Arabic source text

📘 মানাহিজুল মুফাসসিরীন (মানি আব্দুল হালিম মাহমুদ - মৃত্যু 1430 হিজরী)

📘 مناهج المفسرين (منيع عبد الحليم محمود - ت 1430 هـ)

📘 মানাহিজুল মুফাসসিরীন (মানি আব্দুল হালিম মাহমুদ - মৃত্যু 1430 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
طالبنى بعض أجلة الاخوان، وأعزة الأخدان، ممن كنت مشارا إليه عندهم بالبنان فى البيان، والله المنان، يجازيهم عن حسن ظنونهم، ويوفقنا لا سعاف سؤلهم وانجاح مطلوبهم، ان اجمع كتابا فى علم التفسير، مشتملا على المهمات، مبينا على ما وقع لنا من نقل الاثبات وأقوال الثقات، من الصحابة والتابعين، ثم من العلماء الراسخين، والفضلاء المحققين المتقدمين والمتأخرين، جعل الله تعالى سعيهم مشكورا، وعملهم مبرورا، فاستعنت بالمعبود وشرعت فى المقصود، معترفا بالعجز والقصور فى هذا الفن وفى سائر الفنون ..
ثم ذكر أهم المراجع التى اعتمد عليها فى اعداد تفسيره فقال:
ولما كان التفسير الكبير المنسوب إلى الإمام الافضل، والهمام الامثل، الحبر النحرير، والبحر الغزير، الجامع بين المعقول والمنقول، الفائز بالفروع والأصول، أفضل المتأخرين، فخر الملة والحق والدين، محمد بن عمر بن الحسن الخطيب الرازى، تغمده الله برضوانه وأسكنه بحبوحة جنانه، اسمه مطابق لمسماه، وفيه من اللطائف والبحوث ما لا يحصى، ومن الزوائد والفنون ما لا يخفى، فإنه قد بذل مجهوده، ونثل موجوده، حتى عسر كتابه على الطالبين، واعوز تحصيله على الراغبين، فحاذيت سياق مرامه، وأوردت حاصل كلامه وقربت مسالك أقدامه، والتقطت عقود نظامه، من غير اخلال بشيء من الفرائد، واهمال لما يعد من اللطائف والفوائد، وضمت إليه، ما وجدت فى الكشاف وفى سائر التفاسير من اللطائف المهمات إذ رزقنى الله تعالى من البضاعة المزجاة، وأثبت القراءات المعتبرات والوقوف المعللات ثم التفسير المشتمل على المباحث اللفظيات والمعنويات، مع اصلاح ما يجب اصلاحه، وإتمام ما ينبغى إتمامه، من المسائل الموردة فى التفسير الكبير والاعتراضات، ومع حل ما يوجد فى الكشاف من المواضع المعضلات، سوى الابيات المعقدات، فان ذلك يوردها من ظن أن تصحيح القراءات وغرائب القرآن انما يكون بالامثال والمستشهدات، كلا فان القرآن حجة على غيره وليس غيره عليه، فلا علينا أن نقتصر فى غرائب القرآن على تفسيرها

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 236)

بالألفاظ المشتهرات وعلى ايراد بعض المتجانسات، التى تعرف منها أصول الاشتقاقات، وذكرت طرفا من الاشارات المقنعات والتأويلات الممكنات، والحكايات المبكيات، والمواعظ الرادعة عن المنهيات الباعثة على أداء الواجبات ..
ثم قال مبينا منهجه فى التفسير:
«والتزمت ايراد لفظ القرآن الكريم أولا مع ترجمته على وجه بديع، وطريق منيع مشتمل على ابراز المقدرات، واظهار المضمرات، وتأويل المتشابهات، وتصريح الكنايات وتحقيق المجازات والاستعارات، فان هذا النوع من الترجمة مما تسكب فيه العبرات، ويزل المترجمون هنالك إلى العثرات، وقلما يفطن له الناشئ الواقف على متن اللغة العربية، فضلا عن الدخيل القاصر فى العلوم الأدبية، واجتهدت كل الاجتهاد فى تسهيل سبيل الرشاد. ووضعت الجميع على طرف التمام ليكون الكتاب كالبدر فى التمام، وكالشمس فى افادة الخاص والعام، من غير تطويل يورث الملام، ولا تقصير يوعر مسالك السالك ويبدد نظام الكلام، فخير الكلام ما قل ودل، وحسبك من الزاد ما بلغك المحل.
وقد قدم لتفسيره بمقدمات هامة:
المقدمة الاولى: فى فضل القراءة والقارئ وآداب القراءة وجواز اختلاف القراءات وذكر القراء المشهورين المعتبرين.
المقدمة الثانية: فى الكلام على الاستعاذة المندوب إليها فى قوله عز من قائل: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم).
المقدمة الثالثة: فى فوائد مهمة تتصل بتواتر القراءات السبع، والكلام على نزول القرآن على سبعة أحرف.
المقدمة الرابعة فى كيفية جمع القرآن ..

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 237)

المقدمة الخامسة فى معانى المصحف والكتاب والقرآن والسورة والآية والكلمة والحرف وغير ذلك.
المقدمة السادسة: فى ذكر السبع الطوال والمثانى والمئين والطواسيم والحواميم والمفصل والمسبحات وغير ذلك.
المقدمة السابعة: فى ذكر الحروف التى كتب بعضها على خلاف بعض فى المصحف وهى فى الأصل واحدة المقدمة الثامنة: فى أقسام الوقف.
المقدمة التاسعة: فى تقسيمات يعرف منها اصطلاحات مهمة المقدمة العاشرة: فى أن كلام الله تعالى قديم أولا المقدمة الحادية عشرة: فى كيفية استنباط المسائل الكثيرة من الألفاظ القليلة.
ويبدأ بعد ذلك فى تفسيره على ما رسمه فى مقدمته.
أنه يبدا بكتابة مجموعة من الآيات ثم يتحدث عما فيها من القراءات، وما تشتمل عليه من الوقوف ثم يبدأ التفسير، وغالبا ما يعقب بالتأويل.
ولتعرض نموذجا صغيرا من تفسيره فى قول الله تعالى:
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ. وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ.
(سورة البقرة الآية 48) القراءات:
ولا تقبل بالتاء الفوقانية (قراءة) ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 238)

الوقوف:
العالمين (.) (أى آخر آية) ينصرون (.)
التفسير (ولطول الكلام فيه سنوجزه فيما يأتى):
إنما أعاد سبحانه هذا الكلام توكيدا للحجة، وتحذيرا من ترك اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، كأنه قال: ان لم تطيعونى لاجل سوالف نعمتى عليكم، فاطيعونى للخوف من عقابى فى المستقبل.
والمراد بالعالمين هاهنا: الجم الغفير من الناس، كقوله بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ سورة الانبياء (71) ويمكن أن يكون المراد: فضلتكم على عالمى زمانكم، لان الشخص الذى سيوجد بعد ذلك لا يكون من جملة العالمين ويحتمل ان يكون لفظ العالمين عاما للموجودين ولمن سيوجد، لكنه مطلق فى الفضل، والمطلق يكفى فى صدقه صورة واحدة.
2 - قال تعالى: إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (سورة البقرة: 119) القراءات:- «ولا تسئل» على النهى نافع ويعقوب، للباقون بضم التاء، ورفع اللام على الخبر.
الوقوف:- «ونذيرا ولا» للعطف: أى نذيرا، وغير مسئول إلا لمن قرأ (ولا تسأل) على النهى لاختلاف الجملتين (الجحيم) تمام الآية.
التفسير:
لما بين غاية اصرارهم على العناد، وتصميمهم على الكفر بعد نزول ما يكفى فى باب الاقتداء والاهتداء من الآيات البينات، اراد أن يسلى

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 239)

ويسرى عن رسوله لئلا يضيق صدره فقال: إِنَّا أَرْسَلْناكَ يا محمد (بالحق) والصواب ما تقتضيه الحكمة، وهو أن لا يكون لك أن تجبرهم على الايمان بل لا يتجاوز حالك عن أن تكون (بشيرا) لمن اتبعك بكل خير (ونذيرا) لمن خالفك بكل سوء فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ (سورة فاطر: 8) انك غير مسئول عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ «سورة
البقرة: 119» وهو من أسماء النار وكل نار عظيمة فى مهواة فهى جحيم، من قوله تعالى:- قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ.
(سورة الصافات: 77) والجاحم: المكان الشديد الحر، وهذا كقوله فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ (سورة الرعد: 40) وأما قراءة النهى، فيروى أنه قال: «ليت شعرى ما فعل أبواى؟ «فنهى عن السؤال عن أحوال الكفرة والاهتمام بأعداء الله، وفى هذه الرواية بعد «لان سياق الكلام ينبو عن ذلك ولانه صلى الله عليه وسلم مع علمه الاجمالى بحال الكفار كيف يتمنى ذلك؟
والاقرب أن معناه تعظيم ما وقع فيه الكفار من المحن كما إذا سألت عمن وقع فى بلية، فيقال لك. لا تسأل عنه، فكأن المسئول يحرج أن يجرى على لسانه ما هو فيه لفظاعته، أو يرى أنك لا تقدر على استماع خبره، لانه يورث الوحشة والضجر ..

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 240)

‌‌الإمام البيضاوى ومنهجه فى التفسير
هو الإمام عبد الله بن عمر بن محمد بن على الشيرازى، أبو سعيد أبو الخير ناصر الدين البيضاوى من قرية يقال البيضاء لها من بلاد فارس ولى القضاء بشيراز وفسر القرآن، وألف فى كثير من الفنون وتيسر له هذا المنصب بعد حادثة دلت على نبوغه، وكشفت عن عبقريته ..
لقد دخل تبريز، فصادف دخوله إليها مجلس درس قد عقد بها لبعض الفضلاء، فجلس القاضى ناصر الدين فى اخريات القوم، بحيث لم يعلم به أحد فذكر المدرس نكتة زعم أن أحدا من الحاضرين لا يقدر على جوابها، وطلب من القوم حلها، والجواب عنها، فإن لم يقدر فالحل فقط فان لم يقدر فإعادتها فلما انتهى من ذكرها شرع القاضى ناصر الدين فى الجواب فقال له:
لا اسمع حتى اعلم أنك فهمتها، فخيره بين اعادتها بلفظها أو معناها، فبهت المدرس، وقال: اعدها بلفظها، فاعادها ثم حلها وبين أن فى ترتيبه اياها خللا، ثم اجاب عنها، وقابلها فى الحال بمثلها، ودعا المدرس إلى حلها، فتعذر عليه ذلك، فاقامه الوزير من مجلسه، وادناه إلى جانبه وسأله من انت؟ فاخبره انه البيضاوى، وأنه جاء فى طلب القضاء بشيراز، فاكرمه، وخلع عليه فى يومه، ورده وقد قضى حاجته ..
كان إماما علامة، عارفا بالفقه والتفسير وأصول الفقه وأصول الدين والعربية والمنطق وكان عالما بفنون المناظرة وآداب المناقشة، صالح السلوك، مجتهدا فى العبادة، زاهدا فى متاع الدنيا الفانى، شافعى المذهب ..

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 241)

قال ابن شهبة فى طبقاته عنه صاحب المصنفات، وعالم اذربيجان، وشيخ تلك الناحية وقال السبكى: كان إماما مبرزا نظارا صالحا معبدا ..
وقال ابن حبيب: تكلم كل من الأئمة بالثناء على مصنفاته، ولو لم يكن له غير المنهاج الوجيز لفظه المحرر لكفاه ..
صنف الكتب المهمة فى شتى الفنون الدينية، فصنف مختصر الكشاف، والمنهاج فى علم الاصول وشرح مختصر ابن الحاجب فى الاصول وشرح المنتخب فى الاصول للإمام فخر الدين، وشرح المطالع فى المنطق، والايضاح فى أصول الدين، والغاية القصوى فى الفقه، والطوالع فى الكلام، وشرح الكافية لابن الحاجب، وشرح المصابيح ولب اللباب فى علم الاعراب ما زال مخطوطا، والغاية القصوى فى دراسة الفتوى فى فقه الشافعية، وما زال فى عداد المخطوطات ..
ومن أهم مصنفاته تفسيره المشهور الذى قدم له فقال بعد الحمد والثناء.
وبعد: فان أعظم العلوم مقدارا، وارفعها شرفا ومنارا، علم التفسير الذى هو رئيس العلوم الدينية ورأسها، ومبنى قواعد الشرع واساسها، لا يليق لتعاطيه والتصدى للتكلم فيه إلا من برع فى العلوم الدينية كلها- اصولها وفروعها، وفائق فى الصناعات العربية والفنون الادبية بانواعها، ولطالما أحدث نفسى أن اصنف فى هذا الفن كتابا يحتوى على صفوة ما بلغنى من عظماء الصحابة، وعلماء التابعين، ومن دونهم من السلف الصالحين، وينطوى على نكت بارعة، ولطائف رائعة، استنبطتها أنا ومن قبلى من افاضل المتاخرين، واماثل المحققين، ويعرب عن وجوه القراءات المعزية إلى الأئمة الثمانية المشهورين، والشواذ المروية عن القراء المعتبرين إلا أن قصور بضاعتى يثبطنى عن الاقدام، ويمنعنى عن الانتصاب فى هذا المقام، حتى سنح لى بعد الاستخارة ما صح به عزمى على الشروع فيما اردته، والاتيان بما قصدته، ناويا ان اسميه بعد ان اتممه ب «انوار التنزيل، وأسرار التأويل».

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 242)

ثم شرع فى التفسير:- والمتأمل فى تفسيره يجد أنه قد نحا فيه نحو الاختصار، وركز فيه الافكار، ووجه الانظار إلى ما تشتمل عليه الآيات فى كثير من نواحى الاعراب والفقه والاصول ونحو ذلك، معتمدا على ما سبقه من التفاسير كتفسير الكشاف والرازى ونحوهما ..
وقد افاض العلماء فى الحديث عن هذا الكتاب محللين ومبينين، فقال السيوطى فى حاشيته عليه:- إن القاضى ناصر الدين البيضاوى لخص هذا الكتاب فاجاد، وأتى بكل مستجاد وماز فيه أماكن الاعتزال، وطرح موضع الدسائس وازال، وحرر مهمات، واستدرك تتمات، فظهر كأنه سبيكة نضار، واشتهر اشتهار الشمس فى رابعة النهار، وعكف عليه العاكفون، ولهج بذكر محاسنه الواصفون، وذاق طعم دقائقه العارفون، فاكب عليه العلماء تدريسا ومطالعة، وبادروا إلى تلقيه بالقبول رغبة فيه ومسارعة ..
وقال صاحب كشف الظنون:- تفسيره- أى البيضاوي- كتاب عظيم الشأن، غنى عن البيان، لخص فيه من الكشاف ما يتعلق بالاعراب والمعانى والبيان، ومن التفسير الكبير- رأى الرازى- ما يتعلق بالحكمة والكلام، ومن تفسير الراغب ما يتعلق بالاشتقاق وغوامض الحقائق ولطائف الاشارات، وضم إليه ما ورى زناد فكره من الوجوه المعقولة، فجلا رين الشك عن السريرة، وزاد فى العلم بسطة وبصيرة كما قال مولانا المنشى ..
اولوا الالباب لم ياتوا … بكشف قناع ما يتلى
ولكن كان للقاضى … يد بيضاء لا تبلى
ولكونه متبحرا فى ميدان فرسان الكلام فاظهر مهارته فى العلوم حسبما يليق بالمقام كشف القناع تارة عن وجوه محاسن الاشارة وملح الاستعارة، وهتك

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 243)

الاستار الاخرى عن اسرار المعقولات بيد الحكمة ولسانها، وترجمان المناطقة وكيزانها، فحل ما اشكل على الانام، وذلل لهم صعاب المرام، واورد فى المباحث الدقيقة ما يدحض بعض الشبه المضلة، واوضح لهم مناهج الادلة والذى ذكره من وجوه التفسير ثانيا أو ثالثا أو رابعا بلفظ قبل فهو ضعيف ضعف المرجوح أو ضعف المردود ..
وأما الوجه الذى تفرد فيه وظن بعضهم انه مما لا ينبغى أن يكون من الوجوه التفسيرية السنية كقوله:
وحمل الملائكة العرش وخفيفهم حوله مجاز عن حفظهم وتدبيرهم له، ونحوه فهو ظن من لعله يقصر فهمه عن تصور مبانيه، ولا يبلغ علمه الا الاحاطة بما فيه، فمن اعترض بمثله على كلامه كأنه ينصب الحبالة للعنقاء، ويروم أن يصيد نسر السماء، لانه مالك زمام العلوم الدينية، والفنون اليقينية، على مذهب أهل السنة والجماعة، وقد اعترفوا له قاطبة بالفضل المطلق، وسلموا إليه قصب السبق، فكان تفسيره يحتوى على فنون من العلم وعرة المسالك، وانواعا من القواعد المختلفة الطرائق، وقل من برز فى فن الأوصدة عن سواه وشغله، والمرء عدو لما جهله، حتى يسلم من الغلط والزلل، ويقتدر على رد السفسطة والجدل ..
واستطرد صاحب كشف الظنون فى الثناء على الكتاب وعلى صاحب الكتاب، حتى قال بحق:
ثم ان هذا الكتاب رزق من عند الله سبحانه وتعالى بحسن القول عند جمهور الافاضل والفحول، فعكفوا عليه بالدرس والتحشية، فمنهم من علق تعليقته على سورة منه، ومنهم من حشى تحشية تامة، ومنهم من كتب على بعض مواضع منه ..
ومن أشهر الحواشى عليه حاشية قاضى زاده (مطبوعة) وحاشية الشهاب الخفاجى (مطبوعة) وحاشية القونوى ..

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 244)

هذا هو تفسير البيضاوى مختصر فى غير خلل، ومشتمل على الوان من العلم النافع، والخير الغزير، ويتضح ذلك بذكر نماذج منه:
قوله تعالى: قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ..
(سورة الأنعام: 161 و 162 و 163) قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ بالوحى والارشاد إلى ما نصب من الحجج. (دينا) بدل من محل «الى صراط» إذ المعنى: هدانى صراطا، كقوله: ويهديكم صراطا مستقيما، أو مفعول فعل مضمر دل عليه الملفوظ، (قيما) فعل من قام كسيد من ساد، وهو ابلغ من المستقيم باعتبار الزنة «الوزن» والمستقيم باعتبار الصيغة، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائى: «قيما» على أنه مصدر، وكان قياسه قوما كعوض فاعل الاعلال فعله كالقيام، مِلَّةَ إِبْراهِيمَ عطف بيان لدينا حَنِيفاً حال من إبراهيم وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عطف عليه ..
قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي عبادتى كلها، أو قرباتى، أو حجى وَمَحْيايَ وَمَماتِي وما انا عليه فى حياتى واموت عليه من الايمان والطاعة، او طاعات الحياة والخيرات والمضافة إلى الممات كالوصية والتدبير، أو الحياة والممات أنفسهما، وقرا نافع: محياى باسكان الياء اجراء للوصل مجرى الوقف لله رب العالمين لا شريك له، خالصة لا اشرك فيها غيره، وَبِذلِكَ القول أو الاخلاص أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ لانه إسلام كل نبى متقدم على إسلام

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 245)

‌‌الدر المنثور فى التفسير بالمأثور للحافظ جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن أبى بكر السيوطى
ولد الإمام السيوطى فى أول رجب سنة 849 هـ وكانت وفاته فى جمادى الأول سنة 911 ودفن فى حوش قوصون خارج باب القرافة بالقاهرة.
أفرد الحافظ الداودى- وهو تلميذ الامام السيوطى- ترجمة كتاب مستقل عن أستاذه الحافظ السيوطى، وقد ترجم الحافظ السيوطى لنفسه فى كثير من كتبه يذكر فى أحدها ما لم يذكره فى الآخر، وترجم له كثيرون من محبيه ومن خصومه، ومن المعتدلين بين هؤلاء وممن ترجم له من القدماء ابن اياس فى تاريخه، وصاحب الكواكب السائرة، وعبد الغنى النابلسى.
وترجم له من المحدثين العالم المحقق الثبت السيد عبد الحى الكناني.
ولقد كان السيوطى قمة من القمم التى أثارت الكثير من الحديث عنها فيما بين ذام ومادح، وقد كان خصبا فى التأليف، وكان صاحب ذاكرة قوية وجد واجتهاد منذ صغره، فحفظ القرآن الكريم وما بلغ الثامنة من عمره بعد.
ودرس على مشايخ وتتلمذ على أساتذة، وصل بعضهم بعددهم إلى ستمائة، أما مشايخه فى الرواية سماعا واجازة فقد وصل إلى مائة وخمسين.
وكتبه بلغ تقديرها أكثر من خمسمائة، وهذه الكتب منها المؤلف الأصيل، ومنها ما هو مختصر من كتب سابقيه ومنها ما هو جمع أو تنسيق، والسيوطى فى كل ذلك له طابعه الموجود فى كل كتبه، وأعنى به طابع السهولة، فكتبه لا تعقيد فيها، سواء أكانت تأليفا أم جمعا وتنسيقا.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 247)

يقول ابن العماد فى الشذرات:
«ان تلميذه الحافظ الداودى استقصى أسماء مؤلفاته الحافلة الكبيرة الكاملة الجامعة فنافت عدتها على خمسمائة مؤلف، وقد أشتهر أكثر مؤلفاته فى أقطار الأرض شرقا وغربا وكان آية كبرى فى سرعة التأليف، قال تلميذه الداودى:
عاينت الشيخ وقد كتب فى يوم واحد ثلاث كراريس تأليفا وتحريرا، وكان مع ذلك يملى الحديث، ويجيب عن المتعارض منه بأجوبة حسنة» أ. هـ.
ويقول أبو الحسنات: محمد عبد الحى اللكنوى فى فى حواشيه على الموطأ بعد أن ذكر السيوطى:
«وتصانيفه كلها مشتملة على فوائد لطيفة، وفوائد شريفة، تشهد كلها بتبحره وسعة نظره ودقة فكره، وأنه حقيق بأن يعد من مجددى الملة المحمدية فى بدء المائة العاشرة، وآخر التاسعة، كما ادعاه بنفسه، وشهد بكونه حقيقا به من جاء بعده، كعلى القارى المكى فى المرآة شرح المشكاة.
ويقول السيد محمد عبد الحى الكنانى:
«وقد ظفرت» فى مصر بكراسة من تأليف السيوطى عدد فيها تآليفه إلى سنة 904 قبل موته بسبع سنين اوصل فيها عدد مؤلفاته إلى 538، فعدد ما له فى علم التفسير 73، وفى الحديث 205، والمصطلح 32، والفقه 71، وأصول الفقه، والدين والتصوف 20، واللغة والنحو والتصريف 66، والمعانى والبيان والبديع 6 والكتب الجامعة من فنون 8 الطبقات والتاريخ 30، الجميع 37، أ. هـ.
وفى فترة من فترات حياته كان له مثل عليا يجب أن يصل إلى مكانة علمية تماثلها:
فهو يتحدث قائلا: انه لما حج شرب من ماء زمزم لأمور منها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 248)

1 - أن يصل فى الفقه إلى رتبة الشيخ سراج الدين البلقينى.
2 - وفى الحديث إلى رتبة الحافظ بن حجر.
ولكن السيوطى فيما بعد كتب يقول:
«وقد كملت عندى الآن آلات الاجتهاد بحمد الله تعالى، أقول ذلك تحدثا بنعمة الله تعالى لا فخرا ولو شئت أن أكتب فى كل مسألة مصنفا بأقوالها وادلتها النقلية ومداركها ونقوحها وأجوبتها والموازنة بين اختلاف المذاهب فيها والقدرة على ذلك من فضل الله لا بحولى ولا بقوتى فلا حول ولا قوة إلا بالله».
ومن استكمل آلات الاجتهاد ولا يكون مثله الأعلى فى الفقه الشيخ سراج الدين البلقينى وفى الحديث الحافظ بن حجر، وذلك أن من استكمل آلات الاجتهاد يكون قد تربع على القمة فى مختلف الفنون.
ورتبة الاجتهاد قد ادعاها الامام السيوطى فجرت عليه مشاكل وأثارت حوله جدلا واضطر هو أن يدافع ويهاجم، وأن يدخل معركة تتعلق بجدارته وكفاءته كان فى غنى عنها، لقد قال بعضهم- وهو قول باطل- ان من يبلغ رتبة الاجتهاد لا بدّ وأن يكون عالما محققا فى فن المنطق، والسيوطى ليس من أئمة المنطق فهو ليس مجتهدا.
ورغم أن هذه الدعوى باطلة وذلك أن الكثير من أئمة الاجتهاد توفاهم الله قبل أن يترجم المنطق الأرسطى إلى اللغة العربية، وكثير من أئمة الاجتهاد نأوا بأنفسهم عن المنطق بعد أن ترجم ولم يتهمهم أحد بنقص فى اجتهادهم.
ولكن بمجرد أن وجه هذا النقد إلى الامام السيوطى كتب يرد عن نفسه وفى كتابه الجميل:
«صون المنطق والكلام» عن: «فنى المنطق والكلام» أخذ يدافع عن نفسه ويعلن أنه اتقن علم المنطق اتقان ائمته وأنه لذلك مستوف شرائط الاجتهاد، ولكن السيوطى لم يدع الاجتهاد فحسب، وأنما ادعى أنه مجدد القرن العاشر.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 249)

لقد روى أبو داود وغيره بسند صحيح عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«ان الله يبعث إلى هذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها».
والناس من قديم يتنازعون فى شخصية المجدد لكل قرن، ويختلفون على اسمه، وقد أرضى الامام بن كثير أغلب العلماء حين عمم فى الموضوع وجعله شاملا لكثيرين. انه يقول:
«وقد ادعى كل قوم فى امامهم أنه المراد بهذا الحديث، والظاهر أنه يعم جملة من العلماء من كل طائفة وكل صنف ومن مفسر ومحدث وفقيه ونحوى ولغوى وغيرهم».
وعن ذلك وعن تقدير الامام السيوطى القارى فى شرح المشكاة:
«شيخ شيوخنا السيوطى هو الذى أحيا علم التفسير فى الدر المنثور، وجمع جميع الاحاديث المتفرقة فى جامعه المشهور، وما ترك فنا الا فيه له متن أو شرح مسطور، بل وله زيادات ومخترعات يستحق أن يكون هو المجود فى القرن العاشر كما ادعاه وهو فى دعواه مقبول ومشكور.
ونختم هذا بقول العارف بالله الشيخ الحافظ التيجانى أطال الله فى عمره:
«ولما بلغ العلامة السيوطى أربعين سنة من عمره أخذ فى التجرد للعبادة والانقطاع إلى الله تعالى والاشتغال به صرفا والاعراض عن الدنيا وأهلها كأنه لم يعرف أحدا منهم وشرع فى تحرير مؤلفاته التي سبقت الاشارة إليها وترك الافتاء والتدريس واعتذر عن ذلك فى مؤلف ألفه فى ذلك وسماه بالتنفيس، وأقام فى روضة المقياس فلم يتحول منها إلى أن مات، ولم يفتح طاقات بيته التى على النيل من سكناه، وكان الأمراء والأغنياء يأتون إلى زيارته ويعرضون عليه الأموال النفيسة فيردها وأهدى
إليه القوم خصيا وألف دينار فرد الألف وأخذ الخصى فأعتقه وجعله خادما فى الحجرة النبوية، وقال لقاصد

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 250)

السلطان: لا تعد تأتينا قط بهدية، فان الله تعالى أغنانا عن مثل ذلك، وكان لا يتردد إلى السلطان، ولا إلى غيره وطلبه مرارا فلم يحضر إليه، وقيل له: ان بعض الأولياء كان يتردد إلى الملوك والامراء فى حوائج الناس فقال: اتباع السلف فى عدم التردد عليهم أسلم لدين المسلم» أ. هـ.
ونأتى الآن إلى السيوطى والتفسير لقد ذكر السيوطى أنه ألف فى التفسير وما يتعلق به 73 رسالة وكتابا، ويقول الامام السيوطى فى مقدمة كتابه: «الدر المنثور» «وبعد: فلما ألفت كتاب ترجمان القرآن وهو التفسير المسند عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضى الله عنهم، وتم بحمد الله فى مجلدات فكان ما أوردته فيه من الآثار بأسانيد الكتب المخرج منها رأيت قصور أكثر الهمم عن تحصيله ورغبتهم فى الاقتصار على متون الاحاديث دون الاسناد وتطويله فلخصت منه هذا المختصر مقتصرا فيه على متن الأثر مصدرا بالعزو والتخريج إلى كل كتاب معتبر، وسميته: بالدر المنثور فى التفسير بالماثور» والله أسأل أن يضاعف لمؤلفاته الأجور ويعصمه من الخطأ والزور، بمنه وكرمه أنه البر الغفور».
والدر المنثور هو أجمع كتاب للتفسير بالمأثور، لم يبد فيه الامام السيوطى رأيا، ولم يقل فيه كلمة مفسرة أو جملة شارحة، وأنما التزم التزاما كاملا أن يكون تفسيره جمعا لأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الآية وسردا لبعض أقوال الصحابة رضى الله عنهم.
وهو فى جمعه هذا لم يلتزم صحة الاحاديث والنقل، ومن أجل ذلك فان هذا الكتاب الجليل فى حاجة ماسة إلى عمل متقن، فى التحقيق والتخريج، وبيان الصحيح من الاحاديث والحسن منها والضعيف.
ونورد الآن نموذجا يغنى عن غيره:
يقول فى قول الله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (سورة الفاتحة)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 251)

«أخرج ابن جرير عن ابى حاتم عن ابن عباس فى قوله: «إياك نعبد» ويعنى إياك نوحد وتخاف ونرجو ربنا لا غيرك، «وإياك نستعين» على طاعتك وعلى أمورنا كلها، وأخرج وكيع والفرياني عن ابن رزين قال سمعت عليا قرأ هذا الحرف كان قرشيا عربيا فصيحا «إياك نعبد وإياك نستعين» اهدنا، برفعهما جميعا.
وأخرج الخطيب فى تاريخه عن أبى رزين أن عليا قرأ: إياك نعبد وإياك نستعين «فهمز ومد وشد» وأخرج أبو القاسم البغوى والماوردى معا فى معرفة الصحابة والطبرانى فى الأوسط وأبو نعيم فى الدلائل عن انس بن مالك عن أبى طلحة قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى غزوة فلقى العدو فسمعته يقول:
«يا مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين» قال: فلقد رأيت الرجال تصدع تضربها الملائكة من بين يديها ومن خلفها»

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 252)

‌‌الإمام أبو السعود وتفسيره
الإمام أبو السعود محمد بن مصطفى العمارى الحنفى صاحب التفسير المشهور، وصل إلى مرتبة عالية فى العلوم الدينية، بعد أن قرأ على أبيه وعلى كبار علماء عصره، وتنقل فى المدارس المتنوعة.
وأهلته هذه الدراسة الجادة مع ما منح من ميزات شخصية لتقلد أرقى المناصب الدينية الهامة- فتقلد القضاء فى عدد من البلاد التركية، كان آخرها قضاء العسكر فى ولاية روم «أيلى» ودام عليه مدة ثمان سنين.
ولما توفى مفتى تركيا سعد الله بن عيسى بن أمير خان تولى الفتيا مكانه، فكان له فيها أطيب الأثر، وأجمل الذكر، سارت بفتاويه الركبان، وأشبع حاجة السائلين، واتسع عمله لاجابة الطالبين- وسجلت آراؤه السديدة بأسلوبه اللطيف، الذى صبغت حقائقه العلمية فى أساليب ادبية طيبة، ومما ذكر فى ذلك أنه سئل عن شخص لا هو مريض ولا هو صحيح ولا حى ولا ميت ولا عاقل ولا مجنون، ولا نائم ولا يقظان، فأجاب متكلما بقوله: أن كان لهذا وجود فهو الترياق.
وسئل عن شرب القهوة قبل أن يكمل اشتهارها بعد ما قرر له اجتماع الفسقة على شربها، فأجاب بقوله: ما أكب أهل الفجور على تعاطيه، فينبغى أن يجتنبه من يخشى الله ويتقيه.
لقد حرمها بسبب اجتماع الفساق على تعاطيها وان كانت فى نفسها حلالا، لأن اجتماع الفسقة على شىء، ينقل خبثهم إليه، ويخرجه عما هو عليه من السلامة إلى الضياع ..

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 253)

وقد كثر ثناء العلماء عليه، فقال صاحب شذرات الذهب:
وكان من الذين قعدوا من الفضائل والمعارف على سنامها وغاربها، وضربت له نوبة الامتياز فى مشارق الأرض ومغاربها.
تفرد فى ميدان فضله ولم يجاره أحد، وانقطع عن القرين والمماثل فى كل بلد، وحصل له من المجد والاقبال والشرف والافضال، ما لا يمكن شرحه بالمقال.
ويقول صاحب الكواكب السائرة:
وكان المولى أبو السعود عالما، واماما كاملا، شديد التحرى فى فتاويه، حسن الكتابة عليها، حسن المحاورة، وافر الانصاف، دينا خيرا، سالما ابتلى به كثير من موالى الروم، من أكل المكيفات، سالم الفطنة جيد القريحة، لطيف العبارة، حلو النادرة.
أما صاحب الاعلام فيقول عنه:
وأضيف إليه الافتاء سنة 1952 هـ، وكان حاضر الذهن، سريح البديهة، كتب الجواب مرارا فى يوم واحد على ألف رقعة باللغات العربية والفارسية والتركية تبعا لما يكتبه السائل.
وقد عاقه الدرس والفتوى، والاشتغال بما يقتضيه المنصب، عن التفرغ للتصنيف، غير أنه- كما قال صاحب شذرات الذهب- اختلس فرصا، وصرفها إلى التفسير الشريف، وقد أتى فيه بما لم تسمح به الأذهان، ولم تقرع بمثله الاذان ويتحدث الإمام أبو السعود عن ظروف اعداد هذا التفسير مبرزا ظروف حياته فى لمحات خاطفة فيقول:
وكنت اتردد فى ذلك بين اقدام واحجام، لقصور شأنى وعزة المرام، أين الحضيض من الذرى؟ شتان بين الثريا وهيهات اصطياد العنقاء بالشباك، واقتياد الجوزاء من بروج الافلاك فمضت عليه الدهور والسنون، وتغيرت الاطوار وتبدلت الشئون، فابتليت بتدبير مصالح العباد، برهة فى قضاء

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 254)

البلاد، وأخرى فى قضاء العساكر والاجناد، فحال بيني وبين ما كنت أخال، تراكم المهمات وتزاحم الاشغال، وجموح العوارض والعلائق، وهجوم الصوارف والعوائق والتردد إلى المغازى والأسفار، والتنقل من دار إلى دار .. وكنت فى تضاعيف هاتيك الامور، أقدر فى نفسى أن انتهز نهزه من الدهور، ويتسنى لى القرار، وتطمئن بى الدار، وأظفر حينئذ بوقت خال، أتبتل فيه جانب ذى العظمة والجلال، وأوجه إليه وجهتى، وأسلم له سرى وعلانيتى، وأنظر إلى كل شيء بعين الشهود، وأ تعرف سر الحق فى كل موجود، تلافيا لما قد فات، واستعداد لما هو آت، وأتصدى لتحصيل ما عزمت إليه، وأتولى لتكميل ما توجهت إليه، برفاهة واطمئنان، وحضور قلب وفراغ جنان، فبينما أنا فى هذا الخيال، إذ بدا لى ما لم يخطر بالبال تحولت الاحوال والدهر فوقعت فى أمر أشق من الأول: أمرت بحل مشكلات الأنام، فيما شجر بينهم من النزاع والخصام، فلقيت معضلة طويلة الذيول، وصرت كالهارب من المطر إلى السول .. فاضحيت فى ضيق المجال وسعة الاشغال أشهر ممن يضرب بها الامثال، فجعلت أتمثل بقول من قال:
لقد كنت أشكو والحوادث برهة … واستمرض الأيام وهي صحائح
إلى أن تغشتنى وقيت حوادث … تحقق أن السالفات منائح
فلما انصرمت عرى الآمال عن الفوز بفراغ البال عزمت على انشاء ما كنت أنويه، توجهت إلى املاء ما ظلت أبتغيه ناويا أن اسميه عند تمامه بتوفيق الله وأنعامه:
(ارشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم) فشرعت فيه مع تفاقم المكاره على، وتزاحم المشادة بين يدي، متضرعا إلى رب العظمة والجبروت خلاق عالم الملك والملكوت، فى أن يعصمنى عن الزيغ والزلل، ويقيني مصارع السوء فى القول والعمل ويوفقني لتحصيل ما أروي وأرجوه ويهديني إلى تكميله على أحسن الوجوه ..

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 255)

وتلمح من ذلك ما كان لأبي السعود من شخصية اجتماعية ممتازة، وما كان يتحلى به من إيمان قوى وروح طيبة واستمساك صادق بعرى الدين.
ومن ملامح العبقرية عند أبى السعود اشارته الواضحة إلى ما فى أسرار الخلق والايجاد من آيات بينات، ثم قوله:
لكن الاستدلال بتلك الآيات والدلائل، والاستشهاد بتلك الامارات والمخايل، والتنبيه لتلك الاشارات السرية والتفطن لمعانى تلك العبارات العبقرية وما فى تضاعيفها من رموز أسرار القضاء والقدر، وكنوز آثار التعاجيب والعبر، مما لا يطيق به البشر، إلا بتوفيق خلاق القوى والقدر، اذن مدار المراد ليس إلا كلام رب العباد، اذ هو المظهر لتفاصيل الشعائر الدينية، والمفسر لمشكلات الآيات التكوينية، والكاشف عن خفايا حظائر القدس، والمطلع على خبابا سرائر الانس، وبه تكتسب الملكات الفاخرة وبه يتوصل إلى سعادة الدنيا والآخرة.
ثم يبين أنه قرأ عن القرآن الكتب الكثيرة، فاغرم بتفسيرى الكشاف وأنوار التنزيل فقام بخلده نظم درر فرائدهما وترتيب غرر فوائدهما وأن يضيف إليهما ما فى غيرهما من جواهر الحقائق وزواهر الدقائق فكان هذا الكتاب.
ولم يقتصر نشاط أبو السعود على تأليف هذا الكتاب بل ألف غيره من الكتب على ضيق وقته، واتساع نشاطه، ومما نقل فى ذلك أنه ألف تحفة الطلاب فى المناظرة ورسالة فى المسح على الخفين، ورسالة فى مسائل الوقوف، ورسالة فى الأوقاف، وقصة هاروت وماروت.
وكان له إلى جانب أسلوبه البارع فى النثر شعر جميل مطبوع، ومما اشتهر عنه من ذلك قصيدته الميمية التى أولها:
أبعد سليمى مطلب ومرام … وغير هواها لوعة وغرام
وهيهات أن تثنى إلى غير بابها … عنان المطايا أو يشد حزام
ثم يقول:
فكم عشرة ما أورثت غيرا … ورب كلام مقتضاه كلام

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 256)