بما أوليته من أمانة العقل، وما رفعته إليه من شرف السيادة والرياسة في الكون (1) …
سبحانه جعل العلم بمكنونات خلقه هو السبيل إلى الإيمان بوجوده، وجعل مقاليد العلم بذلك كله إلى سلطان العقل وحده. .».
وتستمر المقدمة كلها في تمجيد العقل، والدفاع عن علم الكلام، وأنه قائمٌ على موازين الفكر العقلي المطلق، وموازين الفلسفة اليونانية، ويختمها بكلام قال فيه: «وإنه لجديرٌ بمن كانت حياته قطارًا يمر به دون هدوءٍ إلى الموت، أن يبحث في تلك النهاية الغامضة وما وراءها، وما يتعلق بها بحثًا متجردًا، لا يقوم إلا على هدى العقل وحده. . .» (2).
وقال: «إنه بقدر ما تكون الغاية صافية سليمة لا حكم فيها إلا للعقل وحده، يكون المنهج إلهيًّا صافيًا سليمًا أيضًا، لا يخطه إلا العقل وحده» (3).
ولست بصدد نقد الكتاب، ولا عرض منهجه، ولكن أكتفي بإيراد قضيةٍ واحدةٍ، وهي كافيةٌ لمن أراد الاستشهاد، ألا وهي قضية العمل بأحاديث الآحاد الصحيحة في العقيدة.
يقول في مقدمة الكتاب في بيان الأصول المنهجية التي التزم بها:--------------------------------------------
(1) هذا من القول على الله بغير علم، فبأي كتاب أم بأي سنة علم أن الله بعث رسله بهذا؟!!.
(2) (ص25).
(3) (ص31).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
«ثالثًا: عدم الإطناب في ذكر الأمور التي لم يثبت فيها دليلٌ قطعيٌّ، وبرهانٌ يقينيٌّ، بل لعلي لن أتعرض لكثيرٍ منها، إذ المجال هنا مختصٌّ بتلك الأمور التي قامت على القطع واليقين، فكانت بذلك من مقومات العقيدة التي لا يسع المسلم إنكارها أو تجاهلها، ومن المعلوم أن لليقينيات منهجًا مختصًّا بها، لا ينبغي أن يستبدل به غيره في سبيل الوصول إليها».
وقد وفَّى الدكتور بما التزم، فلم يتعرض في كتابه إلا للصفات السبع التي يثبتها الأشاعرة بمقتضى العقل (1)، أما الصفات الواردة في السنة فلم يتعرض لها إطلاقًا، بل أعلن منهجه في السنة قائلًا: «إذا كانت السلسلة التي توفرت فيها مقومات الصحة مكونة من آحاد الرواة الذين ينتقل الخبر عنهم، فهو لا يعدو أن يكون خبرًا ظنيًّا في حكم العقل، وإذا كانت حلقات السلسلة مكونة من راويين أو ثلاثة رواة فهو لا يزال خبرًا ظنيًّا، ولكن ظنٌّ قويٌّ يداني اليقين.
أما إذا غدت كل حلقة من الحلقات من الكثرة جموعًا يطمئن العقل إلى أنها لا تتواطأ على الكذب، فإن الخبر المروي عندئذ يكتسب صفة اليقين، وهو ما يسمى بالخبر المتواتر».
ثم يأتي إلى بيت القصيد فيقول: «فأما الظني من الخبر الصحيح، فلا يعتدُّ به في الحكم الإسلامي في بناء العقيدة؛ لأنه إنما يفيد الظن، ولقد نهى القرآن الكريم في مجال البحث عن العقيدة عن اتباع الظن--------------------------------------------
(1) انظر (ص100 - 107).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
كما رأيت (1)، ولكن يعتدُّ به في نطاق الأحكام العملية …
غير أن اليقين من الخبر الصحيح - وهو ما يسمى بالخبر المتواتر - هو وحده الذي يعتدُّ به في بناء العقيدة والمدركات اليقينية، بمعنى أن الإنسان لا يجبر على الاعتقاد بشيءٍ خبري إلا إذا كان قائمًا على برهان التواتر، فإن كان دليله خبر آحاد كان اليقين به عائدًا إلى القناعة الشخصية التي يراها من نفسه» (2).
فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، لقد تعددت الظباء على خراش، فمن تحكيم العقل إلى تحكيم الذوق والكشف، إلى تحكيم القناعة الشخصية!!.
إن مقتضى كلام الدكتور أنه إذا أتينا لأحدٍ بحديث مروي بالسلسلة الذهبية في الصحيحين، فقال لنا: إن قناعتي الشخصية ترفض الإيمان به. فإن هذا الرجل مفكرٌ حرٌّ، يضع عقيدته من وراء عقله (3)، ورجل--------------------------------------------
(1) هذا عين كلام الرازي، وعين خطئه - الذي أشرنا إليه - في مفهوم كلمة (الظن) بين الاصطلاح الأصولي والمعنى اللغوي الذي جاء في القرآن. وإذا كان العقل الذي يمجده البوطي في كل مبحث من كتابه هو هذا الذي يرد ما ثبت في الصحيحين مستندًا إلى قوله تعالى عن الكفار: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ}. فالجنون المحض - لعمر الله - خيرٌ منه؛ إذ صاحبه معافى من المؤاخذة، وهؤلاء يتجرأون على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(2) (ص (32) - (33)).
(3) والذي إليه أهدى الدكتور كتابه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
يقيني لا يتبع طريقة الكفار الذين قال الله فيهم: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ} [الأنعام: 116].
والرثاء كل الرثاء للبخاري المسكين، فما كان أغناه أن يجهد نفسه فيختار صحيحه من مائة ألف حديث، ويغتسل ويصلي ركعتين، ويستخير عند كتابة كل حديث منه، وما هي إلا أحاديث آحاد، تردها القناعات الشخصية عند فحول المفكرين في القرن العشرين!!.
اللهم إنا نشهدك أننا نفع عقولنا وراء وحيك، ولا نقدم بن يديك ويدي رسولك، فأحينا على ذلك، وتوفنا عليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
مصادر ومعايير أخرى
التلقي المباشر
قد لا يصعب على العقل أن يتصور فرقة إسلامية - كالأشاعرة - تتخذ من العقل أو الذوق مصدرًا للتلقي، ومعيارًا للحكم.
نعم إن الأمر جد صعب، ولكن ما العمل إذا كان هذا مبلغهم من العلم، وغاية وقارهم لله ورسوله!.
أما الذي يصعب على العقل تصوره أو تصديقه، فهو أن يتخذ أحد من الناس كلام اليهود والمشركين مصدرًا للتلقي، ومعيارًا للحكم، يتلقى منه أخطر قضايا العقيدة، ويحكّم كلامه في كلام الله ورسوله. ولا يفعل ذلك بطريق العقل الباطن، أو لمجرد توافق الأدلة، ولكن يستدل به موثقًا نسبته لقائله، واعيًا ما يصنع، عارفًا لما يقول (1).
والأشاعرة يأتون في هذا بما يعجب له المرء أيما عجب، ويثير تساؤلات شتى: أهذا انبهارٌ شديدٌ بما عند الكفار؟ أم أن القوم فيهم مغرضون منافقون أسسوا لهم ذلك، ثم تابعهم غيرهم بلا بصيرة؟ أم ماذا؟.
ليس في الإمكان هنا الإجابة على هذه الأسئلة، ولا تفسير هذه الظاهرة، وحسبنا عرضها للقارئ! ولقد حاولت في بداية كتابتي عن--------------------------------------------
(1) ولهذا لم نعقد مقارنات بين أصول الأشاعرة والأفكار الأصلية لها، لنرى مدى انحدارها وعلاقتها، وإنما اكتفينا بالنقل الصريح من كتبهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
الأشاعرة ومصدر التلقي عندهم أن أحصر المواضع التي يستمد الأشاعرة فيها من الفلاسفة ونحوهم استمدادًا نصيًّا صريحًا، وأخذت في تجميعها، وما كدت أمضي قليلًا حتى تبينت أن عملي هذا شبيهٌ بحصر موج البحر، أو ذرات الرمل، فإن هذا مما تتكرر في كل مبحث، وفي كل كتاب، وعلى لسان كل مؤلف.
ولهذا ضربت صفحًا عن الحصر والإحصاء، مكتفيًا بأمثلةٍ يسيرة، تاركًا لمن شاء الاستزادة أن يمد يده لأي مؤلَّفٍ أشعريٍّ في العقيدة، فيرى بأمِّ عينه النقول والاستمدادات عن مشركي اليونان، الذين أفسدوا أديان الأمم جميعها، وعن الصابئة عبدة الكواكب، بل عن اليهود، وما أدراك ما اليهود؟
على أنني أنبه من أراد ذلك إلى أنه لن يجدهم موصوفين بما ذكرت، بل بكونهم (الحكماء)، (الإلهيين)، (أساطين الفلسفة)، (الجهابذة)، (المعلم الأول). وأمثالها مما لا ذم فيه، بل فيه التقدير والتمجيد حتى في المواضع التي يخالفونهم فيها، بخلاف معاملتهم لعلماء أهل السنة، فإنهم غالبًا لا يذكرونهم بخير حتى في المواضع المتفق عليها بين الفريقين!!.
ولنبدأ بمسألة (التوحيد) لأهميتها:
يقول الآمدي: «فمما ذهب إليه (المعلم الأول)، ومن تابعه من الحكماء المتقدمين، وقفا آثره من فلاسفة الإسلاميين: أن الباري تعالى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
واحدٌ من كل جهة، وأنه لا يلحقه الانقسام والكم بوجه ما» (1).
وغني عن البيان أن هذا القدر من كلام معلّم الوثنية الأول، هو توحيد الأشاعرة المنصوص عليه في كتبهم قاطبة كما سترى.
فعلى هذا المعنى للتوحيد سار أبو المعالي الجويني في (كتاب التوحيد)، وهو جزءٌ ضخمٌ من كتاب (الشامل) له (2).
وقال في (الإرشاد): «باب العلم بالوحدانية: الباري سبحانه وتعالى واحدٌ، والواحد في اصطلاح الأصوليين: الشيء الذي لا ينقسم … والرب سبحانه وتعالى موجودٌ فردٌ متقدسٌ عن قبول التبعيض والانقسام، وقد يراد بتسميته واحدًا أنه لا مثل له ولا نظير، ويرتب على اعتقاد حقيقة الوحدانية إيضاح الدليل على أن الإله ليس بمؤلّف؛ إذ لو كان كذلك - تعالى الله عنه وتقدس - لكان كل بعض قائمًا بنفسه، عالمًا حيًّا قادرًا، وذلك تصريحٌ بإثبات إلهين» (3).
ثم سار الشهرستاني حيث يقول في الموضوع نفسه: «قال أصحابنا: الواحد هو الشيء الذي لا يصح انقسامه؛ إذ لا تقبل ذاته القسمة بوجهٍ من الوجوه، ولا تقبل الشركة بوجه، فالباري تعالى واحدٌ. في ذاته لا قسيم له، وواحدٌ في صفاته لا شبيه له، وواحدٌ في أفعاله لا شريك له» (4).--------------------------------------------
(1) غاية المرام (ص233).
(2) الشامل (ص345 - 486).
(3) الإرشاد (ص52).
(4) نهاية الإقدام (ص90).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
ثم سار الآمدي حيث اقتصر على هذا المفهوم للتوحيد في الفصل الذي عقده بعنوان: «القانون الثالث في وحدانية الله تعالى» (1).
وتبعهم السنوسي فقال: «اعلم أن المراد من كونه جل وعلا واحدًا، نفي قبوله الانقسام، ونفي نظيرٍ له تعالى في الإلوهية، وحاصله نفي الكمية المتصلة، والكمية المنفصلة، وفي معنى نفي نظير له تعالى في الألوهية نفي شريك معه في جيع الممكنات، فلا مؤثر في جميعها سواه، فهو الواحد في ذاته، أي غير مؤلف من جزأين فأكثر، والواحد في صفاته فلا مثل له ولا نظير، والواحد في أفعاله فلا شريك له فيها، ولا ضد، ولا وزير» (2).
وبنحوه قال أيضًا في (أم البراهين) حيث شرحها الدسوقي قائلًا: «اعلم أن المولى منفيٌّ عنه الكم المتصل في الذات، وهو تركب ذاته من أجزاء، والكم المنفصل في الذات، وهو أن يكون هناك ذاتٌ مماثلةٌ لذاته تعالى، والكم المتصل في الصفات، وهو تعدد كل صفة من صفاته، كأن يكون له علمان وقدرتان … إلخ، والكم المنفصل في الصفات، وهو أن يكون هناك لغيره من الحوادث صفات كصفاته، كأن يكون لغيره قدرة مثل قدرته تعالى …» (3).
وقال البيجوري في رسالته في علم التوحيد: «ويجب في حقه--------------------------------------------
(1) غاية المرام (ص149 - 155).
(2) السنوسية مع الحواشي (ص304).
(3) حاشية الدسوقي على أم البراهين، طبع المكتبة التجارية (ص (89)).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
تعالى الوحدانية في الذات، وفي الصفات، وفي الأفعال، ومعنى الوحدانية في الذات أنها ليست مركبة من أجزاء متعددة، ومعنى الوحدانية في الصفات أنه تعالى ليس صفتين فأكثر من جنس واحد كقدرتين … وهكذا، وليس لغيره صفة تشابه صفته تعالى، ومعنى الوحدانية في الأفعال أنه ليس لغيره فعل من الأفعال».
قال: «ووضدها (أي الوحدانية) المتعدد، والدليل على ذلك أنه لو كان متعددًا لم يوجد شيء من هذه المخلوقات» (1).
ثم ننتقل للمعاصرين فنجدهم يقتصرون في معنى التوحيد على هذه المعاني نفسها، أو على بعضها، فالبوطي يقول ضمن الصفات السلبية (2): «الوحدانية: ومعناها سلب تصور الكمية في ذاته وصفاته سبحانه وتعالى، سواء الكمية المتصلة والكمية المنفصلة، أي فهو سبحانه وتعالى ليس مركبًا من أجزاء، ولا مكونًا من جزيئات، وكذلك صفاته».
ثم استرسل في شرح الجزء والجزئي وقال: «فالمقصود بوحدانية الله أن تعلم بأنه سبحانه وتعالى ليس كلًّا مركبًا من أجزاء، ولا كليًّا مكونًا من جزئيات» (3).
ويقول وهبي غاوجي: «الوحدانية: معناها سلب تصور الكمية فيه--------------------------------------------
(1) مجموع مهمات المتون (ص40 - 41).
(2) تقسيم الصفات إلى سلبية ووجودية هو أيضًا منقول عن الفلاسفة، ولا بد أن القارئ سيأخذه العجب من الذين يجعلون غاية التوحيد هي سلب التعدد الكمي والكيفي عن الله!!.
(3) كبرى اليقينيات الكونية (ص92 - 93).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
سبحانه، فهو ليس مركبًا من أجزاء،: بحيث لا يصدق اسم الذات عليه حتى تتكامل أجزاؤه، ولا من جزيئات حتى يندرج تحت الجنس الذي يصدق على كثيرين متفقين في الحقيقة مختلفين في النوع كالحيوان» (1).
ثم استمر في كلام قريب من كلام البوطي والسنوسي.
أما سعيد حوى فيعقد فصلًا خاصًّا بعنوان (التوحيد) يبحث كله في نفي التثنية كما قرر في أوله قائلًا: «القول بالتعدد يمكننا أن نختصره بالتثنية، فإن ثبتت التثنية صح التعدد من غير حصر، وإن بطلت بطل التعدد أصلًا ولزم التوحيد» (2).
وفي مبحث الصفات وافق صاحبيه على أن الوحدانية صفة سلبية (3) قائلا: «اعمران بالصفة سلبية بالنسبة للذات الإلهية الصفات التي تدل على سلب ما لا يليق به سبحانه وتعالى؛ كالوحدانية» (4).
فهذه نقولٌ متصلةٌ عن قدماء المذهب ومعاصريه، تتفق كلها في استمداد أعظم حقيقة من حقائق هذا الدين الرباني المحفوظ - وهي التوحيد - وتلقيّها من معلم الوثنية الأول أرسطو (5)!.--------------------------------------------
(1) أركان الإيمان (ص30)، وتأثره بمنطق المعلم الأول واضح.
(2) الله جل جلاله (ص131)، والفصل يمتد من (ص130 - 139).
(3) هذا مع أنهم نقلوا عن بعض قدمائهم كالباقلاني والجويني أنها صفة نفسية. فانظر كيف يختارون المرذول ليس من كلام الفلاسفة فحسب، بل ومن كلام أئمتهم. انظر السنوسية (ص300).
(4) المصدر السابق (ص142).
(5) وبهذا اعترف الغزالي في مقاصد الفلاسفة، وتلميذه أبو بكر بن العربي. انظر آراء أبي بكر بن العربي الكلامية، عمار طالبي (1/ 266).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)
وليس الخوض الباطل الذي خاضته الأشاعرة في باب الصفات جميعها إلا نماذج وفروعًا لهذا الاستمداد والتلقي.
فهذا الذي رأيناه هنا من تصريحهم بنفي الجزء والجزيئية، والتركيب والتبعيض، والانقسام والتَّأَلُّف … إلى آخر هذه الألفاظ البدعية؛ هو أساس نفيهم للصفات التي توهم - بزعمهم - أن الله تعالى يشابه الحوادث في التركيب من أجزاء وأبعاض، نحو الوجه، واليد، والعين، والساق، ونحوها.
فتوحيد الله تعالى عند هؤلاء القوم هو نفي هذه الصفات الثابتة بالكتاب والسنة، أي أنهم جعلوا التوحيد هو (التعطيل).
أما التوحيد الحقيقي الذي يعلمه المؤمنون بالضرورة، والذي تطابقت عليه كتب الله ورسله، وهو إفراد الله تعالى بالعبادة، والتوجه بأنواعها جميعًا له وحده دون سواه، وعدم صرف شيءٍ منها لغيره، فهذا لا تجده في كتب عقيدتهم إطلاقًا، لا في مبحث التوحيد، ولا في غيره (1).
وإنما ذَكَر الألوهية منهم من ذكرها ليفسرها بأنها نفي تأثير غيره--------------------------------------------
(1) وليتهم وقفوا عند هذا، لكنهم صنفوا الكتب في الرد على شيخي الإسلام: ابن تيمية، وابن عبد الوهاب في هذه المسائل، كمسألة الاستغائة، والتوسل، والزيارة الشركية للقبور، ونحوها في كتاب (براءة الأشعريين)، ومن سبقه كالبكري، والكوثري، والدحلان، بل إن بعضهم صنف في الشرك نفسه، مثل كتاب الرازي (السر المكتوم). انظر الميزان (3/ 340)، والاستقامة ((1) / (45)). وقد طبعوه في الهند كما ذكر المحقق، وقد أشار إليه شيخ الإسلام في معظم كتبه، على أن توبة الرازي آخر عمره ثابتة لا شك فيها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
تعالى في الممكنات، وهي ضلالة أخرى تابعوا فيها الفلاسفة القائلين بأنه تعالى علة تامة مؤثرة فيما سواها تمام التأثير، فلا إرادة له، ولا كلام، ولا غيرها من الأفعال الاختيارية، وعن هذا نشأ مذهبهم في أفعال العباد، حيث نفوا نسبتها إليهم، وجعلوها فعلًا لله، وكسبًا للعبد، وتلك نظرية الكسب التي هي جبر مغلف بالغموض.
وأفضل تفسير لنفي التأثير عندهم ما فسره به بعضهم، وهو أن معناه أنه وحده الخالق المبدع، وهذا لا يعدو أن يكون توحيد الربوبية الذي لا خلاف فيه بن أتباع الملل، بل بين كل من يعتد بعقله من بني آدم، والآيات في إقرار مشركي العرب به أشهر من أن تذكر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (التسعينية) (1) بعد أن أورد هذه المعاني الثلاثة لاسم الواحد، أو صفة الوحدانية: «فهذه المعاني الثلاثة هي التي يقولون: إنها معنى اسم الله الواحد، وهي التوحيد، وفيها من البدع التي خولف بها الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة ما قد نبهنا على بعضه» (2).--------------------------------------------
(1) هو كتاب عظيم، نقض فيه شيخ الإسلام مذهب الأشاعرة في الكلام وغيره من تسعين وجهًا، وهي من آخر ما كتبه رحمه الله، وهي الرسالة الأولى من المجلد الخامس من الفتاوى الكبرى، الطبعة الطويلة، أما الطبعة القصيرة فهي تشمل الجزء الخامس منها كاملًا، على أن الوجوه الموجودة في المطبوعتين لم تصل إلى التسعين.
(2) التسعينية (ص210)، وانظر (ص203 - 210) من الطبعة الطويلة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)
ومن أراد تفصيل ذلك فليراجعها في كلامه رحمه الله (1).
والحاصل أن توحيد الأشاعرة على ما فيه من خلل وابتداع هو كما رأينا آنفًا محصورٌ كله في قضايا التصور والاعتقاد مجردة، دون الأمور العملية التي هي توحيد الله تعالى بأفعال العباد الذي جاءت به رسل الله جميعًا، وهو يشمل أعمال القلوب؛ كالمحبة، والإنابة، والتعظيم، والرغبة، والرهبة، والخوف، والرجاء.
وأعمال الجوارح؛ كالصلاة، والذبح، والنذر، والطواف، ونحوها.
كما أن من أهم أنواع هذا التوحيد إفراده سبحانه بالتحاكم إليه وحده، أي رد الأمر كله إلى كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وكذلك الموالاة في الله والمعاداة فيه، وهاتان القضيتان الخطيرتان أعني (التحاكم والموالاة) لا ذكر لهما في كتب عقائد الأشاعرة على الإطلاق، لا ضمن أصول العقيدة، ولا ضمن لوازمها.
وبهذا النقص الواضح في التوحيد عندهم كثر في المنتسبين لهذا المذهب من الخرافيين، والقبوريين، والطرقيين، والمتحاكمين إلى الطواغيت، والموالين للكفار والفجار ما لا يحصيه إلا الله. فترى الواحد منهم يرتكب هذه الشركيات، أو البدع دون أن يرى فيها أدنى معارضة للتوحيد؛ لأن التوحيد الذي تعلَّمه وتربى عليه هو - في أكمل صوره - تلك المعاني الثلاثة فقط.
هذه الحقيقة التي نشاهدها اليوم في طول العالم الإسلامي--------------------------------------------
(1) الموضع السابق، ودرء تعارض العقل والنقل (1/ 224 - 228).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
وعرضه، قد قررها شيخ الإسلام أوضح تقرير.
فقال رحمه الله بعد أن ذكر المعاني الثلاثة، وبين نقصها عن حقيقة التوحيد -: «إن الرجل لو أقر بما يستحقه الرب تعالى من الصفات، ونزهه عن كل ما ينزه عنه، وأقر بأنه وحده خالق كل شيء، لم يكن موحدًا، بل ولا مؤمنًا حتى يشهد ألا إله إلا الله، فيقرَّ بأن الله وحده هو الإله المستحق للعبادة، ويلتزم بعبادة الله وحده لا شريك له.
والإله بمعنى المألوه المعبود الذي يستحق العبادة، ليس هو الإله بمعنى القادر على الخلق، فإذا فسر المفسر الإله بمعنى القادر على الاختراع، واعتقد أن هذا أخص وصف الإله، وجعل إثبات هذا التوحيد هو الغاية في التوحيد، كما يفعل ذلك من يفعله من متكلمة الصفاتية، وهو الذي ينقلونه عن أبي الحسن الأشعري، وأتباعه ممن لم يعرفوا حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسوله، فإن مشركي العرب كانوا مقرِّين بأن الله وحده خالق كل شيء، وكانوا مع هذا مشركين. قال تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 106].
ثم ذكر الآيات في ذلك … وقال: فليس كل من أقرَّ أن الله ربّ كل شيء وخالقه، يكون عابدًا له دون ما سواه، داعيًا له دون سواه، راجيًا له، خائفًا منه دون سواه، يوالي فيه، ويعادي فيه، ويطيع رسله، ويأمر بما أمر به، وينهى عما نهى عنه، وقد قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} [البقرة: 193] ....
وذكر آيات في شرك المشركين ثم قال: ولهذا كان من أتباع هؤلاء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)
من يسجد للشمس والقمر والكواكب (1)، ويدعوها كما يدعو الله تعالى، ويصوم لها، وينسك لها، ويتقرب إليها، ثم يقول: إن هذا ليس بشرك، وإنما الشرك إذا اعتقدت أنها هي المدبرة لي، فإذا جعلتها سببًا وواسطة لم أكن مشركًا.
ومن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن هذا شركٌ.
فهذا ونحوه من التوحيد الذي بعث الله به رسله، وهم لا يدخلونه في مسمى التوحيد الذي اصطلحوا عليه، وأدخلوا في ذلك نفي صفاته …» (2).--------------------------------------------
(1) إن الفخر الرازي - وهو أعظم متكلمي الأشاعرة المتأخرين على الإطلاق - قد ألف كتابًا في عبادة النجوم سماه (السر المكتوم في مخاطبة النجوم). انظر الميزان للذهبي (3/ 340). وذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع لا تحصى، وقال: إنه قيل: إنه تاب منه. انظر نقض التأسيس (1/ 123). ودافع عنه السبكي الأشعري في طبقاته (1/ 81) بأنه كذبٌ مختلقٌ عليه، وعاب على شيخه الذهبي ذكره له، وقد ذكر ابن حجر بعض ما قيل في الرازي من المصائب. انظر: لسان الميزان (4/ 426). فهذا عالمهم الكبير، صاحب المصنفات الضخمة، والتبحر في العلوم. فما ظنك بمن سواه، لا سيما العوام. هذا في الشرك، أما في الموالاة؛ فإن زوج ابنة الرازي كان من خواص جنكيز خان الملعون، ولما دخلت جيوشه هراة قتلت المسلمين جميعًا فيها إلا أولاد الفخر الرازي، فقد نادوا لهم بالأمان، وحملوهم مكرمين إلى جنكيز خان بسمرقند!!. انظر ترجمة الرازي في مقدمة تفسيره الكبير، الذي طبعته المطبعة البهية المصرية.
(2) درء تعارض العقل والنقل (1/ 226 - 228).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
وبهذا ترى أن الأشاعرة أدخلوا التعطيل ضمن مسمَّى ومفهوم (التوحيد)، في حين أنهم لم يدخلوا فيه أي نوع من أنوع العبادة التي يعتبر صرفها لغير الله شركًا منافيًا للتوحيد، وما ذاك إلا نتيجة فساد منهجهم في التلقي والاستمداد، وتقليدهم منهج الفلاسفة في تناول العقيدة من الزاوية الفلسفية المجردة، واعتبارها تصورات ذهنية محضة، على ما في هذه التصورات من خلل وتناقض.
وإذ لا يخفى على كل مسلم أن توحيد الله تعالى أصل الدين كله، وأن عليه مدار دعوة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وفيه وقع النزاع بينهم وبين أممهم، وهو مفرق الطريق بين المؤمنين والكافرين، لا يقبل الله ممن لم يأت به صرفًا ولا عدلًا، فإن أعظم مقاييس صحة عقيدة أي فرد أو طائفة هو موقفه من قضية التوحيد معرفةً وتحقيقًا.
وهكذا ندع للقارئ الكريم الحكم على هذه الطائفة، ومنهجها العقلي المزعوم.
ومن موضوع التوحيد ننتقل إلى موضع آخر له أهميته في التصور الإسلامي، وهو غاية الوجود الإنساني، وحكمة الخلق والكون.
يقول الآمدي: «مذهب أهل الحق أن الباري تعالى خلق العالم وأبدعه لا لغاية يستند الإبداع إليها، ولا لحكمة يتوقف الخلق عليها …
ووافقهم على ذلك طوائف الإلهيين، وجهابذة الحكماء المتقدمين» (1).--------------------------------------------
(1) غاية المرام (ص203).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)
ولن نسأل الآمدي عن الآيات الكثيرة في بيان حكمة الخلق، وغاية الوجود؛ لأن جوابه المعروف هو وأصحابه عنها: أنها ظنيات لا تفيد اليقين، وظواهر نقلية بجب تأويلها لتوافق القطعيات العقلية ..
ولكننا نسأله أيهما الذي وافق الآخر وتبعه، آلحكماء اتبعوا الأشاعرة، أم الأشاعرة اتبعوا الحكماء؟.
ولن نطيل بذكر أمثلة لهذه المسألة، بل نكتفي بنموذج عصري واحد.
يقول البوطي بعد أن قرر القاعدة الأشعرية في نفي الحكمة والغاية: «أما الآيات والأحاديث الموهمة لثبوت العلل والأغراض لله تعالى بسبب استعمال لام التعليل؛ كقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: (56)] …
فليست على ظاهرها الذي نتصوره من التعليل الحقيقي؛ إذ لو كانت كذلك لاقتضى الأمر أن يكون الله جل جلاله مستكملًا ألوهيته بعبادة الناس له، ولذلك احتاج إليها، وخلق الناس من أجلها (؟!) …
فاللام في مثل هذه الآيات إنما هي تعبير عن العلة الجعلية (؟)، لا عن العلة الحقيقية.
أي: تعلقت إرادة الله بإيجاد الإنسان وبتكليفه بمستلزمات العبودية له … برابط من محض مشيئته وقدرته» (1).
فانظر إلى هذه اللوازم المتخيَّلة، وهذا التأويل المتكلف لمسألة واضحة وضوح الشمس، وليس لهذا من داعٍ إلا متابعة أسلاف--------------------------------------------
(1) كبرى اليقينيات (ص145 - 146).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)
المذهب، الذين تابعوا قدماء جهابذة الوثنيين - إن صح التعبير -.
على أن الأشاعرة ناقضوا أنفسهم - كالعادة في كثير من أصولهم - عندما جاءوا في مبحث النبوات، وأثبتوا أن الله تعالى يعطي الأنبياء معجزات لكي تكون دلالة على تصديق الله لهم، وموجبًا لتصديق الناس لهم. فعللوا أوضح تعليل.
أما افتعال التعارض بين المشيئة والحكمة، فلا نظير له إلا ما افتعلوه من التعارض بين العقل والنقل.
ولو سألهم سائل: لماذا يكون قولنا: (إن الله خلق الإنسان بمحض المشيئة، وكلفه بعبادته) تنزيهًا لله تعالى وكمالًا. وقولنا: (إن الله خلق الإنسان لحكمة عظيمة) نقصًا في حقه تعالى، فماذا سيكون جوابهم.
نحن لا نقول: إن سبب هذه الأصول الفاسدة هو اللبس، أو سوء الفهم فحسب، بل المشكلة أنهم - باعترافهم هم - استمدوها من الفلاسفة، وهذا هو مصدر الضلال، فهي محكومٌ عليها بالبطلان، حتى لو وافقت الصواب عَرَضًا ومصادفة.
ثم ننتقل إلى مبحث الصفات: حيث نجد الرازي - الذي طعن في أحاديث الصفات - بل في السنة كلها جملةً، وأوَّل آياتها قاطبةً إلا ما شاء في قانونه الكلي، يستدل على مذهبه، بل على فساد مذهب السلف، وأنه أصل لعبادة الأوثان، بكلام المتخرصين المشركين من منجمي الصابئة.
يقول في أساسه، أو تأسيسه: «وذكر أبو معشر المنّجم أن سبب إقدام الناس على اتخاذ عبادة الأوثان دينًا لأنفسهم، هو أن القوم في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)
الدهر الأقدم كانوا على مذهب المشبهة، وكانوا يعتقدون أن إله العالم نورٌ عظيمٌ، فلما اعتقدوا ذلك اتخذوا وثنًا هو أكبر الأوثان على صورة الإله، وأوثانًا أخرى أصغر من ذلك الوثن على صورة الملائكة، واشتغلوا بعبادة هذه الأوثان على اعتقاد أنهم يعبدون الإله والملائكة.
قال الرازي: فثبت أن دين عبادة الأصنام كالفرع عن مذهب المشبهة» (1).
ولن نقول للرازي: إن الثابت في السنة في أصل الشرك ينافي هذا (2)؛ لأنه سيقول: تلك ظواهر ظنية لا تفيد اليقين، ورواية آحاد لا يثبت بها علم.
ولكننا نقول: لو فرضنا أن بينك وبين هذا المنجم المشرك سندًا صحيحًا (3)، فما سنده هو إلى أجداده المشركين القدامى الذي أسسوا التشبيه والشرك؟ أم أن كلامه - عندك - قطعي الدلالة والثبوت، ولو كان رجمًا بالغيب من مكان بعيد؟. وأين عقلكم الذي حكمتموه في النصوص، لِمَ لا تحكمونه في قول هذا الأفاك، إنهم صوروا النور؟!.
ويأتي صاحب (المواقف) فيستفتح موضوع الإلهيات من كتابه بما--------------------------------------------
(1) التأسيس (ص15 - 16).
(2) روى البخاري في كتاب التفسير (4920) أن ودًّا وسواع ويغوث ويعوق ونسرًا أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن يصوروهم تعظيمًا لهم، ثم جاءت الأجيال التالية فعبدتهم، فهذا هو أصل شرك البشرية، وكذب أبو معشر.
(3) توفي أبو معشر سنة ((272) هـ) والرازي (606هـ)!! أم أنه روى عنه وجادة؟!.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)
يتعلق بالذات، أي: ذات الله تعالى الذي يسمونه غالبًا (القديم).
فيقول: «وفيه مقاصد:
المقصد الأول: في إثبات الصانع، وفيه مسالك:
المسلك الأول للمتكلمين: [وتحدث فيه عن حدوث الجواهر والأعراض].
المسلك الثاني للحكماء: [تحدث فيه عن دليل فلاسفة اليونان، ومن تبعهم وهو الوجوب والإمكان]» (1).
ويقول في مبحث العلة والمعلول: «القصد الثالث:
يجوز عندنا استناد آثار متعددة إلى مؤثر واحد بسيط [غير مركب]، وكيف لا ونحن نقول بأن جميع الممكنات مستندة إلى الله تعالى.
ومنعه الحكماء إلا بتعدد آلة، أو شرط، أو قابل، وأما التبسيط الحقيقي الواحد من جميع الجهات فلا».
ثم قال: «المقصد الرابع:
قال الحكماء: البسيط لا يكون قابلًا وفاعلًا، وإلا فهو مصدر للقبول والفعل …» (2).
والمواضع أكثر من أن تحصر، والمقصود أنهم يستمدون من كلام هؤلاء الوثنيين، وينقلونه في أهم القضايا، وهي وجود الله تعالى--------------------------------------------
(1) (ص266).
(2) (ص86).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 164)