باطل، وما قلت: إنه منكر، قال أبو زرعة: هو منكر، كما قلت، وما قلت: إنه صحاح، قال أبو زرعة: صحاح.
فقال: ما أعجب هذا! تتفقان من غير مواطأة فيما بينكما؟ فقلت: فقد ثبت من ذلك أنا لم نُجازف، وإنما قلناه بعلم ومعرفة قد أُوتينا.
والدليلُ على صحة ما نقوله بأن دينارًا مبهرجًا يحمل إلى الناقد فيقول: هذا دينار مبهرج، ويقول الدينار: هو جيد، فإن قيل له: من أين قلت: إن هذا مبهرج؟ هل كنت حاضرا حين بهرج هذا الدينار؟ قال: لا، فإن قيل له: فأخبرك الرجل الذي بهرجه أني بهرجت هذا الدينار؟ قال: لا، قيل فمن أين قلت: إن هذا مبهرج؟ قال: علما رزقتُ، وكذلك نحن رزقنا معرفة ذلك"(1)
منهج جمع الأحاديث في الجامع الكامل
والمنهج الذي سرتُ عليه في جمع الأحاديث ودراستها هو كالتالي:
1 - جعلت الكتب الثلاثة وهي: موطأ الإمام مالك برواية يحيى بن يحيى الليثي الأندلسي، والصحيحين في مرتبة واحدة، فإذا كان الحديث في هذه الكتب الثلاثة مجتمعة أو منفردة خرجته في الجامع.
وأطلقت لفظ: "متفق عليه" على ما أخرجه الشيخان ولو بجزء من الحديث إذا رواه صحابيٌّ واحدٌ، بغَضّ النظر عن الإسناد من أوله إلى آخره، وأضفتُ إليهما مالكا إنْ كان الحديث في الموطأ وأخرجاه من طريقه، لعلوّ شأنه.
وإذا انفرد أحد الشيخين بحديث. قلت: صحيح: أخرجه البخاري أو مسلم؛ فإن قولي: "صحيح" دليلُه إخراج البخاري أو مسلم له، وليس ذلك حكما مستقلا مني. وقد فعل ذلك غيرُ واحد من الأئمة، منهم البغوي في شرح السنة، والنووي في شرح المهذب، وبيّنتُ ذلك بالتفصيل في مقدمة "المنة الكبرى".
ولم أخرج من صحيح البخاري المعلقات، ولكن إذا وجدتها موصولة وصحّ إسنادها خرّجتها.
وكذلك لم أخرج من موطأ مالك البلاغات والمراسيل، وإنما اقتصرتُ على المرفوعات--------------------------------------------
(1) تقدمة الجرح والتعديل (ص 249 - 250).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٦٠)
المتصلة البالغ عددها ستمائة حديث، والصحيح منها دخل في الجامع الكامل.
واعتنيتُ بذكر الزيادات التي في السنن على الصحيحين إن كانت صحيحة وتفيد حكما زائدا، أو توضّح غامضا بقدر الإمكان.
2 - ثم توجهت إلى السنن الأربعة، وهي سنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه، فما زاد في هذه السنن على الكتب الثلاثة (الصحيحين والموطأ) وهو صحيح أو حسن خرجته في الجامع.
ومنهجي في ذكر الزوائد على الصحيحين: الأصل فيه أن لا أذكر غير السنن، ولكن أحيانا أزيد عليها من المصادر المعروفة مثل مسند الإمام أحمد، وصحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن حبان، وسنن الدارقطني، ومستدرك الحاكم، وسنن البيهقي وغيرها لأَطْمئنَّ على التقاء الإسناد، ولمعرفة رواته إن كان مدلّسا صرّحَ أو لم يُصرّح، وإنْ كان مختلطا فهل الراوي عنه روي قبل الاختلاط أو بعد الاختلاط، وإنْ كان زيادة في المتن فهل هذه الزيادة منافية أو غير منافية.
وقد لا أجد هذه المبررات ومع ذلك أذكر بعض هذه المصادر لشهرتها، وأتجنّب عن ذكر كثير من المصادر الأخرى التي لا تفيد شيئا في التخريج خوفًا من ثقل الحواشي.
3 - ثم تتبعت ما زاد على الكتب السبعة من الأحاديث الصحيحة والحسنة من "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" للحافظ الهيثمي، و"المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية" للحافظ ابن حجر.
فإن الأول جامع لما زاد على الكتب الستة من مسند الإمام أحمد ومسند البزار ومسند أبي يعلى ومعاجم الطبراني الثلاثة.
والثاني جامعٌ لما زاد على الكتب الستة ومسند الإمام أحمد من مسانيد: الطيالسي، والحميدي، وابن أبي عمر العدني، ومسدد، وأحمد بن منيع، وأبي بكر ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والحارث بن أبي أسامة، وأضاف إليها مؤلفه ما فات الهيثمي من زوائد مسند أبي يعلى أيضًا لكونه اقتصر على الرواية المختصرة، كما أضاف إليها زوائد ما وجده من مسند إسحاق بن راهويه، وهو قدر النصف منه.
فما وجدت في هذين الكتابين من الأحاديث الزائدة على الكتب السبعة وهي
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٦١)
صحيحة أو حسنة خرجتها في الجامع.
4 - ثم خرجت الأحاديث الزائدة على الكتب السابقة (وهي الموطأ، والكتب الستة، ومجمع الزوائد، والمطالب العالية) في دواوين الأحاديث الأخرى مثل مصنف عبد الرزاق، ومصنف ابن أبي شيبة، وسنن سعيد بن منصور، وسنن الدارمي، والمنتقى لابن الجارود، وصحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن حبان، وكتب الطحاوي، والدارقطني، ومستدرك الحاكم، وكتب البيهقي، والكتب المسندة المفردة في أبواب معينة مثل كتب التفسير، وكتب العقيدة، وكتب الأحكام، وكتب الزهد، وكتب الدعاء، وكتب الأخلاق، وغيرها من الكتب المؤلفة المسندة.
هذا ما يختصُّ باستيعاب مادة الكتاب، وأما التخريج فكان من هذه الكتب وغيرها حسب أصول التخريج.
الزوائد على الكتب المشهورة الغالب عليها النكارة والشذوذ
وأعتقد أن الزوائد على هذه الكتب من الأجزاء والأمالي والفوائد والمعاجم والمشيخات المطبوعة والمخطوطة فالغالب عليها النكارة والشذوذ والوضع؛ لأن المقبول منها قد دخل في دواوين الإسلام المشهورة. أقول هذا عن خبرة ودراية بحمد اللَّه وتوفيقه.
ويشهد به عمل جهابذة هذا الفن مثل البخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وابن عدي، والدارقطني، وابن الجوزي وغيرهم في كتب العلل، فيغترّ من لم يُمعن النظر في كتب العلل، فيحكم بصحة الحديث لظاهر الإسناد.
مظانّ الأحاديث الصحيحة عند الحافظ ابن حجر
ثم وقفت على كلام الحافظ ابن حجر في مقدمة: إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة وهي:
1 - صحيح الدارمي
2 - صحيح ابن خزيمة
3 - صحيح ابن الجارود
4 - صحيح أبي عوانة
5 - صحيح ابن حبان
6 - المستدرك على الصحيحين
7 - موطأ مالك
8 - مسند الشافعي
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٦٢)
9 - مسند أحمد
10 - شرح معاني الآثار
11 - سنن الدارقطني.
أضاف الحافظ "سنن الدارقطني"(1) إلى هذه الكتب العشرة لجبر ما فات من الوقوف على جميع صحيح ابن خزيمة.
قال: "وهذه المصنفات قلَّ أن يشذّ عنها شيءٌ من الأحاديث الصحيحة لا سيما في الأحكام إذا ضُمَّ إليها أطراف المزي" أي الكتب الستة وتوابعها.
بل كان كثير من أهل العلم يستدلون على ضعف الحديث ونكارته بعدم إخراجه في دواوين الإسلام كالصحيحين، والسنن الأربعة، وموطأ مالك، ومسند الإمام أحمد، كما يقول ذلك ابن الجوزي في الموضوعات (1/ 141). وقال أيضًا: "كل حديثٍ رأيتَه يخالف المعقولَ أو يناقض الأصول فاعلمْ أنه موضوع. وقوله: "يناقض الأصول" أي: دواوين الإسلام.
وهذا إن لم يكن على إطلاقه فهو الغالب.
وخلاصة القول أنه يمكن حصرُ الأحاديث الصحيحة في مكان واحد بعد ظهور هذه الدواوين، وإنْ كان فيه مشقة بالغة لا يقدرها إلا اللَّه سبحانه وتعالى والراسخون في هذا العلم.
أنواع الأحاديث في كتب الحديث
وأما الأحاديث في هذه الكتب فهي على ثلاثة أنواع:
النوع الأول: ما اتفق أهل العلم بالحديث على صحته مثل أحاديث الصحيحين وغيرهما.
النوع الثاني: ما اتفق أهل العلم بالحديث على ضعف مخرجه.
النوع الثالث: ما اختلف أهل العلم بالحديث في تصحيحه وتضعيفه، فهذا هو النوع الذي أجتهد في الحكم عليه قبولًا أو ردًّا، في ضوء قواعد علوم الحديث وتخريجه، معتمدًا على أقوال العلماء البارزين، فلسنا نحن إلا عيالًا عليهم.--------------------------------------------
(1) قال ابن عبد الهادي عن سنن الدارقطني: "والدارقطني إنما جمع في كتابه "السنن" غرائب الأحاديث، والأحاديث المعلّلة والضعيفة فيه أكثر من الأحاديث السالمة من التعليل". تنقيح التحقيق (3/ 276).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٦٣)
وإلى هذا النوع يشير الحافظ البيهقي في مقدمة دلائل النبوة (1/ 38) بقوله: "وأما النوع الثالث من الأحاديث فهو حديث قد اختلف أهل العلم بالحديث في ثبوته، فمنهم من يضعفه بجرح ظهر له من بعض رواته خفي ذلك على غيره، أو لم يقف من حاله على ما يوجب قبول خبره، وقد وقف عليه غيره، أو المعنى الذي يجرحه به لا يراه غيره جرحا، أو وقف على انقطاعه أو انقطاع بعض ألفاظه، أو إدْراج بعض رواته قولَ رواته في متنه، أو دخول إسناد حديث في حديث خفي ذلك على غيره.
فهذا الذي يجب على أهل العلم بالحديث بعدهم أن ينظروا في اختلافهم، ويجتهدوا في معرفة معانيهم في القبول والرد، ثم يختاروا من أقاويلهم أصحّها. وباللَّه التوفيق". انتهى قول البيهقي.
ذكر بعض الفوائد المهمّة وقواعد التخريج التطبيقية التي اشتمل عليها الجامعُ الكامل
أذكر هنا بعض الفوائد التطبيقية في أصول التخريج ليستفيد منها طلبة الحديث المشتغلين بالتخريج، وهي مما كتبتُها بالعجالة؛ لأن استيعاب هذه الفوائد يحتاج إلى قراءة الكتاب من أوله إلى آخره، ويستغرق ذلك زمنا طويلا واللَّه المستعان.
1 - ربط السنة بالقرآن
ربطتُ السُّنّةَ بالقرآنِ بقدرِ الإمكانِ؛ لأنَّ السُنَّةَ مفسرةٌ له، فَلا يَسْتَغْنِي أحدُهمَا عن الآخرِ، لأنهما أسَاسُ هذا الدّينِ الحنيفِ.
وكان من منهج المحدثين الرجوع إلى الكتاب والسنة لاستنباط الأحكام منهما قبل تَفْرِيعِها، فإذا كان القرآن محتملًا لوجوه خصَّصوه بالسنّة.
وكانَ الإمامُ البخاريُّ رحمه اللَّهُ تعالى الذي أوّل من جرّدَ الصحيحَ يُتَرْجِمُ للحديث ما يُستفادُ منه، ويَرْبِطُه بالقرآن، ويَدْعَمْه بآثار الصحابة والتابعين، ويكتفي بها تعبيرًا عن رأيه، ولذا قيل: فقهُ البخاري في تراجمِه، فإذا لم يَقْطَع الحكمَ أتي بصيغة الاستفهام، وتبعه في هذا المنهج الإمامُ البغويُّ في كتابه: "شرح السنة" ثم توقّف هذا المنهج.
2 - تصحيح الحديث ولو بطريق واحد
إذا صحَّ الحديثُ بشروطه المعتبرة ولو ببعض الطرق لم ألتزم بذكر جميع طرقه
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٦٤)
كما هو منهج أصحاب الصحاح.
3 - إذا صحّ الحديث لا يلزم ذكر جميع مصادره
وكذلك لم ألتزم بذكر جميع المصادر الحديثية، بل انتقيتُ منها المشهورة المعتمدة فقط؛ فإن حشر المصادر دون فائدة حديثية لا يفيد شيئا في تصحيح الحديث وتضعيفه، وإنما يتضخم به الكتاب فحسبُ.
4 - أصول التخريج
وقد بيّنتُ في كتابي: "معجم مصطلحات الحديث ولطائف الأسانيد" في مادة "التخريج" أن التخريج على نوعين فقط، لا ثالث لهما:
الأول: التخريج على طريق أطراف الأسانيد.
والثاني: التخريج على طريق التقاء الأسانيد.
ولكل من النوعين أصول وضوابط بيّنتُها بالتفصيل في الموضع المُشار إليه.
ثم إن كتابي هذا ليس كتاب علل وتخريج، وإنما هو كتاب جامع للأحاديث الصحيحة والحسنة. فلم أطوّل فيه تخريج الأحاديث، وبيان عللها، بل اكتفيتُ بما يؤدي المطلوب على منهج أصحاب الصحاح.
5 - أخبار الآحاد
خبر الآحاد يفيد العلم والعمل إذا صحَّ بشروطه المعتبرة، وليس فيه علة ولا شذوذ.
وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم وأنه وقع التعبّد به بدون فرق بين العقيدة والشريعة.
قال الحافظ ابن القيم: "فمن نص على أن خبر الواحد يفيد العلم: مالك والشافعي وأصحاب أبي حنيفة وداود بن علي وأصحابه كأبي محمد بن حزم، ونصَّ عليه الحسين علي الكرابيسي والحارث بن أسد المحاسبي"(1).
وقال الإمام أحمد في حديث الرؤية: نعلم أنها حق، ونقطع على العلم بها، وروى المروزي فقال: قلت لأبي عبد اللَّه: ههنا اثنان يقولان: إن الخبر يوجب عملا ولا يوجب علما فقال: لا أدري ما هذا؟ قال القاضي: ظاهره أنه يُسوّي بين العلم والعمل إذا صحَّ سنده.--------------------------------------------
(1) مختصر الصواعق المرسلة (1/ 480).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٦٥)
وأوّل من تصدّى للردّ على من أنكر حجية أخبار الآحاد الإمام الشافعي رحمه اللَّه تعالى فقال(1): "قال لي قائل: احدُدْ لي أقل ما تقوم به الحجة على أهل العلم حتى يثبت عليهم خبر الخاصة. قال: فقلت: خبر الواحد عن الواحد حتى ينتهي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو من انتهي به إليه دونه. وقال: لا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورا:
منها: أن يكون من حدّث به ثقة في دينه، معروفا بالصدق في حديثه، عاقلا لما يحدث به، عالما بما يحيل معاني الحديث من اللفظ، وأن يكون ممن يؤدّي الحديث بحروفه كما سمع، لا يحدث به على المعنى لأنه إذا حدث به على المعنى وهو غير عالم بما يحيل معناه، لم يدرِ لعله يحيل الحلال إلى الحرام، وإذا أدّاه بحروفه فلم يبق وجهٌ يخاف فيه إحالته الحديث، حافظا إنْ حدث به من حفظه، حافظا لكتابه إن حدث من كتابه، إذا شركَ أهل الحفظ في الحديث وافق حديثَهم، بريئا أن يكون مدلّسا -يحدث عمن لقي ما لم يسمع منه، ويحدّث عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يحدّث الثقات خلافه عن النبي صلى الله عليه وسلم ويكون هكذا من فوقه ممن حدّثه حتى ينتهي بالحديث موصولا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى من انتهى به إليه دونه، لأن كل واحد منهم مثبت لمن حدّثه، ومثبت على ما حدث عنه، فلا يُستغني في كل واحد منهم عما وصف". انتهى قول الشافعي.
وهذا القول من الشافعي رحمه الله فيه دليل واضح بأن خبر الخاصة إذا رواه من وُجِدَ فيه الصفات التي ذكرها فإنه حجة، ولا يُستغني عنه، وعليه جمهور العلماء من المحدثين والفقهاء، فإنهم جميعا قالوا: إذا صحّ الخبر فأضربوا بقولي الحائط، وقالوا أيضًا: إذا صحَّ الحديث فلم أقلْ به فأنا مجنون. فردُّ خبر الآحاد بحجة أنها ظنيةٌ ما عُرفَ إلا بعد القرون المفضلة المشهود لها بالخير.
وأما تقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد فهو متأخر، ولم يكن معروفا عند المحدثين، وحسب علمي أول من ذكر هذا التقسيم هو الخطيب البغدادي (ت 463 هـ) في كتابه "الكفاية" فقال: "تقسيم الأصوليين للخبر إلى المتواتر والآحاد"، ولم يعز ذلك إلى أهل الحديث. قال ابن الصلاح في معرفة علوم--------------------------------------------
(1) الرسالة (ص 369) ـ
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٦٦)
الحديث ص (267): وإنْ كان الخطيب قد ذكره، ففي كلامه ما يُشعر بأنه اتبع فيه غير أهل الحديث".
وقد تكلمتُ في هذه المسألة بالتفصيل في كتابي "دراسات في الجرح والتعديل"، والطبعة الخامسة، طبعة دار السلام
6 - ذكر المتابعات لتقوية الحديث
لا يلزم من رواية الحديث من وجوه كثيرة أن يحصل من مجموعها أنه حسن، بل إنما تفيد المتابعة إذا كان راويه ضعيفا لسوء حفظه، أو لاختلاطه، أو كان مستورا، أو لتدليسه، إلا إنْ كان المدلّسان من طبقة واحدة، فيُخشى أن يكون شيخُهما واحدًا.
وأكتفي في هذا لبيان مدار الإسناد إلا إذا اختلف في رفعه ووقفه، أو وصله وإرساله، فأترجم أطراف الأسانيد لبيان الراجح منها، وقد أذكره أحيانا لنفي التفرّد إنْ كان راويه ثقة.
والمتابعة على قسمين:
المتابعة التامة: وهي أن تحصل المشاركة للراوي من أول الإسناد، ومثاله ما رواه الشافعي، عن مالك، عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين.
قال الحافظ إن الحديث المذكور في جميع المؤطآت عن مالك بهذا الإسناد بلفظ: فإن غم عليكم فاقدروا له، فأشار البيهقي إلى أن الشافعي تفرد بهذا اللفظ عن مالك فنظرنا فإذا البخاري قد روى الحديث في صحيحه (1907) فقال: حدثنا عبد اللَّه بن مسلمة القعنبي، ثنا مالك بإسناده فساقه بالذي ذكره الشافعي سواء.
فهذه متابعة تامة في غاية الصحة.
والمتابعة القاصرة: وهي أن تحصل المشاركة للراوي في أثناء الإسناد، ومثاله ما أخرجه مسلم في صحيحه (1080) من طريق أبي أسامة، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر فذكر الحديث، وفي آخره: فإن أغمي عليكم فاقدروا له ثلاثين.
وأخرجه ابن خزيمة (1909) من طريق عاصم بن محمد بن زيد، عن أبيه، عن ابن عمر بلفظ: فإن غمَّ عليكم فكمّلوا ثلاثين. فهذه متابعة ناقصة.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٦٧)
7 - ذكرتُ ما صحّ في كل باب
ذكرتُ في كل باب ما صحّ من الأحاديث، وكذلك ذكرتُ الأحاديث التي فيها ضعف يسير إنْ كان لها أصول صحيحة.
فإذا قلتُ: إسناده صحيح، وتعدّدَتْ مخارجُه، فليس معناه أن إسناد كل مخرج من المخارج صحيح لذاته، وإنما المقصودُ منه صحة الإسناد من مدار الإسناد، وإن كان في بعض رجال الإسناد ممن دون ملتقى الإسناد مقال، فإن متابعة بعضهم لبعض يجبره إلا أن يكون في الإسناد متروك أو متهمٌ أو كذّابٌ فهذا لا بد من بيانه.
وكذلك ذكرتُ تحت الباب بعض الأحاديث التي لا يصحّ إسناده، إنْ كان معناه صحيح مثل ما كان يفعل الترمذي أحيانا، انظر مثال ذلك في سننه (1736) فإنه ذكر فيه حديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا اعتمّ سدل عمامته بين كتفيه، وقال: وفي الباب عن عليّ، ولا يصحّ حديثُ عليٍّ في هذا من قبل إسناده.
فإذا قلت: إسناده صحيح فلا ألتزم أن أقول: رجاله ثقات، أو رجاله رجال الصحيح، لأن الحكم بالصحة يلزم أن يكون رجاله ثقات، وهو الشرط الأول لصحّة الحديث، وهذا المنهج المتبع عند الترمذي والبغوي وغيرهما من أئمة الحديث.
8 - الاجتناب من تصحيح الأحاديث المنكرة والموضوعة بالشواهد
تجنّبتُ من تصحيح الأحاديث الضعيفة شديدة الضعف، وكذلك المنكرة والموضوعة بالشواهد الصحيحة، لأن هذا المنهج لم يكن معروفا في القرون الثلاثة الأولى، والعمدة في ذلك منهج الشيخين البخاري ومسلم فإنهما لم يُصحّحا الأحاديث الضعيفة بالشواهد، وكذلك لم يفعل ذلك ابن خزيمة وابن حبان مع تساهلهما في الرجال، وأوّل من انتهج هذا المنهج وتوسّع فيه الحافظ أبو عبد اللَّه الحاكم صاحب المستدرك، ولذا كثر فيه الأحاديث المنكرة والموضوعة كما قال الذهبي وغيره، ولو كان هذا المنهج سائغا لما اجتهد المحدثون هذا الاجتهاد العظيم في تنقية الأحاديث الصحيحة من الأحاديث الضعيفة.
وأما الأحاديث التي لها شواهد كثيرة وليس لها أصول ثابتة، وكذلك الأحاديث الضعيفة التي لا ترتقي إلى درجة الحسن بالمتابعات، فقد ذكرتُ بعض هذه الأحاديث في التخريج لبيان حالها، وأعرضتُ عن ذكرها في صُلب الكتاب.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٦٨)
وكذلك ذكرتُ أحيانًا أحاديثَ المتروكين والمتهمين لبيان حالها فقط.
9 - الاعتماد على تصحيح الأئمة المتقدمين
إذا صحّح الحديثَ الأئمةُ الأولون المعتبرون الذين هم القدوة في هذا الفن فلا أشتغل في تضعيفه وتأويله وتنسيخه؛ لأن التصحيح يقتضي انتفاء جميع موانع الضعف مثل الإرسال، والانقطاع، والإعضال في الإسناد، والضعف في الرجال، والنكارة والشذوذ والاضطراب والنسخ في المتن؛ فإن الاشتغال فيه يؤدّي إلى تضعيف عدد كبير من الأحاديث الصحيحة، إلا أن يكون الإمام موصوفا بالتساهل في التصحيح مثل الترمذي وابن حبان والحاكم وغيرهم، فلا بأس بمخالفتهم إذا ظهرت العلة، بخلاف إذا ضعّفوا الحديث فلا بأس بالاشتغال به لازالة العلة التي أعلّوا بها، وفي الجامع الكامل أمثلة كثيرة من هذا النوع، وأذكر هنا مثالًا واحدًا.
قال إسحاق بن هانئ: قال لي أبو عبد اللَّه -يعني أحمد بن حنبل- قال لي يحيى بن سعيد: لا أعلم عبيد اللَّه يعني ابن عمر أخطأ إلا في حديث واحد لنافع عن ابن عمر أن النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم قال: "لا تسافر امرأة فوق ثلاثة أيام. . . " الحديث، قال أبو عبد اللَّه: "فأنكره يحيى بن سعيد عليه! ".
قال أبو عبد اللَّه فقال لي يحيى بن سعيد: "فوجدته قد حدث به العمري الصغير عن نافع عن ابن عمر مثله".
قال أبو عبد اللَّه: "لم يسمعه إلا من عبيد اللَّه، فلما بلغه عن العمري صحّحه".
قال ابن رجب: وهذا الكلام يدل على أن النكارة عند يحيى القطان لا تزول إلا بمعرفة الحديث من وجه آخر(1).--------------------------------------------
(1) شرح علل الترمذي (1/ 453 - 454)، وحديث عبد اللَّه بن عمر متفق عليه: رواه البخاري في تقصير الصلاة (1087)، ومسلم في الحج (1338) كلاهما من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد اللَّه بإسناده، كما أن البخاري رواه أيضًا من طريق أبي أسامة وابن المبارك كلاهما عن عبيد اللَّه بإسناده.
فزالت العلة التي أعلّ بها ابن القطان بمجيء الحديث من وجه آخر عن نافع. فقال: فوجدته قد حدّث به العمري الصغير عن نافع، عن ابن عمر مثله.
والعمري الصغير هو: عبد اللَّه بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وكان ضعيفا في الحديث، وكان أصغر سنًّا من أخيه عبد اللَّه، ولكن متابعة أخيه الأكبر له تقوّيه. وقد وجدتُّ له متابعا آخر وهو ما رواه مسلم من طريق الضحاك ابن عثمان، عن نافع، عن ابن عمر. فذكر نحوه. فاعلّه يحيى بن سعيد القطان أولا لتفرد عبيد اللَّه عن نافع، فلما وقف على متابع له صحّحه، كذلك هذا العلم.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٦٩)
10 - حكم الترمذي على الحديث بالغريب
إذا حكم الترمذي على الحديث بالتصحيح والتحسين مؤكدًا بأنه غريب من هذا الوجه، وفيه رجال مجهولون أو ضُعفاء، فَحَمْلُ الخطأِ على الترمذي لتساهله أولى من قولنا: لعله صحّحه أو حسّنه لشواهده، وذلك إذا لم يذكر في الباب عن فلان وفلان، انظر مثال ذلك في السنن عنده (2040).
وأما إنْ ذكر في الباب عن فلان وفلان، فالحملُ على الشواهد أولى من تخطئته.
11 - الفرق بين توثيق المتقدمين وتوثيق المتأخرين
فنقبل توثيق المتقدمين أعني به الأئمة الذين كانوا قبل نهاية القرن الرابع الهجري مثل أئمة القرون الثلاثة ثم الذين جاءوا بعدهم مثل: النسائي وابن خزيمة، والعقيلي، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وابن عدي، وأبو أحمد الحاكم، وابن شاهين، والدارقطني، والأزدي وغيرهم.
وأما توثيق المتأخرين الذين جاؤوا بعدهم فإنْ كان مبنيًّا على كلام أهل العلم الذين سبقوهم فهو مقبول، وإلّا فيُتوقّف حتى يتبيّن لنا وجه توثيقهم وإنْ كان عصرُ الرواية استمرَّ إلى القرن الخامس.
12 - مراتب أهل العلم في التصحيح والتضعيف
اتفق أهل العلم على أن تصحيح البخاري أعلى مرتبة من تصحيح مسلم، وتصحيح مسلم أعلى مرتبة من تصحيح الترمذي والدارقطني وابن خزيمة وابن حبان وابن منده وغيرهم، وتَصحيحُ هولاء أعلى من تصحيحِ الحاكم، فإن الحاكم أضعفُ مرتبةً ممن يُصحّح الحديثَ.
13 - منهج المحدثين في إيراد أحاديث الفضائل والأحكام
وكان كثير من أهل العلم من عادتهم رواية الحديث سواء كان صحيحا أو ضعيفا وخاصة في فضائل الأعمال والأوقات والأمكنة والأشخاص، ويجعلون العهدة على ناقلها كما يفعل أبو الشيخ الأصبهاني في فضائل الأعمال، وخيثمة بن سليمان في فضائل الصحابة، وأبو نعيم الأصبهاني في فضائل الخلفاء في كتاب مفرد، وفي أول حلية الأولياء بخلاف أئمة الحديث الذين يحتجون بالحديث، ويبنون عليه دينهم، مثل: مالك بن أنس، وشعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٧٠)
الرحمن بن مهدي، وسفيان بن عيينة، وعبد اللَّه بن المبارك، ووكيع بن الجراح، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن المديني، والبخاري، وأبي زُرْعَة، وأبي حاتم، وأبي داود، ومحمد بن نصر المروزي، وابن خزيمة، وابن المنذر، وداود بن علي، ومحمد بن جرير الطبري، وغيرهم، فإن هؤلاء الذين يَبْنون الأحكام على الأحاديث يحتاجون أن يجتهدوا في معرفة صحيحها وضعيفها، وتمييز رجالها". هذا مما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "الوسيلة" (ص 179).
قلت: وقد يسكت بعض هولاء الأئمة على بعض الأحاديث، ويجعلون العهدة على من ينقل عنهم بعد أن ساقوا الأحاديث بأسانيدها، فيجب على من يشتغل بهذا العلم أن يُبين حكم هذه الأحاديث التي سكتوا عنها لما يترتب عليه من الأحكام في أمور الدين.
14 - تفرد ابن حبان بالتوثيق
الرواة الذين انفرد ابن حبان بتوثيقهم، ولم يُنقل توثيقهم عن إمام معتبر آخر، فقَبِلَ حديثَهم بعضُ أهل العلم، منهم: الحاكم، والبيهقي، والضياء المقدسي، والمنذري، وابن كثير، والعراقي، والهيثمي وغيرهم، وردّه الآخرون بحجة أن من منهج ابن حبان توثيق المجاهيل الذين لم يعرف فيهم جرح، وتفصيل ذلك ذكرته في كتابي: "دراسات في الجرح والتعديل".
فاخترت منهجا وسطا بين المنهجين، فلم أصحّح حديثهم لفقدان شرط من شروط الصحيح، ولم أُضَعِّفْ حديثهم لعدم وجود الجرح فيهم، فمن وجدت له متابعا جعلت حديثه حسنا، ومن لم أجد له متابعا جعلته تحت الباب، وعن مثل هؤلاء يقول الحافظ في التقريب غالبا: "مقبول"(1).--------------------------------------------
(1) يظنّ بعض طلبة العلم ان لفظ "مقبول" يرادف من تُقبل روايتُه مطلقا، والأمر ليس كذلك؛ لأن الحافظ ابن حجر نفسه نصّ على أن "مقبول"، هو من وجد له متابع، فإن لم يكن له متابع فهو "ليّن الحديث" أي غير مقبول الرواية، فهو بمثابة "مجهول" عينا او حالا، ولذا لا يجوز نقل كلام ابن حجر: "مقبول" إلا إذا وجد له متابع، وإذا نَقلَ ولم يجدْ له متابعا فينصّ عليه. وفي ثقات ابن حبان رواة ممن لم يرو عنه إلا واحد، ولم يوجد له توثق من غيره، فهو مجهول العين حسب اصطلاحات المحدثين، فينبغي لمن ينقل قول ابن حجر "مقبول" أن يكون متنبِّهًا.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٧١)
إلا أن يكون الراوي من التابعين وروى عنه جمعٌ، ولم يجرحْه أحدٌ، ولم يكن في حديثه نكارة أو شذوذ، فالظاهر أنه عندهم صالح، فيُنظر في حديثه فيُحسّن حديثه إنْ كان لحديثه أصل ثابت، ولو لم يتابع.
وأما من سبق فيهم التجهيل من أحد أئمة المتقدمين مثل: ابن المديني، وابن معين، وأحمد، وأبي حاتم، وأبي زرعة وغيرهم، ولم يشتهر في طلب الحديث فالقول قولهم، وقد يُحمل قولهم "لا أعرفه" لقلة حديثه، وكذلك قول أبي حاتم: "مجهول" أي قليل الحديث.
وفي كل هذه الأمور يجب على الباحث أن يكون متنَبِّهًا، هل هو ممن توفرت فيهم الشروط المذكورة أم لا؟ فإن لم تتوفر فيهم الشروط المذكورة فهو يرادف "مجهول" لأن ابن حبان ذكر خلقا كثيرا في كتابه "الثقات" من لم يرو عنه إلا واحد.
قال الحافظ ابن حجر في مقدمة اللسان: "وهذا الذي ذهب اليه ابنُ حبان من أن الرجل إذا انتفت جهالة عينه كان على العدالة إلى أن يتبيّن جرحُه مذهب عجيب، والجمهور على خلافه، وهذا هو مسلك ابن حبان في كتاب "الثقات" الذي ألّفه، فإنه يذكر خلقا من نص عليهم أبو حاتم وغيره على أنهم مجهولون، وكان عند ابن حبان أن جهالة العين ترتفع برواية واحد مشهور، وهو مذهب شيخه ابن خزيمة، ولكن جهالة حاله باقية عند غيره". انتهى
يعني المجهول عند ابن حبان وشيخه ابن خزيمة: من روى عنه واحدٌ غيرُ مشهور، ويدلّ عليه ما قاله ابن حبان في "المجروحين" في ترجمة سعيد بن زياد بن قائد بن أبي هند الداري (402): "والشيخ إذا لم يرو عنه ثقة فهو مجهول، لا يجوز الاحتجاج به، لأن رواية الضعيف لا يُخْرج مَنْ ليس بعدلٍ عن حدّ المجهولين إلى جملة أهل العدالة؛ لأن ما روى الضعيفُ وما لم يرو في الحكم سيّان". انتهى.
15 - ذكر قول الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد للاستئناس به
وإني التزمتُ بذكر قول الحافظ الهيثمي في "مجمع الزوائد": بعد الحكم على الإسناد صحةً وضعفًا فإن قولَه: "رجاله ثقات" أو "رجاله موثقون"، يقصد به غالبا توثيق ابن حبان، وكذلك قوله: "رجاله رجال الصحيح" أي رجال الشيخين أو
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٧٢)
أحدهما، ولا يلزم منه تصحيح الإسناد وتحسينه؛ لاحتمال وجود العلل كالانقطاع، والارسال، والشذوذ، والنكارة وغيرها، فإن قول الهيثمي المراد منه الحكم على الرجال دون الإسناد.
وكذلك إذا قال: إسناده صحيح، إسناده حسن. . . فلا ينبغي للباحث أن يسارع إلى تصحيح الإسناد أو تحسينه لما عُرِفَ من منهجه الاعتماد على توثيق ابن حبان، بل يجب عليه دراسة الإسناد، ثم الحكم عليه.
16 - رجال الصحيحين لا يلزم منه تصحيح الحديث
إذا كان رجال الإسناد رجال الصحيحين فلا يلزم منه صحته على شرطهما لوجود شذوذ أو علة خفية كما هو معروف عند أهل العلم، ولذا لم أستعملْ (صحيح على شرط الشيخين، أو صحيح على شرط أحدهما).
17 - صحة الإسناد لا يستلزم صحة المتن
قال الحافظ ابن القيم رحمه الله: "وقد علم أن صحة الإسناد شرط من شروط صحة الحديث، وليست موجبة لصحته؛ فإن الحديث إنما يصح بمجموع أمور.
منها: صحة سنده.
ومنها: انتفاء علته.
ومنها: عدم شذوذه.
ومنها: عدم نكارته.
ومنها: أن لا يكون راويه قد خالف الثقات، أو شذّ عنهم".(1)
إذًا من الخطأ أن يُظنّ أن كل حديثٍ رواه الثقات فهو صحيح.
18 - لكلّ حديثٍ نقدٌ خاصٌّ
ينبغي أن يُعلم أن لكل حديث ذوقًا ونقدًا يختصّ به دون غيره، فإن السند الواحد قد يُحكم له بالصحة إذا كان سالما من الشذوذ والنكارة، ويُحكم عليه بالضعف عند وجود العلة، وكذا الحال في الرواة الذين تفردوا ولم يخالفهم الثقات، فالحكم على هؤلاء يعود إلى جهابذة هذا الفن، كما قال الحافظ ابن--------------------------------------------
(1) في كتابه الفروسية (ص 245) ـ
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٧٣)
رجب الحنبلي:
"وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث -إذا تفرّد به واحد- وإن لم يرو الثقات خلافه-: "إنه لا يتابع عليه"، ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثُرَ حفظُه واشتهرتْ عدالتُه وحديثُه كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعضَ تفرّدات الثقاتِ الكبار أيضًا، ولهم في كلِّ حديثٍ نقدٌ خاصٌّ، وليس عندهم لذلك ضابطٌ يضبطه" (1).
19 - ذكر أحاديث جماعة سبق الكلام فيهم
وقد ذكرتُ في هذا الجامع أحاديث جماعة من الرواة الذين سبق الكلام الخفيف فيهم من بعض الأئمة، فنظرتُ في أخبار ما رووه فإنْ ظهر لي صدق ما رووه أدخلته في الجامع، وإنْ ظهر لي خطأهم تجنّبتُ منه.
قال ابن عبد الهادي: "وأصحاب الصحيح إذا رووا لمن تُكلّمَ فيه فإنهم ينتقون من حديثه ما لم ينفردْ به، بل وافق فيه الثقاتُ، وقامت شواهدُ صدقه"(2).
وكل حديث له نقدٌ خاصّ لا يقاس عليه غيره.
20 - حديث المدلس
وهو أن يروي عمن لقيه أو عاصره فإن بيّن السماع فلا خلاف بين أهل العلم في قبول حديثه إذا لم يكن لقبوله مانع آخر. انظر شرحه المفصل في كتابي: "معجم مصطلحات الحديث".
واختلف أهل العلم في الذي لم يبين فيه السماع، وقد ثبت لقاؤه فذهب أصحاب الكتب الصحاح مثل البخاري ومسلم وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيره وكذلك أصحاب السنن الدارقطني والبيهقي قبولهم مطلقا في الغالب سواء بيّن السماعَ أو لم يبيّن.
والمثال على ذلك أبو الزبير وهو محمد بن مسلم بن تدرس أحد أئمة الحديث، واعتمده مسلم، وروى له البخاري متابعة وهو ممن عُرفَ بالتدليس، وكان الإمام مسلم رحمه الله قبل حديثه مطلقا سواء صرّح بالتحديث أو لم يصرّح، وسواء رواه--------------------------------------------
(1) شرح علل الترمذي له (1/ 352 - 353).
(2) تنقيح التحقيق (3/ 277).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٧٤)
عنه الليث بن سعد أو روى عنه غيره، لأن الليث بن سعد قال: جئت أبا الزبير فدفع إلى كتابين، فانقلبت بهما، ثم قلت في نفسي: لو أنني عاودته فسألته أسمع هذا كله من جابر؟ فسألته فقال: منه ما سمعت منه، ومنه ما حُدّثتُ عنه، فقلت له: أعلم لي على ما سمعت منه، فأعلم لي على هذا الذي عندي"(1).
وقد تتبع الذهبي رواية أبي الزبير في صحيح مسلم فقال: "وفي صحيح مسلم عدة أحاديث مما لم يوضح فيها أبو الزبير السماع من جابر، وهي من غير طريق الليث عنه، ففي القلب منه شيء".
ومن هذه الأحاديث:
لا يحل لأحد حمل السلاح بمكة. صحيح مسلم (1356)
رأى النبي صلى الله عليه وسلم امرأة، فأتي أهله زينب، فقضى حاجته، صحيح مسلم (1403)
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تجصيص القبور. صحيح مسلم (970) انتهى كلام الذهبي.
قلت: وقد وجدت في صحيح مسلم أحاديث أبي الزبير، عن جابر من غير طريق الليث بن سعد عنه أكثر من هذا بدون التصريح، فالظاهر أن الإمام مسلم لم يُعِلّ الحديثَ بعنعنة أبي الزبير سواء روى عنه الليث بن سعد أو غيره.
فالمنهج الذي اخترتُه في حديث المدلسين هو ما يأتي:
1 - المدلّسون الذين ذكرهم الحافظ ابن حجر في الطبقة الأولي والثانية مثل يحيى بن سعيد الأنصاري، وسفيان بن سعيد بن مسروق الثوري وسفيان بن عيينة بن أبي عمران الهلالي وغيرهم يُقبل تدليسُهم مطلقا، لأنهم لا يدلّسون إلا عن الثقات، ويُلحق بهم الأعمش، والزهري، وقتادة، وعمرو بن دينار وغيرهم، وإن كان بعض هؤلاء ممن ذكرهم ابن حجر في الطبقة الثالثة. فإنَّ ردَّ رواية هؤلاء بالعنعنة يودّي إلى تضعيف طائفة كبيرة من الأحاديث الصحيحة.
فإن قيل: لماذا كان هؤلاء يدلّسون؟ وهم أئمة هذا الفن وعمدتهم! ؟
فالجواب: لهم ظروف وحالات، فإذا كانوا في مجلس التحديث والرواية فما كانوا يدلسون، إذ المطلوب في مجلس التحديث اتصال الإسناد، وحديث المدلّس--------------------------------------------
(1) ميزان الاعتدال (4/ 37) ـ
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٧٥)
فيه انقطاع، وأما إن كانوا في المسجد أو في السوق أو في مقام الفتيا فكانوا يختصرون الإسناد إذ ليس المقصود منه في هذه الحالة اتصال الإسناد، فإذا سئلوا هل سمعت من فلان؟ فقالوا: لا، إنما سمعت من فلان عنه.
2 - أن ينص أحد الأئمة على أن فلانا دلّس في هذا الحديث.
3 - أن يعترف المدلس نفسه بأنه دلّس في هذا الحديث إذا سئل.
4 - أن يروي المدلس حديثا يخالف المعروف، فالحمل عليه بأنه دلس عن بعض الضعفاء.
5 - أن يُعرف بأنه لا يبالي عمن يدلس حبًّا لكثرة الحديث مثل محمد بن إسحاق والحسن البصري وغيرهما، فهؤلاء لا بد لهم من التصريح بالسماع.
6 - أن يُعرف أنه يكثر التدليس عن الضعفاء والمجاهيل، فهذا لا يقبل حتى يصرّح مثل بقية بن الوليد.
7 - أن يكون المدلس قد ضُعِّفَ أيضًا بسبب آخر فلا يُقبل ولو صرّح بالسماع، وهم الذين ذكرهم الحافظ ابن حجر في الطبقة الخامسة.
والذي يكثر النظرَ في الكتب يجد أن الرواةَ غيّروا صيغة الأداء في كثير من روايات المدلسين، فإننا نجد راويًا واحدًا مرة يروي بصيغة السماع، وأخرى بصيغة العنعنة، وقد نبّهتُ على ذلك في كثير من المواضع في الجامع الكامل
والمثال الغريب الذي وقفتُ عليه هو ما ذكره مسلم في كتابه "التمييز" بأن النبي صلى الله عليه وسلم وقّتَ لأهل العراق ذات عرق، فليس بصحيح، لأنه رواه ابن جريج فقال في حديث أبي الزبير، عن جابر. هكذا قال في التمييز.
ثم وجدناه أنه روى هذا الحديث في صحيحه (1183) من طرق عن محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد اللَّه. . . فذكر الحديث.
فهذا الإسناد فيه دليل صريح أنه وقع تغيير في صيغة الأداء لأنه من المستبعد أن يكون أبو الزبير مرة قال: عن جابر، وأخرى: أنه سمع جابرا.
ولذا يجب الاحتياط في ردّ حديث الأئمة المدلسين الثقات بالعنعنة، وفي كلام مسلم إشارة إلى أنه أول من أظهر تدليس أبي الزبير، ومع ذلك فإنه أخرج أحاديثه
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٧٦)
في صحيحه.
ويؤكد ذلك ابن حبان في مقدمة صحيحه(1) بقوله: "فإذا صحَّ عندي خبر من رواية مدلس أنه بيّن السماع فيه، لا أبالي أن أذكره من غير بيان السماع في خبره بعد صحته عندي من طريق آخر".
يعني أن ابن حبان رحمه الله يُغيّر السماع بالعنعنة، فكل حديث مدلس بالعنعنة عند ابن حبان في صحيحه يُحمل على السماع.
وما قاله ابن حبان أخشى أن يكون هو الذي فعله بعض الرواة فغيّروا صيغة الأداء من السماع إلى العنعنة اختصارًا ظنًّا منهم بأن الصيغتين سواء كما ذكره الحافظ ابن حجر في ترجمة جعفر بن مسافر في تهذيبه.
قال يعقوب بن سفيان الفسوي: "سمعت عبد الرحمن بن إبراهيم دحيمًا، حَدَّثَنَا الوليد (هو ابن مسلم، مدلّس تدليس التسوية) قَال: كان الأوزاعي إذا حَدَّثَنَا يقول: حَدَّثَنَا يحيى قَال: حَدَّثَنَا فلان، حَدَّثَنَا فلان حتى ينتهي.
قال الوليد: فربما حدّثتُ كما حدّثني، وربما قلتُ: عن، عن، عن، تخففنا من الأخبار"(2). انتهي.
ومن يطالع "تحفة الأشراف" للمزي فيجد أنه غيّر جميع صيغ الأداء بالعنعنة اختصارًا، ولذا اضطر الحافظ ابن حجر إلى تنصيص ذلك في مقدمة "إتحاف المهرة"(3) بأنه يسوق ألفاظ الصيغ في الإسناد غالبا لتظهر فائدة ما يصرح به المدلس بخلاف المزي.
فيظهر من ذلك أن تغيير صيغة الأداء لم يكن عندهم من الأمور المحظورة.
ولذا يجب الاحتياط في ردّ أحاديث المدلسين الثقات من أجل العنعنة إلا من عُرفَ أنه يُكثر التدليس عن الضعفاء والمجاهيل، فهذا لا يُقبل حتى يصرّح مثل بقية ابن الوليد.
وأما من ضُعِّفَ بأمر آخرَ مع التدليس فحديثه مردود، ولو صرّح بالسماع مثل--------------------------------------------
(1) صحيح ابن حبان (1/ 162).
(2) المعرفة والتاريخ (2/ 464).
(3) إتحاف المهرة (1/ 158 - 159).
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٧٧)
الحجاج بن أرطاة، وإبراهيم بن أبي يحيى، وجابر الجعفي وغيرهم ويلحق بهم ابن لهيعة إلا إذا روى عنه أحد العبادلة وصرّح بالسماع فحديثه حسن.
وأما المراتب التي ذكرها الحافظ ابن حجر رحمه اللَّه تعالى في طبقات المدلسين وهي مستمدة من جامع التحصيل للعلائي فإليكم ذكر هذه الطبقات مع إضافات العلائي:
الأولى: من لم يوصف بذلك إلا نادرا كيحيى بن سعيد الأنصاري.
وأضاف العلائي: هشام بن عروة وموسى بن عقبة.
الثانية: من احتمل الأئمة تدليسه، وأخرجوا له في الصحيح لإمامته وقلة تدليسه في جنب ما روي كالثوري، أو كان لا يدلس إلا عن ثقة كابن عيينة.
وأضاف العلائي الزهري، وسليمان الأعمش، وإبراهيم النخعي، وإسماعيل بن أبي خالد، وسليمان التيمي، وحميد الطويل، والحكم بن عتيبة، ويحيى بن أبي كثير، وابن جريج، وشريك، وهشيم، وقال: ففي الصحيحين وغيرهما لهولاء الحديث الكثير مما ليس فيه التصريح بالسماع، وبعض الأئمة حمل ذلك على أن الشيخين اطلعا على سماع الواحد لذلك الحديث الذي أخرجه بلفظ "عن" ونحوها من شيخه، وفيه تطويل.
قلت: إنْ صحَّ ما قالوا: فمعنى ذلك أن بعض الرواة غيّروا صيغة السماع بلفظ "عن".
الثالثة: من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرّحوا فيه بالسماع ومنهم من ردّ حديثهم مطلقا ومنهم من قبله مطلقا كأبي الزبير المكي، وكذلك الزهري، وقتادة، وحميد الطويل صاحب أنس.
والذي في جامع التحصيل من توقف فيهم جماعة فلم يحتجوا بهم إلا بما صرّحوا فيه بالسماع، وقبلهم آخرون مطلقا كالطبقة التي قبلها لأحد الأسباب المتقدمة كالحسن، وقتادة، وأبي إسحاق السبيعي، وأبي الزبير المكي، وأبو سفيان طلحة بن نافع، وعبد الملك بن عمير.
الرابعة: من اتفق على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع لكثرة تدليسهم عن الضعفاء والمجاهيل كبقية بن الوليد.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٧٨)
وزاد العلائي: كابن إسحاق، وحجاج بن أرطأة، وجابر الجعفي، وسويد بن سعيد، وأضرابهم.
الخامسة: من ضُعِّفَ بأمر آخر سوى التدليس فحديثهم مردود ولو صرحوا بالسماع. مثل جابر الجعفي وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي.
وذكر العلائي في هذه الطبقة: أبا جناب الكلبي، وأبا سعيد البقال، وذكر جابر الجعفي في الطبقة الرابعة. فهذا مستحسن من حيث التقعيد بعد إضافة كلام العلائي، ولكن الحافظ رحمه الله نفسه لم يلتزمْ بتطبيق هذه الطبقات عند تخريج الحديث وخاصة في كتابه "فتح الباري".
21 - عنعنة الراوي إذا لم يكن مدلّسا، وثبتت له المعاصرة تُحمل على الاتصال
لقد اختلفت أقوال العلماء في ثبوت السماع والاكتفاء بالمعاصرة، فذهب عليّ ابن المديني على وجود التصريح بالسماع واللقاء، واختاره تلميذه البخاري، وإلى هذا المذهب يكون كثير من الأحاديث الصحيحة معللة بالانقطاع.
وخالفهما جمهورُ أهل العلم فإنهم اكتفوا بالمعاصرة مع إمكان اللقاء، وعليه جرى عمل من جاء بعدهما، وكان مسلم "صاحب الصحيح" أول من انتقد هذا المذهب في مقدمة صحيحه، وأجاد في ردّه كما ذكره المزّي في ترجمة "جابان" من "تهذيب الكمال" فقال: وهذه طريقة قد سلكها البخاري في مواضع كثيرة، وعلّلَ بها كثيرا من الأحاديث الصحيحة، وليست هذه علة قادحة، وقد أحسن مسلم وأجاد في الردّ على من ذهب هذا المذهب في مقدمة كتابه بما فيه كفاية".
وفي بعض الأحاديث سلكتُ مسلك ابن المديني إذا لم يتبيّن لي خلافه، وإذا ظهر لي أن المعاصرة حاصلة، واللقاء ممكن فيكون الترجيح عندي لما ذهب إليه الجمهور.
22 - زيادة الثقة في الإسناد
اختلف أهل العلم في زيادة الثقة أو الصدوق في رفع الحديث، واتصاله، فكان مذهب الإمام البخاري وغيره قبول زيادة الثقة وله أمثلة كثيرة ذكرتُها في الجامع الكامل، وذهب أبو حاتم والنسائي والدارقطني وغيرهم إلى ترجيح الوقف على الرفع، والإرسال على الاتصال، فإذا نظرتُ إلى الصناعة الحديثية قلت: الوقف
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٧٩)