Arabic source text

📘 মানহাজুল আশাঈরাহ ফিল আকিদাহ - আল কাবীর (সাফর আল-হাওয়ালি)

📘 منهج الأشاعرة في العقيدة - الكبير (سفر الحوالي)

📘 মানহাজুল আশাঈরাহ ফিল আকিদাহ - আল কাবীর (সাফর আল-হাওয়ালি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
غير المعقول أن يردوا الأحاديث الصحيحة ردًّا مباشرًا كما يفعل المعتزلة، فضلًا عن نصوص القرآن.
فما المخرج إذن؟!.
لعل أبرز ما يوضح هذه المشكلة هو هذا المثال الذي نقتبسه من كلمة لابن القيم، وهو وجود خليفة عادل اختلفت الرعية فيه ثلاثة أقسام:
- فقال قومٌ: لا بُدَّ من عزله والخروج عليه.
- وقال قومٌ: بل تجب طاعته ومناصرته.
- وجاء طائفةٌ ثالثةٌ أرادت التوفيق بين الفرقتين السابقتين فقالت: بل الحل أن يبقى له اسم الخلافة ورمزها، وتسحب منه شؤون الحكم وصلاحياته.
وحسب هذا المثال التقريبي وقفت الطوائف الثلاث (المعتزلة، السلف، الأشاعرة) من النصوص، وكان موقف الأشاعرة هو الثالث، أي الإبقاء على النصوص إثباتها، لكن ليس على أنها أصول تستمدّ منها الحقائق، بل على أنها آثار متحفية مقدسة، وبعبارة موجزة (الاحتفاظ بالنصِّ شكلًا مع إلغاء مفهومه حقيقة!).
وهذه هي حقيقة التأويل.
فالتأويل إذن ما هو إلا مهربٌ عقليٌّ من الالتزام بالنصوص، ووسيلةٌ ملتويةٌ للتخلص من معارضتها للعقل، ونتيجةٌ طبيعيةٌ من نتائج التوفيق الخاطئة.
والأشاعرة يفسرون جنوحهم للتأويل بالاضطرار، لا بالاختيار؛

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)

ذلك أنهم رأوا أن الدفاع عن القرآن والإسلام في وجه الملاحدة الذين يتهمونه بالتناقض لا يمكن أن يتم إلا بتأويل بعضه ليوافق البعض الآخر المتفق مع القواطع العقلية.
وهم من هذا المنطلق يجعلون التأويل واجبًا شرعيًّا على كل مسلم.
يقول الدكتور البوطي - وتبعه عليه وهبي غاوجي وآخرون - عن وجوب تأويل آيات الصفات: «أما ترك هذه النصوص على ظاهرها دون أي تأويل لها - سواء كان إجماليًّا أو تفصيليًّا - فهو غير جائز، وهو شيءٌ لم يجنح إليه سلفٌ ولا خَلَفٌ (؟).
كيف ولو فعلتَ ذلك لحمّلتَ عقلك معانٍ متناقضة في شأن كثيرٍ من هذه الصفات، فقد أسند الله إلى نفسه العين بالإفراد في قوله تعالى: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} {[طه: (39)]. وأسند مرةً أخرى إلى نفسه الأعين بالجمع فقال: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطور: (48)]. فلو ذهبت تفسر كلًّا من الآيتين على ظاهرها دون أي تأويل لألزمت القرآن بتناقض هو منه بريء (!!).
وتقرأ قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]. وقوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]. فإن فسرت الآيتين على ظاهرهما دون أي تأويل إجمالي ألزمت كتاب الله تعالى بالتناقض الواضح (؟).
إذ كيف يكون مستويًا على عرشه وبدون أي تأويل، ويكون في

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)

الوقت نفسه أقرب إليّ من حبل الوريد بدون أي تأويل (؟).
وتقرأ قوله تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ} [الملك: 16]. وقوله: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف: (84)]. فلئن فسرتها عزم ظاهرهما أقحمت التناقض في كتاب الله جل جلاله كما هو واضح» (1).
وهذا الكلام إنما يوضّح حقيقة جهل الأشاعرة الجانحين إلى التأويل من ابن فورك حتى البوطي والصابوني، فإنه لا تناقض بين هذه الآيات على الإطلاق (2)،
وحاشا كتاب الله الذي أنزله قولًا فصلًا وهدى--------------------------------------------
(1) كبرى اليقينيات (ص144)، وانظر: أركان الإيمان لوهبي غاوجي (ص19).
ومنشأ الخطأ: ظنهم أن الظاهر هو ما يتبادر من المعنى اللغوي للكلمة مطلقًا، كما إذا قرأه الأعجمي أو العامي في المعجم. فمن هنا قالوا: إن الظواهر تتناقض، أو إن الإيمان بالظاهر - كما هو مذهب السلف - تناقضٌ، وأن ترك النصوص عزم ظاهرها هو جمعٌ بين المتناقضات بلا عقل ولا تدبر.
(2) أما قوله: {بِأَعْيُنِنَا} وقوله: {عَيْنِي} فليس بينها شائبة تناقض لكل ذي عقل، حتى أن العوام إذا طلبت من أحدهم شيئًا ما يقول تارة: من عيني، أو على عيني. وأخرى: من عيوني.

وأما استواؤه على العرش؛ فبذاته تعالى، وقربه منَّا بعلمه، كما قال قبلها وبعدها: {وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ} [ق: 16 - 17] فهو قريبٌ بعلمه وملائكته. وأما قوله: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف: (84)] فمعناها أنه في السماء معبودٌ، وفي الأرض معبودٌ، ولا خفاء في هذا ولا إشكال.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)

ونورًا أن يشتمل في أعظم الأصول وأوضحها على تناقض يضطر معه المؤمنون إلى نقض بعضه ببعض بتعسفات وتكلفات لم تأت في كتاب الله، ولا سنة رسوله، ولا قول صحابي، ولا عالم من السلف المعتبرين.
ولكنها الأوهام الكاسدة، والأصول الفاسدة تعارض بعضه ببعض، وتختلق التناقض بين آياته المحكمات، ثم تجنح في حلها إلى الأصل الفاسد (التأويل).
هذا ولو نظرنا إلى التأويلات التي ذكرها الإيجي في المبحث السابق، لوجدنا أنها منقولة عن الجويني الذي نقلها بدوره عن ابن فورك.
أما الجويني فقد عقد في (الشامل) بابًا خاصًّا عنوانه: «باب ذكر تأويل جمل من ظواهر الكتاب والسنة».
أوَّلَ فيه ما شاء من نصوص الكتاب والسنة بعد أن قرَّرَ قبل ذلك في أكثر من (500) صفحة عقيدته القائمة كلها على كلام الفلاسفة، ولم يذكر فيها من كلام الله ورسوله - فيما حصرت - إلا بضع آيات مجزوءة، وَرَدَ معظمها ضمن اعتراضات الخصوم، فلما عقد هذا الباب أتى على أهم آيات وأحاديث الصفات فأوَّلَهَا تأويلًا يصل أحيانًا إلى ما لايقبله عاقل من العوام (1).--------------------------------------------
(1) انظر: (ص543 - 570). ومما لا يقره عاقل في (ص567) عن حديث الجارية التي سألها النبي صلى الله عليه وسلم (أين الله؟ قالت: في السماء. قال: اعتقها فإنها مؤمنة). رواه مسلم وغيره. وتأويله بأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما سألها لأنها من عبدة الأوثان الذين يقولون بالجهة، فاستنطقها لكي تعترف بشركها، كما في سؤال الله تعالى: أين شركاني؟!!.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)

وقال في مقدمة الباب: «اعلموا وفقكم الله أنا كنا على أن نجتزئ بما ذكره الأستاذ أبو بكر (يعني ابن فورك) في تصنيفه المذكور المشهور المشتمل على تأويل مشكلات الأخبار (1)، ولكن اقتضى الحال أن نذكر أصول التأويلات ومآخذها ونرشد إلى جميع مداركها ..
وسبيلنا أن نبدأ بظواهر من كتاب الله تعالى، ونذكر وجوه التأويل فيها، ثم نذكر بعد تقدر الفراغ منها جملًا من السنة الواقعة من المساند المصححة عند الأثبات والثقات، ثم نشير إلى جمل من المتأكد (لعلها المآخذ) التي يتمسك بها الحشوية، ونوضح أنها لو صحت لم تضق مسالك التأويل منها» (2).
وبالاطلاع على كتاب ابن فورك نفسه يدهش المرء لكثرة ما فيه من التأويلات، فإنه لم يدع - والله أعلم - حديثًا في الصفات إلا أوَّلَه بناءً على ما ذكره أول كتابه من أنه «كتاب نذكر فيه ما اشتهر من الأحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يوهم ظاهره التشبيه» (3)، وكل أحاديث الصفات عنده من هذا الباب.
وقد وضع ابن فورك في أول كتابه قانونًا كليًّا، لكنه سقط من--------------------------------------------
(1) هو كتاب مشكل الحديث وبيانه، طبع في الهند سنة (1362هـ)، وهو حسب اطلاعي أوسع كتاب في التأويل، وفيه ما لا يقبله مسلم، وكثيرًا ما يورد الحافظ ابن حجر كلامه وينقضه في شرحه لكتاب التوحيد من الفتح، وفيه يظهر أثر بشر المريسي اليهودي فيها.
(2) الشامل (ص543).
(3) كتاب مشكل الحديث (ص3).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)

الأصل، كما أشار المحقق، ولم يبق منه إلا آخر فقرة، وهي: «وأما ما كان من نوع الآحاد مما صحت الحجة به من طريق وثاقة النقلة، وعدالة الرواة، واتصال نقلهم، فإن ذلك وإن لم يوجب العلم والقطع فإنه يقتضي غالب ظن وتجويز حكم حتى يصحَّ أن حكم أنه من باب الجائز الممكن دون المستحيل الممتنع …» (1).
وهذه الفقرة كافيةٌ في بيان فكرة الرجل، وهي أن الأحاديث الصحيحة لا تفيد اليقين، وأن غاية إفادتها في ميزان النظر العقلي هي الإمكان والتجويز، ومن أجل سدّ هذا الباب اشتغل بتأويلها.
انظر إلى قوله بعد هذا مباشرة: «وإذا كانت ثمرة ما جرى هذا المجرى من الأخبار ما ذكرناه، فقد حصلت فائدةٌ عظيمةٌ لا يمكن التوصل إليها إلا به، وهذا يقتضي أن يكون الاشتغال بتأويله وإيضاح وجهه مرتبًا على ما يصحّ ويجوز في أوصافه جل ذكره، محمولًا على الوجه الذي نبينه ونرتبه من غير اقتضاء تشبيه، أو إضافة ما لا يليق بالله - جل ذِكره - إليه» (2).
وإيضاح هذا: أن معرفة الله عند الأشاعرة هي معرفة ما يجب له، وما يستحيل عليه، وما يجوز عليه، كل ذلك بطريق العقل (3).--------------------------------------------
(1) المصدر السابق (ص5).
(2) المصدر السابق.
(3) وهو من الأصول العقلية التي اتفقت عليها كتبهم قاطبة، وقد ترتبت على هذه القسمة الثلاثية أصول فاسدة؛ منها: نفي الحكمة عن أفعاله تعالى، واعتبارها جميعًا من قسم الجائز فقط.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)

وهذه الأحاديث الصحيحة في نظر ابن فورك مع عدم إفادتها اليقين - كما صرح في آخر فصل من الكتاب - تفيد أن مدلولها يقع ضمن الدائرة الثالثة، وهي دائرة التجويز والإمكان العقلي، وهذا مع كونه فائدةً عظيمةً في نظره، لكن يجب ألا يتعارض مع ما يستحيل على الله وهو التشبيه - كما يتصورونه هم -، فلهذا وجب تأويلها، وليس هذا إلا من قبيل إرجاع الآيات المتشابهات - ومنها عندهم آيات الصفات - إلى الآيات المحكمات، كما نصَّ في أول كلامه الذي نقلنا.
وبهذا يظهر أن موقف الأشاعرة من النصوص أصلٌ من أصول المنهج، وأنه يشترك فيه متكلموهم المتأخرون مع المنتسبين للحديث من المتقدمين، وما سبب ذلك إلا ما قدمنا.
بل إن أبا حامد الغزالي مع أنه رجح معيار الكشف والذوق على معيار العقل - كما سيأتي - قد وافقهم على ذلك فهو يقول: «كل خبرٍ مما يشير إلى إثبات صفةٍ للباري تعالى يشعر ظاهره بمستحيل في العقل نُظِرَ: إن تطرق إليه التأويل قُبِلَ وأُوِّلَ.
وإن لم يندرج فيه احتمال تبين على القطع كذب الناقل (؟)، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مسدد أرباب الألباب ومرشدهم، فلا يظن به أن يأتي بما يستحيل في العقل».
ثم ذكر أمثلة لذلك من أحاديث الصفات؛ كالقدم والإصبع والصورة، وأوَّلَها جميعها وقال: «والقول الوجيز أن كل ما لا تأويل له فهو مردودٌ، وما صحَّ وتطرق إليه التأويل قبل» (1).--------------------------------------------
(1) المنخول (ص286 - 287)، تحقيق محمد حسن هيتو.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)

فيا لها من قاعدة ما أفسدها، وأشد معاندتها للنصوص.
أما في (الإحياء) فقد نصَّ على أن الأخذ من النصوص مدعاة للاضطراب قال: «فأما من يأخذ معرفة هذه الأمور من السمع، فلا يستقرّ له فيها قدم، ولا يتعين له موقف» (1).
وهناك بَيَّنَ أن معيار التأويل هو الذوق والكشف وسيأتي في بابه.
وقال في (المستصفى): «القسم الثاني من الأخبار: ما يعلم كذبه؛ وهي أربعة:
الأول: ما يعلم خلافه بضرورة العقل، أو نظره، أو الحس والمشاهدة، أو أخبار التواتر، وبالجملة ما خالف المعلوم بالمدارك الستة المذكورة: كمن أخبر عن الجمع بين الضدين، وإحياء الموتى في الحال، وأنا (لعله وأنه) على جناح نسر، أو في لجة بحر، وما يحسّ خلافه» (2).
ثم جاء السنوسي فبين سبب الجنوح إلى التأويل فقال: «ما أخبر الشرع به وكان ظاهره مستحيلًا عند العقل، فإنا نصرفه عن ظاهره المستحيل …» (3). وقد سبق نقله بتمامه.
وقبلهم جميعًا قال عبد القاهر البغدادي: «إن روى الراوي ما--------------------------------------------
(1) الإحياء (1/ 180).
(2) المستصفى (2/ 142) طبعة بولاق.
ولو طبقنا كلام الغزالي هذا على ما ورد في الإحياء من حكايات، فكم سيبقى منه؟ ولكنه لم يقصد ردَّ حكايات الصوفية، وإنما ردَّ الأحاديث.
(3) شرح الكبرى مع الحواشي (ص502).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)

يُحِيله العقل ولم يحتمل تأويلًا صحيحًا فخبرٌ مردودٌ، وإن كان ما رواه الثقة يروق ظاهره في العقول، ولكن يحتمل تأويلًا يوافق قضايا العقل قبلنا روايته وتأوَّلناه على موافقته العقول». ومَثَّلَ لذلك بحديث: (إن الله خلق آدم على صورته) (1).
فالكل متفقون على تحكيم العقل، وأن النصوص لا تفيد اليقين، وأن التأويل مخرجٌ سائغ، ومهربٌ سليم، وهذا ما يضعنا على أعتاب قضية لا ينبغي تجاوزها، وهي جناية التأويل على الإسلام.--------------------------------------------
(1) أصول الدين (ص (23)).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)

‌‌جناية التأويل على الإسلام
‌‌نموذج للانحراف المنهجي وآثاره
لما كان منهج الوحي فذًّا في تكامله، فريدًا في تناسقه، جامعًا لكل صواب، خاليًا من كل خطأ، أمكن لأصحابه أن يقفوا في وجه كل فكر بشري دون أن يخسروا موقعًا واحدًا من مواقعهم، بل إنه كلما هجم الخصم على جانب منه أظهر الله سبحانه وتعالى على أيدي أتباعه من البراهين والحجج ما يظهر به من الحِكَم والمحاسن ما كان خافيًا قبل الهجوم، فالقادح فيه إنما يقدح في صخرة نورانية عاتية، لا يرتد عليه قدحه إلا نورًا يُعشِي بصره، وينير الطريق للمدافع.
أما المناهج البدعية فإنها بتطبيقها لا تحاول تحقيق مصلحة للدين إلا وتجلب ما قد يكون أضعافها من المفاسد، وهي لفساد المنهج تفتح على دينها من الإلزامات ما يضطرها للتراجع والتمحل، فيحسب أعداء الإسلام أن الإسلام هو المتراجع المهزوم، وكفى ذلك شرًّا وشؤمًا.
وهذا ما حصل بعينه من الأشاعرة والتأويل.
ومن أراد التأكد من هذه الحقيقة فلينظر إلى ما تعرضت له الأمة في عصر ضعف الخلافة العباسية المركزية من تمزق ودمار، حيث سقطت هيبة المسلمين، واستشرت الأدواء الفكرية الخبيثة، والحركات السرية الهدامة، وتعرض سلاطين المسلمين للاغتيال وهم في أسرَّتهم … إلى غير ذلك من الظواهر المفجعة التي تمتلئ بها كتب

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)

التاريخ قاطبة … والتي كانت أكبر عوامل نجاح الحملات الصليبية والمغولية.
فإن قيل: وما علاقة ذلك بالأشاعرة والتأويل؟.
فالجواب:
إن هذه الفترة التي شهدت تلك الأحداث الفظيعة هي نفسها التي شهدت نشأة المذهب الأشعري وانتشاره واعتناق بعض السلاطين له.
وليست القضية قضية اقتران تاريخي فحسب، ولكن في هذه الفترة نفسها - أعني فترة ظهور المذهب الأشعري وسيطرته على الساحة الكلامية - كانت الباطنية بفروعها المختلفة - فضلًا عن الرافضة الذين اجتمعت فيهم هذه الشرور جميعها - تصنع تلك الفظائع الإجرامية في الأمة الإسلامية، ليس في الأطراف والمقاطعات فحسب؛ بل كانت بغداد نفسها ميدانًا لهذه الفتن والفظائع على النحو الذي تشهد به كتب التاريخ كلها.
وغني عن البيان أن (التأويل) هو العمود الفقري للفكر الباطني كله، فقد أوصلهم تخطيطهم التآمري الشيطاني، وتجاربهم المريرة في الأخذ بثأرات (مزدك) و (ماني) و (قريظة) و (النضير) إلى استحالة التصريح بتكذيب القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم وإبطال الإسلام جملة علانية، فلجأوا إلى هذه الوسيلة الماكرة (التأويل).
فأوَّلوا الأحكام - كالزكاة والصوم والحج وسائر الواجبات - بهدف إسقاط الفرائض كلها، وأولوا الغيبيات كالجنة والنار والملائكة والحشر … فلم يبق من حقيقة الإسلام شيء، وأخذوا ينشرون هذه

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)

السموم الفتاكة في صفوف الأمة.
وكان في الإمكان التصدي بيسرٍ وسهولةٍ لهذا الفكر الخبيث لو أن الأمة مجتمعة على منهج الوحي - أي عقيدة السلف الصالح - تؤمن بكل ما جاء عن الله ورسوله، وترفض منهج التأويل بإطلاق، ولكن كثيرًا من تلك الدويلات كانت تعتنق رسميًّا المذهب الأشعري، وكان علماء هذا المذهب يمثلون زعامة الدفاع عن الإسلام.
فلما واجهوا الباطنية بسلاح مفلول، وصفّ مخذول؛ استشرت الباطنية، وتفاقم خطرها حتى اقتنصت الملوك في أسرَّتِهم (1)، واقتحمت على العلماء بيوتهم وتلامذتهم.
ذلك أن الباطنية حاربت الأشاعرة بالسلاح الذي حاربت به الأشاعرة مذهب السلف وهو (التأويل)، فألزموهم وهزموهم (2).
بل لا يبعد أن يقال: إن الباطنية تعلمت كثيرًا من فنون التأويل من--------------------------------------------
(1) منهم نظام المُلك نفسه الذي ساند الأشاعرة، ومكَّنهم من المدرسة النظامية.
(2) من الثابت أن الغزالي في مرحلة الشك اعتنق مذهب الباطنية، كما صرح في (المنقذ من الضلال) وغيره، ومن الثابت أنه أدرك شؤم التأويل، كما صرح في الإحياء بأن التأويل منعته الحنابلة، وتوسعت فيه الباطنية، وتوسط فيه أصحابه، أما هو فقد أحال على الكشف النور الإلهي بزعمه كما سيأتي.
على أن المواضع التي ذكر فيها أن للقرآن ظاهرًا وباطنًا تفوق الحصر في الإحياء، وانظر كتابه الأربعين في أصول الدين (ص (48))، ط (2)، سنة (1344هـ). ولا تريد الباطنية أكثر من هذا، أما رده على الباطنية فكل توفيق أحرزه فيه فمرجعه إلى السير على منهج الوحي ونبذ منهج التأويل، وعلى كل حال فالأمة التي لم تعرف التأويل أصلًا ترفض الفكر الباطني بداهة دون حاجة لردود.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)

الأشاعرة، واستخدمته من منطلق الأولى والأحرى، إذْ رأت - أو أوهمت - أن ما أولته هي أحق وأولى بالتأويل مما أولته الأشاعرة.
ولم يكن لضجيج الأشاعرة عليهم أي معنى!.
إذ كيف يحق لابن فورك أن يأتي على أحاديث الصفات واحدًا واحدًا، ويحق للجويني والرازي الإتيان على آياتها آية آية، ويعتبرون ذلك تقديمًا للقواطع العقلية اليقينية على الظواهر النصية الظنية، ويتقربون به إلى الله تنزيهًا وتعظيمًا، ويكون هذا الفعل نفسه حرامًا، بل كفرًا من الباطنية؟.
الباطنية تقول: إن قواطعنا العقلية قائمة على أن البعث لا يمكن أن يكون حسيًّا، وإنما هو روحاني، وأولوا نصوص الوحي وقالوا: «إنها ظواهر ظنية لا تعارض اليقينيات». فتصدى لهم الأشاعرة تكفيرًا وتشنيعًا، فدافعوا عن أنفسهم قائلين: على رِسْلِكم! فأنتم أولى منا بما قلتم، فإن ما يتعلق بالله أعظم شأنًا مما يتعلق بالمعاد، والنصوص في صفاته أظهر وأكثر، والدلائل عليها من المعقول والفطر أبين وأشهر، وقد حكمت قواطعكم العقلية بتأويلها، ولم تروا في ذلك كفرًا ولا ضلالًا، بل جعلتموه توحيدًا وتنزيهًا، فلماذا يا ترى تجعلون قواطعكم حقًّا وقواطعنا باطلًا، وعملنا كفرًا وعملكم توحيدًا؟!.
نعم .. قد جاء ملاحدة الباطنية فذكروهم بقانونهم الكلي قائلين: قد اتفقنا نحن وأنتم على تقديم العقل على النقل، وعليه نقول: بيننا وبينكم حاكم العقل، فإن القرآن، بل الكتب المنزلة مملوءة بذكر

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)

الفوقية، وعلو الله على عرشه (1) … إلى غير ذلك من نصوص آيات الصفات وأخبارها، التي إذا قيس إليها نصوص حشر هذه الأجساد، وخراب هذا العالم وإعدامه، وإنشاء عالم آخر؛ وجدت نصوص الصفات أضعاف أضعافها، حتى قيل: إن الآيات والأخبار الدالة على علو الرب على خلقه واستوائه على عرشه تقارب الألوف (2)، وقد أجمعت عليها الرسل من أولهم إلى آخرهم، فما الذي سوَّغ لكم تأويلها، وحرم علينا تأويل نصوص حشر الأجساد وخراب العالم؟!.
فإن قلتم: الرسل أجمعوا على المجيء به (أي الحشر الجسدي) فلا يمكن تأويله!.
قيل: وقد أجمعوا على علوه فوق خلقه … فإن منع إجماعهم هناك من التأويل وجب أن يمنع هنا.
فإن قلتم: العقل أوجب تأويل نصوص آيات الصفات، ولم يوجب تأويل نصوص المعاد؟.
قلنا: هاتوا أدلة المعقول التي تأولتم بها الصفات، ونحضر أدلة المعقول التي تأولنا بها المعاد وحشر الأجساد، ونوازن بينها ليتبيّن أيها أقوى.
فإن قلتم: إنكار المعاد تكذيبٌ لما عُلِمَ من الإسلام بالضرورة.--------------------------------------------
(1) اقتصرنا على هذه الصفة من الأصل؛ لأنها أشهر الصفات التي تنكرها الأشاعرة، أما الكلام ونحوه فلهم فيه تفصيلات لم نرد إقحامها هنا.
(2) انظر كتاب مختصر العلو للذهبي، تحقيق الشيخ ناصر الدين الألباني.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)

قلنا: وأيضًا إنكار صفات الرب، وأنه فوق سماواته … تكذيبٌ لما علم أنهم جاءوا به ضرورة.
فإن قلتم: تأويلنا للنصوص التي جاءوا بها لا يستلزم تكذيبهم.
قلنا: فمن أين صار تأويلنا للنصوص التي جاءوا بها في المعاد يستلزم تكذيبهم دون تأويلكم إلَّا مُجَرَّد التشهي؟.
فقال الأشاعرة: إنكم لم تقتصروا على تأويل السمعيات، بل أولتم الأحكام من حلال وحرام؟.
فصاحت القرامطة والملاحدة والباطنية، وقالوا: ما الذي سوَّغ لكم تأويل الأخبار، وحرَّم علينا تأويل الأمر والنهي، والتحريم والإيجاب، ومورد الجميع من مشكاة واحدة؟.
قالوا: وأين تقع نصوص الأمر والنهي من نصوص الخبر؟.
قالوا: وكثير منكم فتحوا باب التأويل في الأمر، فأولوا أوامر ونواهي كثيرة صريحة الدلالة، أو ظاهرة الدلالة في معناها بما يخرجها عن حقائقها، فَهلُمَّ نضعها في كفة، ونضع تأويلنا في كفة ونوازن بينها.
ونحن لا ننكر أنا أكثر تأويلًا منهم، ولكنا وجدنا بابًا مفتوحًا فدخلناه (1).
فهذا مثالٌ بارزٌ للنتائج المترتبة على الانحراف المنهجي الذي وقع فيه الأشاعرة بسبب موقفهم من النصوص، فإنهم فتحوا الباب لأعداء--------------------------------------------
(1) مختصر الصواعق المرسلة (ص (42)) طبعة زكريا يوسف، وانظر: التسعينية (ص258).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)

الإسلام لينخروا بنيانه بمثل ما نخره به هؤلاء، وما كان للأشاعرة في ذلك غاية ولا تعمدوه، وإنما كان همهم الرد على المعطلة النفاة، ولكن التأويل مع كونه جرَّ إلى الوقوع في هذا البلاء ليس بأفضل من التعطيل، بل هو شرٌّ منه.
يقول ابن القيم رحمه الله: «فصلٌ في بيان أن التأويل شرٌّ من التعطيل:
فإنه يتضمن التشبيه والتعطيل، والتلاعب بالنصوص، إساءة الظن بها، فإن المعطل والمؤول قد اشتركا في نفي حقائق الأسماء والصفات، وامتاز المؤول بتلاعبه بالنصوص إساءة الظن بها، ونسبة قائلها إلى التكلم بما ظاهره الضلال والإضلال (1)، فجمعوا بين أربعة محاذير:
(1) - اعتقادهم أن ظاهر كلام الله ورسوله محالٌ باطل، ففهموا التشبيه أولًا، ثم انتقلوا منه إلى:
(2) - المحذور الثاني: وهو التعطيل، فعطلوا حقائقها بناءً منهم على ذلك الفهم الذي لا يليق بها (2)، ولا يليق بالرب سبحانه.
(3) - المحذور الثالث: نسبة المتكلم الكامل العلم، الكامل البيان، التامّ النصح إلى ضد البيان، والهدى، والإرشاد، وأن المتحيرين--------------------------------------------
(1) ستأتي النقول المصرحة بأن ظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر عندهم. نسأل الله العافية.
(2) في الأصل: بهم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)

المتهوكين أجادوا العبارة في هذا الباب، وعبّروا بعبارة لا توهم من الباطل ما أوهمته عبارة المتكلم بتلك النصوص (1)، ولا ريب عند كل عاقل أن ذلك يتضمن أنهم كانوا أعلم منه، أو أنصح للناس.
4 - المحذور الرابع: تلاعبهم بالنصوص وانتهاك حرماتها، فلو رأيتها وهم يلوكونها بأفواههم، وقد حلت بها المثلات، وتلاعبت بها أمواج التأويلات، ونادى عليها في سوق من يزيد، فبذل كل واحد في ثمنها من التأويل ما يريد، فلو رأيتها وقد عزلت عن سلطة اليقين، وجعلت تحت حكم تأويل الجاهلين.
هذا وقد قعد النفاة على صراطها المستقيم بالدفع المصدور والأعجاز، وقالوا: لا طريق لك علينا، وإن كان لا بد فعلى سبيل المجاز، فنحن أهل المعقولات وأصحاب البراهين (2)، وأنتِ أدلة لفظية وظواهر سمعية لا تفيد العلم ولا اليقين، فَسَنَدُكِ آحادٌ، وهو عرضة للطعن في الناقلين، وإن صح وتواتر ففهم مراد المتكلم منها موقوفٌ على انتفاء عشرة أشياء (3) لا سبيل إلى العلم بانتفائها عند--------------------------------------------
(1) انظر إلى قول صاحب الجوهرة المشهور:
وَكُلُّ نَصٍّ أَوْهَمَ التَّشْبِيهَا … أَوِّلْهُ أَوْ فَوِّضْ وَرُمْ تَنْزِيهًا!!
(2) يصرّ الأشاعرة دائمًا على أن كل قضاياهم مبرهنة. وقد سمى السنوسي عقيدته: أم البراهين!!.
(3) راجع ما سبق نقله من المواقف، وهي: الاشتراك، والنقل، والمجاز، والعلم بالوضع، والتخصيص .. . إلخ.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)

الناظرين والباحثين (1).
والحق أن جناية هذا الانحراف لم تقتصر على فتح الثغرات للباطنية وحدها، بل شاركهم غيرهم، فإن الرافضة - على سقم أدلتهم وسخف مذهبهم الذين قال فيهم الشعبي: «لو كانوا من الطير لكانوا رخمًا، ولو كانوا من الدواب لكانوا حُمُرًا» (2) - هم أيضًا قد أغراهم تهافت مذهب الأشاعرة في بعض القضايا، فتطاول شيخهم ابن المطهر الحلي صاحب (منهاج الكرامة)، فنقد أهل السنة والجماعة وعاب--------------------------------------------
(1) مختصر الصواعق: (ص (33)).

وله بعد هذا كلام نفيس أحببنا إيراده هنا. قال: «فلا إله إلا الله، والله أكبر، كم هدمت هذه المعاول من معاقل الإيمان، وتثلمت بها حصون حقائق السنة والقرآن. فَكَشْفُ عورات هؤلاء، وبيان فضائحهم من أفضل الجهاد في سبيل الله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت: (إن روح القدس معك ما دمت تنافح عن الله ورسوله). واعلم أنه لا يستقر للعبد قدم في الإسلام حتى يعقد قلبه على أن الدين كله لله، وأن الهدى هدى الله، وأن الحق دائر مع الرسول صلى الله عليه وسلم وجودًا وعدمًا، وأنه لا مطاع سواه، ولا متبوع غيره، وأن كلام غيره يعرض على كلامه، فإن وافقه قبلناه، لا لأنه قاله، بل لأنه أخبر به عن الله تعالى ورسوله، وإن خالفه رددناه، ولا يعرض كلامه صلى الله عليه وسلم على آراء القياسيين، ولا على عقول الفلاسفة والمتكلمين، ولا أذواق المتزهدين، بل تعرض هذه كلها على ما جاء به عرض الدراهم المجهولة على أخبر الناقدين، فما حكم بصحته فهو منها المقبول، وما حكم برده فهو المردود». (ص (33)).
فانظر إلى هذا الأصل ما أجله وأعظمه، وقارنه بأقوال الأشاعرة المتقدمة.
(2) السنة لعبد الله بن أحمد (2/ 549).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)

مذهبهم بما في مذهب الأشاعرة من أصولٍ لا يصدقها عاقل مثل (الكسب)، ونفي الحكمة والتعليل في أفعال الله، ونفي القوى المؤثرة، والحسن والقبح، واجتماع الضدين، ونحوها مما هو معروفٌ في مذهبهم، مما دفع شيخ الإسلام رحمه الله إلى بيان أن أقوال الأشاعرة في هذه القضايا لا يصح أن تحسب على مذهب السلف؛ لأنهم خالفوا فيها السلف وهم مخطئون منتَقدون فيها (1).
فالعجب من قوم يُجَرِّئون على الإسلام من لا عقل له ولا نقل، وهم مع ذلك يحسبون أنهم يدافعون عن الإسلام ضد الباطنية والرافضة خير دفاع، ولا شك أن في مذاهب أولئك من الطوام ما هو أضعاف ما في مذهب الأشاعرة مما طعنوا به في الإسلام عامة، ولكن ليس العتب على العدو الماكر، بل على المدافع الجاهل (2).--------------------------------------------
(1) انظر: منهاج السنة (1/ 126/127) (الطبعة القديمة المصورة).
(2) ومن غرائب تأويلات الأشاعرة قول الفخر الرازي - وهو تطبيقٌ لمذهب الأشاعرة في عصمة الأنبياء -: «إن الله تعالى لما قال لآدم وحواء: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ}، ونهاهما معًا، فظن آدم عليه السلام أنه يحوز لكل واحد منهما وحده أن يقرب من الشجرة، وأن يتناول منها؛ لأن قوله: {وَلَا تَقْرَبَا} نهيٌ لهما على الجمع، ولا يلزم من حصول النهي حال الاجتماع حصوله حال الانفراد». التفسير الكبير ((3) /15). فالرازي يحسب أن الأنبياء يعاملون النصوص كما يعاملها هو وأصحابه، وحاشا أنبياء الله تعالى من عجمة القلوب. انظر مختصر الصواعق (ص (44)).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)

‌‌إسقاط قيمة النصوص في مجال العقيدة
بناءً على ما تقرر تأصيله فيما سبق جعل منهج الأشاعرة رد النصوص جملة، والاكتفاء بالعقل المزعوم أصلًا منهجيًّا في الاعتقاد والتأليف، وأسقطوا قيمة النصوص لا من جهة عدم اعتقاد ما دلت عليه فحسب، بل من جهة عدم اعتبارها مجالًا للبحث والاستدلال والنظر، فما فائدة البحث والنظر عندهم فيما لا يفيد اليقين ولا يورث إلا الظن، وما يترتب على حصول العلم منه شروط دونها خرط القتاد، ودخول الجمل في سَمِّ الخِيَاط؟!.
وما جدوى الخوض في تلك الظواهر الظنية من حيث إن الأصول العقلية المنضبطة قائمةٌ مقررةٌ، ودلالتها يقينية قاطعة؟!.
على هذا المنهج ساروا في مصنفاتهم في العقيدة، فإنك تقرأ الواحد منها وتتصفحه عمدًا بحثًا عن آية، وتنقيبًا عن حديث، فلا تجد في المائتين من الصفحات لا آيةً ولا حديثًا، وإن وجدته فإنما جاء به في معرض سرد النصوص الظنية الواجبة التأويل، أو ذكره ضمن أقوال خصومهم (الحشوية!!)، أو أورده - وهذا أقلها - على سبيل التبعية والاستئناس!!.
وإن شئت الأمثلة فانظر: (الشامل) و (الإرشاد) للجويني، و (غاية المرام) وأصله (أبكار الأفهام) للآمدي، و (أساس التقديس) وسائر مؤلفات الرازي الكلامية، و (المواقف) وشروحه وحواشيها، و (المقاصد) وشروحها وحواشيها، و (الذسفية) وشروحها وحواشيها، و (العضدية)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)