وأيضًا: فإنَّ إبصارَ الأشياء القوية القاهرة يمنعُ إبصارَ الأشياء الضعيفة، فكذلك نقول: المعقولاتُ العظيمة العالية تمنع تعقُّل المعقولات الضعيفة، فإنَّ المستغرِقَ في معرفة جلال ربِّ الأرض والسماوات وأسمائه وصفاته يمتنع عليه في تلك الحال الفكرُ في ثبوت الجوهر الفرد وحقيقته.
فصل
قولكم في الحادي عشر: إنَّا إذا حكمنا بأنَّ السواد يضادُّ(1) البياض، وجب أن يحصل في الذهن ماهيةُ السواد والبياض معًا، والبديهة حاكمةٌ بأن اجتماعَهما في الجسم محال.
جوابه: أنَّ هذا مبني على أن من أدرك شيئًا فقد حصل في ذات المدرَك صورةٌ مساويةٌ للمدرِك، وهذا باطل. واستدلالكم على صحته بانطباع الصورة في المرآة باطل، فإنَّ المرآة لم ينطبع فيها شيءٌ البتة، كما يقوله جمهور العقلاء من الفلاسفة والمتكلمين وغيرهم. والقول بالانطباع باطلٌ من وجوه كثيرة.
ثم نقول: إذا كنتم قد قلتم: إنَّ المنطبع في النفس عند إدراك السواد والبياض رسومُهما ومثالُهما، لا حقيقتُهما؛ فلِمَ لا يجوز حصول رسوم هذه الأشياء في المادة الجسمانية؟
فصل
قولكم في الثاني عشر: إنه لو كان محلُّ الإدراكات جسمًا ــ وكلُّ--------------------------------------------
(1) يشبه رسمها في الأصل: «مساو». وكذا في (ق). وفي (غ): «مساوي للبياض». وهو تحريف.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٥٩٦)
جسمٍ(1) منقسمٌ ــ لم يمنع أن يقوم ببعض أجزاء الجسم علمٌ بالشيء، وبالجزء الآخر منه جهلٌ به، فيكون الإنسان عالمًا بالشيء جاهلًا به في وقت واحد.
جوابه: أن هذه الشبهة منتقضة على أصولكم، فإن الشهوة والغضب والتخيُّل من الأحوال [138 أ] الجسمانية عندكم، ومحلُّها منقسم، فلزمكم(2) أن تجوِّزوا قيام الشهوة والغضب بأحد الجزأين وضدَّهما بالجزء الآخر، فيكون مشتهيًا للشيء نافرًا عنه، غضبان عليه(3) غير غضبان، في وقت واحد.
فصل
قولكم في الثالث عشر: إن المادة الجسمانية إذا حصلت فيها نفوس مخصوصة امتنع فيها حصول مثلها، والنفوس العقلية(4) بضد ذلك(5) إلى آخره.
جوابه: أن غاية هذا أن يكون قياسًا تمثيليًّا(6) بغير جامع، وذلك لا يفيد--------------------------------------------
(1) في جميع النسخ: «فكل جسم»، والصواب بالواو كما سبق.
(2) (ب، ط): «فيلزمكم».
(3) «عليه» ساقط من (ب، ط).
(4) في جميع النسخ الخطية والمطبوعة: «البشرية». والصواب ما أثبتنا وفاقًا لما سبق عند سرد هذه الأدلَّة.
(5) الأصل: «فضدّ ذلك». والذي سبق: «فبضد ذلك».
(6) (ب، ط، ج): «تمثيلًا». وفي غيرها من النسخ الخطية والمطبوعة: «ممتازًا». وهو تحريف طريف.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٥٩٧)
الظنَّ فضلًا عن اليقين، فإن النفوس العقلية هي العلوم والإدراكات، والنفوسَ الجسمانية هي الأشكال والصور، ولا ريب أن العلوم مخالفةٌ بحقائقها للصور والأشكال. ولا يلزم من ثبوت حكمٍ في نوع من أنواع الماهيات ثبوته فيما(1) يخالف ذلك النوع.
فصل
وقولكم في الرابع عشر: لو كانت النفس جسمًا لكان بين تحريك المحرِّك رجلَه وبين إرادته للحركة زمان، إلى آخره.
جوابه: أن النفس مع الجسد لا تخلو من ثلاثة أحوال: إما أن تكون لابسةً لجميعه من خارج كالثوب، أو تكون في موضع واحد كالقلب والدماغ، أو تكون ساريةً في جميع أجزاء الجسد.
وعلى كل تقدير من هذه التقادير، فتحريكُها لِما تريد تحريكَه يكون مع إرادتها لذلك بلا زمان، كإدراك البصر لما يلاقيه، وإدراك السمع والشمّ والذوق(2). وإذا قطعتَ العضو لم ينقطع ما كان من جسم الإنسان متخلِّلًا لذلك العضو، سواءٌ كانت لابسة له من داخل أو خارج، بل تفارقُ العضوَ الذي بطل حسُّه في الوقت، وتتقلص عنه بلا زمان. وتكون مفارقتها لذلك العضو كمفارقة الهواء للإناء إذا مُلِئ ماء.
وأما إن(3) كانت النفس ساكنةً في موضع واحد من البدن، لم يلزم أن--------------------------------------------
(1) هذا في الأصل و (غ، ج). وفي (ن، ز): «لما». وفي (ب، ط، ق): «كما»، تصحيف.
(2) في الأصل: «العروق». وكذا في (ز، ق، غ). والصواب ما أثبتنا من (ب، ج). وفي (ط): «الذوق والعروق»، جمع بين الصحيح والمحرّف. وفي (ن) حذف الكلمة.
(3) (ب، ط، ج): «إذا».
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٥٩٨)
تبِينَ(1) مع العضو المقطوع(2).
وأما إن كانت لابسةً للبدن من خارج، لم يلزم أن يكون بين إرادتها لتحريكه ونفسِ التحريك [138 ب] زمانٌ، بل يكون فعلها حينئذ في تحريك الأعضاء كفعل المغناطيس في الحديد وإن لم يلاصقه.
ثم نقول: هذا الهذَيان الذي شغلتم به الزمانَ وارد عليكم بعينه، فإنها عندكم غير متصلة بالبدن ولا منفصلة عنه، ولا داخلة فيه ولا خارجة عنه؛ فيلزمكم مثل ذلك سواء(3).
فصل
قولكم في الخامس عشر: لو كانت جسمًا لكانت منقسمةً، ولصحَّ عليها أن تعلمَ بعضها وتجهلَ بعضها، فيكون الإنسان عالمًا ببعض نفسه جاهلًا بالبعض الآخر.
جوابه: أن هذه الشبهة مركبة من مقدِّمتين: تلازمية واستثنائية، والمنعُ واقعٌ في كلا المقدمتين(4) أو إحداهما. فلا نسلِّم أنها لو كانت جسمًا لصحَّ أن تعلم بعضها وتجهل بعضها، فإن النفس بسيطة، غير مركبة من هذه العناصر ولا من الأجزاء المختلفة، فمتى(5) شعرت بذاتها شعرت--------------------------------------------
(1) رسمها في (ب، ط، ج) يشبه «تنبتر». وفي (ن): «ينقطع منها موضع العضو».
(2) في (ب، ط، ج) زيادة: «به».
(3) «سواء» ساقط من (ق).
(4) كذا في جميع النسخ بتذكير «كلا»، وله نظائر في كتب المؤلف. انظر ما علّقت على «كلا الطائفتين» في طريق الهجرتين (505).
(5) (أ، ق، غ): «فمن»، تحريف.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٥٩٩)
بجملتها(1). فهذا منعُ(2) المقدمة التلازمية. وأما الاستثنائية، فلا نسلِّم أنها لا يصحُّ أن تعلمَ بعضَها حال غفلتها(3) عن البعض الآخر، ولم تذكروا(4) على بطلانِ ذلك شبهةً فضلًا عن دليل.
ومن المعلوم أن الإنسان قد يشعر بنفسه من بعض الوجوه دون كلِّها. ويتفاوتُ الناس في ذلك، فمنهم من يكون شعوره بنفسه أتمَّ من غيره بدرجات كثيرة.
وقد قال تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ} [الحشر: 19]. فهؤلاء نسُوا نفوسهم لا من جميع الوجوه، بل من الوجه الذي به مصالحُها وكمالُها وسعادتُها، وإن لم ينسَوها من الوجه الذي منه شهوتُها وحظُّها(5) وإرادتُها. فأنساهم مصالحَ نفوسهم أن يفعلوها ويطلبوها، وعيوبَها ونقائصَها(6) أن يُزيلوها(7) ويجتنبوها، وكمالَها الذي خُلقت له أن يعرفوه ويطلبوه. فهم جاهلون بحقائق أنفسهم من هذه الوجوه، وإن كانوا عالمين بها من وجوه أُخَر.--------------------------------------------
(1) هذا في (ب، ط، ج). وفي غيرها: «بجهلها»، تحريف. والجملة «فمتى شعرت .. » إلى هنا ساقطة من (ن).
(2) (ب، ط، ج): «يمنع».
(3) ما عدا (ج، ن، ز): «عقلها»، تصحيف.
(4) كذا في (غ). والأصل غير منقوط. وفي غيرهما: يذكروا.
(5) رسمها في (أ، ق، ط) بالضاد، فتحرف في (ب، ج، ن، ز) إلى «غضبها».
(6) بعدها في الأصل زيادة: «أوشي» وكذا في (ق، ب، غ). ولم أدر ما هو.
(7) (ط، ز): «يتركوها».
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦٠٠)
فصل
[139 أ] قولكم في السادس عشر: لو كانت النفس جسمًا لوجب ثقلُ البدن بدخولها فيه؛ لأن من شأن الجسم إذا زدتَ عليه جسمًا آخر أن يثقل به.
فهذه شبهة في غاية الثقالة، والمحتجُّ بها أثقَل وأثقَل! وليس كلُّ جسمٍ زِيدَ عليه جسمٌ آخر ثقَّله، فهذه الخشبة تكون ثقيلة، فإذا زِيد عليها جسمُ النار خفَّت جدًّا. وهذا الظرف يكون ثقيلًا، فإذا دخله جسم الهواء خفَّ. وهذا إنما يكون في الأجسام الثِّقال التي تطلب المركزَ والوسطَ بطبعها، وهي تتحرك بالطبع إليه. وأما الأجسام التي تتحرك بطبعها إلى العلوِّ، فلا يعرضُ لها ذلك، بل الأمر فيها بالضدِّ من تلك الأجسام الثقال. بل إذا أضيفت إلى جسم ثقيل أكسبته الخفَّة.
وقد أخذ هذا المعنى بعضُهم، فقال(1):
ثقُلتْ زجاجاتٌ أتَتْنا فُرَّغًا … حتى إذا مُلِئَتْ بصِرْف الرَّاح
خَفَّتْ فكادت أن تطير بما حوَتْ … وكذا الجُسومُ تخِفُّ بالأروَاح--------------------------------------------
(1) البيتان لإدريس بن اليمان العبدري الأندلسي (ت 450) من قصيدة طويلة في علي بن مجاهد العامري كما في جذوة المقتبس (170) والمطرب لابن دحية (130) ونفح الطيب (4/ 75) وغيرها من المصادر الأندلسية. ونسبا في معجم الأدباء (1084) وعيون الأنباء (2/ 255) إلى ابن شبل البغدادي الطبيب الفيلسوف (ت 474)، وفي البديع لأسامة (227) إلى ابن هانئ.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦٠١)
فصل
قولكم في السابع عشر: لو كانت النفس جسمًا لكانت على صفات سائر الأجسام التي لا تخلو منها، من الخفة والثقل، والحرارة والبرودة، والرطوبة واليبوسة، والنعومةِ والخشونة، إلى آخره(1) = شبهةٌ فاسدة، وحجة داحضة، فإنه لا يجب اشتراك الأجسام في جميع الكيفيات والصفات. وقد فاوت اللّهُ سبحانه بين صفاتها وكيفياتها وطبائعها(2)، فمنها ما يُرى بالبصر ويُلمَس باليد، ومنها ما لا يُرى ولا يُلمَس. ومنها ما له لون، ومنها ما لا لون له. ومنها ما يقبل الحرارة والبرودة، ومنها ما لا يقبله.
على أن للنفس(3) من الكيفيات المختصَّة بها ما لا يشاركُها فيها البدن، ولها خفة وثقل، وحرارة وبرودة، ويبس(4) ولِين بحسبها. وأنت تجد الإنسان في غاية الثقالة، وبدنُه نحيل(5) جدًّا. وتجده في غاية الخفَّة، وبدنُه ثقيل. وتجد نفسًا لينة وادعة، ونفسًا يابسة [139 ب] قاسية. ومن له حسٌّ(6) سليمٌ يشمُّ رائحةَ بعض النفوس كالجيفة المنتنة، ورائحةَ بعضِها أطيبَ من ريح المسك.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مرَّ في طريق بقيَ أثر رائحته في الطريق،--------------------------------------------
(1) «آخره» ساقط من (ب، ط، ز).
(2) (ز، ن): «طباعها».
(3) في الأصل: «النفس». وكذا في (ب، ط، ق، ن). والمثبت من غيرها.
(4) (ن): «يبوسة».
(5) تحرّف في (ب، ط) إلى «ثقيل»، فلما فسد المعنى أثبت ناسخا (ج، ن): «خفيف».
(6) (ن): «شمّ».
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦٠٢)
ويُعرف(1) أنه مرَّ بها(2). وتلك رائحة نفسه وقلبه(3). وكانت رائحة عَرَقه من أطيب شيء(4)، وذلك تابعٌ لطيبِ نفسه وبدنه.
وأخبر ــ وهو أصدق البشر ــ أنَّ الروحَ عند المفارقة يوجد لها كأطيب نفحةِ مسكٍ وُجِدت على وجه الأرض، أو كأنتن ريحِ جيفةٍ وُجِدت على وجه الأرض(5). ولولا الزكامُ الغالب لشمَّ الحاضرون ذلك. على أنَّ كثيرًا من الناس(6) يجد ذلك، وقد أخبر به غيرُ واحد، ويكفي فيه خبر الصادق المصدوق. وكذلك أخبر بأن أرواح المؤمنين مشرقةٌ، وأرواحَ الكفار سُودٌ(7).
وبالجملة فكيفياتُ النفوس أظهرُ من أن ينكرها إلا مَن هو مِن أجهلِ الناس بها(8).
فصل
قولكم في الثامن عشر: لو كانت(9) جسمًا لوجب أن تقع تحت جميع--------------------------------------------
(1) (ب، ط، ج): «فيعرف».
(2) أخرجه البخاري في تاريخه الكبير (1273) عن جابر.
(3) (ب، ط، ج): «قلبه ونفسه».
(4) انظر حديث أنس في صحيح مسلم (2331).
(5) سبق تخريجه.
(6) (ن): «أكثر الناس».
(7) سبق تخريجه.
(8) ساقط من (ط، ج، ز). وفي (ط): «من هو أجهل الناس»، فأسقط «مِن» أيضًا.
(9) في النسخ المطبوعة زادوا بعدها: «النفس».
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦٠٣)
الحواسِّ أو تحت حاسة منها، إلى آخره.
فجوابه بمنع(1) اللزوم، فإنكم لم تذكروا عليه شبهةً فضلًا عن دليل. ومَع(2) انتفاءِ اللازم، فإن الروح تُدرَك بالحواسِّ، فتُلمَس، وتُرى، وتُشَمُّ لها الرائحة الطيبة والخبيثة، كما تقدم في النصوص المستفيضة، ولكن لا نشاهد نحن ذلك.
وهذا الدليل لا يمكن مَن يصدِّقُ الرسلَ أن يحتجَّ به، فإن الملَك جسم ولا يقع تحت حاسَّة من حواسنا، وكذلك الجنُّ والشياطين أجسام لِطاف لا تقع تحت حواسنا(3).
والأجسام متفاوتة في ذلك تفاوتًا كثيرًا، فمنها ما يدرَك بأكثر الحواس، ومنها ما لا يدرَك(4) بأكثرها، ومنها ما يدرَك بحاسَّة واحدة. ومنها ما لا ندرِكه نحن(5) في الغالب، وإن أُدرِك في بعض الأحوال؛ لكونه لم يُخلَق(6)--------------------------------------------
(1) الأصل غير منقوط. وفي (ق، ز، غ): «يمنع». وكذا في بعض النسخ المطبوعة وفي بعضها: «منع». وفي (ط): «يمتنع». والمثبت من (ج، ن). ويحتمل: «نمنع» وقبلها في (ب، ط، ج، ز): «جوابه» دون الفاء.
(2) هذا في (ن، ز). وفي غيرهما: «منع».
(3) (ن): «حاسة من حواسنا».
(4) كذا في (ج) وحدها والنسخ المطبوعة. وفي الأصل وغيره: «ما يدرك». فإن صح فالجملة مكررة، ومن ثم حذفت في (ن). وفي (ق): «بأكبر الحواس» في الجملة السابقة، و «بأكثرها» في هذه الجملة. وفي (غ) على العكس.
(5) «نحن» ساقط من (ب، ط، ج، ز). وفي (ط): «يُدرك».
(6) في الأصل: «يخلو». وكذا في (غ). وفي (ق): «يخلونا». وفي (ن): «يثبت»، ولعله تصرف من ناسخها.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦٠٤)
لنا إدراكه، أو لمانعٍ يمنع من إدراكه، أو للطفِه عن إدراك حواسِّنا. فما عَدِمَ اللون من الأجسام لم يُدرَك بالبصر كالهواء والنار في عنصرها، وما عَدِم الرائحةَ لم يُدرَك بالشمِّ كالنار والحصا والزجاج، وما عَدِمَ المجَسَّةَ لم يُدرَك باللمس كالهواء الساكن(1).
وأيضًا فالروح هي المدرِكةُ لمدارك(2) هذه الحواسِّ بواسطة آلاتها(3)، فالنفسُ هي الحاسة المدركة(4)، وإن لم تكن محسوسة. فالأجسام والأعراض محسوسة، والنفس مُحِسَّة بها. وهي القابلة لأعراضها المتعاقبةِ عليها من الفضائل والرذائل، كقبول الأجرام لأعراضها المتعاقبة عليها. وهي المتحركة باختيارها، المحرِّكة للبدن قسرًا(5) وقهرًا. وهي مؤثرة في البدن، متأثرةٌ به، تألمُ وتلَذُّ، وتفرح وتحزن، وترضى وتغضب، وتنعَم وتبأس، وتحب وتكره، وتَذكرُ وتنسى، وتصعد وتنزل، وتعرِفُ وتُنكر. فآثارها(6) من أدلِّ الدلائل على وجودها، كما أن آثار الخالق سبحانه دالةٌ على وجوده وعلى كماله؛ فإن دلالة الأثر على مؤثره ضرورية.
وتأثيراتُ النفوس بعضِها في بعض أمرٌ لا ينكره ذو حسٍّ سليم ولا عقل--------------------------------------------
(1) في الأصل: «الساكنة». وكذا في (غ) مع (ظ) فوقها».
(2) (ز): «لنحو ما تدرك».
(3) (أ، غ): «آلتها».
(4) (أ، غ): «المذكورة»، تحريف.
(5) (ط): «صبرًا»، تحريف.
(6) (أ، غ): «فأثرها».
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦٠٥)
مستقيم، ولا سيَّما عند تجرُّدها نوعَ تجرُّدٍ عن العلائق والعوائق البدنية(1)؛ فإنَّ قواها تتضاعفُ وتتزايد بحسب ذلك، ولاسيما عند مخالفةِ هواها وحملِها على الأخلاق العالية من العفة والشجاعة والعدل والسخاء، وتجنُّبِها سفسافَ(2) الأخلاق ورذائلَها وسافلَها؛ فإنَّ تأثيرها في العالم يقوى جدًّا، تأثيرًا يعجز عنه البدنُ وأعراضُه(3): أن تنظرَ إلى حجرٍ عظيم فتشُقَّه، أو إلى حيوان كبير فتُتلِفَه، أو إلى نعمةٍ فتزيلَها. وهذا أمر قد شاهده الأمم على اختلاف أجناسها وأديانها وهو الذي يُسمَّى(4) إصابة العين، فيضيفون الأثر إلى العين، وليس لها في الحقيقة، وإنما هو للنفس(5) المتكيِّفة بكيفية ردِيَّة سُمِّيَّة. وقد يكون بواسطة نظر العين، وقد لا يكون، بل يوصفُ له الشيء من بعيد، فتتكيف عليه نفسُه بتلك الكيفية(6)، فتُفسِده. وأنت ترى تأثير النفس في الأجسام صفرةً وحمرةً وارتعاشًا بمجرد مقابلتها لها وقوتها(7). وهذه وأضعافُها آثارٌ خارجةٌ عن تأثير البدن وأعراضِه، فإن البدن [140 ب] لا يؤثِّر إلا فيما لاقاه وماسَّه تأثيرًا مخصوصًا. ولم تزل الأمم تشهد تأثيرَ الهِمَم الفعَّالة(8) في العالم، وتستعين بها، وتحذَر أثرها.--------------------------------------------
(1) «البدنية» ساقط من (ب، ط، ج).
(2) «سفساف» ساقط من (ب، ط). وفي (ج): «ذمائم»، ولعله اجتهاد من ناسخها.
(3) في (ب، ط، ج) هنا زيادة: «فليس في قوة البدن وأعراضه». والنص لا يستلزمها.
(4) (أ، غ، ق): «سمي».
(5) في (ب، ط، ج) زيادة: الغضبية».
(6) «بكيفية رديّة … الكيفية» ساقط من (ب، ط).
(7) وانظر: زاد المعاد (4/ 165 ــ 166)، ومدارج السالكين (1/ 56).
(8) (غ، ز): «الفاعلة». وفي (ن، ز) قبلها زيادة «العالية».
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦٠٦)
وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغسل العائِنُ مغابنَهُ ومواضعَ القذر منه، ثم يُصَبَّ ذلك الماءُ على المَعِين، فإنه يزيلُ عنه تأثير نفسه فيه(1). وذلك بسبب(2) أمرٍ طبيعي اقتضته حكمة الله سبحانه، فإن النفس الأمارة لها بهذه المواضع تعلُّقٌ وإلْفٌ، والأرواحُ الخبيثة الخارجية تساعدها، وتألف هذه المواضع غالبًا للمناسبة بينها وبينها. فإذا غُسِلتْ بالماء طَفِئَتْ تلك الناريَّةُ منها كانطفاءِ(3) الحديدِ المُحْمَى بالماء، فإذا صُبَّ ذلك الماءُ على المصاب طفئ(4) عنه تلك النارية التي وصلت إليه من العائن. وقد وصفَ الأطباء الماءَ الذي يُطفأ فيه الحديدُ لآلامٍ وأوجاع معروفة.
وقد جرَّب(5) الناس من تأثير الأرواح بعضها في بعض عند تجرُّدها في المنام عجائبَ تفوت الحصر، وقد نبَّهنا على بعضها فيما مضى. فعالَمُ الأرواحِ عالَمٌ آخَر أعظَم من عالَم الأبدان، وأحكامُه وآثارُه أعجبُ من آثار الأبدان. بل كلُّ ما في العالم من الآثار الإنسانية فإنما هي من تأثير النفوس بواسطة البدن. فالنفوسُ والأبدانُ يتعاونان(6) على التأثير تعاونَ المشتركين في الفعل. وتنفردُ النفس بآثار لا يشاركها فيها البدن، ولا يكون للبدن تأثيرٌ--------------------------------------------
(1) يشير إلى قصة سهل بن حنيف الذي عانه عامر بن ربيعة. أخرجها مالك في الموطأ (1679) عن أبي أمامة بن سهل.
(2) كذا في (أ، ن). وفي غيرهما: «سببُ».
(3) هكذا في الأصل. وفي غيره: «كما يطفى».
(4) رسمها في جميع النسخ: «طفا»، فتحتمل قراءة «طفَّى» بمعنى أطفأ، وهي عامية.
(5) في الأصل: «درب»، ولعله تحريف. وكذا في (ق، ز، ن).
(6) كذا بالياء في النسخ ما عدا الأصل الذي لم يعجم فيه أوله. وفي (ن، ز): «متعاونَين»، تحريف.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦٠٧)
لا تشارِكه فيها النفس.
فصل
قولكم في التاسع عشر: لو كانت(1) جسمًا لكانت ذاتَ طول وعَرْض وعمق وشكل وسطح، وهذه المقادير لا تقوم إلا بمادة(2)، إلى آخره.
جوابه: أنَّا نقول: قولُكم: هذه المقاديرُ لا تقوم إلا بمادة. قلنا: وكان ماذا؟ والنفس لها مادة(3) خُلِقتْ منها، وجُعِلت على شكل معيَّن وصورة معيَّنة.
قولكم: مادتها إن كانت نفسًا لزم اجتماع نفسَين، وإن كانت غيرَ نفس كانت مركَّبةً من بدن وصورة.
قلنا: مادتها ليست [141 أ] نفسًا، كما أنَّ مادة الإنسان ليست إنسانًا، ومادةَ الجنِّ ليست جِنًّا، ومادةَ الحيوان ليست حيوانًا.
قولكم: «يلزم كونُ النفسِ مركبةً من بدن وصورة» مقدِّمة كاذبة، وإنما يلزم كونُ النفسِ مخلوقةً من مادة، ولها صورة معينة. وهكذا نقول سواءً، ولم تذكروا على بطلان هذا شبهةً، فضلًا عن حجَّة(4) ظنية أو قطعية.
فصل
قولكم في الوجه العشرين: إنَّ خاصَّة الجسم أن يقبلَ التجزِّي(5)، وأن--------------------------------------------
(1) (ط): «كانت النفس».
(2) في الأصل هنا وفيما يأتي: «بأمارة»، وكذا في (غ)، وهو تحريف.
(3) (ب، ط): «وكان بإرادة النفس الأمارة»، تحريف طريف.
(4) في الأصل: «شبهة»، وهو سهو. وكذا في (غ).
(5) مصدر تجزَّى بتسهيل الهمزة. والأصل: التجزُّؤ.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦٠٨)
الجزء الصغير منه(1) ليس كالكبير. فلو قبلت التجزِّي، فكل جزء منها إن كان نفسًا لزم أن يكون للإنسان نفوس كثيرة، وإن لم يكن نفسًا لم يكن المجموع نفسًا.
جوابه: إن أردتم أنَّ كلَّ جسم يقبل التجزِّي في الخارج، فكذبٌ ظاهر؛ فإن الشمس والقمر والكواكب لا تقبل ذلك. ولا يلزم أنَّ كلَّ جسم يصحُّ عليه التجزِّي والتبعيض في الخارج، أما على قولِ نُفاةِ الجوهر الفرد فظاهر، وأما على قول مثبتيه فإنه عندهم جوهر متحيِّز لا يصح عليه قبول الانقسام. سَلَّمنا(2) أنها تقبل الانقسام(3)، فأيُّ شيء يلزم من ذلك؟
قولكم: إن كان كلُّ جزء من تلك الأجزاء أنفسًا لزم اجتماعُ نفوس كثيرة في الإنسان.
قلنا: إنما يلزم ذلك لو(4) انقسمت النفسُ بالفعل إلى نفوسٍ كثيرة، وهذا محال(5).
قولكم: «وإن لم يكن كلُّ جزء نفسًا لم يكن المجموع نفسًا» مقدمة كاذبة منتقِضة. فكلُّ ماهية ثبتَ لها حكمٌ عند اجتماع أجزائها، فإنَّ ذلك الحكم لا يثبت لكل جزء من تلك الأجزاء، كماهية البيت والإنسان والعشَرة وغيرها.--------------------------------------------
(1) ساقط من الأصل.
(2) (ب، ط): «فسلَّمنا».
(3) «سلمنا … الانقسام» ساقط من (ن، ز).
(4) في جميع النسخ: «ان لو»، ولعله سهو كان في الأصل. وقد حذفت «أن» في النسخ المطبوعة.
(5) هذه الفقرة ساقطة من (ج).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦٠٩)
فصل
قولكم في الوجه الحادي والعشرين: إن الجسم يحتاج في قوامه وبقائه وحفظه إلى النفس، فلو كانت النفس جسمًا لكانت محتاجة في قوامها وبقائها إلى نفس أخرى، ويلزمُ التسلسل.
جوابه: أنه لا يلزم من افتقار البدن إلى نفس تحفظُه افتقارُ النفس إلى نفسٍ تحفظها، وهل ذلك إلا مجرَّدُ دعوى كاذبةٍ تستند(1) إلى قياسٍ [141 ب] قد تبيَّن بطلانُه، فإن كلَّ جسم لا يفتقر إلى نفس تحفظه كأجسام المعادن وجسم الهواء والماء والنار والتراب وأجسام سائر الجمادات.
فإن قلتم: إن هذه ليست أحياءً ناطقةً بخلاف النفس فإنها حية ناطقة. قلنا: فحيئذٍ يبقى الدليل هكذا: إنَّ كلَّ جسمٍ حيٍّ ناطقٍ يحتاج في حفظه وقيامه إلى نفسٍ تقوم به. وهذه دعوى مجرَّدة، وهي كاذبة، فإنَّ الجن والملائكة أحياء ناطقون، وليسوا مفتقرين في قيامهم إلى أرواح أُخَر تقوم بهم.
فإن قلتم: وكلامنا معكم في الجن والملائكة فإنهم ليسوا بأجسامٍ متحيزة(2).--------------------------------------------
(1) في (ن): «مستندة». وفي غيرها جميعًا: «مستند»، فأقرب قراءة لهذا الرسم ما أثبتنا، إلا أن يكون سهو قد وقع في أصل المصنف فيكون الصواب ما ورد في (ن). وكذا في النسخ المطبوعة.
(2) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة ما عدا (غ)، ولعل في النص سقطًا أو تصحيفًا. وفي (غ): «فكلامنا معكم … أنهم ليسوا». وهو أشبه.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦١٠)
قلنا: الكلام مع من يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله. وأما مَن كَفَر بذلك فالكلام(1) معه في النفس ضائع، وقد كفر بفاطر النفوس ومُبدِعها وملائكتِه وما جاءت به رسلُه وبسائر ما دلَّ(2) عليه العيانُ مع دليل الإيمان(3)، فإن الآثار المشهودة في العالم من تأثيرات الملائكة والجن بإذن ربهم لا يمكن إنكارُها، ولا هي موجودة بنفسها، ولا تقدرُ عليها القوى البشرية.
فصل
قولكم في الثاني والعشرين: لو كانت جسمًا لكان اتصالُها بالبدن إن كان على سبيل المداخلة لزمَ تداخلُ الأجسام، وإن كان على سبيل الملاصقة والمجاورة كان الإنسان الواحد جسمين متلاصقين: أحدُهما يُرى، والآخر لا يُرى.
جوابه من وجوه:
أحدها: أنَّ تداخل الأجسام المحالَ أن يتداخل جسمان كثيفان أحدُهما في الآخر، بحيث يكون حيِّزُهما واحدًا. وأما أن يدخل جسمٌ لطيف في كثيف يسري فيه، فهذا ليس بمحال.--------------------------------------------
(1) في الأصل: «فلا كلام». وكذا في (ق). وهو سهو.
(2) «وكاين بارك» كذا في الأصل دون نقط. وفي (ن): «رسله ويكفي العيان». وفي (ز): «رسله وما شهد عليه العيان». وفي النسخ المطبوعة: «رسله وكان تاركًا ما دلَّ … ». وكل أولئك إصلاحات بالحذف والزيادة. وفي (ب، ط، ج): «وكسائر ما دلَّ». ولعل الصواب ما أثبتنا.
(3) (ب، ط، ج): «الآثار»، تحريف.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦١١)
الثاني: أن هذا باطل(1) بصور كثيرة، منها: دخول الماء في العودِ والسحاب(2)، ودخول النار في الحديد، ودخول الغذاء في [142 أ] جميع أجزاء البدن، ودخول الجن في المصروع. فالروح لِلَطافتها لا يمتنع عليها مشابكةُ البدن(3)، والدخولُ في جميع أجزائه.
الثالث: أن حيِّزَ النفس البدنُ، وحيزُه مكانُه المنفصل عنه، وهذا(4) ليس بتداخلٍ ممتنع، فإذا فارقَتْه صار لها حيِّز(5) آخر غير حيزِه، وحينئذٍ فلا يتداخلان بل يصيرُ(6) لكلٍّ منهما حيزٌ يخصه.
وبالجملة: فدخول الروح في البدن ألطفُ من دخول الماء في الثرى، والدهن في البدن. فهذه الشُّبَه(7) الفاسدة لا يعارَض بها ما دلَّ عليه نصوصُ الوحي والأدلةُ العقلية. وبالله التوفيق.--------------------------------------------
(1) (ب، ط، ج): «يبطل».
(2) ساقط من (ن، ز).
(3) (أ، غ، ق): «مشاركة البدن».
(4) في الأصل: «فهذا».
(5) ما عدا (ز): «حيِّزًا، وهو خطأ.
(6) (ز): «يصفو».
(7) في (غ) والنسخ المطبوعة: «الشبهة». والصواب ما أثبتنا من الأصل وغيره، فإن المقصود: الشبه المردود عليها كلها لا الشبهة الأخيرة فحسب.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦١٢)
فصل
وأمَّا المسألة العشرون(1)
وهي: هل النفس والروح شيءٌ واحد أو شيئان متغايران؟
فاختلف الناس في ذلك، فمن قائل: إن مسمَّاهما واحدٌ، وهم الجمهور. ومن قائل: إنهما متغايران. ونحن نكشف سرَّ المسألة بحول الله وقوته، فنقول:
النفس تطلَق على أمور:
أحدها: الروحُ. قال الجوهري(2): «النفس: الروح. يقال: خرجت نفسه. قال أبو خِرَاش(3):
نجا سالمٌ والنفسُ منه بشِدْقِه … ولم ينجُ إلا جَفْنَ سيفٍ ومئزرا(4)
أي: بجَفنِ سيفٍ ومئزرٍ.
والنفس: الدم. يقال: سالت نفسه. وفي الحديث(5): «ما لا نفس له--------------------------------------------
(1) في (ن): «الحادية والعشرون»، ونحوه في (ز). وفي (ب): «التاسعة عشر». ولم يرد في (ن) «فصل وأما».
(2) في الصحاح (984).
(3) كذا في الصحاح، والصاحبي لابن فارس (135). ونبَّه ابن بَرِّي في حواشيه على الصحاح (2/ 307) على أن البيت لحذيفة بن أنس الهذلي. وانظر: شرح أشعار الهذليين (558).
(4) ما عدا (ب، ج): «سالمًا»، ظنُّوه حالًا من الناجي، وهو خطأ. وسالم: ابن عامر بن عَريب الكناني.
(5) يعني حديث النخعي كما في النهاية لابن الأثير (5/ 96) وهو من كلامه. انظر: غريب الحديث لابن قتيبة (1/ 355) والزاهر لابن الأنباري (2/ 233) وتهذيب اللغة (13/ 12) وزاد المعاد (4/ 112).
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦١٣)
سائلةً لا ينجِّس الماءَ إذا مات فيه».
والنفسُ: الجسد. قال الشاعر(1):
نُبِّئتُ أنَّ بني سُحَيمٍ أدخَلوا(2) … أبياتَهم تامُورَ نَفْسِ المنذر
والتامور: الدم.
والنفس: العين. يقال: أصابت فلانًا نفسٌ، أي: عين».
قلت: ليس كما قال، بل النفس هاهنا: الروح، ونسبةُ الإصابة(3) [142 ب] إلى العين توسُّعٌ؛ لأنها تكون بواسطة النظر المصيب. والذي أصابه إنما هو نفس العائن، كما تقدم(4).
قلت: والنفس في القرآن تطلَق على الذات بجملتها، كقوله تعالى: {فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [النور: 61]، وقوله: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29]، وقوله: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا} [النحل: 111](5)، وقوله: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر: 38].--------------------------------------------
(1) هو أوس بن حجر، من أبيات يحرِّض بها عمرو بن هند على قَتَلة أبيه المنذر بن ماء السماء. انظر: ديوان أوس (47).
(2) في جميع النسخ: «بني تميم». وتصحيحه من الصحاح والديوان.
(3) هذا في (ب، ج، ز). وفي غيرها: «الإضافة»، وكذا في النسخ المطبوعة، وهو تصحيف.
(4) في (ص 606).
(5) زاد بعدها في (ط): «وقوله: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}».
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦١٤)
وتطلق على الروح وحدها، كقوله تعالى: {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ} [الفجر: 27]، وقوله: {أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ} [الأنعام: 93]، وقوله: {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} [النازعات: 40]، وقوله: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يوسف: 53].
وأما الروح فلا تطلق على البدن، لا بانفراده، ولا مع النفس.
وتطلق الروح على القرآن الذي أوحاه الله تعالى إلى رسوله. قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} [الشورى: 52]. وعلى الوحي الذي يوحيه إلى أنبيائه ورسله. قال تعالى: {يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ} [غافر: 15]. وقال: {يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ} [النحل: 2].
وسمَّى ذلك(1) روحًا لما يحصل به من الحياة النافعة، فإن الحياة بدونه لا تنفع صاحبَها البتة، بل حياةُ الحيوان البهيم خيرٌ منها وأسلَمُ عاقبة.
وسُمِّيت الروح روحًا لأنَّ بها حياة البدن. وكذلك سُمِّيت الريح لِما يحصل بها من الحياة. وهي من ذوات الواو، ولهذا تُجمَع على أرواح. قال الشاعر(2):--------------------------------------------
(1) «ذلك» ساقط من الأصل.
(2) لم أجد البيت على الوجه المذكور هنا.
والبيت الذي استشهدوا به على جمع الريح على «أرواح» قول ذي الرمة من قصيدة في ديوانه (694):
إذا هبَّت الأرواحُ مِن نحوِ جانبٍ … به أهلُ مَيٍّ هاجَ شوقي هبوبُها =
انظر: النكت والعيون (1/ 217)، ودرّة الغواص (190).
وقد ورد في الأشباه والنظائر للخالديين (1/ 82) قبل بيت ذي الرمة قول بعضهم:
إذا الريحُ من أرض الحجاز تنسَّمتْ … وجدتُ لِمَسْراها على كبدي بَرْدا
وهو يُنسب إلى علي بن علقمة وغيره. انظر تخريجه في الأشباه والحماسة البصرية (1179). ولعل البيت الذي أورده المصنف ملفق من عجز هذا البيت وصدر بيت ذي الرمة.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٦١٥)