Arabic source text

📘 ইরশাদুল আম্মাহ ইলা মা’রিফাতিল কাযিবি ওয়া আহকামিহি - দিমনু আসারিল মুয়াল্লিমি (আব্দুর রহমান আল-মুয়াল্লিমি আল-ইয়ামানি - মৃত্যু 1386 হিজরী)

📘 إرشاد العامه إلى معرفة الكذب وأحكامه - ضمن «آثار المعلمي» (عبد الرحمن المعلمي اليماني - ت 1386 هـ)

📘 ইরশাদুল আম্মাহ ইলা মা’রিফাতিল কাযিবি ওয়া আহকামিহি - দিমনু আসারিল মুয়াল্লিমি (আব্দুর রহমান আল-মুয়াল্লিমি আল-ইয়ামানি - মৃত্যু 1386 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
فارتفاعه إنما هو بإرادة المعنى المجازي، والدال عليه هو القرينة، فانتفاء الكذب لأجل وجود القرينة».
أقول: الظاهرية يعرفون ويعترفون أن في الكتاب والسنة ما لا يحصى من الكلمات المستعملة في معانٍ لولا القرينة لكانت ظاهرة في غيرها، ولكنهم يزعمون أن ذلك كله من الحقيقة، ويقولون: غاية الأمر أن العرب وضعت الكلمة لهذا المعنى بحيث يفهم منها مطلقًا، ووضعتها لهذا المعنى الثاني بحيث يفهم منها مع القرينة، ككلمة «أسد» للسبع المعروف وللرجل الشجاع، وهي على كلا الحالين حقيقة، إذ لم تستعمل إلا فيما وضعت له.
فمحطُّ إنكارهم إنما هو أن تأتي في الكتاب والسنة كلمة مستعملة في معنى لم توضع له في أصل اللغة.
وقولهم: «لأنه كذب بحسب الظاهر» يعنون به أن العربي المخاطب بلغة العرب إنما يحمل الكلمة على ما وضعت له في أصل اللغة، فإذا سمع كلمة «أسد» عرف أنها موضوعة للسبع المعروف وللرجل الشجاع، فإذا رآها مجردة عن القرينة عرف أن المراد بها السبع المعروف، وإذا رآها مع القرينة عرف أن المراد بها الرجل الشجاع، فهي عنده بمنزلة حروف (ج ح خ) في الكتابة، الشكل موضوع لكل من الثلاثة، فإذا أهمل عرف أنه الحاء المهملة، وإذا نقط من تحته عرف أنه الجيم، وإذا نقط من فوقه عرف أنه الخاء المعجمة، ومع ذلك فالشكل مشترك بين الحروف الثلاثة، أصلٌ في كل منها.
فعلى هذا فإذا أشرت لعربي إلى رجلٍ، فقلت: «هذا أسد» عرف فورًا أنك تريد أنه شجاع، لكن إذا أشرت إلى رجلٍ، فقلت: هذا حمار، فإنه

(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 193)

يتراءى له أن هذا كذب بمنزلة أن تشير له إلى كتابٍ، وتقول: هذا فرس. ثم إذا علم أنك إنما أردت البلادة فهمها، ولكنه كما يفهم المراد من الكلمة الأعجمية.
فيقول الظاهرية: إنه ليس في قولك للرجل: «هذا أسد» كذبٌ في الظاهر، فإن الكلمة موضوعة للرجل الشجاع بشرط القرينة، وقد وُجِدت، بخلاف قولك: «هذا حمار» فإنه كذبٌ في الظاهر، لأن الكلمة لم توضع في أصل اللغة لذلك.
ونظير قولك: «هذا أسد» أن تشير لكاتبٍ إلى حرف «ح» قائلًا: هذا جيم.
ونظير قولك: «هذا حمار» أن تشير له إلى رقم (3) قائلًا: هذا جيم. فإنه يتراءى له أن هذا كذبٌ، حتى يتنبه للمناسبة بأن حرف (ج) يُعدُّ في حساب الجُمَّل بثلاثة.
فتدبر ما قدمناه وتحقَّقْه، وبذلك يظهر لك أن جواب المحلي ــ تبعًا لمن تقدمه ــ هو المناسب لقول الظاهرية.
وقد ذكر هذا الجواب عينه البهاء السبكي في «عروس الأفراح»(1).
وحاصله: أنه قد عُرِف عن العرب أنها إذا وجدت علاقة معتبرة بين المعنيين، يطلقون لفظ أحدهما على الآخر، وينصبون قرينة، وإن لم يسمعوا من تقدمهم استعمل تلك الكلمة في ذاك المعنى.
وبهذا عُلِم أن الكلمات كما هي موضوعة لمعانيها الخاصة، فهي--------------------------------------------
(1) انظره ضمن «شروح التلخيص» (4/ 68 - 69).

(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 194)

موضوعة أيضًا لتستعمل مع القرينة في كل ما بينها وبينه علاقة معتبرة.
وإذا ثبت وجود الوضع صارت كلمة «حمار» على فرض أنها لم تُسمع عن المتقدمين مستعملة في البليد، بمنزلة كلمة «أسد»؛ لثبوت أن تلك موضوعة، كما أن هذه موضوعة، وإذا ثبت الوضع بحجته لم يلتفت إلى عدم السماع، كما في صيغ اسم الفاعل والمفعول وغيرها.
أما البيانيون وغيرهم فعندهم أن نصب القرينة ركنٌ للمجاز، لا شرطٌ فقط، وزادوا في التعريف قولهم(1): «مع قرينة عدم إرادة المعنى الموضوع له».
ثم ذكروا أن الكلمة المستعملة فيما لم توضع له في اصطلاحٍ به التخاطب تكون على أقسام:
الأول: المجاز، وهو ما لُوحِظت فيه علاقة معتبرة، ونُصبت معه قرينة معتبرة دالة على عدم إرادة المعنى الموضوع له.
الثاني: الكناية، وهي كالمجاز، إلا أن القرينة فيها لا تدل على عدم إرادة المعنى الموضوع له، بل تدل على إرادة غيره.
الثالث: الارتجال، وهو أن تطلق الكلمة على وجه استئناف وضع جديد، كمن يشير إلى طفل ولد له، فيقول: هذا طلحة، ويريد تسميته بذلك.
الرابع: الغلط، كأن تشير إلى كتاب، تريد أن تقول: «هذا كتاب» فيجري على لسانك: «هذا فرس».--------------------------------------------
(1) انظر «فيض الفتاح» (4/ 132) و «شروح التلخيص» (4/ 25).

(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 195)

الخامس: اللغو، كأن تشير لبصيرٍ إلى كتاب، قائلًا: «هذا فرس»، قاصدًا هذا القول، مع عدم ملاحظتك لعلاقة معتبرة، ومع علمك بالقرينة الدالة للمخاطب على أن المشار إليه ليس بفرس.
أقول: وهذا الخامس يصدق عليه تعريف الكذب.
فإن قيل: فلماذا لم يذكروا في الأقسام ما إذا استعملت الكلمة في غير ما وضعت له لعلاقة معتبرة، ولكن لم تُنصب قرينة معتبرة، كما إذا كنت لم تر غرابًا، وإنما رأيت رجلًا مشؤومًا، فقلت لمن لا يعرف الواقع: «رأيت غرابًا»، ولم تنصب قرينة.
قلت: هذه الصورة غير واردة عليهم؛ لأنهم يحكمون فيها بأن الكلمة إنما استعملت فيما وضعت له، ولذلك إذا تبين لهم الواقع جزموا بأن هذا الخبر كذب. فقد ذكروا في الكلام على الإسناد العقلي أن من أقسام الحقيقة قولك: «جاء زيد» وأنت تعلم أنه لم يجئ.
وقال السعد في «المطول»(1) بعد هذا المثال: «فهذا أيضًا إسنادٌ إلى ما هو له عنده في الظاهر؛ لأن الكاذب لا ينصب قرينة على خلاف إرادته».
ثم ذكر بعد ذلك ما يؤخذ منه أنه لو كانت مع هذا قرينة، فإن كانت هناك علاقة فمجازٌ، وإلا فمن القسم الخامس الذي سميناه لغوًا.
فعُلِم من هذا أنه عند عدم القرينة يكون كذبًا، سواءً لوحظت علاقة، أم لا.--------------------------------------------
(1) انظر «فيض الفتاح» (2/ 159).

(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 196)

وذكروا في الفرق بين الاستعارة والكذب ما يفيد هذا أيضًا، ووقع لبعضهم تخليط هناك، فلا بأس بتحرير المقام.
ذكر السكاكي في «المفتاح»(1) أن الاستعارة ــ وهي مجاز كما لا يخفى ـ تفارق الدعوى الباطلة ببناء الدعوى في الاستعارة على التأويل، أي بملاحظة العلاقة المعتبرة، وتفارق الكذب بنصب القرينة المانعة عن إرادة الظاهر، يعني: والدعوى الباطلة لا تأويل معها، والكاذب لا ينصب قرينة.
وهذا صريح ــ كما لا يخفى ــ في أنها إذا فقدت القرينة، والكلام بظاهره غير مطابق للواقع، فهو كذبٌ، سواءٌ أوُجِد تأويل أم لا.
وقد فُسِّرت عبارة «المفتاح» على ثلاثة أوجه:
الأول: نقل عن شارحه العلامة القطب الشيرازي(2)، ذكروا أنه فسر «الباطل» بما يكون على خلاف الواقع، والكذب بما يكون على خلاف ما في الضمير.
الثاني: تفسير شارحه السيد الشريف الجرجاني(3)، ذكر أن السكاكي أراد بالدعوى الباطلة الجهل المركب، وصاحبه مصرٌّ على دعواه، متبرئٌ عن التأويل، فضلًا عن نصب القرينة، وأراد بالكذب: الكذب العمد، وصاحبه لا ينصب القرينة، بل يروج ظاهره، لكن لا مانع من قصد التأويل في ذهنه، فلذا--------------------------------------------
(1) (ص 373).
(2) انظر «فيض الفتاح» (4/ 152).
(3) المصدر السابق.

(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 197)

خص التأويل بمفارقة الباطل، و [خص](1) نصب القرينة بمفارقة الكذب. هكذا نقله عبد الحكيم في «حواشي المطول»(2).
الثالث: تفسير عبد الحكيم، قال(3): «الأظهر عندي أن الاستعارة من حيث المعنى تشابه الدعوى الباطلة، ومن حيث اللفظ تشابه الكلام الكاذب، فتبيين الفرق بأن مبنى معناها على التأويل، بخلاف الدعوى الباطلة، وأن مبنى لفظها على نصب القرينة، بخلاف الكذب».
واعترض السعد في «المطول» كلام العلامة، قال(4): «وأنت تعلم أن تفسيره الكذب خلاف ما عليه الجمهور واختاره السكاكي».
واعترض عبد الحكيم كلام السيد الشريف فقال(5): «فيه أنه مع كونه خلاف ظاهر العبارة، إذ لا قرينة على تخصيص الدعوى الباطلة بالجهل المركب، والكذب بالكذب العمد، أنه لا وجه لتخصيص مفارقة الاستعارة بهذين، فإنها تفارق الدعوى الباطلة مطلقًا ــ سواءٌ كان مع اعتقاد المطابقة أو لا ــ بالتأويل، وعن الكذب مطلقًا ــ سواءٌ كان عمدًا أو خطأً ــ بنصب القرينة».
أقول: هناك صور:--------------------------------------------
(1) المعكوفتان من المؤلف.
(2) «فيض الفتاح» (4/ 152).
(3) انظر المصدر السابق.
(4) المصدر السابق.
(5) المصدر السابق.

(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 198)

الأولى: أن ترى إنسانًا من بعيد، فتظنه غرابًا، فتقول: «رأيت غرابًا»، مريدًا بذلك وفق ما ظننته.
الثانية: أن تعلم أنه إنسان، ومع ذلك تقول لمن تراه لا يعرف الواقع: «رأيت غرابًا»، وتتأول في نفسك الغراب بإنسانٍ مشؤومٍ، ولا قرينة.
الثالثة: أن تعلم أنه إنسانٌ، ومع ذلك تقول لمن تراه لا يعرف الواقع: «رأيت غرابًا»، ولا تتأول في نفسك.
فكل من هذه الصور يصدق عليه أنه دعوى باطلة، وأنه كذب. أما الأولى والثالثة؛ فظاهر، وأما الثانية؛ فبحسب الظاهر المحكوم به، إذ لا عبرة بالتأويل النفسي مع عدم القرينة.
لكن الصورة الأولى أولى بأن تسمى دعوى باطلة؛ لأنها كما شاركت الأُخريين في ظهور الدعوى بحسب ظاهر اللفظ، امتازت عنهما بتحقق الدعوى في الاعتقاد.
والأولى أبعد عن الكذب؛ لأن صاحبها مخطئ، وقد تقدم أن الغالب في العرف أن لا يقال فيمن كذب خطأً: «كذب»، وإنما يقال: «أخطأ»، ومن الناس من لا يسمي ذلك كذبًا البتة.
والاعتقاد أمرٌ معنوي، وكذلك التأويل في النفس. وظاهر الكلام يتعلق باللفظ، وكذلك القرينة. والاستعارة تشتبه من حيث المعنى باعتقاد الباطل؛ لأنها مبنية على دعوى دخول المشبه في جنس المشبه به، وتخيل ذلك في النفس، فهي من هذه الجهة مشابهة للصورة الأولى، ولكنها تفارقها ببناء الدعوى في الاستعارة على التأويل.

(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 199)

والاستعارة تشتبه بالكذب الذي لا خطأ فيه؛ لأن القائل: «رأيت أسدًا يرمي» يعلم أن الرجل ليس بأسد، فهي من هذه الجهة مشابهة للصورتين الأخريين، لكنها تفارقهما بالقرينة.
فقد بان بهذا وجه صنيع السكاكي، وبان به توجيه التفاسير الثلاثة، بل واتفاقها في المآل، فإن العلّامة حمل الدعوى الباطلة على الاعتقاد المخالف للواقع، وهذه هي الصورة الأولى، وحمل الكذب على خلاف ما في الضمير، وذلك في الصورتين الأخريين، فإن ظاهر الكلام فيهما كما هو مخالفٌ للواقع، فهو مخالفٌ لما في الضمير؛ لعلم المتكلم بخلاف ما أفهمه كلامه. وإنما خصَّ السكاكي ثم العلّامة الكذب بذلك لأنه كذبٌ اتفاقًا، لغةً وعرفًا.
والسيد فسّر الدعوى الباطلة بالجهل المركب، وهي الصورة الأولى، والكذب بالعمد، وذاك في الصورتين الأخريين، فاتفقا.
وعبد الحكيم ذكر أن الاستعارة من حيث المعنى تشابه الدعوى الباطلة، وقد علمت أن ذلك إنما يتحقق في الصورة الأولى؛ لتحقق الدعوى في الاعتقاد، وهو أمر معنوي.
وذكر أنها من حيث اللفظ تشابه الكلام الكاذب، والأَولى بملاحظة ذلك الصورتان الأخريان؛ لأنهما كذبٌ اتفاقًا، لغةً وعرفًا، وكذب الكلام فيهما آكد لمخالفته لما في الواقع ولما عند المتكلم، ومدار الكذب فيهما على اللفظ فقط لمطابقة علم المتكلم للواقع.
والمقصود أن هؤلاء اتفقوا على أن الصورة الثانية كذبٌ، وأن إضمار التأويل لا يدفع الكذب.

(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 200)

أما صاحب «التلخيص» فقال(1): «الاستعارة تفارق الكذب بالبناء على التأويل ونصب القرينة على إرادة خلاف الظاهر».
قال السعد في «المطول»(2): «يعني أن في الاستعارة دعوى … مبنية على تأويل … ولا تأويل في الكذب. وأيضًا لا بد في الاستعارة من قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي الموضوع له، دالةٍ على أن المراد خلاف الظاهر، بخلاف الكذب، فإنه لا تُنصب فيه قرينة على إرادة خلاف الظاهر، بل يُبذل المجهود في ترويج ظاهره».
وهذا الكلام إذا تُدبِّر وقورِن بكلام هذين الرجلين في مواضع أخرى ــ كما سبق لهما في الكلام على الإسناد العقلي ــ تبين أنه غير مخالف لما تقدم، فإن الدعوى الباطلة التي تشابه الدعوى التي في الاستعارة هي ما في الصورة الأولى، كما تقدم.
فغاية الأمر أن صاحب «التلخيص» أدرج الصورة الأولى في الكذب، ثم بين أن الفرق بوجهين:
الأول: التأويل، وهذا يختصُّ بالصورة الأولى.
الثاني: بالقرينة، وهي تعمُّ الصور الثلاث.
فكأنه يقول: إن الفرق بين الاستعارة وبين الكذب خطأً ــ وذلك في الصورة الأولى ــ بالتأويل والقرينة. فالتأويل يدفع خطأ الاعتقاد، والقرينة تدفع الأمرين، أي: الخطأ في الاعتقاد ومخالفة الكلام للواقع.--------------------------------------------
(1) (ص 306 بشرح البرقوقي). وانظر «شروح التلخيص» (4/ 68).
(2) (ص 584)، وهو في «فيض الفتاح» (4/ 152).

(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 201)

والفرق بينها وبين الكذب عمدًا ــ وذلك في الصورتين الأخريين ــ بالقرينة.

‌‌الفرق بين المجاز والكذب
أجمعوا على أنه لابد للمجاز من علاقة وقرينة، وإنما اختلفوا في القرينة: أركن هي أم شرط؟
ولا ريب أن الخبر إذا كان فيه مجازٌ صحيح العلاقة، ظاهر القرينة= يكون المعنى الظاهر الراجح منه هو المعنى المجازي، فإذا كان المعنى المجازي هو الواقع؛ فالخبر صدق حتمًا.
والنظر هنا في أمور:
الأول: إذا تجوَّز المخبر في نفسه ولم ينصب قرينة، فلا ريب أن ذلك لا يكون مجازًا؛ لفقد القرينة التي هي ركن أو شرط، وهل يكون حينئذٍ كذبًا؟
لا ريب أنه عند فقد القرينة يكون المعنى الظاهر الراجح غير المعنى المجازي، وأنه إذا كان ذاك الظاهر الواضح غير مطابق للواقع كان الخبر كذبًا، وقد ذكر علماء البيان في بحث الاستعارة أنها مجاز علاقته المشابهة، وأنها مبنية على دعوى دخول المشبه في جنس المشبه به، وأن هذه الدعوى مبنية على تأويلٍ، وهو جعل أفراد المشبه به نوعين، على ما هو مشروح في كتب البيان.
وبعد أن ذكر السكاكي في «المفتاح» ذلك، ذكر(1) أن الاستعارة تفارق--------------------------------------------
(1) راجع للنقول الآتية: «فيض الفتاح» (ج 4/ص 151 وما بعدها).

(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 202)

الدعوى الباطلة؛ لبناء الدعوى فيها ــ أي في الاستعارة ــ على التأويل، وتفارق الكذب بنصب القرينة المانعة عن إرادة الظاهر.
وشارحه العلامة القطب الشيرازي فسر الباطل بما يكون على خلاف الواقع، وفسر الكذب بما يكون على خلاف ما في الضمير.
وذكر السيد الجرجاني في «شرح المفتاح» أن المراد بالدعوى الباطلة الجهل المركب، قال: «وصاحبه مصرٌّ على دعوى، متبرئ عن التأويل، فضلًا عن نصب القرينة، وأن المراد بالكذب الكذب العمد، وصاحبه لا ينصب القرينة، بل يروج ظاهره، لكن لا مانع من قصد التأويل في ذهنه».
نقل هذا عبد الحكيم في حواشي «المطول»، ثم قال: «لا وجه لتخصيص مفارقة الاستعارة بهذين؛ فإنها تفارق الدعوى الباطلة مطلقًا .. بالتأويل، وعن الكذب مطلقًا، سواء كان عمدًا أو خطأ، بنصب القرينة».
وقال عبد الحكيم قبل ذلك: «الأظهر عندي أن الاستعارة من حيث المعنى تشابه الدعوى الباطلة، ومن حيث اللفظ تشابه الكلام الكاذب، فتبين الفرق بأن مبنى معناها على التأويل، بخلاف الدعوى الباطلة، وأن مبنى لفظها على نصب القرينة، بخلاف الكذب».
وذكر بعد ذلك قولهم: «رأيت اليوم حاتمًا»، وما ذكره بعضهم من أن الاستعارة فيه مبنية على دعوى جعل المرئي عين حاتم الطائي، وقوله: «فإن المقصود من قولك: رأيت اليوم حاتمًا، أنه عين ذلك الشخص، لا أنه فرد من الجواد».
وتعقبه عبد الحكيم قائلًا: «إن كان لا عن قصدٍ فهو غلط، وإن كان

(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 203)

قصدًا فإن كان بإطلاقه عليه ابتداءً فهو وضع جديد، وإن كان بمجرد ادعاء من غير تأويل فهو دعوى باطلة، وكذب محض، فلا بد من التأويل».
أقول: تفسير هذا أنك إذا رأيت رجلًا اسمه زيدٌ مثلًا، فأخبرت عن ذلك قائلًا: «رأيت اليوم حاتمًا»، فلك أربع أحوال:
الأولى: أن تكون أردت أن تقول: «رأيت اليوم زيدًا»، فسبق لسانك بغير قصد إلى قولك: «حاتمًا»، فهذا هو الغلط.
الثانية: أن تكون وضعت لزيدٍ هذا الاسم «حاتم»، كما تضع هذا الاسم لولدك مثلًا، فهذا وضع جديد.
الثالثة: أن تكون ادعيت أن زيدًا هو حاتم الطائي عينه، بدون تأويل، فهذه دعوى باطلة، وكذبٌ محضٌ.
الرابعة: أن تكون شبهت زيدًا بحاتم الطائي، وتأولت في لفظ «حاتم»، فجعلته كأنه موضوع للجواد، سواء كان ذلك الرجل المعهود من طيء أو غيره. فهذه ــ إذا صحبتها القرينة ــ هي الاستعارة.

(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 204)

[ص 33](1) إذا فكرنا في حال الإنسان وجميع ما يحتاج إلى العلم به لتحصيل نفعٍ أو دفعِ ضرٍّ في دينه ودنياه، وجدناه في معظم ذلك مفتقرًا إلى الكلام.
وقد امتنَّ الله عز وجل على عباده بالسمع والأبصار والأفئدة في عدة آيات، منها: قوله سبحانه: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78].
وأكثر ما ينتفع بالسمع في سمع الكلام؛ وينتفع بالبصر في أشياء منها رؤية المتكلم، ورؤية إشارته، وقراءة الكتب؛ وبالأفئدة في أشياء: منها معرفة معاني الكلام حتى يعبر عما في نفسه عبارة صحيحة، ويفهم كلام غيره فهمًا صحيحًا.
وامتنَّ الله عز وجل بتعليم الكتابة، وإنما منفعتها أن تنوب عن النطق والحفظ، فيكتب الإنسان الكلامَ المعبِّر عما في نفسه، أو الكلامَ الذي سمعه من غيره، أو الذي رآه في كتاب غيره، ويقرأ كتابَه غيرُه فيفهم المراد. قال تعالى في أول سورة أنزلها على خاتم أنبيائه صلى الله عليه وآله وسلم: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [أول سورة العلق]. وقال سبحانه: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2)} [أول سورة القلم].
وكذلك امتنَّ الله عز وجل بتعليم الكتاب المبين، قال سبحانه أولَ سورة الرحمن: {الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ--------------------------------------------
(1) من هنا تبدأ‌‌ القطعة الثانية من الكتاب، وفي آخرها نقص.

(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 205)

الْبَيَانَ} [الرحمن: 1 - 4]. قال بعض المفسرين من السلف: البيان الكلام. وظاهرٌ أن المراد الكلام المبين، فليس كل كلام بيانًا.
ولا يخفى أن إفادة المعلومات بالكلام واستفادتها منه إنما تحصل إذا كان الكلام المنطوق به أو المكتوب مبيِّنًا للمعنى المراد إفهامُه، وكان ذاك المعنى واقعًا ينفع علمهُ الذي(1) يسمع [ص 34] أو يقرأ، عارفًا بالكلام المبين. والكلام المُفهِم معنًى غيرَ واقعٍ لا يدخل في «البيان» الذي امتنَّ الله تعالى به، لأن الامتنان به إنما هو من جهة أنه يُتوصَّل به إلى تحصيل العلوم النافعة، والمُبِين لما ليس بواقع إنما يحصل به جهلٌ لا علمٌ، ومن شأنه أن يضرَّ وتترتَّبَ عليه المفاسد.
وههنا مطالب:

‌‌المطلب الأول في تعريف الصدق والكذب
جمهور أهل العلم على أن الخبر إن طابقَ الواقع فصِدْق، وإلَّا فكذب، وهذا قول أهل السنة كما في «المصباح»(2). وأدلَّته كثيرة، لكن غلب في العرف أن لا يقال لمن كذبَ خطأً: «كذبَ فلان»، بل يقال: «أخطأ فلان» أو «غَلِط فلان»، إلَّا أن تُقصَد نسبتُه [ص 35] إلى التقصير زجرًا له عن مثل ذلك، أو يُقصَد تأكيد الحكم ببطلان الخبر، أو يُقصَد إظهار التشنيع على المخبر كفًّا للناس عن اتباعه. وعلى هذه الثلاثة تدور الأمثلة التي ذكرها ابن عبد البر في كتاب «العلم» من إطلاق الكذب على الخطأ.--------------------------------------------
(1) لعل «العلم» فاعل، و «الذي» مفعول به، و «عارفًا» حال من الذي.
(2) «المصباح المنير» (كذب).

(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 206)

‌‌المطلب الثاني فيمن يلحقه معرَّة الكذب
العيب والإثم لا يَلحقانِ كلَّ من أخبر بخبرٍ مخالفٍ للواقع، بل يُعذَر المخطئ إذا لم يقصِّر، ويَلحقان المجازفَ. وقد يَلحقُ المخبرَ عارُ الكذب وإثمه مع أن الخبر في نفسه صدقٌ، وذلك إذا جزم بالخبر وهو يراه كذبًا أي غير واقع، أو لا يدري أنه واقع، فيلحقه العيبُ والإثم، كما يلحق من أتى امرأةً يراها أجنبيةً فبانَ أنها امرأتُه، أو كانت له أمةً لا يقربها، فصادف أمةً لا يدري أنها أمتُه فوقع عليها.

‌‌المطلب الثالث في إرادة المتكلم
لا يخفى أن المقصود من الكلام الإفهام، وأن إرادة المتكلم أمر خفيٌّ في نفسه، وإنما يُستدلُّ
عليها بنفس الكلام أو بما يقترن به من القرائن الظاهرة، وإنما يوضع الكلام ليصير معربًا [عمَّا] في النفس. فإذا كان الخبر في نفسه أو بمعونة القرائن ظاهرًا بيِّنًا في معنى، وليس هناك قرينةٌ تَصرِف عنه= وجب القضاء بأن ذلك المعنى هو الذي أراده المتكلم. ولهذا قضى أهلُ العلم على الخبر نفسِه فقالوا: إن طابقَ الواقع فصِدْق، وإلَّا فكذب. ثم بينوا أن القرائن معتدٌّ بها في فهم الكلام. فتحرَّر من ذلك أن كل خبر تبيَّن من تدبُّرِه وتأمُّلِ القرائن التي معه إن كانت: أنه ظاهر في معنًى، فذاك المعنى إن كان واقعًا فالخبر صدقٌ، وإلَّا فكذبٌ.
وفي «الزواجر» لابن حجر الهيتمي (ص 26): «نقل إمام الحرمين عن الأصوليين أن من نطق بكلمة الردة وزعم أنه [أضمر توريةً](1) كفرَ ظاهرًا وباطنًا، وأقرَّهم على ذلك».--------------------------------------------
(1) خرم في الأصل مكان الكلمتين.

(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 207)

[ص 37] هذا، وقد نقل أهل العلم عن الظاهرية منع وقوع المجاز في كلام الله عز وجل وكلام رسوله. قال المحلي في «شرح جمع الجوامع»: «قالوا: لأنه كذب بحسب الظاهر، كما في قوله للبليد: هذا حمار. وكلام الله ورسوله منزَّه عن الكذب» ثم قال: «وأجيب بأنه لا كذبَ مع اعتبار العلاقة».
والظاهر أن الظاهرية إنما كلامهم في المجاز الصحيح، وهو ما جمع العلاقة والقرينة كما هو شرطه، فزعموا أنه وإن لم يكن كذبًا في التحقيق فلا يكون المتكلم به كاذبًا، ولا يلزمه قبحٌ ولا إثمٌ، لكن صورته في بادئ النظر صورة الكذب، فإن الإنسان لا يكون حمارًا.
يدلُّك على هذا أن الظاهرية إنما منعوا وقوعه في كلام الله تعالى وكلام رسوله، ولم يقولوا أنه كذبٌ مطلقًا يوجب القبح والإثم، وقالوا: «كذبٌ بحسب الظاهر» ولم يقولوا: كذب مطلقًا، وعَنَوا بقولهم «بحسب الظاهر» ما يتراءى منه في بادئ النظر.
ويوضِّح ما قلناه تمثيلُهم بقولهم: «كما في قولك للبليد: هذا حمار»، فذكروا مثالًا صريحًا في وجود العلاقة ووجود القرينة كما لا يخفى.
فالجواب بأنه «لا كذبَ مع اعتبار العلاقة» كأنه مبني على توهُّم أن الظاهرية غفلوا عن شأن العلاقة وتكلموا في المجاز الموجود معه القرينة، فزعموا أن قولك في البليد: «هذا حمار» كقولك في الكتاب: «هذا فرسٌ». وهذا غلطٌ عليهم لما قدمناه.
وأبعدُ منه ما اعتُرِض به على المحلِّي، [ص 38] قال البنَّاني في «حواشيه»: قال العلامة: إذا تأملتَ قولَ المجيب مع اعتبار العلاقة، وقولَ المستدلّ بحسب الظاهر= وجدتَ الجواب غيرَ ملاقٍ للدليل، والمناسب

(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 208)

سوق الدليل مجرَّدًا عن قوله بحسب الظاهر. ثم قال: ثم الكذب لازم لإرادة المعنى الحقيقي، فارتفاعه إنما هو بإرادة المعنى المجازي، والدال عليه هو القرينة، فانتفاء الكذب لأجل وجود القرينة.
أقول: أولُ كلامه مستقيم، فأما قوله: «والمناسب … » فعجيب، فإن الشارح حكى استدلال المستدل ليجيب عنه، واستدلال المستدل مبيِّن لدعواه، فأنَّى يكون للشارح أن يتصرف في استدلال المستدل فيغيِّره ويُعمِّي مقصودَه، ثم يجيب بحسب ذلك؟ وأما آخر كلام المعترض فقد عُلِم ما فيه مما تقدم.
هذا، والجواب الصحيح عن قول الظاهرية هو أن يقال: ما ذكرتموه من أن المجاز كذب بحسب الظاهر تريدون به أن صورته في بادئ النظر صورة الكذب= ليس مما يقتضي قبحًا في الكلام ولا عيبًا للمتكلم ما دام المقصود واضحًا، بل إنه إذا وقع المجاز موقعَه كان ذاك التصوير أو التخييل من أوكد الوجوه في بلاغة الكلام وقوة تأثيره في المخاطب، وهذه مصلحة عظيمة لا يحسن إهمالها توقِّيًا مما يتراءى في بادئ النظر من المشابهة للكذب.
كيف وهذا الترائي لا يشتبه على عاقل؟
نعم، المقال الذي مثّلتم به ــ وهو قولك للبليد: «هذا حمار» ــ فيه شناعة وبشاعة يَجِلُّ عن مثلها الكتابُ والسنة، وليست هي أن الصورة صورة الكذب، بل هي أن فيه تحقيرًا وإهانةً للبليد لا يستحقها، لأن البلادة أمرٌ جِبلِّي لا كسبي، ألا ترى أنه لو قيل: «مثلُه كمثل الحمار» أو «كأنه حمار» لكانت الشناعة والبشاعة بحالها، لكن لما وقع هذا التشبيه [ص 39] موقعَه في قوله تعالى: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة: 5]، وقوله سبحانه:

(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 209)

{كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ} [المدثر: 50]، وقوله عز وجل: {كَمَثَلِ الْكَلْبِ} [الأعراف: 176] = اندفعت تلك الشناعة عن الكلام والمتكلم، وانحطَّتْ على المشبَّه لاستحقاقه لها.
واعلم أننا إذا فرضنا في كلام أنه يُفهِم خلافَ الواقع، وأنه لم تكن معه قرينة تصرف عن ذلك، ولم يكن هناك وجهٌ لاحتمال أن يكون المتكلم عجزَ أو جهلَ أو أخطأ، فإنه يلزم من ذلك أن يكون المتكلم أراد أن يكون كلامه ذاك مُفهِمًا خلافَ الواقع، وهذه إرادة تبعها العمل بمقتضاها، وهو الإتيان بذاك الكلام، وأقام المتكلم عليها الدليل، وهو ذاك الكلام. فهبْ أنه تأوَّل في نفسه لذاك الكلام معنًى واقعًا، فهل حقُّه أن يؤاخَذ بإرادته التي عمل بمقتضاها وأقام عليها الدليلَ، أم بتأويله في نفسه؟ وتأويله في نفسه غيبٌ عن المخاطب، ومع ذلك فقد أقام المتكلم الدليل على خلافه، ولو ساغ للمتكلم أن يعتدَّ على المخاطب بمثل هذا لساغ من باب أولى أن يعتدَّ عليه بأمرٍ في نفسه لم يتكلَّم به. وهذا هو التكليف بعلم الغيب والتكليف بما لا يُطاق، فإذا كان غيرَ جائز فأولى منه ما أقام المتكلم الدليلَ على خلافه.
وما مثل ذاك التأويل إلّا مثل من يَعمِد إلى خمرٍ يعلم أنها خمر محرمة، فيخيِّل لنفسه أنها شراب تفاح أو نحوه من الأشربة المباحة، ثم يشربها مع ذلك العلم وذاك التخيل.
ويَعمِد إلى امرأة أجنبية يعلم أنها أجنبية لا تحلُّ له، فيخيِّل لنفسه أنها امرأته، فيواقعها مع ذاك العلم وذاك التخيل، فهل ينفعه ذاك التخيل عند الله تعالى وعند عباده، فلا يُحكَم عليه بأنه شاربُ خمرٍ زانٍ؟
فإن قيل: فلماذا تأول إبراهيم عليه السلام في كلماته، فأراد بقوله «هي

(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 210)

أختي» الأخوة في الدين؟ ولماذا قال جمعٌ من أهل العلم في الكذب المرخَّص فيه: إن شرطه أن يتأول المتكلم في نفسه معنًى صحيحًا؟
قلت: أما كلمات إبراهيم عليه السلام فسيأتي النظر فيها ونوضِّح أن حاله كانت قرينة تدافع ظاهر الخبر، فيبقى معها مجملًا، وتلك الحال هي أنه كان يرى أنه إن [ص 40] لم يُوهِمْهم أن المرأة أخته بطشوا به، وذاك الإيهام لدفع مفسدة، ولا تترتب عليه مفسدة، فهذه الحال مظنة الترخّص في الكلام. فلو لاحظَ المخاطبون هذا لصار الخبر عندهم في معنى المجمل فلا يكون كذبًا، وإذا لم يلاحظوا كانوا هم المقصرون.
وهذا إنما يفيد المباعدة عن الكذب الصريح إذا تأوَّل في نفسه تأويلًا قريبًا، وذلك لوجهين:
الأول: أنه إن لم يتأوله تأويلًا قريبًا لم تُخرِجْه القرينة ــ وإن كانت صريحة ــ عن أن يكون كاذبًا، كما في قولك مشيرًا إلى كتاب: «هذا فرس»، ومثله ما لو أشرت إلى رجل فقلت: «هذا حمار»، ولم تتأول حتى لو كان الرجل بليدًا في نفس الأمر، فإن هذا لا ينفعك لأنك لم تبْنِ عليه.
الوجه الثاني: أن التزام التأويل القريب في النفس يستلزم أن يجيء الكلام قريبَ الاحتمال للمعنى الصحيح، فإذا تنبَّه المخاطب لحال المتكلم ــ وقد قدّمناها ــ قوِي عنده احتمالُ التأويل، وإن كانت تلك الحال كأنها قرينة ضعيفة. وإذا لم يتأول المتكلم في نفسه تأويلًا صحيحًا قريبًا، فقد يجيء الكلام بعيدًا عن احتمال التأويل، فلا يباعده عن الكذب الصريح حتى القرينة الواضحة، فضلًا عن تلك الحال الذي ذكرناها.

(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 211)

ومع هذا كله فسيأتي أن إبراهيم ومحمدًا عليهما الصلاة والسلام قضيا على تلك الكلمات بأنها كذباتٌ وخطايا، وأن إبراهيم عليه السلام يرى يوم القيامة أن صدورها منه يُقصِّر به عن رتبة الشفاعة، ويقضي عليه بأن يستحيي من الله عز وجل لأجلها.
فأما ما قاله بعض أهل العلم من الكذب المرخّص فيه، فسيأتي الكلام فيه، والسرّ في قولهم باشتراط التأويل في النفس يُعلَم مما قلناه في حقّ إبراهيم عليه السلام.

[ص 41]‌‌ المطلب الرابع في القرينة
أجمع أهل العلم على أنه لابدَّ للمجاز من قرينة، فمنهم من قال: إنها ركن كالبيانيين، ومنهم من قال: شرط، ونُسِب هذا إلى الأصوليين. وأجمعوا أنه إذا لم تكن هناك قرينة فالكلام على حقيقته، فإن كان معناه الحقيقي مخالفًا للواقع فهو كذب. ومن الناس مَن يشترط في تسميته كذبًا أن لا يكون المتكلم مخطئًا يعتقد أنه واقع.
واعلم أنه إذا دلّ الخبر بظاهره على معنى، وكان هناك دليلٌ يخالف ذاك الظاهر، فذاك على أوجه:
الأول: أن(1) …--------------------------------------------
(1) يوجد بعده بياض في الصفحة. والكلام غير متصل بما بعدها.

(খণ্ড: 19) (পৃষ্ঠা: 212)