Arabic source text

📘 মুখতাসারুল মুখতাসার ফি বায়ানি আকীদাতি আহলিস সুন্নাতি ওয়াল আসার (আবদুল হাদি আল-উমরি)

📘 مختصر المختصر في بيان عقيدة أهل السنة والأثر (عبد الهادي العمري)

📘 মুখতাসারুল মুখতাসার ফি বায়ানি আকীদাতি আহলিস সুন্নাতি ওয়াল আসার (আবদুল হাদি আল-উমরি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
وقوله: «تلزم جماعة المسلمين»، أُخذ منه لفظ: أهل السُّنَّة والجماعة، وذلك لكون الحق في جماعة المسلمين في الأغلب(1).
وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه في قصة الثلاثة الذين جاءوا بيوت النبي صلى الله عليه وسلم فقال أحدهم: أُصلي اليل أبدًا، وقال الآخر: أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الآخر: أنا اعتزل النساء فلا أتزوج، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم: «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكنِّي أصوم وأفطر وأُصلِّي وأرقد وأتزوج النساء فمنْ رغب عن سنَّتي فليس منِّي»(2).
وهذا دليلٌ على أنَّ المشروع هو الاقتصاد في الطاعات؛ لأن إتعاب النفس فيها والتشديد عليها يفضي إلى ترك الجميع، والدين يسر، ولن يشاد الدين أحدٌ إلا غلبه، والشريعة المطهَّرة مبنيَّةٌ على التيسير وعدم التنفير، وقوله: «فمن رغب عن سنَّتي فليس منِّي» المراد بالسُّنَّة: الطريقة، والرغبةُ: الإعراض، وأراد صلى الله عليه وسلم أن التارك لهديه القويم المائل إلى الرهبانية خارج عن الاتباع إلى الابتداع(3).--------------------------------------------
(1) ينظر: فتح الباري على صحيح البخاري، باب علامات النبوة في الإسلام 4/ 455.
(2) أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح، 3/ 354.
(3) ينظر: نيل الأوطار 6/ 123.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)

وهناك أصول من التزم بها كان من أهل السُّنَّة والجماعة، قيل لسهل ابن عبد الله التستري متى يعلم الرجل أنه على السُّنَّة والجماعة؟ قال: إذا عرف من نفسه عشر خصال: لا يترك الجماعة، لا يسب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، لا يخرج على هذه الأمه بالسيف، ولا يكذِّب بالقدر، لا يشك في الإيمان، لا يماري في الدين، لا يترك الصلاة على من يتوب من أهل القبلة بالذنب، لا يترك المسح على الخفين، لا يترك الجمعة خلف كل والٍ جَار أوعدل(1).
وقال الإمام أحمد رحمه الله: "أصول السُّنَّة عندنا: التمسُّك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم … "(2)، ثم ذكر جملة من عقائد السلف.
ويقول ابن حزم رحمه الله: "وأهل السُّنَّة الذين نذكرهم أهل الحق، ومن عداهم فأهل البدعة، فإنهم الصحابة رضي الله عنهم، ومن سلك نهجهم من خيار التابعين، ثم أصحاب الحديث ومن اتبعهم من الفقهاء جيلًا فجيلًا إلى يومنا هذا، ومن اقتدى بهم من العوام في شرق الأرض وغربها رحمهم الله"(3).
وقال الأصبهاني بعد كلامه عن أهل الأهواء: "وأما أهل الحق فجعلوا--------------------------------------------
(1) شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة 1/ 138.
(2) المرجع نفسه 1/ 155 - 156.
(3) الفصل في الملل والنحل 2/ 271.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)

الكتاب والسُّنَّة إمامهم، وطلبهم الدين من قبَلهما، وما وقع لهم من معقولهم وخواطرهم عرضوه على الكتاب والسُّنَّة فإن وجدوه موافقًا لهما قبلوه، وشكروا الله حيث أراهم ذلك ووفقهم إليه، وإن وجدوه مخالفًا لهما تركوا ما وقع لهم، وأقبلوا على الكتاب والسُّنَّة، ورجعوا بالتهمة على أنفسهم"(1).
وقال السجزي رحمه الله: "فأهل السُّنَّة: هم الثابتون على اعتقاد ما نقله إليهم السلف الصالح رحمهم الله عن الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم رضي الله عنهم أئمة، وقد أُمرنا باقتفاء آثارهم واتباع سُنَّتهم، وهذا أظهر من أن يحتاج فيه إلى إقامة برهان، والأخذ بالسُّنَّة واعتقادها مما لامرية في وجوبه"(2).
وللإمام البربهاري رحمه الله عبارة وَصَف بها أهل السُّنَّة فقال: "اعلم أن الإسلام هو السُّنَّة، والسُّنَّة هي الإسلام ولا يقوم أحدهما إلا بالآخر، فمن السُّنَّة لزوم الجماعة، ومن رغب غير الجماعة وفارقها فقد خلع ربقة(3) الإسلام من عنقة وكان ضالًا مضلًا"(4).--------------------------------------------
(1) الحجة في بيان المحجة وعقيدة أهل السُّنَّة، الأصبهاني 2/ 238.
(2) رسالة الإمام السجزي في الرد على من أنكر الحرف والصوت، ص 99.
(3) الرِّبْقُ بالكَسْرِ: حَبْل فيه عِدة عُرىً يُشَدُّ بهِ البَهْمُ الصِّغارُ من أَعْنُقِها أَو يَدِها لِئلاّ تَرْضَعَ، ينظر: تاج العروس 25/ 329.
(4) شرح السُّنَّة، ص 21.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)

وفي تحديده لضابط صاحب السُّنَّة قال: "أصل اثنين وسبعين هوى: أربعة أهواء، فمن هذه الأربعة الأهواء تشعبت الاثنان وسبعون هوى: القدرية، والمرجئة، والشيعة، والخوارج، فمن قدَّم أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتكلَّم في الباقين إلا بخير ودعا لهم فقد خرج من التشيُّع أوله وآخره، ومن قال: الإيمان قولٌ وعملٌ يزيد وينقص فقد خرج من الإرجاء أوله وآخره، ومن قال: الصلاةُ خلف كلِّ برٍّ وفاجر، والجهاد مع كلِّ خليفة، ولم ير الخروج على السلطان بالسيف، ودعا لهم بالصلاح، فقدخرج من قول الخوارج أوله وآخره، ومن قال: المقادير كلُّها من الله سبحانه وتعالى خيرها وشرها، يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فقد خرج من قول القدرية أوله وآخره وهو صاحب سُنَّة"(1).
ووصفهم شيخ الإسلام رحمه الله بأنهم وسط في سائر أبواب السُّنَّة؛ "لأنهم متمسِّكون بكتاب الله وسُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين"(2).
وقال أيضًا: «فمن قال بالكتاب و السُّنَّة والإجماع كان من أهل السُّنَّة والجماعة"(3).--------------------------------------------
(1) شرح السُّنَّة، ص 57.
(2) مجموع الفتاوى 3/ 375.
(3) المرجع نفسه 3/ 346.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)

فمن سلم من البدع وتمسَّك بهدي النبي صلى الله عليه وسلم كان من أهل السُّنَّة والجماعة.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: «فأهل السُّنَّة المحضة السالمون من البدع الذين تمسكوا بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الأصول كلها، أصول التوحيد والرسالة والقدر ومسائل الإيمان وغيرها، وغيرهم من خوارج ومعتزلة وجهمية وقدرية ورافضة ومرجئة ومن تفرَّع عنهم كلهم من أهل البدع الاعتقادية"(1).
ووصفهم الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله فقال: "أهل السُّنَّة والجماعة الذين درجوا على منهاج النبوة، ولم ينفصلوا عنها ولا لحظة واحدة لا باسم ولا برسم، فليس لهم شخص ينتمون إليه سوى منهاج النبوة (الكتاب والسُّنَّة) إذ الأصل لا يحتاج إلى سمة خاصة تميّزه، إنما الذي يحتاج إلى اسمٍ معيَّن هو الخارج من هذا الأصل من تلكم الجماعات التي انشقت من الأصل"(2).--------------------------------------------
(1) الفتاوى السعدية، للشيخ عبد الرحمن الناصر السعدي، ص 63 - 64.
(2) حكم الانتماء إلى الفرق والأحزاب والجماعات الإسلامية، ص 28.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)

‌‌الفصل الثاني: سمات أهل السنة والجماعة
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الأسماء التي عرف بما أهل السنة تمييزا عن غيرهم.
المبحث الثاني: خصائص أهل السَّنَّة والجماعة.
المبحث الثالث: مصادر التلقي عند أهل السَّنَّة والجماعة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)

‌‌المبحث الأول:
الأسماء التي عُرف بها أهل السُّنَّة تمييزًا عن غيرهم
كان الصحابة رضي الله عنهم يتسمّون بما سمَّاهم الله سبحانه وتعالى ممتثلين قول الله تعالى: {وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ}(1)، بل كان السلف يحذرون من التسمِّي بغير الإسلام والسُّنَّة، قال ميمون بن مهران: "إياكم وكل اسم يسمَّى بغير الإسلام"(2)، ولكن لما ظهرت البدع وتعددت فرق الضلال وأخذ كل صاحب بدعه يدعو إلى بدعته مع انتسابهم في الظاهر إلى الإسلام أصبح لزامًا على أهل الحق المتمسِّكين بهدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يُعرفوا بأسماء تميزهم عن أهل الأهواء والبدع، ومن تأمل أسماء أهل السُّنَّة وجدها تدلُّ على الإسلام، ولا ينتسبون لشخصيات كحال أهل البدع، كالجهمية نسبةً إلى الجهم، والزيدية نسبةً إلى زيد بن على بن الحسين، … وغيرهم.
فأسماء أهل السُّنَّة مستنبطة من الإسلام وسأذكر بعضًا من أسمائهم.

‌‌1 - الفرقة الناجية
أُخذ هذا اللقب من قول النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله الصحابة رضي الله عنهم قالوا: يا رسول الله مَنْ الفرقة الناجية؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أمتي ستفترق على اثنتين--------------------------------------------
(1) سورة الزمر، آية 12.
(2) الإبانة الصغرى، ابن بطة، ص 137، والكبرى 1/ 342، 354.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)

وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة"(1).
ويقول شيخ الإسلام في جوابه لسؤال عن حديث افتراق الأمه: "الحمد لله الحديث مشهور في السنن والمسانيد كسنن أبي داود، والترمذي والنسائي وغيرهم، وفي رواية قالوا: يا رسول الله مَنْ الفرقة الناجية؟ قال: «مَنْ كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي»، وفي رواية قال: «هي الجماعة يد الله على الجماعة»(2).
وعلى كل فإن التسمية سواء أُخذت من منطوق الحديث أو مفهومه فهي تسمية شرعية.
ولقد عقد البغدادي بابًا في كتابه عَنْونَ له بـ (بيان أوصاف الفرقة الناجية، وتحقيق النجاة لها، وبيان محاسنها)(3).
ويقول الشيخ حافظ حكمي رحمه الله: "وقد أخبر الصادق المصدوق أن الفرقة الناجية هم من كان على مثل ما كان عليه هو وأصحابه وإنما تصلح هذه الصفة لحملتها وحُفَّاظها المنقادين لها المتمسِّكين بها، أعني بذلك أئمة الحديث وجهابذة السُّنَّة"(4).--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن ماجه 2/ 1322، رقم 3993، وابن جرير في تفسيره 4/ 32، وأبو يعلى 7/ 32، رقم 3938.
(2) مجموع الفتاوى 3/ 345.
(3) الفرق بين الفرق، ص 313.
(4) معارج القبول 2/ 159.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)

‌‌2 - الطائفة المنصورة
وهذا دلَّ عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لاتزال طائفةٌ من أمَّتي منصورين لا يضرُّهم من خذلهم حتى تقوم الساعة»(1).
وقال صلى الله عليه وسلم: «لاتزال طائفةٌ من أمَّتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون»(2).

‌‌3 - أهل الحديث والأثر
سُمُّوا بذلك لاشتغالهم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وآثار صحابته رضي الله عنهم، قال الإمام أحمد:
دين النَّبي محمَّدٍ أخبارُ … نعم المطيَّة للفتى آثارُ
لا ترغبنَّ عن الحديثِ وآلِهِ … فالرأيُ ليلٌ والحديثُ نهارُ(3)

وقال السَّفَّاريني رحمه الله:
اعلم هديتَ أنَّه جاء الخبرْ … عن النَّبي المقتفى خير البشرْ--------------------------------------------
(1) أخرجه أحمد في المسند 4/ 436، والترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيح، والحديث صحَّحه الألباني في السلسلة الصحيحة 4/ 619.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا تزال طائفة) فتح الباري 13/ 239، ومسلم في صحيحه، كتاب الإماره 3/ 1523.
(3) جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله، ابن عبد البر 2/ 43.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)

بأنَّ ذي الأمة سوف تفترقْ … بضعًا وسبعين اعتقادًا والمحقْ
ما كان في نهجِ النَّبي المصطفَى … وصحبه من غير زيغٍ وجفَا
وليس هذا النصُّ جزمًا يعتبرْ … في فرقةٍ إلا على أهلِ الأثرْ(1)
وقال أيضًا: " … الذين يأخذون عقيدتهم عن كتاب الله عز وجل أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم أو ما ثبت وصحَّ عن السلف الصالح من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين"(2).
وهم في ذلك يجمعون بين رواية الحديث، واعتقاده والعمل به، قال ابن تيمية رحمه الله:"ونحن لا نعني بأهل الحديث: المقتصرين على سماعه أو كتابته أو روايته بل نعني بهم: كل من كان أحقَّ بحفظه، ومعرفته، وفهمه: ظاهرًا، وباطنًا، واتباعه: باطنًا وظاهرًا، وكذلك أهل القرآن، وأدنى خصلة في هؤلاء: محبَّة القرآن والحديث والبحث عنهما، وعن معانيهما، والعمل بما علموه من موجبهما … "(3).
وقال أيضًا: "فهم أعلم الناس بأقواله صلى الله عليه وسلم وأحواله، وأعظمهم تمييزًا--------------------------------------------
(1) لوامع الأنوار البهية 1/ 74، 76.
(2) لوامع الأنوار البهية 1/ 64، وللاستزاده ينظر: الرد على من أنكر الحرف والصوت، السجزي ص 175، 177 - 178، ودرء تعارض العقل والنقل 6/ 266.
(3) مجموع الفتاوى 4/ 95.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)

بين صحيحهما، وسقيمهما، وأئمتهم فقهًا فيها، وأهل معرفة بمعانيها، واتباع لها تصديقًا، وعملًا، وحبًّا وموالاة لمن والاها، وبغضًا ومعاداة لمن عاداها"(1).

‌‌4 - الجماعة
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أهل الكتاب افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملَّة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملَّة كلها في النار إلا واحدة وهي: الجماعة وإنه سيخرج في أُمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكَلَب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله … »(2).
وقال ابن أبي العز: "والجماعة جماعة المسلمين وهم الصحابة رضي الله عنهم والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين"(3).--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى 3/ 347.
(2) أخرجه أحمد 4/ 102، وأبو داود 5/ 5 - 6، رقم 4597، والدارمي 2/ 314، والمروزي في السُّنَّة 15، وابن أبي عاصم في السُّنَّة، وصحَّحه الحاكم في المستدرك 1/ 128، وقال الألباني في ضلال الجنة في تخريج السُّنَّة: "حديثٌ صحيحٌ بما قبله ومابعده" ينظر: السُّنَّة لابن أبي عاصم مع ظلال الجنة، ص 33.
(3) شرح العقيدة الطحاوية 3/ 326.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)

‌‌المبحث الثاني:
خصائص أهل السُّنَّة والجماعة
لأهل السُّنَّة خصائص كثيرة تميزهم عن أهل الأهواء والبدع منها:

‌‌أولًا: أهل السُّنَّة لا يبدِّع بعضهم بعضًا بمجرَّد خطأ في الاجتهاد
هذه المسألة من المسائل العظيمة التي قرَّرها أهل السُّنَّة والجماعة، وخالفوا فيها أهل البدع من الخوارج والمعتزلة ومن نحا نحوهم، والأدلة على ذلك مستفيضة من الوحيين وكلام العلماء.
أولًا: من القرآن
قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}(1).
ولقد أمر الله سبحانه وتعالى بتقواه بقدر الاستطاعه، قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}(2).--------------------------------------------
(1) سورة البقرة، آية 286.
(2) سورة التغابن، آية 16.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)

وحرَّر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هذه المسألة قائلًا: "دلَّت هذه النصوص على أنه لايكلِّف نفسًا ما تعجز عنه، خلافًا للجهمية المجبرة، ودلَّت على أنه لا يؤاخذ المخطئ والناسي خلافًا للقدرية والمعتزلة، وهذا فصل الخطاب في هذا الباب، فالمجتهد المستدل من إمام وحاكم وعالم وناظر ومفت وغير ذلك إذا اجتهد واستدل فاتقى الله سبحانه وتعالى ما استطاع كان هذا هو الذي كلفه الله سبحانه وتعالى إياه، وهومطيع لله سبحانه وتعالى مستحق للثواب إذا اتقاه ما استطاع، ولا يعاقبه الله البته خلافًا للجهمية المجبرة"(1).
ثانيًا: من السُّنَّة
حديث حذيفة رضي الله عنه فيما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن رجلًا حضره الموت لما أيس من الحياة أوصى أهله: إذا مت فاجمعوا لي حطبًا كثيرًا ثم أوروا نارًا حتى إذا أكلت لحمي وخلصت إلى عظمي فخذوها فاطحنوها فذروني في اليم في يومٍ حارٍّ- أو راح-(2) فجمعه الله سبحانه وتعالى فقال: لم فعلت؟ قال: خشيتك، فغفر له"(3).--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى 19/ 216 - 217.
(2) يوم راح: أي ذو ريح، قيل يوم راح، وليلة راحة: إذا اشتدت الريح فيهما، النهاية، ابن الأثير 2/ 237.
(3) أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذُكر عن بني إسرائيل 2/ 419.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)

قال الخطابي عند شرحه لهذا الحديث: "قد يستشكل هذا فيقال كيف يغفر له وهو منكر للبعث والقدرة على إحياء الموتى؟ والجواب: أنه لم ينكر البعث وإنما جهل فظن أنه إذا فُعل به ذلك لا يُعاد فلا يعذب، وقد ظهر إيمانه باعترافه بأنه إنما فعل ذلك من خشية الله"(1).
وكذلك خالد بن ذكوان عن الربيع بنت معوذ رضي الله عنهما أنها قالت: "جاء النبي صلى الله عليه وسلم يدخل حين بُني عليَّ فجلس على فراشي كمجلسك منِّي، فجعلت جويريات لنا يضربن بالدفِّ ويندبن من قُتل من آبائي يوم بدر إذ قالت إحداهن: وفينا نبيٌّ يعلم ما في غد، فقال: دعي هذا وقولي بالذي كنت تقولين"(2).
فعذر النبي صلى الله عليه وسلم الجارية التي نسبت إليه علم الغيب.
وهذا لا يعني عدم التنبيه على أخطاء العلماء ومناصحتهم، بل يكون النصح من عالم متمكّن في العلم وقصد ذلك ومراده بيان الحق مع احترام المخالف، ويكون الكلام منصبًّا على القول دون القائل، فإنه لا يتعرض له بشيءٍ إلا إذا دعت الحاجة لذلك، والله أعلم.--------------------------------------------
(1) فتح الباري 6/ 522.
(2) أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب ضرب الدُّف في النكاح والوليمة 3/ 374.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)

‌‌ثانيًا: أهل السُّنَّة يحسنون الظنَّ ويبغضون أهل البدع بقدر ما عندهم من البدع
إن الله سبحانه وتعالى لم يجعل أحكام الدنيا على السرائر بل على الظواهرِ والسرائرُ تبعٌ لها، وأما أحكام الآخرة فعلى السرائرِ والظواهرٌ تبعٌ لها، فإذا أظهر المسلم سلامة الاعتقاد مع العمل بمقتضاه حُكم عليه بأنَّه من أهل السُّنَّة، وليس لنا أن ننقِّب عمَّا في قلبه.
ذكر سعيد الخدري رضي الله عنه قصَّة الرجل الذي راجع النبي صلى الله عليه وسلم في الزكاة وقال له يا رسول الله: اتق الله … أنَّ خالد بن الوليد رضي الله عنه استأذن النَّبي صلى الله عليه وسلم في ضرب عنقه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لعلَّه أن يكون يصلي»، فقال خالد: وكم من مصلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لم أومر أن أنقِّب قلوب الناس ولا أشقّ بطونهم»(1).
فيجب على كل من نصح نفسه ألا يعامل الناس بغير ما ظهر منهم، امتثالًا لفعل النبي صلى الله عليه وسلم واقتداءً بأصحابه رضي الله عنهم الذين جعلوا هذا أصلًا في تعاملهم مع غيرهم.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن،3/ 162 - 163.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)

وفي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقول: «إنَّ أناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم فَمَنْ أظهر لنا خيرًا أمِنَّاهُ وقرَّبناهُ، وليس إلينا من سريرته شيء، الله يحاسب سريرته، ومَنْ أظهر لنا سوءًا لم نأْمَنْه ولم نصدِّقه وإن قال إن سريرته حسنه»(1).
وفي الشق الآخر فأهل السُّنَّة يبغضون أهل البدع بقدر ما عندهم من البدع، وهذا أصلٌ عندهم متفرِّعٌ عن مسألة الإيمان، وهو أن الإيمان إذا ذهب بعضه لا يذهب كلُّه، وهم بذلك خالفوا أهل البدع كالجهمية، والمرجئة، والخوارج، والمعتزلة.
وقرَّر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هذه المسألة بقوله: "وإذا اجتمع في الرجل الواحد خيرٌ وشر، وفجورٌ وطاعةٌ ومعصية، وسُنَّةٌ وبدعة: استحق من الموالاة بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا كاللص الفقير تقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته، هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السُّنَّة والجماعة، وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم عليه، فلم يجعلوا الناس لا مستحقًّا--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري، كتاب الشهادات، باب الشهداء العدول، 2/ 264.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)

للثواب فقط، ولامستحقًّا للعقاب فقط، وأهل السُّنَّة يقولون: إن الله سبحانه وتعالى يعذِّب بالنار من أهل الكبائر من يعذِّبه، ثم يخرجهم منها بشفاعة من يأذن له في الشفاعة، بفضل رحمته كما استفاضت بذلك السُّنَّة عن النبي صلى الله عليه وسلم "(1).

‌‌ثالثًا: اتفاق أهل السُّنَّة والجماعة في مسائل الاعتقاد مهما تباعدت ديارهم
قال الأصبهاني رحمه الله: "ومما يدل على أن أهل الحديث أهل الحق أنك لو طالعت جميع كتبهم المصنَّفة من أولهم إلى آخرهم، قديمهم وحديثهم، مع اختلاف بلدانهم وزمانهم، وتباعد ما بينهم من الديار، وسكون كل واحد منهم قطرًا من الأقطار؛ وجدتهم في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة ونمط واحد، يجرون على طريقة لا يحيدون عنها، ولا يميلون فيها، قولهم في ذلك واحد، ونقلهم واحد، لا ترى فيهم اختلافًا، ولا تفرُّقًا في شيءٍ ما وإن قل، بل لو جمعت جميع ما جرى على ألسنتهم ونقلوه عن سلفهم، وجدته كأنه جاء عن قلبٍ واحد، وجرى على لسانٍ واحد، وهل على الحق دليلٌ أبين من هذا؟ "(2).

‌‌رابعًا: أهل السُّنَّة لا يكفِّرون مخالفيهم بغير دليل
ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في أكثر من موضع من كتبه في--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى 28/ 209 - 210.
(2) الحجة في بيان المحجة 2/ 239.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)

الرد على مَنْ قال بتكفير المتأولين: "وهذا القول لا يُعرف عن أحدٍ من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا عن أحدٍ من أئمَّةِ المسلمين، وإنما هو في الأصل من أقوال أهل البدع الذين يبتدعون بدعةً ويكفِّرون من خالفهم كالخوارج والمعتزلة والجهمية"(1).
وقال أيضًا: "والخوارج تكفِّر أهل الجماعة، وكذلك المعتزلة يكفِّرون مَنْ خالفهم، وكذلك الرافضة، ومن لم يكفَّر فسَّق، وكذلك أكثر أهل الأهواء يبتدعون رأيًا ويكفِّرون من خالفهم، وأهل السُّنَّة يتبعون الحق من ربهم الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يكفِّرون من خالفهم فيه، بل هم أعلم بالحق وأرحم بالخلق"(2).
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ رحمهم الله وقد سئل عمَّن كفَّر بعض مخالفيه: "والجواب أنِّي لا أعلمُ مستندًا شرعيًّا ولا برهانًا مرضيًّا يخالف ما عليه أئمَّة العلم من أهل السُّنَّة والجماعة، وهذه الطريقة هي طريقةُ أهل البدع والضلال"(3).--------------------------------------------
(1) منهاج السُّنَّة النبوية 5/ 239 - 240
(2) المرجع نفسه 5/ 158.
(3) مجموع الرسائل والمسائل النجديه 3/ 20.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)

‌‌خامسًا: حبهم لأهل السُّنَّة
إحدى علامات أهل السُّنَّة حبهم لأئمة السُّنَّة وعلمائها، وأنصارها وأوليائها، وقد زيَّن الله سبحانه وتعالى قلوب أهل السُّنَّة ونوَّرها بحبِّهم لعلماء أهل السُّنَّة والجماعة.
قال الحاكم أبو عبد الله الحافظ -أسكنه الله وإيانا الجنَّة- حدثنا محمد بن إبراهيم بن الفضل، حدثنا أحمد بن سلمة، قرأ علينا أبو رجاء قتيبة بن سعيد كتاب الإيمان له فكان في آخره: "فإذا رأيت الرَّجل يحب سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وشعبه، وابن المبارك، وأبا الأحوص، وشريكًا، ووكيعًا، ويحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، فاعلم أنه صاحب سنَّة"(1).

‌‌سادسًا: يوجبون الطاعة للسلطان ويحرِّمون الخروج عليه
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}(2).
فهذه الآية صريحةٌ في وجوب طاعة ولي الأمر، وعدم الخروج عليه، فقد صحَّت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر بطاعة الأئمَّة والولاة فيما كان لله عز وجل طاعة وللمسلمين مصلحة(3).--------------------------------------------
(1) ينظر: عقيدة أهل السلف وأصحاب الحديث، الصابوني، ص 307.
(2) سورة النساء، آية 59.
(3) ينظر: تفسير الطبري 8/ 205.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)

وجاءت سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم مبيِّنة ومفصِّلة ومفسِّرة لهذا الأمر، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني»(1).
والخروج على السلطان خطير ويترتَّب عليها فساد عظيم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته"(2).
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "تجب طاعة وليِّ الأمر ولو كان من أفسق عباد الله عز وجل؛ وذلك لعموم الأدلة الدالة على وجوب طاعة ولاة الأمور، والصبر عليهم وإن رأينا منهم ما نكره في أديانهم وعدلهم واستئثارهم، فإننا نسمع ونطيع فنؤدي الحق الذي أوجب الله عز وجل علينا، ونسأل الله الحق الذي لنا، هكذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا جرى عليه سلف هذه الأمة"(3).--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب يُقاتل من وراء الإمام ويتقى به 2/ 347.
(2) منهاج السُّنَّة النبوية 3/ 391.
(3) الشرح الممتع 8/ 18.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)