أما القول الثانى فهو رأى القائلين بجواز مس المصحف حال الحيض (أو النفاس) والجنابة:
وحجتهم هى كون الأدلة الواردة على المنع لا يتم بها الاستدلال. ومن القائلين بجواز مس المصحف للحائض والجنب داود وابن حزم.
قلت: والقول بجواز مس المصحف أو حمله حال الحيض أو الجنابة هو الذى تقوم به الأدلة فليس الدين بالاستحسان أو الرأى فى شىء.
لكن مع اعتبار جواز المس: فماذا يمنع الحائض إن هى أرادت أن تمس المصحف لتقرأ القرآن أن ترتدى فى يدها قفازا إعظاما منها وإكبارا لكتاب الله.
وماذا يمنع الجنب إن أراد أن يقرأ أن يغتسل ويزيل الأذى. فالأكمل فى حق كتاب الله أن يقرأ على وضوء مع تنظيف الفم بالسواك، والتطيب إن أمكن. وأن تكون القراءة فى جو تتحقق فيه النظافة وترفرف عليه السكينة، فهذه الأفعال وغيرها من مظاهر تعظيم كتاب الله عز وجل.
ولقد كان الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة رحمه الله إذا أراد أن يحدث بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم اغتسل وتطيب ولبس أحسن ثيابه ثم خرج فحدث …
وهناك بعض المسائل التى تهم قارئ القرآن سأذكرها مفصلة فى الباب الثالث من أبواب هذا الكتاب- إن شاء الله- والله الموفق والهادى إلى سواء السبيل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
فصل فى هديه صلى الله عليه وسلم فى تجويد القرآن
كانت قراءته صلى الله عليه وسلم ترتيلا لا هذّا كهذّ الشعر، ولا عجلة بالإسراع فى القراءة، بل قراءة مفسرة حرفا حرفا. قراءة لينة سهلة، وكان صلى الله عليه وسلم يقطّع قراءته آية آية يقف على رءوس الآى، ولا يصلها بما بعدها ويمد بها صوته.
وهذا يدل على أن هناك صفة معينة وكيفية ثابتة لقراءة القرآن الكريم، لا بد لكل مسلم ومسلمة من تعلمها والاجتهاد فى تحققها عند تلاوته لكتاب الله تعالى:
قال تعالى وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (1).
وعن أم سلمة رضى الله عنها أنها سئلت عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: «قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ* الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يقطّع قراءته آية آية».
وفى رواية «كان إذا قرأ قطع آية آية. يقول: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» ثم يقف. ثم يقول: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» * ثم يقف … الحديث» (2).
وعن قتادة قال: سألت أنس بن مالك عن قراءة النبى صلى الله عليه وسلم فقال: «كان يمدّ مدّا» (3).--------------------------------------------
(1) المزمل: 4.
(2) رواه أبو داود (ج 4 ص 36)، وصححه الحاكم ووافقه الإمام الذهبى، وهو فى الإرواء (ج 2 ص 59)، ورواه أبو عمرو الدانى وقال: ولهذا الحديث طرق كثيرة وهو أصل فى الباب.
(3) فتح البارى بشرح صحيح البخارى (ج 9 ص 90).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
وهكذا كانت صفة قراءته صلى الله عليه وسلم والتى علمها أصحابه- رضى الله عنهم- فكان يتعاهدهم بإسماعهم القراءة أحيانا، وبالاستماع لهم أحيانا أخرى، ومن هؤلاء النفر من الصحابة من أتقنوا القراءة حتى صاروا فيها أعلاما يقتدى بهم، ويؤخذ عنهم كأبى بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وعلى بن أبى طالب ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبى حذيفة وغيرهم.
وبدأ الناس يتعلمون القراءة منهم، وتواتر تلقى القرآن عن طريق المشافهة، وصارت قراءة القرآن سنة متبعة يأخذها الآخر عن الأول، وقد ثبت عن زيد بن ثابت قوله: «القراءة سنة … » (1).
فعن موسى بن يزيد الكندى- رضى الله عنه- قال: كان ابن مسعود- رضى الله عنه- يقرئ رجلا، فقرأ الرجل: «إنّما الصّدقات للفقراء والمساكين» مرسلة، فقال ابن مسعود: ما هكذا أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال الرجل: وكيف أقرأكها يا أبا عبد الرحمن؟ قال: أقرأنيها هكذا: «إنّما الصّداقات للفقراء والمساكين» ومدها (2).
وهكذا أنكر ابن مسعود- رضى الله عنه- على الرجل أن يقرأ كلمة (الفقراء) بالقصر لأن النبى صلى الله عليه وسلم قرأها وأقرأه إياها بإطالة الصوت عند الألف، وهو من حروف المد الثلاثة مع الواو والياء.
وصفة القراءة التى سبق الإشارة إليها، والتى تلقاها النبى صلى الله عليه وسلم عن أمين الوحى جبريل عليه السلام. وكان يعارضه إياها فى كل عام مرة، وفى العام الذى توفى فيه مرتين، والتى أقرأها أصحابه- رضى الله عنهم- وعلمهم إياها، وحثهم على تعلمها، والقراءة، والإقراء بها.--------------------------------------------
(1) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه عن زيد بن ثابت (ج 2 ص 260) بتحقيق د. سعد بن عبد الله وصححه، كذا صححه الحاكم ووافقه الإمام الذهبى.
(2) هذا الأثر ذكره السيوطى بسنده (ج 3 ص 250) فى الدر المنثور وقال أخرجه سعيد بن منصور والطبرانى وابن مردويه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
وتواتر نقلها جيلا بعد جيل بأعلى درجات الرواية وهى المشافهة، حيث يتلقى القارئ القرآن عن المقرئ، والمقرئ قد تلقاه عن شيخه، وشيخه عن شيخه، وهكذا … حتى تنتهى السلسلة إلى النبى صلى الله عليه وسلم.
هذه الصفة هى التى اصطلح على تسميتها بعد ذلك (بعلم التجويد).
وإن أول من وضع قواعد التجويد العلمية أئمة القراءة واللغة فى ابتداء عصر التأليف فى القرن الثالث الهجرى وذلك بعد ما كثرت الفتوحات الإسلامية وانضوى تحت راية الإسلام كثير من الأعاجم واختلط اللسان الأعجمى باللسان العربى وفشا اللحن على الألسنة.
فخشى ولاة المسلمين أن يفضى ذلك إلى التحريف فى كتاب الله تعالى، فعملوا على تلافى ذلك، وأحدثوا من الوسائل ما يكفل صيانة كتاب الله عز وجل من اللحن. فأحدثوا فيه النقط والشكل. بعد أن كان المصحف العثمانى خاليا منهما، ثم وضعوا قواعد التجويد حتى يلتزم كل قارئ بها عند ما يتلو شيئا من كتاب الله.
وهذا العلم- ولا شك- هو حلية التلاوة وزينة الأداء والقراءة، وهو إعطاء الحروف حقها من الصفات اللازمة لها، ومستحقها من الأحكام الناشئة عن تلك الصفات.
كما أن لتعلمه أهمية كبيرة حيث يعين المسلم، والمسلمة على تلاوة كتاب الله غضا كما أنزل.
وعلم التجويد وإن كان صناعة علمية لها قواعدها. فإنه لا يكتسب بالدراسة بقدر ما يكتسب بالممارسة، والمرانة، والسماع من المشايخ، وقراءة القرآن على أهل الفضل والحذاق فيه …
قال ابن الجزرى- رحمه الله وهو من أئمة القراءات:
«ولا أعلم لبلوغ النهاية فى التجويد مثل رياضة الألسن والتكرار على اللفظ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
المتلقى من فم المحسن» (1)
هذا وقد عد العلماء القراءة بغير تجويد لحنا- أى خطأ فى القراءة وميلا عن الصواب- سواء كان هذا اللحن جليا ظاهرا يتعلق بمبنى الكلمة كالخطإ الإعرابى أو الصرفى أو لحنا خفيا يتعلق بعرف القراءة كترك بعض أحكام التجويد أثناء القراءة.
أما اللحن الجلى الظاهر: فهو حرام ولا سيما إذا تعمده القارئ أو تساهل فيه فأخل بالمعنى.
وأما اللحن الخفى: فحكمه بين الكراهة والتحريم بحسب تعمد القارئ له وتساهله فيه ولكونه يذهب برونق القراءة.
قال ابن الجزرى فى النشر: (والناس فى ذلك بين محسن مأجور، ومسىء آثم، أو معذور. فمن قدر على تصحيح كلام الله باللفظ الصحيح العربى الفصيح وعدل إلى اللفظ الفاسد استغناء بنفسه واتكالا على ما ألفه من حفظه واستكبارا عن الرجوع إلى عالم يوقفه على صحيح لفظه. فإنه مقصر- بلا شك- وآثم- بلا ريب، وأما من كان لا يطاوعه لسانه أو لا يجد من يهديه إلى الصواب (فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها) (2).
قلت: على الجانب الآخر فإنى أحذر من المبالغة فى التجويد إلى حد الإفراط، والتكلف فى النطق، أو التعسف. فهذه المبالغة ليست أقل من اللحن، لأنها زيادة فى الحروف فى غير مواضعها.
إذا القراءة كالبياض إن قل صار سمرة، وإن زاد صار برصا ومن تأمل هدى--------------------------------------------
(1) الإتقان فى علوم القرآن (ج 1 - 132).
(2) من كتاب غاية المريد فى علم التجويد للشيخ عطية قابل نصر (ص 42) بتصرف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
رسول الله صلى الله عليه وسلم وإقراره أهل كل لسان على قراءتهم تبين له أن التنطع والتشدق فى إخراج الحروف ليس من سنته.
إذن فلتكن القراءة بالطبع والسليقة التى جبل عليها المرء من غير زيادة، ولا نقص، حتى يجاوز الحناجر إلى القلوب. فتعيه وتعمل به وذلك هو حق تلاوته.
قال تعالى الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ (1).
ومن يؤمن به ويتبعه يهبط به على رياض الجنة.
فائدة فى مراتب القراءة وللقراءة بحسب الصفة التى سبق الإشارة إليها ثلاث مراتب: الترتيل، التدوير، الحدر:-
فالترتيل: هو قراءة القرآن بتؤدة، وطمأنينة مع تدبر المعانى، وتجويد الحروف، ومراعاة الوقوف، وهذه المرتبة هى أفضل المراتب الثلاث لقوله تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (2).
والتدوير: هو قراءة القرآن بحالة متوسطة بين الاطمئنان والسرعة مع مراعاة أحكام التجويد. وهى تلى الترتيل فى الأفضلية.--------------------------------------------
(1) البقرة: 121.
(2) المزمل: 4.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
أما الحدر: فهو قراءة القرآن بسرعة بشرط المحافظة على الأحكام أيضا.
ذكر بعض العلماء مرتبة رابعة وهى مرتبة (التحقيق).
وقالوا بأنها أكثر تؤدة وأشد اطمئنانا من مرتبة (الترتيل) وهى تستحسن فى مقام التعليم.
وهذه المراتب كلها جائزة، لمن أراد أن يقرأ كتاب الله. والله أعلم (1).
فائدة فى الوقف والابتداء
القارئ للقرآن الكريم لا يستطيع أن يقرأ السورة أو الآية أحيانا فى نفس واحد.
علما بأنه لا يجوز التنفس بين الكلمتين حالة الوصل، ولا فى أثناء الكلمة، لذا تظهر أهمية معرفة ما ينبغى أن يوقف عنده منها وما لا يوقف. وليس أصلا فى القرآن من وقف واجب، ولا ممنوع. وإنما يرجع ذلك إلى ما يترتب على الوقف، والابتداء من إيضاح المعنى المراد أو إيهام غيره.
فإن كان الوصل يغير المعنى لزم الوقف، وإن كان الوقف يغير المعنى لزم الوصل.
والذى ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى هذا الصدد وقوفه على رءوس الآى.
وما عداها جائز ما لم يوهم خلاف المعنى المراد وكذلك القول فى الابتداء.--------------------------------------------
(1) من كتاب البرهان فى تجويد القرآن لمحمد الصادق قمحاوى (ص 6) بتصرف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
فينبغى أن يكون بكلام مستقل فى المعنى موف بالمقصود، بحيث لا يغير ما أراده الله تعالى.
ويمتنع الابتداء بكلام يفسد المعنى أو يغير المقصود منه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
فائدة فى علامات الوقف فى الطباعة الحديثة للمصاحف
جعل العلماء لأقسام الوقف رموزا وعلامات فى المصاحف يعرف بها حتى يسهل على القارئ لكتاب الله أن يقرأه على الوجه الصحيح وفيما يلى بيان لهذه العلامات ومدلولاتها.
(م): علامة الوقف اللازم.
نحو: قوله تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا (1).
(لا): علامة الوقف الممنوع.
نحو: قوله تعالى: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ (2).
(قلى): علامة الوقف الجائز مع كون الوقف أولى من الوصل.
نحو: قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ (3).
(صلى): علامة الوقف الجائز مع كون الوصل أولى من الوقف.
نحو: قوله تعالى: قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى (4).--------------------------------------------
(1) آل عمران: 7.
(2) النحل: 32.
(3) الرعد: 11.
(4) طه: 46.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
(ج): علامة الوقف الجائز جوازا مستوى الطرفين.
نحو: قوله تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً (1).
( … ): علامة تعانق الوقف بحيث إذا وقف على أحد الموضعين لا يصح الوقف على الآخر.
نحو: قوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (2).
وبالله تعالى التوفيق.
…--------------------------------------------
(1) الكهف: 13.
(2) البقرة: 2.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
فصل فى هديه صلى الله عليه وسلم فى تدبر القرآن
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا شرع فى قراءة القرآن شأنه التدبر والخشوع والتفكر.
والدلائل على فعله ذلك وصحابته وسلف هذه الأمة أكثر من أن تحصر. والحث على ذلك من الله. سبحانه وتعالى أجلى وأظهر- فبه تنفتح القلوب فتدرك المقاصد الصحيحة والآيات العقلية الصريحة قال تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (1).
وصفة ذلك أن يشغل القارئ قلبه بالتفكر فى معنى ما يقرأ، ويتجاوب مع كل آية بمشاعره، وعواطفه، ويتأمل الأوامر، والنواهى ويعتقد قبول ذلك.
فإن كان ممن قصر فيه فيما مضى اعتذر، واستغفر. وإن كان ممن وفق للعمل به شكر، وكبر. وإذا مر بآية رحمة استبشر، وسأل وإذا مر بآية عذاب أشفق وتعوذ. إلى غير ذلك من معانى الآيات.
ويستعان على كشف هذه المعانى وإبانتها بأحد كتب التفسير (2) فإن تفاوت الإدراك بين الناس أمر لا مراء فيه.
فعن حذيفة بن اليمان قال «صليت مع النبى صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة فقرأها ثم النساء فقرأها ثم آل عمران فقرأها يقرأ مترسلا إذا مر بآية فيها تسبيح سبح وإذا مر بسؤال سأل وإذا مر بتعوذ تعوذ … الحديث» (3).--------------------------------------------
(1) ص: 29.
(2) أعظم تفسير عند المسلمين هو تفسير ابن جرير الطبرى، وابن كثير الدمشقى، وإن كان لا بد من أحدهما فتفسير ابن كثير.
(3) صحيح مسلم بشرح النووى (ج 6 ص 61).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
روى عن ابن عباس- رضى الله عنهما: لأن أقرأ البقرة وآل عمران وأرتلهما وأتدبرهما أحب إلىّ من أن أقرأ القرآن كله هذرمة أى (بسرعة) (1).
وذكر الإمام السيوطى عن ابن مسعود قوله: قفوا على عجائبه وحركوا به القلوب، ولا يكن همّ أحدكم آخر السورة (2).
وقال الحسن البصرى رحمه الله تعالى: والله ما تدبره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده. حتى إن أحدهم ليقول: قرأت القرآن كله. ما يرى له القرآن فى خلق ولا عمل (3).
وهكذا ينبغى لتالى القرآن أن ينظر كيف لطف الله بخلقه فى إيصال معانى كلامه إلى أفهامهم وأن يستحضر عظمة المتكلم سبحانه، ويتدبر كلامه، ويتفهم معانيه، وما أراد الله منا بهذا القرآن، ويطبع نفسه على قبول ما جاء به قبولا ينعكس أثره، ويظهر فى العمل والتنفيذ، وأن يستوضح من كل آية ما يليق بها، ويتفهم ذلك.
فإذا تلا قوله تعالى: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ (4) فليعلم عظمته سبحانه وتعالى يتلمّح قدرته فى كل ما يراه فهذه السماء من ذا رفعها بلا عمد؟ ونثر فيها النجوم بلا عدد وهذه الأرض من ذا الذى سطحها ومهدها وشق فيها البحار والأنهار وأخرج من بطنها الثمار والأزهار فأيّا كان حظ الإنسان من العلم. فهذه المشاهد يمكن أن يدركها فتحرك قلبه ووجدانه وجوارحه نحو الخالق المبدع سبحانه وتعالى.
وإذا تلا أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (5) فليفكر فى--------------------------------------------
(1) مختصر منهاج القاصدين لابن قدامة (ص 52)، ولم أجده بسنده إلى ابن عباس.
(2) الأتقان فى علوم القرآن للسيوطى (ج 1 ص 140)، ولم أقف عليه بسنده إلى ابن مسعود.
(3) هذا الأثر المقطوع ذكره ابن كثير (ج 4 ص 34). وقال رواه ابن أبى حاتم.
(4) الأنعام: 1.
(5) الواقعة: 58، 59.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
نفسه، وكيف خلق الله هذه النطفة، وكيف خلق منها السمع والبصر والعظام واللحم. أم هل يدعى أحد أنه خلقها؟ وهذا أمر لا يدعيه أحد ولذا فهو لا يحتاج إلى جدل كثير أو قليل فلا سبيل لرد هذا الاستفهام فى هذه الآية من آيات القرآن وما يماثلها إلا بالإذعان الكامل لله رب العالمين الواحد- سبحانه وتعالى الذى لا يشاركه أحد فى الخلق، والإنشاء. فلا يجوز أن يشاركه أحد فى الربوبية، والعبادة. وهذا منطق واضح بسيط يدركه كل إنسان أيا كان حظه من العلم. فالنظرة الواعية، وتدبر الآية وحدها يكفى.
وليتخل التالى لكتاب الله تعالى عن موانع الفهم، والتى من أعظمها الذنوب، والهوى. فالعلم نور فى القلب، ونور الله لا يهدى لعاصى. ومن موانع الفهم.
كذلك. ما سبق وأن أشرت إليه، حين حذرت من المبالغة فى النطق بالحروف مثل أن يخيل الشيطان للقارئ أنه ما حقق تلاوة الحرف، ولا أخرجه من مخرجه. فيكرره التالى فيصرف همته عن فهم المعنى.
ومن أهم موانع الفهم- أيضا- ما سوف يأتى ذكره فى الفصل التالى من سماع اللغو والغناء. فقبول المحل لما يوضع فيه مشروط بتفريغه من ضده. وسر ذلك أن إصغاء القلب كإصغاء الأذن، فإذا أصغى إلى غير حديث الله لم يبق فيه إصغاء، ولا فهم لحديثه. ولله الحمد والمنة، وبه التوفيق والعصمة.
***
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
فصل فى هديه صلى الله عليه وسلم فى استماع القرآن
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يسمع القرآن من غيره، وأمر عبد الله بن مسعود فقرأ عليه وهو يسمع، وخشع صلى الله عليه وسلم لسماع القرآن منه حتى ذرفت عيناه صلى الله عليه وسلم.
فعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: «قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم «اقرأ علىّ القرآن». فقلت يا رسول الله: أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال: «إنى أحب أن أسمعه من غيرى». فقرأت عليه سورة النساء حتى إذا جئت إلى هذه الآية «فكيف إذا جئنا من كلّ أمّة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا» قال: «حسبك الآن. فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان» (1).
وطلب استماع القراءة من القارئ حسن الصوت الذى يجيد التلاوة ويفصّلها أمر متفق على استحبابه، وهو عادة الأخيار، والصالحين من سلف هذه الأمة.
فللتلاوة الجيدة أكبر الأثر فى فهم معانى القرآن لكن لا بد من تقييد ذلك بهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الاستماع من الإنصات لتلقى الموحيات المؤثرة فى القرآن الكريم والاستجابة لها ثم التدبر الذى يزيل الغشاوة، ويفتح النوافذ ويسكب النور، ويحرك المشاعر ويطمئن القلوب. أما ما يفعله بعض الناس عند سماعهم للقرآن من رفع الأصوات وقولهم (الله) أو ما شابه ذلك مما هو معلوم فهو بدعة منكرة ومصرفة عن فهم وتدبر القرآن الكريم.
ولمّا كان القرآن الكريم هو الذكر الإلهى، الذى تحيا به قلوب المؤمنين. فتتفتح--------------------------------------------
(1) فتح البارى بشرح صحيح البخارى (ج 9 ص 94)، صحيح مسلم بشرح النووى (ج 6 ص 87).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
وتنشرح، وتأنس، وتطمئن، وتلين لذكر الله، وما نزل من الحق فتفهمه، وتنقاد له، وتسمع له، وتطيعه، جاء التوجيه من الله لعباده المؤمنين إلى أدب الاستماع لهذا القرآن فى الأمر بالإنصات له عند تلاوته إعظاما له وإكبارا، ومخالفة للمشركين، الذين كانوا يتواصون فيما بينهم بعدم سماعه- فقالوا كما حكاه القرآن عنهم لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ (1). لمّا عجزوا عن مغالبته لعقولهم وقلوبهم رغم كفرهم.
قال تعالى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (2) وفى الآية أقوال كثيرة لأهل العلم تدور حول موضع الإنصات بمعناه فى الآية «وهو السكوت عن
الكلام مع الاستماع» (3).
- أعرض لهذه الأقوال ثم أذكر الراجح منها:
قال القاسمىّ فى محاسن التأويل: (وظاهر الآية يقتضى وجوب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن فى الصلاة وغيرها. وعليه أهل الظاهر وهو قول الحسن البصرى، وأبى موسى الأصفهانى).
* وهو أيضا قول الإمام القرطبى فى الجامع لأحكام القرآن، والشوكانى فى فتح القدير، والسعدى فى تفسيره وغيرهم (4).
وقال أبو جعفر بن جرير الطبرى فى جامع البيان: ( … وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب قول من قال أمروا باستماع القرآن فى الصلاة إذا قرأ الإمام وكان من خلفه ممن يأتم به يسمعه … ).--------------------------------------------
(1) فصلت: 26.
(2) الأعراف: 204.
(3) كذا فى مختار الصحاح (ص 661).
(4) انظر محاسن التأويل للقاسمى (ج 7 ص 2934)، والجامع (ج 7، ص 353).
وفتح القدير (ج 2 ص 278)، وتيسير الكريم الرحمن للسعدى (ج 3 ص 138).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
* وتبعه فى ذلك الإمام ابن كثير فى تفسيره حيث قال: لكن يتأكد ذلك فى الصلاة المكتوبة إذا جهر الإمام بالقراءة وحجة من خص الأمر بالإنصات على الصلاة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا» (1).
قلت: والجمع بين هذه الأقوال هو الراجح لدى وهو كون الاستماع والإنصات للقرآن الكريم يدور حكمه بحسب المقام الذى يقرأ فيه. فإن كان فى الصلاة، أو كان المقام الذى يقرأ فيه مقام قراءة للقرآن، كأن يكون الإنسان فى مقرأة مثلا وجب وتأكد الاستماع والإنصات.
أما ما عداها من الأحوال المختلفة التى يتنقل بينها الإنسان من عمل، أو حديث أهل، أو جلوس على طعام، أو ما شابه ذلك. فالاستماع، والإنصات بالمعنى الذى سبق الإشارة إليه يستحب ولا يجب. فلا يقل أحد: بأنه يجب على كل مسلم إذا سمع أحد يقرأ القرآن أن يشتغل بالاستماع وينصت إذ قد يكون القارئ يقرأ بمحضر صانع. فلو وجب عليه الاستماع لأمر بترك عمله، وهذا لا يصح بحال. والله أعلم.
ثم يسوق الله سبحانه وتعالى. لنا مشهدا من عالم الغيب وهو حكاية استماع نفر من الجن للقرآن ويصور لنا ما وقع فى حسهم منه من التأثر والخشوع. فتعالوا بنا ننظر ماذا قالوا ....
قال تعالى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (2).
فإن أول ما قالوا حينما طرق القرآن أسماعهم أن تنادوا بالإنصات فكانت الاستجابة الطبيعية المستقيمة لسماع القرآن مع الإنصات له. اطمأنت قلوبهم إلى--------------------------------------------
(1) صحيح مسلم بشرح النووى (ج 4، ص 131) من حديث أبى موسى الأشعرى.
(2) الأحقاف: 29.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
الإيمان وانصرفوا بعد ذلك متأثرين بجاذبية القرآن عند من يتلقاه بحس واع وقلب مفتوح هذا التأثر دعاهم منذ أول وهلة أن يكونوا دعاة إلى الله فانصرفوا بعد ما قضى إلى قومهم مبشرين ومنذرين. فعلا لقد كان لهذا النفر من الجن قلوب يعقلون بها، وذوق ذواق، ومشاعر مرهفة.
فليعتبر بهم من دونهم من بنى البشر ممن يقولون بعدم تأثرهم بسماع القرآن وعدم تحرك قلوبهم به.
والعيب كل العيب فى هذه القلوب الغافلة. يا ترى ما الذى صرفها عن التذوق والتأثر بكتاب لا يثبت له شىء يتلقاه بحقيقته حتى لو كان هذا الشيء هو الجبل بعظمته وغلظته وشموخه. قال تعالى: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (1).
فعند ما يصل هذا الإيقاع إلى الحس البشرى بلا عائق يعوقه ولا مانع يمنعه فإنه سوف يهزه هزا ويؤثر فيه تأثيرا ويفعل فيه الأفاعيل مما لا يدركه إلا من ذاقه وعرفه … وها هو الخليفة الراشد الفاروق عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- (خرج ذات ليلة يتفقد أحوال الرعية يعس بالمدينة. فمر بدار رجل من المسلمين فوافقه قائما يصلى، فوقف يستمع قراءته وكان الرجل يقرأ من سورة (الطور) فلما بلغ قوله: إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ* ما لَهُ مِنْ دافِعٍ قال رضى الله عنه قسم ورب الكعبة حق فنزل عن حماره واستند إلى حائط فمكث مليا ثم رجع إلى منزله فمكث شهرا يعوده الناس لا يدرون ما مرضه» (2).
وذلك سر القرآن. فهناك لحظات خاصة غير مرقوبة تمس فيها الآية أو السورة موضع الاستجابة فإذا وافقت قلبا مكشوفا وحسا مرهفا مفتوحا نفذت إليه وفعلت به الذى فعلت فيكون منها ما يكون.--------------------------------------------
(1) الحشر: 21.
(2) هذا الأثر ذكره ابن كثير بسنده (ج 4 ص 241) وعزاه للحافظ ابن أبى الدنيا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
ومن تأثير هذا القرآن العجيب فى النفوس ووقعه الهائل على القلوب أن تأثيره لا يقتصر على المؤمنين به فحسب، بل يتعداه لغيرهم. وكم سمعنا ورأينا الداخلين فى دين الله أفواجا بفعل عمل القرآن فى قلوبهم، وقوة سلطانه الذى لا يتحمله الجبل- لولا تثبيت الله له- فضلا عن هذا القلب البشرى. وها هم أولاء مشركو قريش، قد ضربوا لنا المثل على وقع كتاب الله على قلوبهم- رغم كفرهم- والنماذج على تقرير هذه الحقيقة كثيرة، لا يسع المقام لسردها جميعا. أذكر منها على سبيل المثال:
* حادثة سجود المشركين مع المسلمين، عند ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة (النجم) فلما كان عند آخر آية منها وهى قوله تعالى: فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا لم يتمالك المشركون أنفسهم. ومن ثم سجدوا، سجدوا وهم مشركون، وهم يمارون فى الوحى والقرآن، وهم يجادلون فى الله ورسوله، إنما سجدوا تحت وطأة القرآن، وسلطانه على الوجود (1).
وعن جبير بن مطعم قال: «سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يقرأ فى المغرب بالطور فلما بلغ هذه الآية «أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون» كاد قلبى أن يطير» (2). وكان جبير إذ ذاك مشركا فكان سماعه هذه الآية من هذه السورة من جملة ما حمله على الدخول فى الإسلام بعد ذلك.
* وإنه لمن عظيم نعم الله علينا أن هيأ لنا فى هذه الأيام مع تقدم العلم الحديث فرصة أوسع لخدمة كتاب الله من حيث سهولة استماعه عى المذياع، والمسجل.
ولعل الله يقيض لهذه الأمة أمر رشد. فتكون هناك قناة تليفزيونية للقرآن الكريم بدلا من اللغو، واللهو الذى يبث فى البيوت على مدار الساعة. والذى صرف الناس عن دينهم حتى صارت مزامير الشيطان احب إليهم من استماع سور القرآن.
فلما انصرفوا صرف الله قلوبهم عن فهم كتابه. فلا يجتمع بهتان الشيطان، وقرآن--------------------------------------------
(1) فتح البارى بشرح صحيح البخارى (ج 8 ص 614).
(2) فتح البارى بشرح صحيح البخارى (ج 8 ص 603).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
الرحمن فى قلب أبدا .. وها هى أقوال الأئمة والعلماء فى ذم الغناء وتحريمه، وكونه صادا عن ذكر الله، وعن فهم كتاب الله. فهل أنتم منتهون؟
* سئل الإمام مالك عن الغناء؟ فقال: إنما يفعله عندنا الفساق.
* وقال الشافعى فى كتاب أدب القضاء: إن الغناء لهو مكروه، يشبه الباطل والمحال. ومن استكثر منه سفيه ترد شهادته.
* وقال الإمام أحمد: الغناء ينبت النفاق فى القلب، لا يعجبنى.
* وأما الإمام أبو حنيفة: فإنه يكره الغناء ويجعله من الذنوب، وصرح أصحابه بتحريم المعازف كلها (1).
…--------------------------------------------
(1) من أراد المزيد فليراجع كتاب إغاثة اللهفان للإمام ابن القيم (ج 1 ص 231).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
فائدة جليلة فى شروط الانتفاع بالقرآن (1)
ونختم بها هذا الفصل.
* فإذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه، وألف سمعك، واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه، فإنه خطاب منه لك وإن تمام التأثير موقوف على مؤثر مقتضى وهو القرآن، ومحل قابل وهو القلب الحىّ، وشرط التأثر بالكلام وهو الاستماع والإصغاء، وانتفاء المانع عن الانتفاع، والله أعلم وأحكم.--------------------------------------------
(1) من كتاب الفوائد للإمام ابن القيم (ص 5) بتصرف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)