشة والكذب المفضوح، فإنه يعلم أنه لا بدّ أن يكون في القديم كثير من المسائل--------------------------------------------
(1) (ط): «فيتلخّص».
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 700)
الإجماعية التي لم يخالفها الشافعي أولًا ولا آخرًا؛ وكثير من المسائل التي لم يزل الشافعيُّ موافقًا فيها لمالك، لأن عامة المسائل التي رجع عنها في الجديد كان في القديم موافقًا فيها لمالك؛ وكثير من المسائل التي كان في القديم موافقًا فيها للحنفية واستمرَّ على ذلك في الجديد. فبأيّ دين أم بأيّ عقل يقول الأستاذ: «رجع عما حواه كتابُ «الحجة» كله»؟ ! ! !
أما أمر الشافعي بغسل كتاب «الحجة» وأن لا يُرْوَى عنه، إن صح ذلك، فإنما هو ــ كما يعلم الأستاذ ــ لأنه كان فيه مسائل رجع عنها الشافعي، ولأنه لم يكن تهيّأ له إتقانُ تهذيبه وترتيبه واستيفاء الحجج وإيضاح البيان فيه، وعَلِم أن جميع ما فيه عدا المسائل التي رجع عنها قد ضمَّنه كتبه الجديدة، مع سلامتها من تلك النقائص، وزيادتها لحِجاج وأصول وفروع لا تحصى، فلم ير لبقائه وروايته عنه فائدةً، بل فيه مضرّة ما، كأن يغترَّ بعض أتباعه ببعض المسائل التي رجع عنها، أو يغترَّ مُخالِفُه بما فيه من تقصير في الاحتجاج في بعض مسائل الخلاف، فيتوهّم أنه لا حجة للشافعي إلا ما في ذلك الكتاب. وهذا أمر بغاية الوضوح يخجل صاحبُ العلم من شرحه، ولكن ماذا نصنع بالأستاذ؟ يحاول التلبيس على الجهّال، فيضطرنا إلى أن نشرح القضية كأننا نشرحها لأجهل الناس، ويضيع وقته ووقت غيره، كأنه لا يوقن أنه مسؤول عن عمره فيم أفناه؟
وأما الأمر الثاني، فقد ذكر محققو الشافعية أن ذلك إنما وقع للشافعي في ستة عشر أو سبعة عشر موضعًا، فقد يكون الشافعي يرى رجحان أحد القولين، وإنما لم ينصّ على ذلك ليلجئ أصحابَه إلى النظر والتدبّر، ليكون
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 701)
ذلك أعْوَن لهم على تحصيل مَلَكة الاجتهاد التي يتمكَّنون بها من النظر لأنفسهم فيما ذكره الشافعي وفيما لم يذكره، وهذا كان مقصوده الأعظم من تأليف الكتب. قال المزني أول «مختصره»(1): «اختصرت هذا الكتاب من علم محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى لأقرِّبه على من أراده، مع إعلامِيه نهيَه عن تقليده وتقليد غيره، لينظر [1/ 419] فيه لدينه ويحتاط لنفسه». ويقرب من هذا ما تراه في كتب التعليم من إيراد عدة أسئلة بدون حلِّها تمرينًا للطالب لِيُعمِل فكره في حلِّها.
وقد لا يكون تمكَّن في الوقت من استيفاء النظر، ولم تكن القضية واقعة حتى يلزمه وقفُ نفسه عليها حتى يستوفي النظر، فتَرَكها واشتغل بغيرها، ولم يستحل أن يقول شيئًا قبل استيفاء النظر، فيقع في مثل ما ذكره الأستاذ في «التأنيب» (ص 123) عن حفص بن غياث قال: «كنت أجلس إلى أبي حنيفة فأسمعه يُسأل عن مسألة في اليوم الواحد فيفتي فيها بخمسة أقاويل»!
وأما الأمر الثالث، فلا ريب أن في مذهب الشافعي فروعًا يتعسّر تطبيقها على أصوله، ولكن ما فيه من هذا القبيل لا يكادُ يُذكر في جانب ما في مذهب أبي حنيفة. وكلُّ عارفٍ بفقه المذهبين وأصولهما يعرف الحقيقة، وليس هذا موضع بسطها، ومن اطلع على قسم الفقهيات(2) من كتابنا هذا اتضح له الأمر.--------------------------------------------
(1) (ص 1).
(2) في المجلد الثاني (ص 3 - 281).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 702)
وكذلك ما زعمه الكوثري من حيرة فقهاء الشافعية واضطرابهم، ليس بشيءٍ بالنسبة إلى ما وقع لفقهاء الحنفية، ومن شاء فليطالع كتب الفقه في المذهبين، بل يكفيه أن ينظر أول مسألة من قسم الفقهيات، وهي مسألة ضرورية من مبادئ الطهارة، ارتبك فيها الحنيفة أشد الارتباك. وما ذكره من كتب ظاهر الرواية عندهم ليس بشيء، لأن كتب ظاهر الرواية يقع فيها الاختلاف.
وأما كتاب ابن عبد الحكم، فلم يعترف الشافعية بصدقه، كما اعترف الكوثري وغيره بصدق كلمة الشافعي كما مرّ. والعلمُ باتفاق الصحابة والتابعين واختلافهم لا يستلزم جودةَ النظر وصحةَ الفهم للترجيح فيما اختلفوا فيه، واستنباطِ حكمِ ما لم يُنقل عنهم فيه شيء. والأستاذ وكل ذي معرفة يتحقق أن البون في هذا بين الشافعي وابن عبد الحكم بعيدٌ جدًّا، وإن كان الشافعي غير معصوم عن الخطأ، وابن عبد الحكم غير محجوب البتة عن الإصابة.
وأما ما نُقل عن الشافعي أنه قال: «الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة» فلم يتواتر كما زعم الأستاذ. ولو شئنا لقلنا، ولكننا نقتصر هنا على ما يعترف به الأستاذ، وهو أن أبا حنيفة إذا عرف الأصلَ أحسنَ في التفريع وأجاد، وإذا لم يعرف الأصل أو لم يأخذ به وقع في التخليط كما وقع له في الكتب التي تقدم ذكرها، ويقول الأستاذ: إنها لا تُجاوز الخمسة، فثناءُ [1/ 420] الشافعي بحسب الضرب الأول، وانتقادُه بحسب الضرب الثاني. وأما ما يتعلق بمحمد بن الحسن، فيُعْلَم [ما] فيه مما يأتي.
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 703)
فصل
عرف الأستاذ أن مطاعنه في الشافعي لا تؤثر الأمر الذي يهواه أو لا تؤثر البتة، فحاول تحصيل بعض مقصوده من جهة أخرى، وهي زعمه أن علم الشافعي مستفاد من محمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة. وسأشرح ملخصًا مبدأ الشافعي إلى اجتماعه بمحمد بن الحسن، وما جرى له معه فأقول:
ثبت بالروايات الجيدة أن الشافعي شرع في طلب العلم وسِنُّه نحو عشر سنين، فأخذ عن علماء مكة والمدينة، وخرج غير مرّة إلى اليمن، وأقام بالبادية مدة. وكان فيمن أخذ عنه من الفقهاء بمكة من كان يشارك في طريقة أهل العراق كسعيد بن سالم القدّاح.
وكان الشافعي يبحث مع من يقدَم مكةَ من علماء الآفاق. وفي «توالي التأسيس» (ص 58)(1): «قال زكريا الساجي: حدثنا الزعفراني قال: حج بِشْر المَرِيسي [الحنفي] إلى مكة، ثم قَدِم فقال: لقد رأيت بالحجاز رجلًا ما رأيتُ مثله سائلًا ولا مجيبًا، يعني الشافعي. قال: فقدم الشافعي علينا بعد ذلك، فاجتمع إليه الناس، فجئت إلى بِشْر، فسألته فقال: إنه قد تغيَّر عما كان عليه … ».
وفيها (ص 56)(2): «وأخرج الآبُري من طريق الزعفراني قال: كنا نحضر مجلس بشر المريسي، فكنّا لا نقدر على مناظرته، فقدم الشافعي،--------------------------------------------
(1) (ص 91).
(2) (ص 81).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 704)
فأعطانا كتاب «الشاهد واليمين»، فدرسته في ليلتين، ثم تقدمتُ إلى حلقة بشر، فناظرتُه فيه فقطعتُه. فقال: ليس هذا من كيسك، هذا من كلام رجل رأيته بمكة معه نصفُ عقل أهل الدنيا».
بقي الشافعي نحو عشرين سنة بالحجاز، ثم ولي بعض الولايات باليمن. وفي «توالي التأسيس» (ص 78)(1): «قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إدريس [1/ 421] ورَّاق الحميدي، حدثنا الحميدي قال: قال الشافعي … ثم وُلِّيت نجران وبها بنو الحارث بن عبد المدان وموالي ثقيف … وتظلَّم عندي أناس كثير، فجمعتهم وقلت: اجمعوا لي سبعة يكون مَن عدَّلوه عدلًا ومَن جرَّحوه مجروحًا، ففعلوا … حتى أتيتُ على جميع الظلامات، فلما انتهيتُ جعلت أحكم وأسجِّل … حتى حُمِلْت إلى العراق. وكان محمد بن الحسن جيد المنزلة عند الخليفة، فاختلفت إليه، وقلت: هو أولى من جهة الفقه، فلزمتُه، وكتبتُ عنه، وعرفت أقاويلهم. وكان إذا قام ناظرتُ أصحابه، فقال لي: بلغني أنك تناظر فناظِرْني في «الشاهد واليمين»، فامتنعت، فألحَّ علي، فتكلمتُ معه، فرُفع ذلك إلى الرشيد، فأعجبه ووصلني». وقد ذكر الأستاذ (ص 184) طرفًا من هذه الحكاية، ثم حمَّلها ما لا تطيق، فمن جملة ما قاله: «وبها يُعلم أن محمد بن الحسن بعد أن درَّب (؟ ) الشافعيَّ على الأخذ والرد هكذا رفع حديثه إلى الرشيد».
أقول: الشافعي مدرَّب من بيته كما تقدم، ورافع الحديث إلى الرشيد غير محمد كما تعيِّنه عدة روايات أخرى، والشافعي إنما جالَسَ محمدًا--------------------------------------------
(1) (ص 127 - 128).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 705)
ليأخذ عنه كتبهم سماعًا ليعرف أقوالهم. ومغزاه في ذلك أمران:
أحدهما: ما صرَّح به في بعض الروايات: أنه أحبَّ أن يعرف أقاويلهم وما يحتجون به؛ ليتمكن من الردّ عليهم فيما يراه خطأ، ومناظرتهم فيه، فإن عماد المناظرة أن يُحتجّ على المخالف بأقواله؛ لأنه قد يحتج بما ليس بحجة فيقال له: إن كانت هذه حجة فلِمَ خالفتها في موضع كذا وموضع كذا؟ وقد يرد الحجة، فيقال له: فقد احتججت بها أو بمثلها في موضع كذا وموضع كذا. ولا تكاد تخلو مناظرة من مناظرات الشافعي من هذه الطريقة.
المغزى الآخر: مغزى كل عالم متدين، وهو أن يعرف ما يحتجون به، فربما وقف على حجة لم يكن قد عرفها، أو على ما يدل على خلل في دليل قد كان يستدل به، أو نظرٍ قد كان يعتمده. وهذا لا يأنف منه المجتهد المتدين، فإن غالب حجج الفقه ظنية لا يأمن المجتهد أن يخطئ وأن يكون عند غيره ما ليس عنده. فالحق أن الشافعي سمع بعض الكتب من محمد على سبيل الرواية، والعالم قد يسمع ممن هو فوقه، وممن هو مثله، وممن هو دونه. وقد يكون حضر [1/ 422] بعض دروس محمد للمغزى المتقدم. كلُّ ذلك والشافعي باق على مذهبه لم يقلد محمدًا ولا تابعه متابعة التلميذ المطلق لأستاذه، بل كان محمد إذا قام ناظر الشافعيُّ أصحابَ محمد يقرِّر لهم مذهبه ويحتجُّ عليه، ويفنِّد ما استدل به محمد وغيره. أما تأبِّيه أولًا من مناظرة محمد فمِنْ كمال عقله ووفور أدبه؛ لأنه كان محتاجًا إلى سماع تلك الكتب ومعرفة أقاويل القوم، فخشي أن يتكدَّر محمد، فيتعسّر عليه. وقد جاء أنه تعسَّر عليه في كتاب، فكتب إليه أبياتًا أثنى عليه فيها وقال فيها:
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 706)
العلمُ ينهى أهلَه … أن يمنعوه أهلَه
لعله يبذله … لأهله لعلَّه
قال الشافعي: «فحمل محمد الكتاب في كمِّه، وجاء به معتذرًا من حينه».
ومن الأثقال التي حمَّلها الأستاذ تلك الروايةَ: قولُه: «فبهذه الرواية يُعلم أن ما في «الأم» من محادثات للشافعي مع بعض الناس ليس مناظرة للشافعي مع محمد بن الحسن، بل مع بعض أصحابه على خلاف ما توهمه بعضهم».
أقول: من مكارم أخلاق الشافعي، وكمال عقله، وصدق إخلاصه: أن غالب ما يسوقه من المناظرات لا يسمِّي مَنْ ناظره، لأن مقصوده إنما هو تقرير الحق، ودفع الشبهات، وتعليم طرق النظر. وتسميةُ المناظر يتوَهَّم فيها حظُّ النفس، كأنه يقول: ناظرت فلانًا المشهور فقطعته، وفيها غضٌّ من المناظِر بما يبيِّن من خطئه. والواقع أن المناظرات التي في «الأم» وغيرها من كتب الشافعي، منها ما هو مع محمد بن الحسن، ومنها ما هو مع بعض أصحابه في حياته أو بعد وفاته. وربما صرَّح الشافعي باسم محمد بن الحسن لفائدة، فقد صرَّح باسمه وبأن المناظرة كانت معه في مواضع من كتابه «الرد على محمد بن الحسن» كما تراه في «الأم» (ج 7 ص 278 السطر الأول) و (ص 283 السطر 24) و (ص 300 السطر 15)(1). وساق (ج 3 ص 106)(2) المناظرة مع غير مسمى ثم قال في أثنائها آخر الصفحة:--------------------------------------------
(1) (9/ 86 و 92 و 96 و 106 - 109).
(2) (4/ 252).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 707)
«وقلت لمحمد بن الحسن: أنت أخبرتني عن أبي يوسف عن عطاء بن السائب … ». وإنما صرَّح به لئلا يكون رواية عن مجهول، ثم صرَّح به في (الصفحة الثانية السطر 16)(1) لأنه قد عُرِف سابقًا، فلم يبق معنى [1/ 423] لإبهامه. وانظر (ج 7 ص 82). وربما لم يسمِّه، ولكن يكني عنه بما يعلم أنه محمد بن الحسن كما في (ج 1 ص 231) و (ج 4 ص 5) و (ج 7 ص 79). وربما يكون في السياق ما يدل أنه محمد بن الحسن كما في (ج 1 ص 56) و (ج 3 ص 189) و (ج 4 ص 17) و (ج 5 ص 119)(2). هذا ومناظرته لمحمد في «الشاهد واليمين مشهورة في تلك الرواية وغيرها، ومع ذلك ساقها الشافعي في «الأم» ولم يسمِّ مناظره(3). ومن المناظرات ما يدل السياق أنها مع غير محمد كما في (ج 3 ص 195 و 275). ومنها ما هو على الاحتمال. وإنما تأبَّى الشافعي أولًا لما سبق، فلما عَرَف إنصاف محمد، واغتبط محمدٌ بمناظرته كثرت المناظرات بينهما.
وفي «توالي التأسيس» (ص 71)(4) من طريق «أبي حسان الحسن بن عثمان الزيادي قال: كنت في دهليز محمد بن الحسن، فخرج محمد راكبًا، فنظر فرأى الشافعي قد جاء، فثنى رجله ونزل، وقال لغلامه: اذهب فاعتذر. فقال له الشافعي: لنا وقت غير هذا. قال: لا، وأخذ بيده، فدخلا الدار. قال--------------------------------------------
(1) (4/ 253).
(2) لم نحل في هذه المواضع إلى الطبعة الجديدة لأن المؤلف لم يحدد نصًّا يمكن الإحالة إليه.
(3) «الأم»: (8/ 15 وما بعدها).
(4) (ص 132).
(খণ্ড: 10) (পৃষ্ঠা: 708)