القرآن)، ووقف السلاطين والوزراء والجند والجلادون مع الرأي الثاني، ووقف أحمد بن حنبل والحق مع الأول.
وكان موقف الإمام الثابت خلال المحنة كلها هو قوله: «أعطوني شيئًا من كتاب الله وسنة رسوله». فإن جاءوا بظواهر من القرآن قال: «أعطوني شيئًا من السنة، وأقوال الصحابة». فكانت السياط تلهب ظهره حتى يغمى عليه، فإذا أفاق امتحنوه فأعاد العبارة نفسها، فيجلدونه حتى يغمى عليه ثانيةً، وهكذا … وصمد على هذا الموقف حتى اندحرت جيوش البدعة، وتكسرت راياتها، واستيقظت الأمة من جديد لتعرف أصل المعركة ودوافعها.
إن الإمام أحمد رحمه الله كان على يقينٍ تامٍّ بأن القضية ليست كلمة اعتراف يقولها المرء معللًا في نفسه بدواعي الإكراه، وتحميل النفس ما لا يطاق من العذاب، وينتهي الأمر؛ ولكن المسألة أكبر من كل قضايا الخلاف الفكري في التاريخ، إنها مسألة: أيهما المتبع وأيهما مصدر التلقي، الوحي أم غيره؟ ولا بد للأمة أن تعلم أن أصل الخلاف هو هذا، وأن التسليم بقضيةٍ واحدةٍ لغير الوحي يؤذن بإقصاء هذا المصدر كله.
وإزاء هذه المسألة هانت نفس أحمد بن حنبل عليه وتهون كل النفوس، وهذا النوع الفريد من المناظرة هو أحسن أنواع المناظرات وأفضلها (1)، ومن أراد إفحام أي زائغ أو مبتدع فليجعل هذا هو الأصل والقاعدة، ثم ليناظرهم بعد ذلك بما يشاء، كما فعل الإمام نفسه في مجلس الخليفة وفي كتبه.--------------------------------------------
(1) انظر درء تعارض العقل والنقل ((1) / (288))، حيث علل شيخ الإسلام لأفضلية هذا النوع، وأنه ربطٌ بأصل المشكلة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
على أن الحقيقة الكبرى التي يجهلها هؤلاء المعارضون للوحي - وهي التي سطرها أحمد نفسه في رسالة الرد على الجهمية - أن الذي تعارض مع الوحي ليس العقل بذاته، ولكن استخدامهم المنكوس له، أما الثابت قطعًا بواقع الجيل الأول الذي هو أعظم الناس عقولًا، وأصفاها فكرًا، وبواقع الصراع الفكري في التاريخ الإسلامي كله، وبالاستقراء المستقصى؛ فهو أن العقل الصحيح لا يمكن أبدًا أن يتعارض مع النقل الصحيح. وهذا هو موضوع السِّفر العظيم الذي كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية (موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول) (1).
ولسنا في مقام الإفاضة في هذا الموضوع الجلل، وإنما غرضنا عرض مذهب الأشاعرة في القضية من خلال نصوص كتبهم تأصيلًا وتطبيقًا.
إن منهج الأشاعرة في هذه القضية يقوم على (القانون الكلي) الذي وُضعت مبادئه وبذوره في كتابات الباقلاني (ت403هـ)، والجويني (ت (478) هـ)، وستأتي النقول عنهما عما قليل، ثم جاء أبو حامد الغزالي (ت505هـ) فألف كتابه (قانون التأويل)، وأعقبه الفخر الرازي (ت606هـ) الذي وضع هذا القانون في صورة مقدمات موجزة، وعليه عوَّل من بعده كصاحب (المواقف) وشراحه.
وهذا القانون هو الذي صدر به شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كتابه المشار إليه (2).--------------------------------------------
(1) هذه التسمية الفضلى في نظرنا، وإن كان الدكتور رشاد سالم اختار (درء تعارض العقل والنقل) لأن الموافقة إيجابٌ، والدرء سلبٌ.
(2) انظر درء تعارض العقل والنقل (ص (4))، ولم ينقله شيخ الإسلام بنصه؛ لأنه ذكر موجز كلامهم، لا كلام الرازي وحده.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
وإليك نصّ القانون من أصل كلام صاحبه.
يقول الرازي في (أساس التقديس): «الفصل الثاني والثلاثون في أن البراهين العقلية إذا صارت معارضة بالظواهر التقلية فكيف يكون الحال فيها؟.
اعلم أن الدلائل القطعية العقلية إذا قامت على ثبوت شيء، ثم وجدنا (1) أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك، فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة (2):
(1) - إما أن يُصَدِّقَ مقتضى العقل والنقل، فيلزم تصديق النقيضين وهو محال.
(2) - إما أن يَبْطُل، فيلزم تكذيب النقيضين وهو محال.
(3) - وإما أن يصدق الظواهر النقلية، ويكذب الظواهر العقلية، وذلك باطل؛ لأنه لا يمكننا أن نعرف صحة الظواهر النقلية إلا إذا عرفنا بالدلائل العقلية إثبات الصانع وصفاته، وكيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وظهور المعجزات على محمد صلى الله عليه وسلم (3).
ولو جوَّزنا القدح في الدلائل العقلية القطعية صار العقل متهمًا غير مقبول القول، ولو كان كذلك لخرج أن يكون مقبول القول في هذه الأصول، وإذا لم تثبت هذه الأصول خرجت الدلائل النقلية عن كونها مفيدة.--------------------------------------------
(1) انظر كيف قدم العقل وإثباته للشيء، ثم عقبه بقوله: «ثم وجدنا أدلة نقلية» فالعقل أساس البحث.
(2) كتابة الأرقام من عندنا في هذا وما بعده.
(3) وهذا هو طريق الإيمان الوحيد عند الأشاعرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
فثبت أن القدح في العقل لتصحيح النقل يفضي إلى القدح في العقل والنقل معًا، وأنه باطلٌ، ولما بطلت الأقسام الأربعة (1) لم يبق إلا أن يقطع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة بأن هذه الدلائل النقلية إما أن يقال: إنها غير صحيحة (2)، أو يقال: إنها صحيحة إلا أن المراد منها غير ظواهرها.
ثم إن جوَّزنا التأويل واشتغلنا (3) على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل، وإن لم يجز التأول فوّضنا العلم بها إلى الله تعالى.
فهذا هو القانون الكلي المرجوع إليه في جميع المتشابهات. وبالله التوفيق» اهـ (4).
ويقول الجويني في (الإرشاد): «واعلموا وفقكم الله تعالى أن أصول العقائد تنقسم إلى:
1 - ما يدرك عقلًا، ولا يسوغ تقدير إدراكه سمعًا.
(2) - وإلى ما يدرك سمعًا، ولا يتقدر إدراكه عقلًا.
(3) - وإلى ما يجوز إدراكه سمعًا وعقلًا.
(1) - فأما ما لا يدرك إلا عقلًا، فكل قاعدة في الدين تتقدم على العلم بكلام الله تعالى، ووجوب اتصافه بكونه صدقًا، إذ السمعيات تستند إلى كلام الله تعالى، وما يسبق ثبوته في الترتيب ثبوت--------------------------------------------
(1) كذا! ولعل الصواب: الأقسام الثلاثة.
(2) انظر كيف أطلق القول ولم يفرق على الأقل بين القرآن والسنة.
(3) كذا بالأصل، ولعل الواو زائدة.
(4) انظر أساس التقديس (ص172 - 173)، طبعة الحلبي 1354م. وهذا القانون ذكره أيضًا في الأربعين (ص115).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
الكلام وجوبًا، فيستحيل أن يكون مدركه السمع (1).
(2) - وأما ما لا يدرك إلاسمعًا، فهو القضاء بوقوع ما يجوز في العقل وقوعه، ولا يجب أن يتقرر الحكم بثبوت الجائز ثبوته فيما غاب عنا إلا بسمع.
ويتصل بهذا القسم عندنا جملة أحكام التكليف، وقضاياها من التحسين والتقبيح، والإيجاب والحظر، والندب والإباحة.
(3) - وأما ما يجوز إدراكه عقلًا وسمعًا، فهو الذي تدلّ عليه شواهد العقول، ويتصور ثبوت العلم بكلام الله تعالى متقدمًا عليه. فهذا القسم يتوصل إلى دركه بالسمع والعقل».
«ونظير هذا القسم إثبات جواز الرؤية، وثبات استبداد الباري تعالى بالخلق والاختراع وما ضاهاهما ..
فإذا ثبتت هذه المقدمة فيتعيّن بعدها على كل معتنٍ بالدين واثق بعقله أن ينظر فيما تعلقت به الأدلة السمعية:
(1) - فإن صادفه غير مستحيل في العقل، وكانت الأدلة السمعية قاطعةً في طرقها لا مجال للاحتمال في ثبوت أصولها، ولا في--------------------------------------------
(1) يسير منهج الأشاعرة في العقيدة على سلسلة عقلية طويلة، تبدأ بالعلم والنظر، وما يتعلق بهما، ثم تنتقل إلى حدوث العالم وإثباته، ثم إثبات الصانع ومخالفته للحوادث، وفيها بحوث طويلة عن الجواهر والأعراض والأحوال وما شابهها، ثم تأتي مباحث صفات القديم وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر، وأخيرًا صفة الكلام، وكل ما كان قبله صفة الكلام - وقد يصل في بعض الكتب إلى نحو ثلثي الكتاب - فهو مما لا مدخل للوحي فيه، ولا يجوز إدراكه عن طريقه؛ لأن الوحي مبني على ثبوت صفة الكلام عندهم!!.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
تأويلها، فما هذا سبيله فلا وجه إلا القطع به.
(2) - وإن لم تثبت الأدلة السمعية بطرق قاطعة، ولم يكن مضمونها مستحيلًا في العقل، وثبتت أصولها قطعًا، ولكن طريق التأويل يجول فيها، فلا سبيل إلى القطع، ولكن المتدين يغلب على ظنه ثبوت ما دلَّ الدليل السمعي على ثبوته وإن لم يكن قاطعًا (1).
(3) - وإن كان مضمون الشرع المتصل بنا مخالفًا لقضية العقل، فهو مردودٌ قطعًا بأن الشرع لا يخالف العقل، ولا يتصور في هذا القسم ثبوت سمع قاطع، ولا خفاء به» (2).
ويقول السنوسي في (شرح الكبرى): «ما أخبر الشرع به وكان ظاهره مستحيلًا عند العقل، فإنا نصرفه عن ظاهره المستحيل؛ لأنا نعلم قطعًا أن الشرع لا يخبر بوقوع ما لا يمكن وقوعه، ولو كذبنا العقل في هذا وعملنا بظاهر النقل المستحيل لأدى ذلك إلى انهدام النقل أيضًا؛ لأن العقل أصل لثبوت النبوات التي يتفرع عنها صحة النقل، فلزم إذن من تكذيب العقل تكذيب النقل» (3).
ولست أرى ما يدعوني إلى التعليق على هذا الكلام بالرد والنقض؛ فإن الاطلاع عليه ومعرفته كافيان في إبطاله، وما على من يؤمن بالله واليوم الآخر ويعظم آيات الله وكلام رسوله، ولا يقدم بين يدي الله ورسوله، ويؤمن أنه لا خيرة له إذا قضى الله ورسوله أمرًا، إلا أن يقرأ هذا الكلام،--------------------------------------------
(1) إذا كان حال المتدين يغلب على ظنه صحة النص فما حال غيره، وبماذا نلزمه؟.
(2) (ص358 - 360).
(3) (ص205) مع حواشي الحامدي عليها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
فيرفضه دون نقاش ولا تردد.
ورحم الله ابن القيم فقد جعل هذا القانون هو الطاغوت الثاني، وكسره بأكثر من أربعين وجهًا مقتبسًا من كلام شيخ الإسلام (1)، وبيَّن أن تأصيل هذا الأصل الطاغوتي هو مفرق الطريق بين أهل السنة والجماعة وبين الأشاعرة، وأن حال الأشاعرة في هذا يشبه تمامًا حال المنافقين الذين دعوا إلى حكم الله ورسوله فرفضوه، وأرادوا التحاكم إلى الطاغوت، فلما ضُبطوا أقسموا أنهم ما قصدوا إلا الإحسان والتوفيق، والأشاعرة يزعمون أن هذا منهم إحسانٌ وتوفيقٌ بين العقل والنقل.
قال رحمه الله في نونيته المشهورة: (وقد آثرت نقلها لاشتمالها على موجز مذهب السلف أيضًا):
يا قوم تدرون العداوة بيننا من أجل ماذا في قديم زمان
إنا تحيزنا إلى القرآن والـ نقل الصحيح مفسر القرآن
وكذا إلى العقل الصريح وفطرة الرحمن قبل تغير الإنسان
هي أربع متلازمات بعضها قد صدقت بعضًا على ميزان
والله ما اجتمعت لديكم هذه أبدًا كما أقررتمُ بلسان
إذ قلتم العقل الصحيح يعارض الـ منقول من أثرٍ ومن قرآن
فنقدم المعقول ثم نصرف الـ منقول بالتأويل ذي الألوان
فإذا عجزنا عنه ألغينا ولم نعبأ به قصدًا إلى الإحسان--------------------------------------------
(1) انظر (الطاغوت الثاني) وهو يثمل النصف الثاني تقريبا من الجزء الأول من الصواعق المرسلة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
ولكم بذا سلفٌ لهم تابعتمُ لما دعوا للأخذ بالقرآن
صدوا فلما أن أصيبوا أقسموا لمرادنا توفيق ذي الإحسان (1)
هذا وقد رتب الأشاعرة على هذا الطاغوت، وفرعوا عنه من الأصول المنهجية الباطلة ما لا يتسع المجال لذكره، وحسبنا الإشارة إلى بعض ذلك؛ فمنها:
(1) - عدم إفادة النصوص لليقين.
(2) - التأويل.
(3) - إسقاط قيمة النصوص في مجال العقيدة.
وهذه القضايا متلازمة، لكننا سنفصلها حسب ترتيبها.--------------------------------------------
(1) شرح النونية (2/ 326 - 334).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
اعتقادهم أن نصوص الوحي لا تفيد اليقين
انطلاقًا من قانون تقديم - بل تحكيم - العقل، بحث الأشاعرة موضوع مجال الوحي واختصاصه حسب القسمة المنطقية الثلاثية لموارد الأدلة التي ننقلها عمَّا قليل.
وليست محاولة تحديد مجالات الوفاق والخلاف بين العقل والنقل إلا مظهرًا من مظاهر (الوسطية)، أو (التوفيقية) التي يتبنَّاها الأشاعرة ويدعونها.
ذلك أن المذهب الأشعري منذ تأسيسه (1) قام على فكرة (الوسطية) بين المعتزلة والسلف، تلك الفكرة التي تمثلت أوضح تمثل في القانون المذكور سابقًا.
ولكن الواقع هو أن هذه (الوسطية) لم تكن سوى أسلوب توفيقي غير ناجح، وكما قيل: (من أراد التوفيق لم يحالفه التوفيق). ذلك أن تباعد ما بين المنهجين: السلفي والاعتزالي كفيلٌ بأن يحكم على أي محاولة توفيقية بالإخفاق.
وكانت النتيجة هي ظهور مذهب - أو منهج - ثالث ملفَّق، يقوم نسيجه على قضايا متعارضة، بل متناقضة في كثير من الأحيان، وبذلك--------------------------------------------
(1) جذور الفكر الأشعري تعود إلى الجهم بن صفوان وبشر المريسي، أما مؤسسه الحقيقي؛ فهو عبد الله بن سعيد بن كُلَّاب الذي رجع الأشعري من الاعتزال إلى مذهبه قبل كتابة (الإبانة)، ثم انتشر على يد الباقلاني في مطع القرن الخامس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
أصبح محط النقد الشديد من أتباع السلف وأتباع التفلسف والاعتزال سواء.
لقد أراد الأشاعرة التوفيق بين الأصول السلفية في التعامل مع نصوص الوحي، وبين الأسس الفكرية الاعتزالية القائمة على معايير ومنطلقات خاصة للتحكم في النصوص، وهذه المعايير الاعتزالية تعتمد على سلسلة من عمليات الفصل - أو البتر - الاعتباطية، تسندها قواعد اصطلاحية أحدثها المعتزلة أنفسهم في علوم اللغة والبيان والمنطق.
وسوف نضطر إلى عرض موجز لذلك نظرًا لأهميته في المقارنة بالمنهج الأشعري:
(1) - الفصل بين السنة والقرآن:
وإن شئت فقل: فصل بعض الوحي (الشرح) عن البعض الآخر (المتن أو النص)، فالسنة كثيرًا ما تحدد معاني القرآن تحديدًا قاطعًا لا مجال معه للبحث في المعاني اللغوية المجردة لألفاظ القرآن، ولكن لما كان المعتزلة أبعد الناس عن السنة علمًا وعملًا أسقطوا دلالتها جملة.
(2) - الفصل بين النص القرآني والمنهج الكلي:
فالآية المعينة ليست سوى حلقة من حلقات متسقة تشكل منهجًا كليًّا في الاعتقاد أو السلوك، مثل منهج الإيمان بصفات الله، أو منهج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن المعتزلة يجتزئون هذه الآية دون النظر إلى روابطها ومكانها من المنهج المتكامل،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
بل كثيرًا ما يجتزئون اللفظة الواحدة دون النظر لموقعها من مدلول الآية نفسها.
(3) - بعد هذا يأتون بتلك الجملة أو اللفظة المفصولة المجردة، فيطبقون عليها قواعد أو قوالب اصطلاحية كان للمعتزلة أنفسهم اليد الطولى في تقريرها، كقواعد علوم البلاغة (1) مثلًا.
فإذا وضعنا في الاعتبار سعة اللغة العربية؛ ظهر أنه يمكن بالنظر إلى الألفاظ وحدها دون اعتبارٍ لمقاصد المتكلم، أو القرائن الظاهرة أن تقبل الجملة أو اللفظة أكثر من احتمال.
ومهما قيل: (إن بعض الاحتمالات أقوى من بعض)؛ فإن مجرد قبول الاحتمال - لا سيما عندما يكون التعسف والتشهي هو الأصل - يكفي وحده في الحكم على مدلول النص بأنه ظني!!.
4 - بعد تقرير الحكم بأن النص ظني، يحاكمونه - ون كان محكمًا في الأصل - إلى نصٍ متشابه، أي عكس المنهج السلفي، وليس مرادهم التحاكم إلى النصوص؛ ولكن لأن بعض احتمالات المتشابه تتفق مع مقرراتهم وأصولهم العقلية التي قررت وأصِّلت سلفًا وفق منهج بعيد كل البعد عن النصوص. (5) - فلمَّا دعموا دلالة المتشابه - بعد إخضاع المحكم لها - بالقاعدة العقلية، أوهموا الناس أنهم وفقوا بين العقل والنقل، وجعلوا من--------------------------------------------
(1) المعتزلة أخطأوا في التأصيل، ثم أخطأوا أبعد من ذلك في التطبيق، أما القواعد الصحيحة المطبقة في موضعها الصحيح فلا اعتراض عليها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
هذا التوفيق قاعدة كلية منضبطة، وألزموا كل أحد بالرد إليها، والتحاكم إليها (1).--------------------------------------------
(1) مثال ذلك صفة (اليد):
فإن المعتزلة طبقوا ما أسلفنا أعلاه ابتداء من فصل القرآن عن السنة حيث ورد النص النبوي صريحًا في مثل حديث: (كتب التوراة بيده). انظر كتاب التوحيد لابن خزيمة ((1) /126)، ومرورًا بفصل الآية عن المنهج، فإن آية {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: (64)] جزءٌ من منهج الإيمان بصفات الله الكلي القطعي، وهم قطعوا النظر عن هذا المنهج بالكلية.
ثم اجتزاء اللغة كما في قولهم: إن اليد في اللغة تأتي بمعنى النعمة والقدرة. ثم الرد إلى المعنى المتشابه أو قواعد البلاغة مثل قولهم: إن قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} [الإسراء: (29)] مجازٌ؛ لأن المراد الإنفاق، فكذلك قوله: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}، وتجاهلوا أن الآية المتعلقة بالإنسان لا تتفي أن يكون للإنسان يد، بل لفظة (اليد) فيها حقيقية، وإن كان المعنى الكلي للآية يتعلق بالإنفاق.
فكذلك اليدان في قوله تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} هي صفةٌ حقيقيةٌ لله، مع أن المعنى الكلي للآية في الإنفاق.
ثم التسعف في تطبيق اللغة نفسها، فإن التثنية في قوله: {بَلْ يَدَاهُ}، وقوله: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: (75)] لا تحتمل المجاز - أي القول بأنها النعمة أو القدرة - لأن المصدر لا يثنى.
ولهذا قال الإمام الدارمي: إن اليهود أثبتوا يدين مغلولتين، والله تعالى أثبت يدين مبسوطتين، فجاء المعطلة (من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة) فقالوا: ليس له يدان أصلًا.
وقل مثل ذلك في قولهم: إن القرآن مخلوق، ثم استدلالهم بكلمة (جعل) في قوله: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [الزخرف: (3)].
ومثله نفيهم للاستواء، واستدلالهم بالبيت السائب:
قد استوى بشر على العراق … من غير سيف أو دم مهراق
واستدلالهم على نفي الرؤية بأنهم وفّقوا بين القواطع العقلية وين قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [الأنعام: 103] ونحوها. وهكذا في كل الصفات ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
وقد أدى هذا بطبيعة الحال إلى إسقاط قيمة النصوص جملة، وهي نتيجة يشترك فيها الأشاعرة معهم، لكن (الوسطية الأشعرية) لم تصل إلى هذه النتيجة مباشرة، بل بواسطة تقرير قاعدتين خطيرتين هما:
(1) - عدم إفادة النصوص لليقين. (وهو موضوعنا هنا).
(2) - التأويل. (وهذاالموضوع التالي لهذا).
فأما عدم إفادة النصوص لليقين؛ فإنه يرجع في الأصل إلى تحديد مجال الوحي واختصاصه حسب القسمة المنطقية للمطالب - أي موارد الأدلة -، وهي كما قال صاحب (المواقف):
«ثلاثة:
أحدها: ما يمكن؛ أي لا ما لا يمتنع عقلًا إثباته ولا نفيه، نحو جلوس غراب الآن على منارة الإسكندرية (عبارة الرازي في الأساس: على جبل قاف) فهذا لا يمكن إثباته إلا بالنقل.
الثاني: ما يتوقف عليه النقل، مثل وجود الصانع، ونبوة محمد، فهذا لا يثبت إلا بالعقل؛ إذ لو ثبت بالنقل لزم الدور (1).--------------------------------------------
(1) مع مراجعة ما سبق تقريره في فصل (أول واجب على المكلف) لاحظ هنا كيف جعل مجال الوحي هو القضايا المجردة كالغراب، بينا جعل وجود الله وصحة النبوة متوقفة على العقل وجوبًا، وإلا لزم الدور، ولزوم الدور عند أساتذتهم الحكماء كفرٌ أكبر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
الثالث: ما عداهما (أي ما يمكن إثباته بالعقل، ولا يتوقف عليه النقل) نحو الحدوث …».
ومعنى هذا التقسيم بجلاء: هو أن نصيب الوحي لا يعدو القضايا المجردة التي يتخلى عنها العقل - لا تفضلًا منه، ولكن - لأنها مما لا يترتب على ثبوته وانتفائه شيءٌ، ويستحيل العلم عنها من طريقه كما في مثال الخراب، ولكنهم لا يقفون عند هذا الحد - من حصر دائرة الوحي -؛ بل يتعدونه إلى البحث في مدى إفادة نصوص الوحي، أهي توصل إلى اليقين في هذه الدائرة، كما توصل الأدلة العقلية إليه في مجالها، أم أن غاية ما تفيده هو الظن؟.
يقول المؤلف نفسه بعد ذكر الأقسام الثلاثة المنقولة آنفًا: «الدلائل النقلية هل تفيد اليقين؟. قيل: لا؛ لتوقفه على العلم بالوضع والإرادة.
والأول (العلم بالوضع) إنما يثبت بنقل اللغة والنحو والصرف، وأصولها تثبت برواية الآحاد، وفروعها بالأقيسة، وكلامها ظنيان (1).
والثاني (الإرادة) يتوقف على عدم النقل والاشتراك، والمجاز والإضمار، والتخصيص والتقديم والتأخير، والكل لجوازه بانتفائه، بل غايته الظن» (2).--------------------------------------------
(1) ما رأي أساتذة اللغة العربية الأفاضل في هذا الكلام؟!.
(2) لأن المخبر عن الغراب - كما في مثاله - مع إيماننا بصدقه وسلامة بصره قد يكون في أصل وضع لغته تسمية الأسد غرابًا، وقد يكون هو أراد الأسد وعبَّر عنه بالغراب مجازًا، ولذلك فكلامه لا يفيد اليقين، وهكذا عندهم نصوص الوحي؛ لا سيما آيات وأحاديث الصفات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
ومن مفهوم كلامه قد يَرِد عليهم هذا السؤال:
إذا استطعنا أن نصل إلى ما نقطع به في العلم بالوضع والإرادة - وهذا على سبيل الافتراض منا، أما بحسب كلامه فمن أين لنا بالقطع - فهل تفيدنا النصوص اليقين؟.
فجوابهم: كلا. فإن القاضي (العقل) ما يزال ينتظر دوره، وما سبق إنما هو تحقيق مع المتهم.
وإليك بقية كلامه: «ثم بعد الأمرين لا بد من العلم بعدم المعارض العقلي؛ إذ لو وجد لقدم على الدليل النقلي قطعًا؛ إذ لا يمكن العمل بهما ولا بنقيضهما، وتقديم النقل على العقل إبطالٌ للأصل بالفرع، وفيه إبطالٌ للفرع، وإذا أدى إثبات الشيء إلى إبطاله كان مناقضًا لنفسه، فكان باطلًا».
وهذا الكلام تلخيص للقانون الكلي السابق، فلا حاجة للتعليق عليه، فلنتابع كلامه: «لكن عدم المعارض العقلي غير يقيني؛ إذ الغاية عدم الوجدان، وهو لا يفيد القطع بعدم الوجود».
أي حسب المثال السابق: إنه مع كون القاضي (العقل) لا يملك دليلًا على إدانة المتهم (النص)، فهو لا يحكم ببراءته؛ إذ ربما ظهر له ولو بعد سنين صدق التهمة.
وعليه؛ فالنتيجة النهائية هي بنص قوله: «فقد تحقق أن دلالتها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
(أي نصوص الوحي) تتوقف على أمورٍ ظنيةٍ، فتكون ظنيةً؛ لأن الفرع لا يزيد على الأصل في القوة».
وعلى هذا الحكم إذن هو (السجن إلى أجل غير مسمى، إن لم نقل السجن المؤبد) أي إيقاف العمل بالنصوص في العقيدة إلى أجل غير مسمى، بل إلى الأبد؛ لأن العقيدة مبناها على اليقين والقطع، ودلالة النصوص ستبقى ظنيةً إلى الأبد؛ لأنه علق الأمر على العلم بعدم الوجود، لا على عدم الوجدان، والعلم بعدم الوجود مستحيلٌ، والتعليق على المستحيل إبطالٌ للقضية من أصلها.
ولكن الرجل لم يستقر على هذا بل قال: «والحق أنها قد تفيد اليقين بقرائن مشاهدة أو متواترة تدل على انتفاء الاحتمالات، فإنا نعلم استعمال لفظ الأرض والسماء ونحوهما في زمن الرسول في معانيها التي تراد منها الآن، والتشكيك فيه سفسطة».
فالحمد لله على أن القوم لا يزال لديهم خير، وأنهم إذا وجدوا في كلام الله ورسوله كلمة أرض أو سماء عرفوا أنها هي هذه الأرض والسماء!!.
على أنه لم يدع فرحتنا بهذا تتم، بل استدرك قائلًا: «نعم في إفادتها اليقين في العقليات نظرٌ؛ لأنه مبنيٌّ على أنه هل يحصل بمجردها الجزم بعدم العارض العقلي؟ وهل للقرينة مدخل في ذلك؟ وهما مما لا يمكن الجزم بأحد طرفيه» (1).--------------------------------------------
(1) المواقف (ص39 - 40). وقد ناقشه الشيخ المعلمي في التنكيل (2/ 329 - 333)، وللعلم فإن مؤلفه عضد الدين الإيجي (680 - 756هـ) كان معاصرًا لشيخ الإسلام وابن القيم، وكتابه هذا هو المقرر في كلية أصول الدين بالأزهر وغيرها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
وهكذا أعادنا مرةً أخرى إلى احتمال وجون معارض عقلي، وما علينا إلا التسليم!!.
ولنأت بمثالٍ من كلامه تطبيقًا لما قرر وأصَّل.
يقول في الموقف الخامس (الإلهيات): «المرصد الثاني في تنزهيه: وهي الصفات السلبية، وفيه مقاصد:
المقصد الأول: أنه تعالى ليس في جهة، ولا في مكان. وخالف فيه المشبهة، وخصصوه بجهة الفوق …».
ثم قال: «واحتج الخصم بوجوه: (وذكر أربعة عقلية ثم قال):
«الخامس: الاستدلال بالظواهر الموهمة للتجسيم من الآيات والأحاديث نحو: قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]. {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: (22)]. {فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ} [فصلت: (38)]. {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10]. {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: (4)]. {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَاتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} [البقرة: 210]. {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ} [الملك: 16].
{ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى 8 فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى 9} [النجم: 8 - 9]. وحديث النزول، وقوله عليه السلام للجارية الخرساء (1): (أين الله؟)--------------------------------------------
(1) ليس في الرواية الصحيحة الثابتة عند مسلم أنها خرساء، وهؤلاء يصرون على أنها خرساء؛ لأن دلالة الإشارة أضعف من دلالة اللفظ. انظر الشامل (ص 545).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
فأشارت إلى السماء فقرر، فالسؤال والتقرير يشعران بالجهة.
والجواب: أنها ظواهر ظنية لا تعارض اليقينيات.
ومهما تعارض دليلان وجب العمل بهما ما أمكن، فتؤول الظواهر إما إجمالًا، ويفوض تفصيلها إلى الله، كما هو رأي من يقف على (إلا الله)، وعليه أكثر السلف (1) كما روي عن أحمد (كذا): الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والبحث عنها بدعة (كذا).
وأما تفصيلًا كما هو رأي طائفة، فتقول: الاستواء: الاستيلاء، نحو: قد استوى عمرو (كذا! والمعروف: بشر) على العراق، والعندية بمعنى الاصطفاء والإكرام، كما يقال: فلان قريبٌ من الملك، {وَجَاءَ رَبُّكَ}: أتى أمره، و {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} أي: يرتضيه، فإن الكلم عَرَضٌ يمتنع عليه الانتقال، و {مَنْ فِي السَّمَاءِ} أي: حكمه، أو سلطانه، أو مَلَكٌ مُوكَلٌ بالعذاب.
وعليه فقس …» (2).
ولن نقف الآن عند ما في هذا الكلام من جهل، وتحريف، وتأويل،--------------------------------------------
(1) من الأخطاء الكبرى التي درج عليها الأشاعرة (من الجويني، وربما قبله إلى الصابوني وغاوجي): اعتبارهم مذهب السلف هو التفويض، ولمعرفة الحقيقة راجع رسالة (علاقة التفويض والإثبات) للزميل رضا نعسان معطي.
(2) المواقف (ص (272) - (273)). وهو في الحقيفة منقول عن الرازي، انظر الأربعين (ص (423) - (426))، وأصول الدين للرازي أيضًا (ص (23) - (24)).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
وتعطيل؛ بل نكتفي بالمقصد الأصلي، وهو دلالة النصوص وإفادتها اليقين:
فهذه عشرة أدلة نصية - منها ثمان آيات، وحديثان صحيحان - يوردها جميعًا ثم ينسفها كلها بعبارةٍ واحدةٍ فقط: «أنها ظواهر ظنية لا تعارض اليقينيات»!!.
نعوذ بالله من الجرأة على الله ورسوله (1).--------------------------------------------
(1) ولا يقولن أحدٌ: إن هذا رأيٌ فرديٌّ، وصاحب المواقف غير معصوم. وهي كلمة مكررة، تقال دائمًا للتنصل من الحقائق، فقد صرح شارح المواقف الجرجاني في شرح هذا الكلام: «إن القول بأن الأدلة النقلية لا تفيد اليقين هو مذهب المعتزلة وجمهور الأشاعرة». فهذا مذهب الجمهور الذي استقر عليه المذهب، أما أبو الحسن نفسه وبعض المتقدمين منهم فلا يظن ذلك بهم. راجع التنكيل (2/ 329 - 333)، وقد نقلنا كلام الجويني والرازي، وستأتي الصورة مكتملة في المباحث الآتية.
تنبيه: قوله تعالى: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} الذي دنا هو جبريل عليه اسلام، كما هو ظاهر سياق الآية، وبدليل قوله: {وَلَقَدْ رَأَىهُ نَزْلَةً أُخْرَى}. وانظر تفسير ابن كثير (7/ 419).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)
التأويل (1)
على ضوء المبحث السابق نستطيع أن نبين لماذا انتهج الأشاعرة منهج التأويل حتى أصبح أصلًا كبيرًا من أصول مذهبهم، ليس في الصفات فحسب؛ بل في نصوص الإيمان، والوعد والوعيد، وعصمة الأنبياء، والقدر، وفي كل نصٍّ خالف ما قرروه من عقائدهم، على ما سيأتي بيانه إن شاء الله عند تفصيل أصولهم الاعتقادية.
ذلك أن إيمانهم بمسألة تعارض العقل والنقل - مع التزامهم بالتوفيقية المضطربة بين السلف والمعتزلة - كان لابد أن يفضي بهم إلى البحث عن مهرب عقلي يقيهم الوقوع في إحدى مصيبتين:
(1) - إما التمسك بنصوص الوحي.
وهذا يناقض أصولهم، وبجعلهم جزءًا من الحشوية (كما يسمون أهل السنة). وهذا عندهم بعيدٌ، بل محال.
(2) - وإما أن يحكِّموا العقل مطلقًا، ويعودوا إلى أصلهم الاعتزالي الفلسفي.
وفي هذا إلغاءٌ لأصل وجودهم؛ لأنهم إنما ظهروا على أنهم فرقة منشقة من المعتزلة، ثم هم يختلفون فعلًا مع المعتزلة في أصولٍ كثيرةٍ، بعضها يتعلق بتحديد دائرتي العقل والنقل.
يضاف إلى ذلك أن بعض كبارهم لهم صلةٌ بالحديث النبوي، فمن--------------------------------------------
(1) المقصود هنا بحث هذا الموضوع من جهة علاقته بمصدر التلقي فقط.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)