العلم كسفيان بن عيينة وابن وهب وابن جرير والطحاوى أن المراد بالأحرف السبعة سبعة أوجه من المعانى المتقاربة بألفاظ مختلفة نحو (أقبل، تعال، هلم) ونحو (أقوم، أصوب، أهيأ) فهى ألفاظ مختلفة بمعنى واحد أو متقارب.
وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم كتّاب للوحى من أجلاء الصحابة كعلى بن أبى طالب، وأبى بن كعب، وزيد بن ثابت وغيرهم. تنزل الآية فيأمرهم بكتابتها ويرشدهم إلى موضوعها من سورتها، فيقول لهم: ضعوا هذه الآية فى الموضع المعين بين آية كذا وآية كذا، وضعوا هذه السورة بجانب تلك السورة وكانوا يكتبونه فى العسب- وهو جريد النخل، واللخاف- وهى الحجارة الرقاق- والرقاع من جلد أو ورق، وكان ذلك موزعا فى بيوت الصحابة لم يجمع فى مكان واحد، هذا من جهة، ومن جهة أخرى كان محفوظا فى صدور الصحابة رضى الله عنهم أجمعين.
وكان جبريل عليه السلام يعارض رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن حين يلقاه فى كل ليلة فى شهر رمضان، والمراد من معارضته له بالقرآن كل سنة مقابلته على ما أوحاه إليه عن الله تعالى ليبقى ما بقى ويذهب ما نسخ توكيدا واستثباتا وحفظا، ولهذا عرضه فى السنة الأخيرة من عمره صلى الله عليه وسلم على جبريل مرتين. وعارضه جبريل كذلك، وكان الصحابة يعرضون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لديهم من القرآن حفظا وكتابة كذلك.
وجمع القرآن كله بهذه الصورة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما لم يجمع القرآن فى مصحف واحد فى عهده صلى الله عليه وسلم لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته كما أن ترتيب الآيات لم يكن بترتيب النزول، بل تكتب الآية بعد نزولها على حسب ما يرشد صلى الله عليه وسلم إلى موضع كتابتها بين آية كذا وآية كذا فى سورة كذا.
فتم كتابة القرآن فى السطور وجمعه فى الصدور ويسمى هذا الجمع فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم حفظا وكتابة (الجمع الأول).
فلمّا كمل القرآن وانتهى نزوله بوفاته صلى الله عليه وسلم ألهم الله الخلفاء الراشدين جمع كتابه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
وفاء بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة فكان ابتداء ذلك على يد الصديق بمشورة عمر رضى الله عنهما.
روى الإمام البخارى بسنده أن زيد بن ثابت قال: أرسل إلىّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده فقال أبو بكر: إن عمر بن الخطاب أتانى، فقال: إن القتل قد استحر (1) بقراء القرآن، وإنى أخشى أن يستحرّ القتل بالقراء فى الموطن، فيذهب كثير من القرآن، وإنى أرى أن تأمر بجمع القرآن، فقلت لعمر:
كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعنى حتى شرح الله صدرى لذلك، ورأيت فى ذلك الذى رأى عمر، قال زيد:
قال أبو بكر: إنك رجل شاب لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحى لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه، فو الله لو كلفونى نقل جبل من الجبال ما كان علىّ أثقل مما أمرنى به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال هو والله خير. فلم يزل أبو بكر يراجعنى حتى شرح الله صدرى للذى شرح له صدر أبى بكر وعمر رضى الله عنهما فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، ووجدت آخر سورة التوبة مع أبى خزيمة الأنصارى لم أجدها مع غيره (3) لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ حتى خاتمة براءة (2).
وهذا الجمع هو المسمى (بالجمع الثانى)، فكانت تلك الصحف عند أبى بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة بنت عمر رضى الله عنهم أجمعين.
فلمّا كانت خلافة عثمان بن عفان رضى الله عنه والذى اتسعت الفتوحات الإسلامية فى عهده وتفرق القراء فى الأمصار، وأخذ أهل كل مصر عمّن وفد--------------------------------------------
(1) استحر: أى اشتد القتل وكثر فى قراء القرآن يوم اليمامة يعنى يوم قتال مسليمة الكذاب وأصحابه بنى حنيفة بأرض اليمامة فى حديقة الموت.
(3) يعنى أنه لم يجدها مكتوبة عند غيره، لا أنه لم يكن يحفظها غيره.
(2) فتح البارى بشرح صحيح البخارى (ج 9 ص 10).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
إليهم قراءته وكانت وجوه القراءة مختلفة باختلاف الأحرف التى أنزل عليها، فكانوا إذا ضمهم موطن من مواطن الغزو ظهر الاختلاف فى وجوه القراءة مع إلف كل لقراءته ووقوفه عندها حتى خطأ بعضهم بعضا، وكان هذا باب لفتنة لا بدّ لها من علاج.
روى الإمام البخارى- رحمه الله بسنده أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان ابن عفان رضى الله عنهما، وكان يغازى أهل الشام فى فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق. فأفزع حذيفة اختلافهم فى القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا فى الكتاب اختلاف اليهود والنصارى.
فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلى إلينا بالصحف فننسخها ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد ابن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها فى المصاحف. وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت فى شىء من القرآن (1). فاكتبوه بلسان قريش فإنما أنزل بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف فى المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن فى كل صحيفة أو مصحف أن يحرق (4) (2).
وجمع عثمان للقرآن هو المسمى (بالجمع الثالث) وكان سنة (25 هـ).
…--------------------------------------------
(1) أى اختلافهم فى رسم كتابته.
(4) حكمة ذلك الخوف من أن يكون فى بعضها غلط أو تكون سببا للكذب والاختلاف.
(2) فتح البارى بشرح صحيح البخارى (ج 9 ص 11).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
فائدة فى الفرق بين جمع أبى بكر وجمع عثمان
إن الفرق بين جمع أبى بكر وجمع عثمان، أن جمع أبى بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شىء بذهاب حملته، لأنه لم يكن مجموعا فى موضع واحد، فجمعه فى صحائف مرتبا لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبى صلى الله عليه وسلم مشتملا علي الأحرف السبعة التى أنزل بها القرآن.
أما جمع عثمان، فكان لمّا كثر الاختلاف فى وجوه القراءة فجمع قراءات الناس على مصحف واحد، واقتصر فيه من سائر اللغات على حرف واحد وسمى ذلك (بالمصحف الإمام) وأجمع عليه سائر الصحابة، وتلقت الأمة ذلك بالقبول وتم إرسال المصحف الإمام إلى سائر الأقطار الإسلامية كمكة، والشام، واليمن، والكوفة وبقى واحد بالمدينة.
***
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
فائدة حول منشأ القراءات وصلة القراءات السبع بالأحرف السبعة
لم يكتف أمير المؤمنين عثمان بن عفان بإرسال المصاحف وحدها إلى الأمصار وإنما أرسل معها جماعة من قراء الصحابة يعلمون الناس، ولمّا لم تكن المصاحف العثمانية ملزمة بقراءة معينة لخلوها من النقط والشكل، لذا فقد أقرأ كل صحابى أهل إقليمه بما سمعه تلقيا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دامت هذه القراءة يحتملها المصحف العثمانى الذى أرسل منه نسخ إلى جميع الآفاق، فمثلا لفظ (فتبينوا) من قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (1) من غير نقط يحتمل قراءة (فتثبتوا) … ومن هنا كان منشأ القراءات.
وأما عن صلة القراءات السبع بالأحرف السبعة المذكورة فى الحديث، فليعلم أن الأحرف السبعة نزلت فى أول الأمر للتيسير على الأمة. فالعرب ألسنتهم مختلفة ولهجاتهم متباينة، ويتعذّر على الواحد منهم أن ينتقل من لهجته التى درج عليها، ثم نسخ منها الكثير بالعرضة الأخيرة، وليس الأمر كما توهمه بعض الناس من أن القراءات السبع هى الأحرف السبعة. والصواب أن قراءات الأئمة السبعة بل العشرة التى يقرأ بها الناس اليوم هى جزء من الأحرف السبعة التى نزل بها القرآن وهذه القراءات جميعها موافقة لخط المصاحف التى بعث بها الخليفة عثمان إلى الأمصار. وقد سوّغ كل واحد من القراء قراءة الآخر وأجازها وانعقد الإجماع على أن جميع القرآن الذى أنزله الله وأمر بإثبات رسمه ولم ينسخه، ولا رفع تلاوته، هو هذا الذى بين الدفتين الذى حواه المصحف العثمانى الإمام، وأنه لم ينقص منه--------------------------------------------
(1) الحجرات: 6.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
شىء، ولا زيد فيه شىء، وأن ترتيبه ونظمه ثابت على ما نظمه الله تعالى ورتبه عليه رسوله صلى الله عليه وسلم من آى السور، لم يقدم من ذلك مؤخر ولا أخر مقدم وهذا ما تيسر (1) من البيان والسلام.
…--------------------------------------------
(1) ليس المقام هذا مقام إفاضة واستقصاء عن القراءات والقرّاء وإنما المقصود لمحة موجزة، ومن أراد المزيد فليرجع إلى كتب القراءات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
الباب الثانى هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قراءة القرآن وعند استماعه وتوابع ذلك
فى هذا الباب المهم من أبواب هذا الكتاب نعيش مع خير الهدى، وأطيبه وأنفعه هدى محمد صلى الله عليه وسلم نستقى من منهله (فقه قراءة القرآن الكريم) كما استقاه الجيل الأول من صحابته الكرام الذين تعلموا العلم والعمل معا.
فكان هذا الباب (هدى النبى صلى الله عليه وسلم فى قراءة القرآن وعند استماعه، وتوابع ذلك) هدى تنفتح معه أقفال القلوب لتقتبس من أنوار المعرفة وتجنى ثمار الفهم.
وفقنا الله لذلك، وبالله نستعين ومنه نستمد الحول والقوة فأقول وبالله تعالى التوفيق:
فصل فى هديه صلى الله عليه وسلم فى الاستعاذة
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا همّ بقراءة القرآن الكريم امتثل أمر ربه بالاستعاذة من الشيطان الرجيم.
قال تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (1) فكان صلى الله عليه وسلم يستعيذ عند بدئه للقراءة فيقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم».--------------------------------------------
(1) النحل: 98.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
ومعنى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (أى أستنجد بجناب الله من الشيطان الرجيم أن يضرنى فى دينى أو دنياى، أو يصدنى عن فعل ما أمرت به، أو يحثنى على فعل ما نهيت عنه).
وإن المتأمل للقرآن والسنة يجد اعتناءهما بذكر التحذير من الشيطان وكيده والعمل على محاربته كثيرا وذلك لشدة الحاجة إلى التعوذ منه عند قراءة القرآن وغيره من سبل الخير التى يسلكها الإنسان، فالشيطان قعد لابن آدم بأطرقه كلها، فما من طريق خير إلا والشيطان قاعد عليه يقطعه على السالك ويثبطه عنه ويفسده عليه، وما من طريق سوء إلا والشيطان قاعد عليه يأمره به ويحثه عليه ويزينه فى عينه والمعصوم من عصمه الله تعالى.
وفى الاستعاذة قول كثير انتشرت فروعه فى علم أصول الفقه وأصول الحديث وأصول القراءات. فأما أصول الفقه فيبحث فيها عن التعوذ من حيث أن الأمر به فى الآية. هل هو للوجوب أم الندب؟ وهل الآية واضحة الدلالة فيتعين لفظها أم مجملة فيصلح كل لفظ يدلّ على التعوذ؟
وأما أصول الحديث فيبحث فيها عن درجة الأحاديث الدالة على التعوذ وعن سندها وحال رواتها.
وأما أصول القراءات فيبحث فيها عن التعوذ من حيث الجهر به والإخفاء ومن حيث الوقف عليه أو وصله بما بعده.
وفيما يلى أوجز أرجح الأقوال وعلى الله الاتكال:
أولا: فمن حيث التعوذ فى الآية، فقد ذهب جمهور العلماء إلى أنه أمر ندب- أى استحباب- وليس بواجب (1).--------------------------------------------
(1) الواجب شرعا: هو طلب الشارع الفعل على سبيل الحتم والإلزام، بحيث يذم تاركه ومع الذم العقاب، ويمدح فاعله ومع المدح الثواب والواجب هو الفرض عند الجمهور.
الندب: هو طلب الشارع الفعل على سبيل الترجيح لا الإلزام بحيث يمدح فاعله ويثاب، ولا يذم تاركه ولا يعاقب. (انظر الوجيز فى أصول الفقه ص 29).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
حكى الإجماع على ذلك أبو جعفر بن جرير وغيره من الأئمة. وذهب فريق آخر من العلماء إلى أنها واجبة عند ابتداء القراءة وحكى الرازى عن عطاء بن رباح ذلك، واحتج بظاهر الأمر فى الآية (1).
قلت: والصواب ما قاله الجمهور من أن الأمر بالتعوذ فى الآية أمر ندب وليس بواجب، والذى صرفه عن الوجوب- حيث أن كل أمر من الشارع يقع موقع الوجوب إلا إذا صرفه صارف- والصارف عن الوجوب هنا هو حديث أنس بن مالك رضى الله عنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا فى المسجد، إذا أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه مبتسما قلنا: ما أضحكك يا رسول الله. قال: «لقد أنزلت علىّ آنفا سورة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ثم قال: «أتدرون ما الكوثر … الحديث» (2).
والشاهد: أنه صلى الله عليه وسلم لم يستعذ ولو كانت الاستعاذة واجبة لما تركها.
وعن كون الاستعاذة هل هى قبل التلاوة أو بعدها؟ قالت طائفة من القراء وغيرهم، يتعوذ بعد القراءة واعتمدوا على ظاهر سياق الآية، والمشهور (4) الذى عليه الجمهور
أن الاستعاذة إنما تكون قبل التلاوة لدفع الموسوس عنها ومعنى الآية عندهم (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشّيطان الرّجيم) أى: إذا أردت القراءة كقوله تعالى: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ (3) أى إذا أردتم القيام. والدليل على ذلك الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ذلك لأن المقصد من الاستعاذة عند ابتداء القراءة. لئلا يلبّس الشيطان على القارئ قراءته ويخلط عليه ويمنعه من التدبر والتفكر، كما أن فيها تمهيدا للجو--------------------------------------------
(1) مقدمة ابن كثير (ج 1 ص 15).
(2) أخرجه أحمد فى مسنده (ج 3 ص 102)، مسلم بشرح النووى (ج 4 ص 113) واللفظ لمسلم.
(4) المشهور: أى المعروف والذائع.
(3) المائدة: 6.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
الذى يتلى فيه كتاب الله وتطهيرا له من الوسوسة، واتجاها بالمشاعر إلى الله خالصة لا يشغلها شاغل من عالم الرجس، والشر الذى يمثله الشيطان (1).
وأما عن الصفة المختارة للاستعاذة فهى قول: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) قاله النووى (2).
وقال صاحب النشر: هى الصفة المختارة لجميع القراء من حيث الرواية (3).
قلت: نعم وهى أقرب لمطابقة لفظ القرآن … لكن بغير تقييد القارئ بلفظها، بل يجوز له النقص عنه كأن يقول (أعوذ بالله من الشيطان) والزيادة عليه كأن يقول (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم) فالآية مجملة. أى مطلقة- تحتمل أن يزاد عليها أو ينقص.
وبالبحث عن الأحاديث الدالة عن التعوذ وعن سندها وحال رواتها وفى ذلك تفصيل ملخصه:
أن الأحاديث الدالة على ترك الزيادة عن آية النحل ضعيفة معارضة بأصح منها سندا (4).
وفى الجهر بالاستعاذة أو إخفائها أقوال للعلماء، وفصل الخطاب فى هذه المسألة هو أن التعوذ يستحب إخفاؤه فى مواطن، والجهر به فى مواطن أخرى .. فمواطن الإخفاء.
1 - إذا كان القارئ يقرأ سرا، سواء كان منفردا أم فى مجلس.
2 - إذا كان خاليا- أى ليس معه أحد، سواء قرأ سرا أم جهرا.--------------------------------------------
(1) فى ظلال القرآن (ج 4 ص 2194).
(2) الأتقان فى علوم القرآن (ج 1 ص 139).
(3) النفحات الإلهية فى شرح الشاطبية ص 54.
(4) ذكر هذه الأحاديث، وأقوال أهل العلم فيها طويل لا يناسبه هذا المقام، وفيما ذكر كفاية وإرشاد إلى ما ترك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
3 - إذا كان فى الصلاة سواء كان إماما، أم مأموما، أم منفردا. ولا سيما إذا كانت الصلاة جهرية.
4 - إذا كان يقرأ وسط جماعة يتدارسون القرآن- كأن يكون فى مقرأة- ولم يكن هو المبتدئ بالقراءة.
وما عدا هذه المواطن يستحب الجهر بالتعوذ فيها سواء كان البدء بأول سورة أو فى أثنائها إجماعا عند القراء. ففيه إظهار لشعار القراءة، ويمكّن السامع من الإصغاء للقراءة من أولها فلا يفوته شىء منها (1).
فائدة:
1 - دلت السنة على أن الاستعاذة فى الصلاة إنما تكون قبل الركعة الأولى فقط.
وفى ذلك تفصيل علمت ملخصه فالزمه زادك الله رشدا (2).
2 - لو عرض للقارئ ما يقطع قراءته من الأمور الضرورية كعطاس أو تنحنح أو كلام يتعلق بمصلحة القراءة فلا يعيد الاستعاذة، أما لو قطع القراءة بنية الإعراض عنها أو لكلام لا تعلق له بها فيستحب له أن يعيد الاستعاذة (3).
3 - يبقى للتعوذ مسألة واحدة وهى حالتها مع ما بعدها من حيث الوقوف عليه أو وصله بما بعده وسيأتى بيان ذلك عند الحديث- فى الفصل الذى يلى هذا- عن البسملة، إن شاء الله تعالى وبه الثقة.
…--------------------------------------------
(1) الوافى فى شرح الشاطية (ص 44) بتصرف.
(2) نيل الأوطار (ج 2 ص 198).
(3) الوافى فى شرح الشاطبية (ص 45) بتصرف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
فصل فى هديه صلى الله عليه وسلم فى البسملة
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه «بسم الله الرحمن الرحيم» (1) وسبق الإشارة إلى ذلك فى قوله صلى الله عليه وسلم لقد أنزلت علىّ آنفا سورة فقرأ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ حتى ختمها (2).
ومعنى بسم الله الرحمن الرحيم: أى أبدأ (بسم الله) وبعونه وتوفيقه وبركته، وهذا تعليم من الله تعالى لعباده ليذكروا اسمه عند افتتاح القراءة وغيرها حتى يكون الافتتاح ببركة الله عز وجل.
وهى تستحب فى أول كل عمل وقول تيمنا وتبركا واستعانة على الإتمام والتقبل فتشرع التسمية عند ابتداء الطعام، وعلى الذبيحة، وعند دخول البيت، وعند الخروج منه، وعند الوضوء، وعند النوم … إلى غير ذلك، فباسمه إذن يكون كل ابتداء، وباسمه إذن تكون كلّ حركة وكلّ اتجاه.
وقد افتتح بها الصحابة كتاب الله تعالى واتفق العلماء على أنها بعض آية من سورة النمل من قوله تعالى: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (3).
كما أنه لا خلاف فى إثباتها خطا فى أوائل السور فى المصحف إلا فى أول--------------------------------------------
(1) أخرجه الحاكم فى مستدركه بسند صحيح على شرط الشيخين والبيهقى وأبو داود، انظر صحيح الجامع الصغير للألبانى (ج 2 ص 878) رقم (4864).
(2) الحديث سبق تخريجه (ص 41).
(3) النمل: 30.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
سورة التوبة وذلك لما انطوت عليه هذه السورة من الأمر بالأخذ والعذاب والنكال على الكفار، ولا يناسب ذلك ما تحمله البسملة من أمان ورحمة.
أما التلاوة فقد أجمع القراء على الإتيان بها أول فاتحة الكتاب وعدّها البعض آية من سورة الفاتحة كما سيأتى بيانه … كذا اتفقوا على الإتيان بها عند ابتداء القراءة بأول كل سورة ما عدا سورة التوبة (براءة)، وأما فى أجزاء السور فالقارئ مخير بين الإتيان بها من عدمه (1).
وللبسملة مبحثان أحدهما يتعلق بحكمها فى الصلاة، والآخر خاص بأوجه الابتداء من حيث وصلها بالاستعاذة وبما بعدها، أو قطع ذلك …
أولا: بالنسبة لحكم البسملة فى الصلاة:
فأقوال أهل العلم وأئمة المذاهب فى هذه المسألة كثيرة ومتباينة فذهب ابن عباس وابن عمر، وابن الزبير وأبو هريرة، وعلىّ إلى أنها آية من سورة الفاتحة ومن كل سورة سوى سورة براءة (التوبة). وبه يقول سعيد بن جبير، والزهرى، وابن المبارك، والشافعى، وأحمد بن حنبل فى رواية عنه.
وقال الشافعى فى قول فى بعض طرق مذهبه: هى آية من الفاتحة وليست من غيرها (2).
واستدل أصحاب هذا القول بجملة أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذكر منها ما رواه أنس بن مالك أنه سئل عن قراءة النبى صلى الله عليه وسلم فقال: «كانت مدا ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم» (3).
وحكى عن الأوزاعى ومالك وأبو حنيفة أنها ليست آية فى الفاتحة ولا فى أوائل السور.--------------------------------------------
(1) الشاطبية فى القراءات السبع وشروحها.
(2) تفسير ابن كثير (ج 1 ص 17).
(3) فتح البارى بشرح صحيح البخارى (ج 9 ص 90).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
واستدل أصحاب هذا القول بجملة أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذكر منها حديث أنس رضى الله عنه: (أن النبى صلى الله عليه وسلم وأبا بكر، وعمر- رضى الله عنهما- كانوا يفتتحون الصلاة ب الحمد لله ربّ العالمين) (1).
وأما القول فى الجهر بها أو الإسرار فمداره على هذا فمن قال بأنها آية قال بالجهر بها فذهب الشافعىّ رحمه الله إلى أنه يجهر بها مع الفاتحة والسورة، وهو مذهب طوائف من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين سلفا وخلفا، فجهر بها من الصحابة أبو هريرة وابن عمر وابن عباس ومن التابعين عكرمة والزهرى وابن المسيب ومجاهد وغيرهم ومن رأى أنها ليست آية قال بعدم الجهر بها، وهذا هو الثابت عن الخلفاء الأربعة، وعبد الله بن مغفل، وطوائف من سلف التابعين، والخلف وهو مذهب أبى حنيفة، والثورى، وأحمد بن حنبل (2).
فهذه أقوال الأئمة رحمهم الله فى هذه المسألة وهى قريبة لأنهم أجمعوا على صحة صلاة من جهر بالبسملة ومن أسربها وقد أجمعت الأمة لذلك أنه لا يكفر من أثبتها ولا من نفاها لاختلاف العلماء فيها بخلاف ما لو نفى حرفا مجمعا عليه أو أثبت ما لم يقل به أحد فإنه يكفر بالإجماع.
* قلت: والجمع بين هذه الأقوال هو الراجح وحاصله أنه صلى الله عليه وسلم كان يجهر ب بسم الله الرحمن الرحيم تارة، ويخفيها أكثر مما يجهر بها، وهو قول الإمام ابن
القيم الجوزية (3).
ثانيا: بالنسبة لأوجه الابتداء من حيث وصلها بالاستعاذة وبما بعدها أو قطع ذلك ففيها أربعة أوجه (4):--------------------------------------------
(1) فتح البارى بشرح صحيح البخارى (ج 2 ص 226).
(2) نيل الأوطار: باب ما جاء فى بسم الله الرحمن (ج 2 ص 198).
(3) انظر زاد المعاد فى هدى خير العباد (ج 1 ص 141).
(4) الشاطبية فى القراءات السبع وشروحها بتصرف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
1 - الوقف على الاستعاذة ثم الوقف على البسملة ثم الابتداء بأول السورة وهذا الوجه أحسنها وهو فعل النبى صلى الله عليه وسلم كما سيأتى بيانه.
2 - الوقف على الاستعاذة ثم وصل البسملة بأول السورة وهو يلى الوجه الأول فى الأفضلية.
3 - وصل الاستعاذة بالبسملة والوقف عليها ثم الابتداء بأول السورة وهو أفضل من الأخير.
4 - وصل الاستعاذة بالبسملة بأول السورة …
يستثنى من ذلك سورة براءة لامتناع البسملة فى أولها بالاتفاق، فإذا كان القارئ مبتدئا بأول (براءة) فله فيها وجهان.
1 - الوقف على الاستعاذة وفصلها عن أول السورة بدون بسملة.
2 - وصل الاستعاذة بأول السورة بدون بسملة كذلك.
هذا إن كان ما بعد البسملة أول السورة وأما إن كان فى أثناء السورة- أى غير افتتاح السورة- ولو الآية الثانية ففي هذه الحالة يجوز الإتيان بالبسملة أو تركها كما سبق الإشارة لذلك آنفا.
فإذا أتى بها ففيها الأوجه الأربعة السالفة، وأما إن تركت البسملة ففيها وجهان.
1 - الوقف على الاستعاذة وفصلها عن أول الآية المبتدأ بها.
2 - وصل الاستعاذة بالآية المبتدأ بها، إلا إذا كانت مبدوءة بلفظ الجلالة فالأولى عدم الصلة لما فى ذلك من البشاعة.
فائدة فى أوجه ما بين السورتين
إذا وصل القارئ آخر سورة يقرؤها بالتى بعدها سوى سورة (براءة) فله ثلاثة أوجه:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
1 - الوقف على آخر السورة وعلى البسملة ثم الابتداء بأول السورة.
2 - الوقف على آخر السورة ثم وصل البسملة بأول السورة التالية.
3 - وصل آخر السورة بالبسملة بأول السورة التالية.
* أما الوجه الجائز عقلا وهو وصل آخر السورة بالبسملة والوقف عليها فهو ممتنع اتفاقا لأن البسملة شرعت لأوائل السور لا لأواخرها.
أما إذا وصل القارئ آخر سورة (الأنفال) بأول سورة (براءة) وهى التى تلا (الأنفال) فى ترتيب سور المصحف، فله ثلاثة أوجه لجميع القراء:
1 - القطع … أى الوقف على آخر الأنفال مع التنفس.
2 - السكت .. أى قطع الصوت بين السورتين لمدة يسيرة بدون تنفس.
3 - الوصل … أى وصل (الأنفال) بأول (التوبة) وكل ذلك بغير بسملة. كما تقدم ولله الحمد والمنة.
***
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
فصل فى هديه صلى الله عليه وسلم فى أحوال قراءته القرآن
كان له صلى الله عليه وسلم حزب يقرؤه، ولا يخلّ به، وكان يقرأ القرآن قائما، وقاعدا، ومضجعا، ومتوضئا، ومحدثا، وفى سيره، وركوبه، وسائر أحواله، ولم يكن يمنعه من القراءة شىء صلى الله عليه وسلم.
وهكذا ينبغى أن يكون المسلم والمسلمة. فمع النظر ومع اعتبار الأعذار، لا بد لكل مسلم ومسلمة من تلاوة فى كتاب الله لا بد لكل يوم من نظرة فى كتاب الله ..
قال تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ (1).
وعن عبد الله بن المغفل رضى الله عنه قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وهو يقرأ على راحلته سورة الفتح» (2).
وهذه سنة أحياها كثير من الصالحين فى هذه الأيام فترى الواحد منهم وهو فى طريقه للعمل أو الدراسة، فى القطار أو السيارة يفتح كتاب الله يقرأ فيه … زادهم الله رشدا.
وعن عائشة رضى الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكئ فى حجرى وأنا حائض فيقرأ القرآن» (3).
قلت: وهذه من الأفعال التى كان يعملها رسول الله صلى الله عليه وسلم أحيانا لبيان إباحتها فلا تتّخذ دائما …--------------------------------------------
(1) المزمل: 20.
(2) فتح البارى بشرح صحيح البخارى (ج 9 ص 83).
(3) فتح البارى بشرح صحيح البخارى (ج 3 ص 111).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
وأما القراءة فى الطريق فالمختار أنها جائزة غير مكروهة إذا لم يلته صاحبها فإن التهى كرهت ولو قرأ قائما أو مضجعا، أو فى فراشه، أو على غير ذلك من الأحوال، جاز وله أجر، ولكن دون الأول يعنى دون من جلس متخشعا بسكينة فهذا هو الأكمل ولا شك (1).
وهنا تتوارد بعض المسائل الفقهية: المسألة الأولى: (وهى هل يجوز للحائض أو النفساء والجنب قراءة القرآن؟).
للعلماء فى هذه المسألة ثلاثة أقوال مشهورة أعرضها ثم أذكر الراجح منها الذى تقوم به الأدلة ..
القول الأول فى هذه المسألة:
فهو المنع واستدل المانعون بحديثين لا يصلحان للاحتجاج بهما باتفاق أهل المعرفة بالحديث وذلك لعدم ثبوتهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما اعتراهما من ضعف فى السند فلا يغتر بهما المانعون ومن سلك مسلكهم.
فالحديث الأول: عن علىّ رضى الله عنه وفيه أن النبى صلى الله عليه وسلم «كان يقضى حاجته، ثم يخرج فيقرأ القرآن، ويأكل معنا اللحم، ولا يحجبه من القرآن شىء إلا الجنابة».
فهذا الحديث فيه أنه موقوف (2) على علىّ رضى الله عنه- ثم إنه ليس فيه نهى عن قراءة الجنب والحائض، بل هو مجرد فعل، واستدل على المنع أيضا بحديث جابر، وابن عمر- رضى الله عنهما- مرفوعا (3) «لا يقرأ الجنب ولا--------------------------------------------
(1) التبيان فى آداب حملة القرآن للإمام النووى (ص 38، ص 39) بتصرف.
(2) الموقوف: هو الموقوف على الصحابى قولا أو فعلا … وهو الذى يسميه كثير من الفقهاء والمحدثين أيضا (أثرا) .. وليس الموقوف حجة (انظر الباعث الحثيث ص 37).
(3) المرفوع: هو ما أضيف إلى النبى صلى الله عليه وسلم قولا أو فعلا عنه، «نفس المصدر السابق».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
الحائض شيئا من القرآن» وهو حديث ضعيف السند لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (1).
فلا يعول على هذا القول ولا يصار إلى القول بالمنع أو التحريم فى هذه المسألة أو فى غيرها إلا بدليل.
أما القول الثانى:
فهو إباحة القراءة حال الحيض والجنابة بشرط أن تكون القراءة نظرا بالعين أو تأملا بالقلب بدون نطق باللسان مثل أن يوضع المصحف أو اللوح فينظر إلى الآيات وتقرأ بالقلب. نقل هذا القول عن بعض أهل العلم (2).
أما القول الثالث:
فهو القول بجواز القراءة والتلفظ للحائض والجنب وأصحاب هذا القول هم الأكثرون فقال به الإمام البخارى، وابن جرير الطبرىّ، وابن المنذر، وحكى عن مالك، والشافعى- رحمهم الله جميعا (3) - وذلك لما ثبت عن عائشة رضى الله عنها أنها قال (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه) (4).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله فى تحقيق هذه المسألة: «ليس فى منعها من القرآن سنة أصلا فإن قوله لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن حديث ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث وقد كان النساء يحضن على عهد النبى صلى الله عليه وسلم فلو كانت القراءة محرمة عليهن كالصلاة لكان هذا مما بينه النبى صلى الله عليه وسلم لأمته وتعلّمه أمهات المؤمنين، وكان ذلك مما ينقلونه فى الناس، فلمّا لم ينقل أحد عن النبى صلى الله عليه وسلم فى ذلك نهيا لم يجز أن تجعل حراما مع العلم أنه لم ينه عن ذلك،--------------------------------------------
(1) راجع هذه الأحاديث وأقوال العلم بشأنها وكيف أنها لا تنهض للاستدلال لما اعترى سندها من علل الحديث. نيل الأوطار (ج 1 ص 225: 227).
(2) نقل هذا القول عن الإمام النووى فى شرح المهذب (ج 2 ص 356). ورجحه الشيخ ابن عثيمين حفظه الله (ص 21) .. الدماء الطبيعية للنساء.
(3) فتح البارى بشرح صحيح البخارى (ج 1 ص 408).
(4) رواه مسلم بشرح النووى (ج 4 ص 68).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
وإذ لم ينه عنه مع كثرة الحيض فى زمنه. علم أنه ليس بمحرم) (1).
قلت: (وجواز قراءة القرآن للحائض والجنب هو الرأى الراجح عندى، والذى تقوم به الأدلة وترتاح له النفس … والله أعلم).
أما المسألة الثانية: والتى تدعو الحاجة لذكرها لأهميتها:
«فهى هل يجوز للحائض أو الجنب مس المصحف؟».
وفى هذه المسألة قولان لأهل العلم أعرضهما ثم أذكر الراجح منهما …
* القول الأول بعدم جواز المس: واستدل المانعون بقوله تعالى: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (2) وأجيب على هذا القول بأن المراد بالضمير فى قوله «لا يمسه» هو الكتاب المكنون الذى فى السماء «والمطهّرون» هم الملائكة، وهو قول أكثر المفسرين وحتى لو سلم رجوع الضمير إلى القرآن لكانت دلالته على المطلوب من المنع من مسه غير مسلمة لأن المطهر من ليس بنجس، والمؤمن ليس بنجس دائما لحديث «إن المؤمن لا ينجس» (3) وعليه فلا يصلح حمل المطهّر على من ليس بجنب ولا حائض بل يتعين حمله على من ليس بمشرك لقوله تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ (4).
واستدل المانعون أيضا بما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم من قوله: «لا يمس القرآن إلا الطاهر» (5) وكل طرق هذا الحديث ضعيفة، فالحديث سنده ضعيف وهو لا يصلح أصلا للاحتجاج للقول السابق فى معنى لفظ (طاهر) وقد عرفته.--------------------------------------------
(1) الفتاوى مجموعة ابن القاسم (ج 26 ص 191).
(2) الواقعة: 79.
(3) رواه مسلم بشرح النووى (ج 4 ص 67). بلفظ سبحان الله إن المؤمن لا ينجس.
(4) التوبة: 28.
(5) الحديث أخرجه الحاكم فى المستدرك وغيره كالبيهقى والطبرى وفى كل طرقه ضعف، فهى إما مرسلة، وإما عن متروك أو ضعيف. انظر نيل الأوطار (ج 1 ص 205).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)