قلت: ليس المراد من هذا العدد الذي ذكره الإمام البخاري وما يقال للإمام أحمد، متون الأحاديث، وإنما المقصود منه تكرار الأسانيد، والزيادات الواردة في متن حديث واحد، وأقوال الصحابة والتابعين، كما قال الحافظ البيهقي وغيره(1).
قال الذهبي تعليقا على قول أبي زرعة لعبد اللَّه بن أحمد: "أبوك يحفظ ألف ألف حديث. فقيل له: وما يُدريك؟ قال: ذاكرتُه فأخذتُ عليه الأبواب". قال: فهذه حكاية صحيحة في سعة علم أبي عبد اللَّه (أحمد بن حنبل)، وكانوا يَعُدُّون في ذلك المكرر، والأثر، وفتوى التابعي، وما فُسِّرَ، ونحو ذلك، وإلا فالمتون المرفوعة القوية لا تبلغ عشر معشار ذلك"(2).
وكذلك ما نُسِبَ إلى أبي هريرة بأن عدد أحاديثه بلغَ (5374) حديثًا، فإنَّ هذا العدد يحمل على تكرار الأسانيد. انظر للتفصيل كتابي "أبو هريرة في ضوء مروياته" الطبعة الجديدة.
قوله: "وتركت من الصحاح لحال الطول" يشهد لقوله هذا عمل الترمذي في "السنن" و"العلل الكبير"، فإنه كثيرا ما ينقل حكم البخاري على الحديث بالصحة أو الحسن، كما أنه حكم على بعض الأحاديث بالصحة في كتابه "التاريخ الكبير"، وهذه الأحاديث غير موجودة في "صحيح البخاري".
وجميع ما في جامعه من الأحاديث المسندة والمتابعات والمعلقات بالتكرار تسعة آلاف واثنان وثمانون (9082) حديثًا كما قال الحافظ ابن حجر(3)، والمسند الموصول منها بلا تكرار ألفان وستمائة وحديثان (2602).
2 - ثم تلاه تلميذه مسلم بن الحجاج القشيري (206 هـ -261 هـ) وهو الإمام الحافظ أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم بن وَرْد بن كوشاذ القشيري النيسابوري.
قال أبو قريش محمد بن جمعة الحافظ: حفاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة بالري، والدارمي بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل ببخاري، ومسلم بنيسابور(4).--------------------------------------------
(1) انظر للمزيد: تدريب الراوي (1/ 50).
(2) سير أعلام النبلاء (11/ 187).
(3) هدي الساري (ص 469)
(4) سير أعلام النبلاء (12/ 423).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٠)
يقول مسلم: "صنّفتُ هذا المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة".
قال أحمد بن سلمة: "كنت مع مسلم في تأليف صحيحه خمس عشرة سنة قال: وهو اثنا عشر ألف حديث"(1).
قال الذهبي: "يعني بالمكرر، بحيث إنه إذا قال: حدثنا قتيبة، وأخبرنا ابن رمح يُعَدّان حديثين، اتفق لفظهما أو اختلف في كلمة".
قلت: وهو كما قال: إلا أن العدد الموجود في النسخ المطبوعة (7563) حديثا، ولم يُراع في إحصائها ما أشار إليه الذهبي كما أن مسلمًا عرض كتابَه هذا على أبي زرعة كما قال: "فكلُّ ما أشار عليَّ في هذا الكتاب أن له علّة وسببًا تركتُه، وكل ما قال: إنه صحيح ليس له علّة فهو الذي أخرجتُ".
إلا أنه لم يستوعبْ أيضًا كما قال رحمه الله: "ليس كل شيءٍ عندي صحيحٍ وضعتُه ههنا، إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه"(2).
ولمّا عاتبه أبو زرعة وقال له: أخرجتَ لأسباط بن نصر، وقَطن بن نُسير، وأحمد بن عيسى، وتركتَ ابنَ عجلان، ونظراءَه فقال: "إنما أدخلتُ من حديث أسباط وقَطن وأحمد، ما رواه ثقاتٌ وقع لي بنزولٍ، ووقع لي عن هولاء بارتفاعٍ، فاقتصرتُ عليهم، وأصلُ الحديثِ معروفٌ".
وكان في خُلُقِه حدّة، فانحرف عن شيخه البخاري، ولم يذكر له حديثا، ولا سمّاه في صحيحه، بل افتتح الكتاب بالحَطِّ على من اشترطَ اللُّقيَّ (يعني به ابن المديني والبخاري) لمن روى عنه بصيغة "عن" وادعي الإجماع في أن المعاصرة كافية، ولا يتوقّف في ذلك على العلم بالتقائهما، ووبّخَ من اشترط ذلك(3).
وقد قال الدارقطني: "لولا البخاري لما راح مسلم ولا جاء"(4).
وأشهر روايات صحيح مسلم في الشرق روايةُ أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن مسلم.--------------------------------------------
(1) سير أعلام النبلاء (12/ 566).
(2) صحيح مسلم (1/ 304).
(3) سير أعلام النبلاء (12/ 573).
(4) تاريخ بغداد (13/ 102).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤١)
وروي عن ابن سفيان جماعة أشهرهم أحمد بن محمد بن عيسى الجلودي، وعن الجلودي أبو الحسين عبد الغافر الفارسي، وعن الفارسي محمد بن الفضل الفراوي. وعلى هذه الرواية بنى النووي شرحه.
وأما أهل الغرب فاشتهرتْ عندهم رواية أبي محمد أحمد بن علي القلانسي، عن مسلم.
قال أبو عمرو بن الصلاح: "وأما القلانسي فوقعت روايته عند أهل الغرب ولا رواية له عند غيرهم، دخلت روايته إليه من جهة أبي عبد اللَّه محمد بن يحيى بن الحذاء التميمي القرطبي وغيره، سمعوها بمصر من أبي العلاء عبد الوهاب بن عيسى ابن عبد الرحمن بن ماهان البغدادي، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن يحيى الأشقر الفقيه على مذهب الشافعي، قال: حدثنا أبو محمد القلانسي، قال: حدثنا مسلم إلا ثلاثة أجزاء من آخر الكتاب، أولها: حديث الإفك الطويل، فإن أبا العلاء بن ماهان كان يروي ذلك عن أبي أحمد الجلودي، عن أبي سفيان، عن مسلم رضي الله عنه"(1).
وسمّى كتابَه: "المسند الصحيح المختصر من السنن بنقل العدل عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم" ويسمّى بالاختصار: "الجامع الصحيح".
قال أبو عمرو بن الصلاح: رُوينا عن أبي قريش الحافظ قال: كنتُ عند أبي زرعة الرازي، فجاء مسلم بن الحجاج، فسلّم عليه وجلس ساعة، وتذاكرا، فلما قام قلت له: هذا جمع أربعة آلاف حديث في الصحيح. قال أبو زرعة: "فلمن ترك الباقي؟ "(2)
وفي قول أبي زرعة إشارة إلى أن مسلمًا لو استوعب جميع الأحاديث الصحيحة لكان حسنًا.
وعدد أحاديثه في صحيحه بلا تكرار ومتابعات ثلاثة آلاف وواحد وثلاثون حديثا (3031) حسب ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، ومع التكرار (7563) حديثا كما سبق ذكره.--------------------------------------------
(1) ذكره النووي في مقدمة شرح مسلم.
(2) صيانة صحيح مسلم (99 - 100).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٢)
والمجموع من الكتابين خمسة آلاف وستمائة وثلاثة وثلاثون حديثًا (5633)، وبعد حذف التكرار من الكتابين يصفو لنا ما يقارب أربعة آلاف حديث، وقد بلغ عددُ أحاديث كتاب الحميدي "الجمع بين الصحيحين" ثلاثةَ آلاف وخمسمائة وأربعة وسبعين حديثا (3574).
إن أحاديث الصحيحين كلها صحيحة إلا نذرًا يسيرًا، ويجب العملُ بها إلا ما خُصَّ أو نُسِخَ، لأنهم اشترطا شروطا شديدة في رواة الحديث عُلِمَ بالاستقراء بأنهم على نوعين:
النوع الأول: يشملُ من وُصِفَ بأنه أوثق الناس، أو أنه ثقة ثقة، أو وُصِفَ بأنه ثقة بالإفراد، أو وُصِف بأنه صدوق، أو بأنه لا بأس به، فهؤلاء يُخرج لهم الشيخان في الأصول.
والنوع الثاني: يشملُ من وُصِفَ بأنه صدوق سيء الحفظ، أو مقبول، أو مستور، أو ضعيف خفيف الضعف، فهؤلاء يُخرج لهم الشيخان في المتابعات والشواهد، وأحيانا يخرج لهم مسلم في الأصول.
وأما النوع الثالث: الذي يشملُ من وُصِفَ بأنه شديد الضعف، أو مجهول، أو متروك، أو ساقط، أو متهم، أو كذّاب، فهؤلاء لم يخرج لهم الشيخان أصلا، إلا من اختلفَ فيه فاختارا التعديل لقرائن وأسباب، على أن لا يكون في متنه نكارة.
وبعد توفّر شروطهما تتوفّر فيهما أمران آخران أيضًا، عُلِمَ ذلك بالاستقراء:
أحدهما: أن يكون قد سبق الحكم عليها من الأئمة الذين كانوا قبل الشيخين مثل شيوخهم، وشيوخ شيوخهم إلا نادرًا.
والثاني: أن يكون الحديث معمولا به قبلهما في الديار الإسلامية عموما، وفي الحرمين خصوصا، ولذا لم نجد في الصحيحين أحاديث لم يعمل بها.
3 - وابن الجارود (ت 307 هـ) هو الإمام أبو محمد عبد اللَّه بن علي بن الجارود النيسابوري الحافظ المجاور بمكة.
قال الحافظ الذهبي: صاحب كتاب "المنتقى في السنن" في مجلد واحد في الأحكام، لا ينزل فيه عن رتبة الحسن أبدًا إلا في النادر في أحاديث يختلف فيها
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٣)
اجتهاد النقاد(1).
بلغ عدد أحاديثه (1114) حديثا، وحقّقه أخونا الفاضل الشيخ أبو إسحاق الحويني الأثري تحقيقا جيدًا.
4 - وابن خزيمة (ت 311 هـ) وهو أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري، وصنّف كتابا في الصحيح سمّاه: "المختصر من المسند الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم"، ثم اختصره فسمّاه "مختصر المختصر"، والجزء الأكبر من الكتاب لا يزال مفقودًا منذ زمن كما نصّ عليه الحافظ في المعجم المفهرس فقال: "عُدِمَ سائرُه". ولم يقف ابن حجر منه إلا على ربع العبادات بكماله، ومواضع متفرقة من غيره كما نصّ عليه في إتحاف المهرة.
وخرج الكتاب بتحقيق الدكتور محمد مصطفى الأعظمي عام (1399 هـ) في أربعة مجلدات، وبلغ عدد أحاديثه (3079) حديثا، ثم حقّقه الدكتور ماهر ياسين الفحل في عام (1430 هـ)، وكتب ذيلا لمختصر المختصر من كتاب "إتحاف المهرة" ومن "صحيح ابن حبان" ما رواه ابن حبان عن شيخه ابن خزيمة، فبلغ عدد أحاديثه (357) حديثا.
واسم الكتاب يدلّ على أنه ألّف أولا "المختصر من المسند الصحيح"، ثم اختصره فسمّاه "مختصر المختصر"، يعني أنه لم يلتزم باستيعاب الصحيح.
ومن منهجه أنه لا يحتج إلا بإسناد يكون وحدَه ثابتًا، وفي هذه الحالة يقدّم الإسنادَ على المتن إلا أن يتوقّف أو يعلّق.
وأما الحديث الذي فيه مقال فيُقدّم المتن ثم يُعِلّه ويُبيّن ضعفَه، وهو قد يكون عند غيره صحيحا أو حسنا لشواهده ولاعتبارات أخرى؛ لأن الحديث إذا رُويَ من طريقين مختلفين وليس فيهما منهم فأقلّ أحواله أن يكون حسنا.
5 - وابن الشرقي (ت 325 هـ) هو الإمام الحافظ أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسن النيسابوري ابن الشرقي -كان يسكن الجانب الشرقي بنيسابور فنُسِبَ إليه- تلميذ مسلم، ذكره الذهبي(2)، والتاج السبكي(3)، وعبارة التاج: "صنّف الصحيح". ووصفه--------------------------------------------
(1) السير (14/ 239).
(2) سير أعلام النبلاء (15/ 37).
(3) طبقات الشافعية الكبرى (3/ 42).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٤)
أبو عبد اللَّه الحاكم فقال: هو واحد عصره حفظا وإتقانا ومعرفة، وقال: سمعت الحسين التميمي، سمعت ابن خزيمة يقول: -ونظر إلى أبي حامد ابن الشرقي فقال-: حياة أبي حامد تَحْجُزُ بين الناس وبين الكذب على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
يعني أنه يعرفُ الصحيحَ وغيرَه من الموضوعِ. انتهى.
6 - وابن أصبغ القرطبي (ت 340 هـ) هو الإمام أبو محمد قاسم بن الأصبغ، قال الذهبي: "فاته السماع من أبي داود، فصنّف سننًا على وضع سننه، وصحيحُ مسلم فاته أيضًا، فخرج الصحيحَ على هيئته"(1).
واستفاد من تواليفه: ابنُ حزم، وابن عبد البر، وأبو الوليد الباجي وغيرهم، وقال ابن حزم: "وهو خير انتفاء منه"(2).
ومن مصنفاته كتاب المنتقى، وهو كصحيح مسلم في الصحة.
7 - وابن السكن (ت 353 هـ) هو الإمام الحافظ أبو علي سعيد بن عثمان بن السكن المصري البزاز، وأصله بغدادي، قال الذهبي: "جمع وصنّف، وجرّحَ وعدّلَ، وصحّحَ وعلّلَ، ولم نر تواليفه وهي عند المغاربة"(3).
وقال: كان ابن حزم يُثني على "صحيحه" المنتقى، وفيه غرائب.
وقال الكتاني: "ويسمى" بالصحيح المنتقى"، و"بالسنن الصحاح" المأثورة عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، لكنه كتاب محذوف الأسانيد، جعله أبوابا في جميع ما يحتاج إليه من الأحكام، ضمنه ما صح عنده من السنن المأثورة قال: وما ذكرتُه في كتابي هذا مجملا فهو مما أجمعوا على صحته، وما ذكرتُه بعد ذلك مما يختاره أحدٌ من الأئمة الذين سميتهم، فقد بيّنتُ حُجّته في قبول ما ذكره، ونسبته إلى اختياره دون غيره، وما ذكرته مما ينفرد به أحد من أهل النقل للحديث فقد بيّنتُ علّته، ودلّلتُ على انفراده دون غيره"(4).--------------------------------------------
(1) سير أعلام النبلاء (15/ 472 - 473).
(2) الرسالة المستطرفة (ص 25) أي من ابن الجارود، وقول الذهبي: "فاته السماع من أبي داود"، وفي الرسالة المستطرفة: "وهو على نحو كتاب المنتقى لابن الجارود، وكان قد فاته السماع منه، وجده قد مات، فألّفه على أبواب كتابه بأحاديث خرّجها عن شيوخه، قال أبو محمد بن حزم: "هو خير انتقاء منه" انتهى.
(3) سير أعلام النبلاء (16/ 117).
(4) الرسالة المستطرفة (ص 25 - 26).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٥)
8 - وابن حبان البُستي (ت 354 هـ) هو الإمام محمد بن أحمد بن حبان أبو حاتم التميمي البستي، صنّف المسند الصحيح على التقاسيم والأنواع من غير وجود قطع في سندها ولا ثبوت جرح في ناقليها.
وبيّن سببَ تأليفه في مقدمة كتابه فقال: "وإني لما رأيتُ الأخبار طرقُها كثرتْ، ومعرفة الناس بالصحيح منها قلّتْ لاشتغالهم بكَتْبَة الموضوعات، وحفظ الخطأ والمقلوبات، حتى صار الخبرُ الصحيحُ مهجورًا لا يُكتب، والمنكر المقلوب عزيزًا يُستغرب، وأن من جمع السنن من الأئمة المرضيين، وتكلم عليها من أهل الفقه والدين، أمعنوا في ذكر الطرق للأخبار، وأكثروا من تكرار المعاد للآثار، قصدا منهم لتحصيل الألفاظ على من رام حفظها من الحفاظ، فكان ذلك سبب اعتماد المتعلم على ما في الكتاب، وترك المقتبس التحصيل للخطاب، فتدبرتُ الصحاحَ لأُسهّل حفظَها على المتعلمين، وأمعنتُ الفكر فيها لئلا يصعب وَعْيُها على المقتبسين، فرأيتها تنقسم خمسة أقسام متساوية متفقة التقسيم غير متنافية" ثم ذكر الأقسام.
ورتّبَ كتابَ ابن حبان الأميرُ علاءُ الدين علي بن بلبان الفارسي الحنفي (ت 739 هـ)، وسماه: "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان" وهو مطبوع بتحقيق شعيب الأرنؤوط. وبلغ عدد أحاديثه (7491) حديثا.
9 - وأبو عبد اللَّه الحاكم (ت 405 هـ) هو: أبو عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه بن محمد بن حمدويه النيسابوري، وصفه الذهبي بقوله: "الإمام الحافظ الناقد العلامة شيخ المحدثين، صنّفَ وخرّجَ، وجرَحَ وعدّلَ، وصحّحَ وعلّلَ، وكان من بحور العلم، الحافظ الكبير إمام المحدثين"(1).
ألّفَ "المستدرك"، وهو نوع من التصنيف عند المحدثين وعَرّفوه: بأن يُخرّج فيه صاحبه أحاديثَ على شرط صاحب الكتاب الأصلي الذي لم يُخْرجه.
إلا أن كتابه المستدرك كان موضع النقد من أهل العلم لتساهله، فإنه صحّحَ فيه الأحاديث الضعيفة، بل المنكرة والموضوعة كما قال الذهبي في تلخيص المستدرك، كما أنه وقع في تناقض، فذكر رجلا في كتاب الضعفاء له، وقطع بترك--------------------------------------------
(1) سير أعلام النبلاء (17/ 171).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٦)
الرواية عنهم، ومنع الاحتجاج بهم، ثم أخرج أحاديث بعضهم في مستدركهـ وصحّحها.
قلت: ولعل السبب في ذلك أنه بدأ تصنيف هذا الكتاب في آخر عمره كما هو الظاهر من المجلد الثالث (ص 156) فلم يتمكن من مراجعة الكتاب.
ومع تساهله فإني التزمتُ بذكر حكمه على الإسناد، والتعقيب عليه عند اللزوم إلا أني لم ألتزم بالردّ عليه إذا صحّح الإسناد وهو حسن، لأن الحاكم لا يفرّق بين الصحيح والحسن، وإنما ذكرت حكمي على الإسناد استقلالًا، لا استدراكًا، كما أني لم ألتزم بالتعقيب على الحاكم في قوله: صحيح على شرط الشيخين أو أحدهما، وخاصة إذا قال: على شرط البخاري، والبخاري أخرج له في صحيحه تعليقا، أو أخرج له في كتبه الأخرى كالأدب المفرد وغيره.
وأحيانا أعقّبه إذا لم يكن الراوي ممن أخرج له البخاري مطلقا في أي كتاب من كتبه.
10 - ضياء الدين المقدسي (ت 643 هـ) هو الحافظ ضياء الدين أبو عبد اللَّه محمد بن عبد الواحد المقدسي الدمشقي الحنبلي، وسماه: "الأحاديث المختارة مما ليس في الصحيحين"، ويسمى بالاختصار: "المختارة"، وقد فضّل العلماء كتابه على مستدرك الحاكم فقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "تصحيح الحافظ أبي عبد اللَّه محمد بن عبد الواحد المقدسي في مختاره خير من تصحيح الحاكم، فكتابه في هذا الباب خير من كتاب الحاكم بلا ريب، عند من يعرف الحديث"(1).
وقال الحافظ ابن كثير: "وكتاب المختارة فيه علوم حسنة حديثية، وهي أجود من مستدرك الحاكم لو كمل"(2).
إلا أن الحافظ ضياء المقدسي صحّح أحاديث وفي أسانيدها رجال مجهولون وضعفاء.
قال الحافظ ابن عبد الهادي في أثناء كلامه على الأحاديث الواردة في الإمامة: وفي المختارة أحاديث كثيرة ضعيفة.--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوي (22/ 426).
(2) البداية والنهاية (17/ 285).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٧)
وفي "الجامع الكامل" عدد من الأحاديث من المختارة وهي ضعيفة، وبيّنتُ ضعفها.
هولاء أئمة الحديث بذلوا جهدًا عظيمًا في جمع الأحاديث الصحيحة في ديوان واحد، إلا أن العلماء لم يتلقّوا كتبهم بالقبول ما عدا الصحيحين: البخاري ومسلم، لما في مناهجهم من تساهل، ثم لم أجدْ أحدًا من هولاء من اشترط استقصاء الصحيح.
أهم أسباب عدم استقصاء الأحاديث الصحيحة
1 - من أهم أسباب عدم الاستقصاء أنهم اقتصروا على مسموعاتهم؛ فإن عصرهم كان عصر الرواية، فلم يخرّجوا في مؤلفاتهم ما لم يسمعوا من شيوخهم، ولو كان معروفا عند غيرهم بإسناد صحيح، ومثاله في صحيح مسلم(1). أنه يقول: حُدّثتُ عن أبي أسامة، -وهو من شيوخه- إلا أنه لم يسمع منه، وإنما سمعه ممن روى عنه، وهو إبراهيم بن سعيد الجوهري، عن أبي أسامة إلى آخر الحديث.
2 - ومنها: أنهم قصدوا الاختصارَ مع شمول الموضوعات التي يحتاج إليها المسلم.
3 - ومنها: من اقتصر على أحاديث الأحكام.
محاولة أبي داود لاستقصاء الأحاديث الصحيحة في الأحكام
قال أبو داود في رسالته إلى أهل مكة (ص 68): "ولا أعرفُ أحدًا جمعَ على الاستقصاء غيري". كما أنه ادعى: فإنْ ذُكرَ لك عن النبي صلى الله عليه وسلم سنةٌ ليس مما خرّجتهُ فاعلمْ أنه حديث واهٍ".
إلا أنه لم يستطع أن يجمع أكثر من أربعة آلاف وثمانمائة حديث فقط، وفاته شيء لا بأس به، كما أنه اقتصر على السنن والأحكام، ولم يذكر أحاديث الزهد والفضائل كما قال.
طلب كثير من الناس عن كتاب شامل للأحاديث الصحيحة
وقد سئلت كثيرا من مختلف الفئات، فقالوا: إنكم تقولون: إن السنة حجة في--------------------------------------------
(1) صحيح مسلم (2288: 24).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٨)
الدين، فهل عندكم كتاب جامعٌ شاملٌ نرجع إليه لمعرفة أقوال النبي صلى الله عليه وسلم ونحن مطمئنون بصحتها؟
فلما رأيتُ كلَّ ذلك شعرتُ بأهمية تأليف كتاب يجمع الصحِّاح والحِسان والجياد من الأحاديث المسندة المرفوعة المتفرقة في دواوين السنة، فاستخرت اللَّه سبحانه وتعالى، وطلبتُ منه العونَ والتوفيقَ، وشمّرتُ عن ساعد الجِدّ لإِكمال هذا المشروع المبارك، أرجو من ورائه النفعَ والخيرَ الكثيرين للأمة الإسلامية.
الأحاديث الصحيحة كلها محفوظة
أقول -وباللَّه التوفيق-: إن السنة الصحيحة كلها محفوظة بحفظ اللَّه تعالى لها، ثم بجهود علماء الحديث الأتقياء الصالحين، ولكنها لم تكن مجتمعة عند شخص واحد، وإنما كانت مفرقة عند أفراد الأمة كما قال به كثير من أهل العلم.
قال الإمام الشافعي رحمه اللَّه تعالى: "لا نعلم رجلًا جمع السننَ فلم يذهب منها عليه شيء، فإذا جمع عِلْم عامة أهل العلم بها أتي على السنن، وإذا فَرَّق عِلْم كلِّ واحد منهم ذهب عليه الشيء منها، ثم كان ما ذهب عليه منها موجودًا عند غيره"(1).
لأن الأحاديث لم تكن مدوّنة كلها في عصره، وإنما كانت نُتلقّى من أفواه الرجال، وهم متفرقون في البلدان، ولو كان الشافعي رحمه الله وجد كتابًا في أحكام السنن أكبر من "الموطأ" لحفظه مضافا إلى ما تلقاه من أفواه مشائخه.
ولما طلب الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور من مالك رحمه الله أن يضعَ للناس كتبا وقال له: "جَنِّبْ فيها شدائدَ عبد اللَّه بن عمر، ورُخَص ابن عباس، وشواذّ ابن مسعود، وأقصد أوسط الأمور، وما اجتمع عليه الأمة والصحابة، ولئنْ بقيتُ لأكتبنّ كتبك بماء الذهب، فأحمِلُ الناسَ عليها".
فقال مالك: "يا أمير المؤمنين! لا تفعلْ هذا؛ فإن الناسَ قد سبقت لهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، وعملوا به، ودانوا له من اختلاف أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وغيرهم، وإن ردهم عما اعتقدوه شديدٌ، فدعِ الناسَ وما هم عليه، وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم" فقال: العمري--------------------------------------------
(1) الرسالة (ص 42 - 43).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٩)
لو طاوعْتَني على ذلك لأمرتُ به"(1).
ومات أبو جعفر المنصور عام (158 هـ) قبل أن يفرغ الإمام مالك من كتابة الموطأ.
إتمام تدوين الأحاديث النبوية في القرن الخامس
قول الشافعي هذا له أهمية كبيرة في بيان حفظ السنة النبوية، فقد كانت السنة النبوية متفرقة عند علماء الأمة، وهم متفرقون في البلدان، ومن الصعب لشخصٍ واحدٍ أن يرحل إلى جميع هذه المدن والقرى لسماع الحديث وتدوينه، إما لمشقّة السفر، وإما لقلة المال، قال الإمام أحمد: "لو كان عندي خمسون درهمًا لخرجتُ إلى جرير إلى الريّ"(2).
فكان العلماء في الصدر الأول معذورين في ترك الحديث الصحيح لعدم الوقوف عليه، لأن الأحاديث لم تكن كلها مدونة، وإنما لا يزال بعضها يتلقى من أفواه الشيوخ، وهم متفرقون في البلدان، ثم زال هذا العذر بعد القرن الرابع وأوائل القرن الخامس عصر البيهقي وابن عبد البر والخطيب البغدادي وغيرهم من جهابذة هذا الفن، فإنه قد تمّ تدوين هذه الأحاديث المنتشرة في الآفاق في المدونات الكبيرة والصغيرة، وصارت في متناول أيدي الجميع، إلا أنها كانت مختلطة بالصحيح وغيره.
فكان من الممكن دراسة هذه الأحاديث، واستخراج الصحيح منها، واستيعابها في مؤلف واحد ليكون مرجعًا هامًّا مع كتاب اللَّه في فهم أصول الدين وقواعده.
عدد متون الأحاديث في دواوين السنة
في تقديري أنَّ دواوين السنَّة تحوي نحو أربعين ألف حديث بدون تكرار، منها: قرابة ثمانية آلاف حديث في "الكتب الستة" بدون تكرار الأسانيد، وتسعة عشر ألف حديث في "مجمع الزوائد" (يعني مسند أحمد، ومسند البزار، ومسند أبي يعلى، والمعاجم الثلاثة للطبراني)، والزوائد على هذه الكتب -وهي اثنا عشر كتابا- لا أظن أنها تزيد على أكثر من عشرة آلاف في بقية كتب الحديث.--------------------------------------------
(1) ترتيب المدارس للقاضي عياض (2/ 73).
(2) سير أعلام النبلاء (11/ 183)، وجرير هو ابن عبد الحميد الضبي ت (188 هـ).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٠)
ثم وقفتُ على كلام السيوطي في تدريب الراوي يقول: "الأحاديث الصحاح التي بين أظهرنا بل وغير الصحاح لو تتبعت من المسانيد والجوامع والسنن والأجزاء وغيرها لما بلغت مائة ألف بلا تكرار بل ولا خمسين ألفا" اهـ.
موسوعة متون الأحاديث
ولا يتم تحديد العدد الحقيقي للأحاديث إلا بوضع خطة موسوعة شاملة كما أشار إليه الحافظ ابن حجر بقوله: "ولقد كان استيعاب الأحاديث سهلا لو أراد اللَّه تعالى ذلك بأن يجمع الأول منهم ما وصل إليه، ثم يذكر من بعده ما اطلع عليه مما فاته من حديث مستقل، أو زيادة في الأحاديث التي ذكرها، فيكون كالدليل عليه، وكذا من بعده، فلا يمضي كثير من الزمان إلا وقد استوعبت، وصارت كالمصنف الواحد ولعمري لقد كان هذا في غاية الحسن".
ولمزيد من التفصيل انظر كتابي: "معجم مصطلحات الحديث" لفظ: "موسوعة الحديث".
أسأل اللَّه عز وجل أن يوفق إحدى المؤسسات العلمية للقيام بهذا العمل الجليل، وأنا في أتم الاستعداد للتعاون معها إنْ شاء اللَّه تعالى.
عدد الأسانيد في دواوين السنة، وعدد رواتها
وأقول وباللَّه التوفيق: إن الأحاديث في هذه الكتب التي سبق ذكرُها وغيرها تُروي بنحو ثلاثمائة ألف إسنادٍ(1) -منها في الكتب الستة وحدها (34457) حسب طبعة دار السلام بالرياض للكتب الستة في مجلد واحد، فكيف إذا أضيف إليها الكتب المؤلفة في الحديث إلى القرن الخامس الذي أراه نهاية عصر الرواية.
وتدور هذه الأسانيد على خمسين ألف راوٍ تقريبا.
عدد متون الأحاديث الصحيحة
إن المتون الصحيحة المجردة الصافية من هذا العدد تبلغ من اثني عشر ألف--------------------------------------------
(1) هذا العدد يختص بالأحاديث المرفوعة المسندة دون المراسيل والمقاطيع وأقوال الصحابة والتابعين بخلاف قول الإمام البخاري الذي اختار كتابه "الجامع المسند الصحيح المختصر" من ستمائة ألف حديث، وهذا العدد شاملٌ للمرفوع وغير المرفوع بينما مصادر "الجامع الكامل" في الأحاديث المرفوعة المسندة من كتب الحديث فقط.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥١)
حديث إلى خمسة عشر ألف حديث تقريبا: منها ثلاثة آلاف وخمسمائة وأربعة وسبعون (3574) حديثا في الصحيحين حسب النسخة المطبوعة لكتاب: "الجمع بين الصحيحين" للحميدي (ت 488 هـ)، وأتوقع أن تزيد الأحاديث الصحيحة على هذا العدد بمثليه أي ما بين ثمانية آلاف إلى عشرة آلاف؛ فإننا إذا نظرنا إلى الأحاديث الزائدة على الصحيحين نجد أن زوائد السنن الأربعة على الصحيحين حوالي سبعة آلاف، وإذا أضيف إلى هذا العدد زوائد مسند الإمام أحمد على الكتب الستة -وعددها (5153) حديثا حسب النسخة المطبوعة لكتاب: "غاية المقصد في زوائد المسند" للحافظ الهيثمي (ت 807 هـ) - تبلغ زوائد السنن والمسند قرابة اثني عشر ألف حديث، ولا يصفو من هذا العدد على شرط الصحيح والحسن إلا ما بين ثمانية آلاف إلى عشرة آلاف.
مظان الأحاديث الصحيحة
ويمكن أن أقول في ضوء خبرة امتدّت نحو أربعة عقود أنه لا يوجد من الحديث الصحيح والحسن فيما زاد على الكتب الستة ومسند الإمام أحمد وموطأ مالك إلا القليل، ما أظنه يتجاوز ألفي حديث.
مكانة مسند الإمام أحمد
قال حنبل بن إسحاق (ابن عمّ الإمام أحمد): جمعنا أحمدُ بنُ حنبل أنا وصالح وعبد اللَّه، وقرأ علينا "المسند"، وما سمعه غيرنا، وقال:
"هذا الكتاب جمعتُه وانتقيتُه من أكثر من سبع مئة ألف وخمسين ألفا، فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فارجعوا إليه، فإنْ وجدتموه فيه، وإلا فليس بحجّةٍ"(1).
وقال لابنه عبد اللَّه: "احتفِظْ بهذا المسندِ؛ فإنه سيكونُ للناس إمامًا"(2).--------------------------------------------
(1) سير أعلام النبلاء (11/ 329) وعلّق عليه الذهبي بقوله: "في الصحيحين أحاديث قليلة ليست في المسند". قلت: لأن السنة وإنْ كانتْ معظمُها مدوّنةً في عصره إلا أنها كانت لا تزال تُروي عن أفواه الشيوخ، وهم كانوا منتشرين في مختلف البلدان، وما كان أحدٌ يستطيع أن يرحل إلى جميع هذه البلدان. ويدلّ عليه قولُ الإمام أحمد: "لو كان عندي خمسون درهمًا لخرجتُ إلى جرير (هو ابن عبد الحميد الضبّي) إلى الرّيّ". كما سبق ذكره.
(2) سير أعلام النبلاء (11/ 329).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٢)
وقال ابن الجوزي: "إنه كتابٌ لم يُروَ على وجه الأرض كتابٌ في الحديث أعلى منه"(1). يعني به: شمولًا.
وبلغ عددُ أحاديثه حسب النسخة المطبوعة (27647) حديثا بتكرار الأسانيد، وبعد حذف الأسانيد يصفو نحو عشرة آلاف حديث بما فيه صحيح وضعيف، وأما الموضوع فلا، ولذا كان ابن الجوزي موضع النقد قديما وحديثا لأنه أدخل بعض أحاديث "المسند" في كتابه "الموضوعات"، فتعقّبه الحافظ العراقي في بعضها، وتعقّبه الحافظ ابن حجر في سائرها في كتابه "القول المسدّد في الذبّ عن مسند أحمد". وذيّله السيوطي وسمّاه: "الذيل الممهد على القول المسدد"، وأنه أحسن انتقاءً من الكتب التي لم تلتزم الصحة مثل السنن الأربع وغيرها، وزاد فيه عبد اللَّه ابن أحمد أحاديث كثيرة عن مشائخه مما يُماثلُه ويشابِهُه وهو راوي المسند عن أبيه، ثم روى المسند عن عبد اللَّه بن أحمد أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي -نسبة على القطيعة في بغداد- (274 هـ - 368 هـ) وزاد فيه أربعة أحاديث رواها عن شيوخ متروكين، وفي أسانيدها رجال متهمون، وبهذا يتبيّن أن الوضع وقع في روايات القطيعي لا في نفس "المسند" إلا من اختفى أمرُه، ولم يظهر ضعفُه إلا بعد وفاة الإمام أحمد.
عدد أحاديث المستدرك
وكذلك إذا تدبّرنا صنيع من عمل على استدراك الأحاديث الصحيحة الزائدة على الصحيحين نجد أن أحاديث المستدرك على الصحيحين للحاكم (ت 405 هـ) تبلغ ثمانية آلاف وثمانمائة وتسعة وثلاثين (8839) حسب النسخة المطبوعة، ولكن ثلثي الكتاب ليس على شرط الشيخين، ولا على شرط الصحيح، وإليه يشير الذهبي بقوله:
". . . . في المستدرك شيءٌ كثيرٌ على شرطهما، وشيءٌ كثيرٌ على شرط أحدهما، ولعل مجموع ذلك ثلث الكتاب، بل أقل، فإن في كثير من ذلك أحاديث في الظاهر على شرط أحدهما أو كليهما، وفي الباطن لها علل خفية مؤثرة، وقطعة من الكتاب إسنادها صالح وحسن وجيد، وذاك نحو ربعه، وباقي الكتاب مناكير وعجائب،--------------------------------------------
(1) المصعد الأحمد (28).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٣)
وفي غضون ذلك أحاديث نحو المائة يشهد القلب ببطلانها"(1). اهـ.
قال الحافظ ابن القيم رحمه اللَّه تعالى(2): "ولا يعبأ الحفاظ أطباء على الحديث بتصحيح الحاكم شيئا، ولا يرفعون به رأسا البتة، بل لا يُعوّل على تصحيحه، ولا يدل على حسن الحديث، بل قد يصحّح أشياء موضوعة بلا شك عند أهل العلم بالحديث".
عدد أحاديث المختارة
وكذلك عدد أحاديث المختارة مما لم يخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما للضياء المقدسي (ت 643 هـ) في القدر المطبوع منه خمسة آلاف وأربعمائة (5400)، وذكر محقق الكتاب أن ما وقف عليه من هذا الكتاب هو أكثر من النصف بقليل، فإذا قُدِّرَ أن عدد الأحاديث في القدر المفقود منه خمسة آلاف، فيكون مجموع ذلك عشرة آلاف وأربعمائة (10400)، وإذا حذف منه الأسانيد المكررة، وما ليس بصحيح فيبلغ عدد الحديث الصحيح فيه قرابة تسعة آلاف.
عدد الأحاديث الصحيحة على الصحيحين
وحاصل الأمر أن الأحاديث الصحيحة الزائدة على الصحيحين تتراوح ما بين ثمانية آلاف إلى عشرة آلاف، وبهذا يبلغ عدد الأحاديث الصحيحة في دواوين السنة النبوية نحو اثني عشر ألف حديث إلى خمسة عشر ألف حديث تقريبا، والعدد الصحيح لا يمكن تحديده إلا بعد تجريد "الجامع الكامل" وحذف المكررات.
أسباب تأليف الجامع الكامل
وإني لم أجد حسب علمي من وضع منهجًا متكاملًا لاستقصاء الأحاديث الصحيحة والحسنة في ديوانٍ واحدٍ، مع أن له أهمية كبيرة في الدراسات الحديثية من وجوه عديدة، أذكر بعضا منها:
السبب الأول:
أن يكون هذا الكتاب جامعا للسنة الصحيحة كلها في سفر واحد، يُرْجَع إليه--------------------------------------------
(1) سير أعلام النبلاء (17/ 175).
(2) في كتابه الفروسية (ص 245)
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٤)
المعرفة أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم، فيكون مصدرًا هامًّا لعامة الناس الذين يغترُّون كثيرًا بوجود الحديث في الكتب والصحف، ولا يدرون أصحيح هو أم لا؟ كما يكون مرجعا للكُتَّاب والباحثين الذين ينقلون الحديث في كتاباتهم وبحوثهم من غير معرفتهم بالصحيح من الضعيف، إذْ هم ليسوا متخصصين في هذا العلم الذي يتطلب معارف كثيرة، كعلم الجرح والتعديل، وعلم التخريج، وعلم مختلف الحديث وغيرها من العلوم الحديثية، مع اطلاع واسع على كتب الحديث والرجال والعلل والشروح وغيرها.
وقد وُجدت طائفة من الناس تنشر عمدًا في المجتمع الإسلامي الأحاديث الضعيفة والموضوعة غير مبالين بالتحذير الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: "من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ معقده من النار" رواه مسلم في مقدمة صحيحه (ح: 3)(1).
السبب الثاني:
أن يكون هذا الجامع سدًّا منيعًا -بإذن اللَّه- أمام دعاة التجديد الذين ظهروا في عصرنا داعين إلى وضع خطة جديدة حسب زعمهم لتدوين السنة، وهي تتلخص في اختيار بعض الأحاديث التي توافق هواهم، والتشكيك في الباقي بأنه غير ثابت أو أنه مخالف للعقل والمجتمع المدني، ليتخلصوا بذلك من عدد كبير من الأحاديث الصحيحة.
وقد تلقت بعض الصحف الأوربية هذا النبأ بترحيب واسع، لأنه يوافق توجّهاتهم في إيجاد إسلام أوربي على غرار النصرانية في أوربا.--------------------------------------------
(1) قوله: "من كذب عليّ" يدخل فيه المتعمد كما جاء في الحديث.
- وأما من حدّث بالأحاديث الضعيفة الشديدة الضعف مع العلم بذلك فلا يؤمن من الاثم إذا لم يبيّن ذلك.
- ومن حدّث بالأحاديث الضعيفة الخفيفة الضعف في غير الحلال والحرام، فللعلماء في قبولها وردّها مذاهب وشروط كما هو مبسوط في كتب مصطلح الحديث، فمن الأفضل بيان ضعفها ليكون السامع على علمٍ وبيّنةٍ.
- وأما ما وقع من الأحاديث الواهية والموضوعة في كتب أهل العلم المتقدمين فإنهم قد أسندوا تلك الأحاديث، وذكرُ الإسناد من جملة البيان كما قال أهل العلم، فهم بُراء من هذا الوعيد، ولكن كان ذلك عند وَفْرَةِ العارفين بهذا العلم، وأما الآن فلا يسوغُ ذلك لنُدْرة العارفين، وكَثْرَة المغترين، فيَجِبُ بيان ذلك؛ فإن السكوت على ذلك يُؤدّي إلى شيوع كثير من البدعات والخرافات في المجتمعات الإسلامية.
وقد قال الحافظ ابن القيم رحمه الله: "لا يسوغ أن يقول: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لما لا يعلم صحّته ولا ثقة رواته". أحكام أهل الذمة (1/ 114).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٥)
وهذا العمل الموسوعي للأحاديث الصحيحة سوف يُفشل مخططات هولاء ويُحقّق قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: "تركتُ فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسّكتم بهما، كتاب اللَّه، وسنة نبيه". وسيأتي تخريجه في كتاب الاعتصام.
السبب الثالث:
أن يكون هذا الجامع بإذن اللَّه تعالى سدًّا منيعا أمام كل من يحاول تحريف هذا الدين الصحيح الصافي القائم على الكتاب والسنة الصحيحة بإدخال الأحاديث الموضوعة والمنكرة.
السبب الرابع:
أن يكون هذا الجامع مرجعا هاما -بإذن اللَّه تعالى- عند التنازع، فقد أمرنا اللَّه سبحانه وتعالى بالرجوع إلى اللَّه والرسول عند التنازع، أي إلى الكتاب والسنة، والمراد بالسنة هي السنةُ الصحيحةُ، لا الواهية والمنكرة، فإنّ اللَّه لم يأمرنا بالتعبّد بما لم يثبت.
السبب الخامس:
إن هذا الجامع سوف يساعد على فهم الحديث وفقهه، لأن الحديث يُفسّر بعضُه بعضًا كما قال الإمام أحمد رحمه الله وغيره، وقد وقفتُ على كلام بعض أهل العلم أنهم أنكروا على وجود بعض الألفاظ الواردة في الصحاح لعدم وقوفهم عليها، ومن ثم أخطؤوا في فقه الحديث.
السبب السادس:
إن هذا الجامع سوف يُساهِم في جمع كلمة الأمة على الكتاب والسنة، في كل أمر وقع فيه التنازع والاختلاف، لأني بعد تفكير طويل اقتنعت بأن من أهم أسباب فُرقة الأمة الإسلامية عَدم تدوين الأحاديث الصحيحة في سِفْر واحد يرجع إليه أهلُ العلم خاصةً، وجمهور المسلمين عامةً عند الحاجة، لأن السنة مصدر من مصادر الإسلام. فكل من يريد ترويجَ فكرةٍ مُناهضةٍ لتعاليم الإسلام الصحيحة يجد في كتب الحديث والتفسير والفقه والتاريخ الأحاديثَ الضعيفةَ والمنكرة ما يوافق هواه.
ومن أهل العلم من كانوا مخلصين لدينهم وعقيدتهم، ولكن لعدم تمكنهم من
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٦)
علم الحديث استدلوا بأحاديث ضعيفة.
وإليه يُشير شيخُ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بقوله: "وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة، ولم يعلموا أنه بدعة، إما لأحاديثَ ضعيفةٍ ظنوها صحيحةً، وإما لآيات فهموا منها ما لم يُرَدْ منها، وإما لرأي رأوه، وفي المسألة نصوص لم تبلغهم"(1).
السبب السابع:
أن يكون هذا الجامع بإذن اللَّه تعالى للراغبين في العمل بالحديث الصحيح منهلًا يرجعون إليه؛ لأن العمل بالأحاديث الصحيحة فيه مندوحة عن العمل بالأحاديث الضعيفة والمنكرة، سواءً أَكان في الحلال والحرام، أم في الترغيب والترهيب؟ ، وقد أبدى الإمام مسلم بن الحجاج في مقدمة جامعه الصحيح استياءَه الشديد لمن يروي الأحاديث الضعيفة ولا يُبين ضعفها.
بل إن بعض أهل العلم قد تساهلوا في ذكر الأحاديث الواهية والمنكرة في الترغيب والترهيب دون بيان عللها خوفا من التنفير المعارض للترغيب والترهيب كما قالوا.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى: "ولا يجوز أن يُعتمد في الشريعة على الأحاديث الضعيفة التي ليست صحيحة ولا حسنة، ولكن أحمد بن حنبل وغيره من العلماء جوزوا أن يُروى في فضائل الأعمال ما لم يُعلم أنه ثابت إذا لم يعلم أنه كذب، وذلك أن العمل إذا علم أنه مشروع بدليل شرعي وروي في فضله حديث لا يعلم أنه كذب جاز أن يكون الثواب حقًّا، ولم يقل أحد من الأئمة إنه يجوز أن يجعل الشيء واجبًا أو مستحبًا بحديث ضعيف، ومن قال هذا فقد خالف الإجماع"(2).
هذه بعض الأسباب الداعية للقيام بهذا العمل المبارك -وهو في الحقيقة إكمال لعمل الإمامين البخاري ومسلم في صحيحيهما، وإنْ كان أكثرُه ليس على مرتبتهما ولكنها صحيحة- لنُبيّن للناس بأن ما عليه أهل السنة والجماعة أساسُهم الكتاب--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوي (19/ 191).
(2) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (2/ 175).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٧)
والسنة الصحيحة.
قال الحافظ البيهقي رحمه الله: "ليكون الناظر فيها من أهل السنة على بصيرة مما يقع الاعتماد عليه، ولا يجد من زاغ قلبه من أهل البدع عن قبول الأخبار مغمزًا فيما اعتمد عليه أهل السنة من الآثار"(1).
بخلافِ أهل البدعِ، فإنَّ اعتمادَهم غالبًا يكونُ على الأحاديثِ الضعيفةِ والمنكرةِ بل الموضوعةِ في أعيادِهم وعاداتِهم، وفضائلِ الأعمالِ والأذكارِ وغيرِها، وقد قال بعضُ السلفِ: مَا ابتدعَ أحدٌ بِدْعةً إلا خَرجتْ حَلاوةُ الحديثِ مِنْ قلبِه.
ميزة هذه الأمة باستعمال الإسناد
تميّزتْ هذه الأمةُ الإسلامية من بين سائر الأمم، باستعمال الإسناد في فجر تاريخها لمعرفة الحديث الصحيح من السقيم، فكما لم يقبلوا حديثا بدون إسناد، كذلك لم يقبلوا كتابا بدون سماع من المؤلف أو من الرواة عنه، ولما وقف المستشرقون على هذه الميزة تحيروا، لأن كتبهم المقدسة لديهم خالية من الإسناد كليا والمنصفون منهم أثنوا على هذا العلم الذي وضعه المسلمون، حتى قال اسبرنكوالتيرولي في مقدمة كتاب الإصابة طبعة (1853 م) في مدينة كالكتة بالهند: "إن هذه الكتب -أي كتب الرجال- حفظت لنا ترجمة الرواة، بلغ عددهم نحو خمسمائة ألف شخص".
قلت: وفي قوله هذا مبالغة إلا إنْ أراد رواية كتب الحديث إلى عصره -وخاصة في الهند- لأنه عاش فيها نحو خمس وثلاثين سنة، ورأى أن كتب السنة تُروى بالأسانيد.
ورواة الحديث إلى نهاية القرن الخامس الذين عليهم المدار في صحة الحديث وضعفه، فلا يتجاوزون عن خمسين أو ستين ألف راويا، وأما المتعصبون من المستشرقين فتغيظوا وبدؤوا يفترون على كبار المحدثين افتراءات بدون حجة وبرهان، وأخذ عنهم بعضُ الكُتّاب المسلمين للتشكيك في الحفاظ على السنة النبوية، فإلى هؤلاء جميعا أهدي هذا العمل المبارك، لعل اللَّه يهديهم إلى الحق والصواب.--------------------------------------------
(1) مقدمة دلائل النبوة (1/ 47).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٨)
المحدّث كالصيرفيّ الماهر
ولا يضرُّ ما يُثير بعضُ الكُتّاب الشبهات في أهمية السنة وحجيتها بأن العلماء لم يتفقوا على تصحيح الحديث وتضعيفه، وتعديل الرجال وتضعيفهم، والترجيح بين المرسل والمتصل، والموقوف والمرفوع وفي غيره من الموضوعات الحديثية، فأقول لهم جميعا: إن الأصل هو الاحتجاج بالحديث الصحيح كما نص عليه جميع أهل العلم من المحدثين والفقهاء والأصوليين وغيرهم، وأما الاختلاف في التصحيح والتضعيف فهو ناشئ إما من عدم العلم بالتخريج، وإما من تطبيق بعض قواعد علوم التخريج المختلف فيها بين أهل العلم، وعدم القدرة على التوفيق بين أقوالهم، ثم هو في هذا كغيره من العلوم الإسلامية مثل التفسير والفقه والأصول واللغة العربية وبلاغتها، فهذا الخلاف لا يجعل هذه العلوم محل شك وارتياب، فكذلك علم التخريج مع أن الغالب فيه اتفاق أهل العلم المتمكنين في هذا العلم كما يدل عليه قصة أبي حاتم قال: "جاءني رجل من جلة أصحاب الرأي، من أهل الفهم منهم، ومعه دفتر، فعرضه عليّ فقلت في بعضها: هذا حديث خطأ، قد دخل لصاحبه حديث في حديث، وقلت في بعضه: هذا حديث باطل، وقلت في بعضه: هذا حديث منكر، وقلت في بعضه: هذا حديث كذب، وسائر ذلك أحاديث صحاح.
فقال لي: من أين علمتَ أن هذا خطأٌ، وأن هذا باطلٌ، وأن هذا كذب؟ أخبرك راوي هذا الكتاب، بأني غلطت، وإني كذبتُ في حديث كذا؟ فقلت: لا، ما أدري هذا الجزء من رواية من هو؟ غير أني أعلم أن هذا خطأ، وأن هذا الحديث باطل، وأن هذا الحديث كذب، فقال: تدّعي الغيب؟ قلت: ما هذا ادّعاء الغيب.
قال: فما الدليل على ما تقول؟ قلت: سل عما قلت من يُحسن مثل ما أُحسن، فإن اتفقنا علمتَ أنا لم نُجازف، ولم نقله إلا بفهم. قال: من هو الذي يُحسن مثل ما تُحسن؟ قلت: أبو زرعة، قال: ويقول أبو زرعة مثل ما قلتَ؟ قلت: نعم، قال: هذا عجب.
فأخذ فكتب في كاغد ألفاظي في تلك الأحاديث، ثم رجع إليّ وقد كتب ألفاظ ما تكلم به أبو زرعة في تلك الأحاديث، فما قلت: إنه باطل قال أبو زرعة: هو كذب، قلت: الكذب والباطل واحد، وما قلت: إنه كذب، قال أبو زرعة: هو
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٩)