قيل: ما إخلاصها يا رسول الله؟ قال: أن تَحْجُزَكَ عما حرَّم--------------------------------------------
= من النصوص، وما يتوهمونه منها مخصصًا، فليس كذلك، بل ما صح منها مما يورده بهذا الخصوص، فإنما يدل على استحسان بعض الوسائل المحدثة، لأنها قد توصل إلى أمور مشروعة بالنص، فهذه الوسائل هي التي تقبل التقسيم إلى خمسة أقسام، لا البدعة الدينية، وهذا كما يقال: "ما لا يكون الواجب إلا به فهو واجب" ومن ذلك جمع القرآن، وتصنيف الكتب وغير ذلك، فكلها من الوسائل المشروعة لأنها تؤدي إلى ما هو مشروع بالنصوص كما لا يخفى، فليست هي من البدعة في شيء، خلافًا لما يظنون، وهذه الوسائل هي من التي يمكن حمل الحديث الصحيح عليها: "منْ سنَّ في الإسلام سنة حسنة … ومن سن في الإسلام سنة سيئة … " وسبب وروده يدل على ذلك دلالة قاطعة، لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم إنما قاله بمناسبة قيام رجل من الصحابة - بعد أن حضهم النبيّ صلى الله عليه وسلم على الصدقة، فذهب الرجل إلى داره ثم عاد ومعه شيء من الصدقة، فوضعها أمام النبيّ صلى الله عليه وسلم، فلما رأى سائر الصحابة ما فعل الرجل، استنوا به، وجاء كل واحد منهم بما تيسر من الصدقة، فاجتمع أمام النبيّ صلى الله عليه وسلم ما شاء الله منها، فقال هذا الحديث، أفترون ذلك الصحابي أتى ببدعة حسنة، حين جاء بالصدقة ولذلك فإننا نقطع بأن باب التقرب إلى الله تعالى ليس يمكن دخوله إلا من طريق اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، كيف لا وهو القائل "ما تركت شيئًا يقربكم إلى الله إلا وقد أمرتكم به"، وقد فهم هذه الحقيقة سلفنا الصالح رضي الله عنهم، ولذلك أمرونا باتباعها فقالوا: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، عليكم بالأمر العتيق".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
الله عليك. وهذا يُروى من حديث أنس بن مالك، وزيد(1) بن أرقم، ولكن إسنادهما لا يصح(2). وجاء أيضًا من مراسيل الحسن بنحوه.
وتحقيق هذا المعنى وإيضاحه أن قول العبد: لا إله إلا الله يقتضي أن لا إله له غير الله، وإلآله هو الذي يطاع فلا يُعصى هيبة له وإجلالًا، ومحبة وخوفًا ورجاء، وتوكلًا عليه، وسؤالًا منه، ودعاءً له، ولا يصلح ذلك كله إلا الله عز وجل، فمن أشرك مخلوقًا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الآلهية كان ذلك قدحًا في إخلاصه في قول: لا إله إلا الله، ونقصًا في توحيده، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه--------------------------------------------
(1) هو الصحابي الجليل زيد بن أرقم الخزرجي الأنصاريّ، له تسعون حديثًا. وهو الذي سمع رأس النفاق عبد الله بن أبي سلول يقول: (ليخرجن الأعز منها الأذل) فأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم فأنكر عبد الله فأنزل الله الوحي تصديقًا لزيد. غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع عشرة غزوة. وشهد صفين مع سيدنا عليّ، وكانت وفاته رضي الله عنه بالكوفة سنة 66 وقيل 68 هـ.
(2) قلت حديث زيد أشار المنذري في "الترغيب" إلى تضعيفه وآفته محمد بن عبد الرحمن بن غزوان وهو وضاع، ما قال الهيثمي (1/ 18)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
من ذلك، وهذا كله من فروع الشرك، ولهذا ورد إطلاق الكفر والشرك على كثير من المعاصي التي منشؤها من طاعة غير الله أو خوفه أو رجائه، أو التوكل عليه والعمل لأجله، كما ورد إطلاق الشرك على الرياء، وعلى الحلف بغير الله، وعلى التوكل على غير الله والاعتماد عليه، وعلى من سوَّى بين الله وبين المخلوق في المشيئة، مثل أن يقول: ما شاء الله وشاء فلان(1)، وكذا قوله: ما لي إلا الله وأنت؛ وكذلك ما يقدح في التوحيد وتفرد الله بالنفع والضر كالطيرة، والرقى المكروهة؛ وإتيان الكهانَ وتصديقهم بما يقولون، وكذلك اتّباع هوى النفس فيما نهى الله عنه، قادحٌ في تمام التوحيد وكماله، ولهذا أطلق الشرع على كثير من الذنوب التي منشؤها من هوى النفس أنها كفر وشرك؛ كقتال المسلم، ومن أتى حائضًا أو امرأة في--------------------------------------------
(1) كما في حديث حذيفة مرفوعًا: "لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان" أخرجه أبو داود وغيره بسند صحيح. كما بينته في "الصحيحة" (137).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
دبرها، ومن شرب الخمرة في المرة الرابعة(1)، وإن كان ذلك لا يخرجه عن الملّة بالكلية، ولهذا قال السلف: كُفر دون كفر، وشرك دون شرك.
وقد ورد إطلاق الآله على الهوى المتَّبَع، قال الله تعالى: (أفرأيت من اتخذ إلهَهُ هواه)(2)؟. قال: هو الذي لا يهوى شيئًا إلا ركبه. وقال قتادة(3): هو الذي كلما هَوِيَ شيئًا ركبه،--------------------------------------------
(1) لا أعلم حديثًا في إطلاق الكفر أو الشرك على من شرب الخمر بقيد المرة الرابعة، وإنما روى الطبراني عن ابن عباس قال: "لما حرمت الخمر مشى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم إلى بعض، وقالوا: حرمت الخمر وجعلت عدلًا للشرك". وقال المنذري في "الترغيب" (3/ 185): ورجاله رجال الصحيح. والذي ورد بقيد المرة إنما هو القتل بعد جلده في المرات الثلاث وهو حديث صحيح متواتر، رواه الحاكم (4/ 371) وحده عن سبعة من الصحابة. وصححه ابن حبان عن اثنين منهم، وعن ثامن أيضًا (1517 - 1519).
(2) الجاثية: 23.
(3) هو أبو الخطاب، قتادة بن دعامة السدوسي البصريّ، الحافظ المفسر العالم بالعربية والنسب وأيام العرب. ولد سنة 61 هـ وتوفي سنة 118 هـ. بمدينة واسط جنوبي العراق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
وكلما اشتهى شيئًا أتاهُ، لا يحجزُه عن ذلك ورعٌ ولا تقوى.
ورُوِي من حديث أبي أمامة(1) بإسناد ضعيف: "ما تحت ظل سماء إله يعبد أعظم عند الله من هوىَ متَّبع".
وفي حديث آخر: "لا تزال لا إله إلا الله تدْفَع عن أصحابها حتى يؤثروا دنياهم على دينهم، فإذا فعلوا ذلك ردَّت عليهم، ويقال لهم: كذبتم"(2).
ويشهد لذلك الحديثُ الصحيح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: "تَعِسَ عبدُ الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخَميصة، تعس وانتكس، وإذا شيِك فلا انتقش". فدل--------------------------------------------
(1) هو الصحابي الجليل أبو أمامة صدي - بالتصغير - بن عجلان بن وهب أبو أمامة الباهلي غلبت عليه كنيته. قال سفيان بن عيينه: هو آخر من بقي في الشام من الصحابة. وكانت وفاته رضي الله عنه سنة ست وثمانين. وقيل: إحدى وثمانين هـ.
(2) رواه ابن النجار عن زيد بن أرقم، كما في "الجامع الكبير" ولا يصح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
هذا على أن كل من أحب شيئًا وأطاعه، وكان غاية قصده ومطلوبه، ووالى لأجله، وعادى لأجله، فهو عبده، وكان ذلك الشيء معبوده وإلهه.
ويدل عليه أيضًا أن الله تعالى سمَّى طاعة الشيطان في معصيته عبادةً للشيطان، كما قال تعالى: (ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان)(1). وقال تعالى حاكيًا عن خليله إبراهيم عليه السلام لأبيه: (يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عِصيًّا)(2)، فمن لم يتحقق بعبودية الرحمن وطاعته فإنه يعبد الشيطان بطاعته له، ولم يخلُص من عبادة الشيطان إلا من أخلص عبودية الرحمن، وهم الذين قال فيهم: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان)(3). فهم الذين حققوا قولَ: لا إله إلا الله"، وأخلصوا في قولها، وصدقوا قولهم بفعلهم، فلم يلتفتوا إلى غير الله محبةً ورجاءً وخشية وطاعة وتوكلًا، وهم الذين صدقوا في قول: "لا إله إلا الله"، وهم عباد الله حقًّا؛ فأما من--------------------------------------------
(1) يس: 60.
(2) مريم: 44.
(3) الحجر: 42.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
قال: "لا إله إلا الله"، بلسانه، ثم أطاع الشيطان وهواه في معصية الله ومخالفته فقد كذّب فعله قوله، ونقص من كمال توحيده بقدر معصية الله في طاعة الشيطان والهوى، (ومن أضل ممن اتّبع هواه بغير هدى من الله؟)(1) (ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله)(2).
فيا هذا كن عبد الله لا عبد الهوى، فإن الهوى يهوي بصاحبه في النار: (أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار؟)(3)!
تعسَ عبد الدرهم! تعس عبد الدينار! والله لا ينجو غدًا من عذاب الله إلا من حقق عبودية الله وحده، ولم يلتفت إلى شيء من الأغيار، من علم أن معبودَه الله فرد، فليُفْرده بالعبودية، (ولا يُشرك بعبادة ربه أحدًا)(4).
كان بعض العارفين يتكلم على أصحابه، على رأس جبل، فقال في كلامه: لا ينال أحد مراده حتى ينفرد فردًا بفرد؛--------------------------------------------
(1) القصص: 50.
(2) ص: 26.
(3) يوسف: 39.
(4) الكهف: 110 وانظر رسالة "العبودية" لشيخ الإسلام ابن تيمية فالمؤلف أورد هنا الكثير من كلامه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
فانزعج واضطرب، حتى رأى أصحابُه أن الصخور قد تدكدكت، وبقي على ذلك ساعة، فلما أفاق فكأنه نُشر من قبره.
قول: "لا إله إلا الله" تقتضي أن لا يُحب سواه، فإن الآله هو الذي يطاع، فلا يعصى محبة وخوفًا ورجاءً، ومن تمام محبته محبةُ ما يحبه وكراهة ما يكرهه، فمن أحب شيئًا مما يكرهه الله، أو كره شيئًا مما يحبه الله لم يكمل توحيده وصدقه في قول: لا إله إلا الله، وكان فيه من الشرك الخفي بحسب ما كرهه مما يحبه الله، وما أحبه مما يكرهه الله قال الله تعالى: (ذلك بأنهما اتَّبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم)(1).
قال الليث(2) عن مجاهد(3) في قوله: (لا يشركون بي--------------------------------------------
(1) محمد: 28.
(2) هو الإمام الجليل الليث بن سعد، إمام أهل مصر في عصره، حديثًا وفقهًا. أصله من خراسان ومولده في قلقشندة، ووفاته في القاهرة، وكان من الكرماء الأجواد، كانت وفاته رحمه الله سنة 175 هـ.
(3) هو أبو الحجاج، مجاهد بن جبر، تابعيّ، من شيوخ القراء والمفسرين ولد سنة 21 هـ. وتوفي سنة 104.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
شيئًا)(1) قال: لا يحبون غيري.
وفي صحيح الحاكم(2) عن عائشة(3) رضي الله عنها عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب على شيء من الجور، أو تبغض على شيء من العدل، وهل الدين إلا الحب والبغض؟.--------------------------------------------
(1) سورة النور، الآية: 55.
(2) هو الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله الضبي النيسابوري الحافظ المعروف بالحاكم، صاحب التصانيف، إمام صدوق.
قال الحافظ الذهبي في الميزان: لكنه يصحح في مستدركه أحاديث ساقطة ويكثر من ذلك، وكان فيه تشيع من غير تعرض للشيخين. مات رحمه الله سنة 405 هـ.
(3) هي أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، زوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كناها أم عبد الله، كانت أفقه نسائه صلى الله عليه وسلم روت عنه الكثير، لها ألفان ومائتان وعشرة أحاديث. ماتت رضي الله عنها سنة 58 هـ ودفنت بالبقيع. وانظر "الإجابة فيها استدركته عائشة على الصحابة"، للإمام الزركشي طبع المكتب الإسلامي بتحقيق الأستاذ الافغاني. فإن فيها من علمها ما يدهش.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
قال الله عز وجل: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يُحببكم الله)(1).
وهذا نص في أن محبة ما يكرهه الله وبغض ما يحبه متابعة للهوى، والموالاةُ على ذلك والمعاداة فيه من الشرك الخفي.
وقال الحسن: اعلمْ أنك لن تحب الله حتى تحب طاعته!.
وسئل ذو النون(2): متى أُحبُ ربي؟. قال: إذا كان ما يبغضه عندك أمرَّ من الصبر!.
وقال بشر بن السري(3): ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغض حبيبُك!.--------------------------------------------
(1) سورة آل عمران، الآية: 31 وتمامها: "ويغفر لكم ذنوبكم، والله غفور رحيم". والحديث ضعيف الإسناد كما بينته في "الضعيفة" رقم (3755).
(2) هو ذو النون المصري الزاهد، واسمه ثوبان بن إبراهيم.
ويقال: الفيض بن إبراهيم، أحد الزهاد المشهورين، قال الحافظ الذهبي في الميزان: له أحاديث فيها نظر. أصله من النوبة مات رحمه الله سنة 245 هـ.
(3) هو بشر بن السري الأفوه، أبو عمرو البصري ثم المكي الواعظ رمي بالتجهم، واعتذر وتاب، صاحب مواعظ، متكلم، وحديثه في الكتب الستة. مات رحمه الله سنة 195 هـ عن ثلاث وستين سنة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
وقال أبو يعقوب النَّهْرجوْرِي(1): كل من ادعى محبة الله ولم يوافق الله في أمره فدعواه باطلة.
وقال يحيى بن معاذ(2): ليس بصادق من ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده.
وقال رويم(3) المحبة الموافقة في جميع الأحوال، وأنشد:
ولو قلتَ لي: مت، قلت: سمعًا وطاعة … وقلت لداعي الموت: أهلًا ومرحبا
ويشهد لهذا المعنى أيضًا قوله تعالى: (قل إن كنتم تحبون--------------------------------------------
(1) هو إسحاق بن محمد أبو يعقوب النهرجوري نسبة إلى نهر جور بين الأهواز وميسان، من علماء الصوفية، صحب الجنيد، وعمرو بن عثمان المكيّ، وأبا يعقوب السوسي وغيرهم، أقام بالحرم سنين كثيرة مجاورًا. مات رحمه الله سنة 330 هـ.
(2) هو الواعظ الزاهد، أبو زكريا يحيى بن معاذ بن جعر الرازيّ، خرج إلى بلخ وأقام بها مدة، ثم رجع إلى نيسابور ومات بها سنة 250 هـ.
(3) هو أبو محمد رويم بن أحمد البغداديّ، من أهل بغداد كان فقيها ظاهريًا على مذهب داود الأصبهانيّ، وكان مقرئًا، قرأ على إدريس بن عبد الكريم. مات رحمه الله سنة 303 هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
الله فاتبعوني يحببكم الله)(1).
قال الحسن: قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا نحب ربنا حبًا شديدًا؛ فأحب الله أن يجعل لحبه علمًا، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
ومن هاهنا يُعلم أنه لا تتم شهادة أن لا إله إلا الله إلا بشهادة أن محمدًا رسول الله، فإنه إذا علم أنه لا تتم محبة الله إلا بمحبة ما يحبه وكراهة ما يكرهه، فلا طريق إلى معرفة ما يحبه وما يكرهه إلا من جهة محمد المبلّغ عن الله ما يحبه وما يكرهه باتّباع ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه، فصارت محبة الله مستلزمة لمحبة رسوله صلى الله عليه وسلم وتصديقه ومتابعته، ولهذا قَرَنَ الله بين محبته ومحبة رسوله في قوله تعالى: (قُل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم) إلى قوله: (أحبَّ اليكم من الله ورسوله)(2).--------------------------------------------
(1) سورة آل عمران، الآية: 31.
(2) سورة التوبة، الآية: 24 - والآية بتمامها: "قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
كما قرن طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم في مواضع كثيرة.
وقال صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من كنَّ فيه وجد بهن حلاوة الايمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب الرجل لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار"(1).
هذه حال السحرة لما سكنت المحبة قلوبهم سمحوا ببذل النفوس وقالوا لفرعون: اقض ما أنت قاضِ!. ومتى تمكنت المحبة في القلب لم تنبعث الجوارح إلا إلى طاعة الرب، وهذا هو معنى الحديث الآلهي الذي خرَّجه البخاريّ في "صحيحه" وفيه: "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أُحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها"(2). وقد قيل: إن في بعض الروايات: فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش--------------------------------------------
(1) متّفقٌ عليه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(2) حديث صحيح كما حققته في "الصحيحة" (1640).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
وبي يمشي. والمعنى أن محبة الله إذا استغرق بها القلب واستولت عليه لم تنبعث الجوارح إلا إلى مراضي الرب، وصارت النفس حينئذ مطمئنة بارادة مولاها عن مرادها وهواها.
يا هذا! اعبد الله لمراده منك لا لمرادك منه، فمن عبده لمراده منه فهو ممن يعبد الله على حرف، إن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة، ومتى قويت المعرفة والمحبة لم يُردْ صاحبُها إلا ما يريد مولاه.
وفي بعض الكتب السالفة: من أحبَّ الله لم يكن شيءٌ عنده آثر من رضاه، ومن أحبَّ الدنيا لم يكن شيء عنده آثر من هوى نفسه.
وروى ابن أبي الدنيا(1) بإسناده عن الحسن قال: ما نظرت بصري ولا نطقت بلسانيّ، ولا نطشت بيديّ، ولا نهضت على--------------------------------------------
(1) هو الإمام أبو بكر عبد الله بن محمد بن سفيان البغدادي الحافظ المعروف بابن أبي الدنيا. صدوى صلحب التَّصانيف. مات رحمه الله سنة 208 هـ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
قدميّ، حتى أنظر على طاعة الله أو على معصيته، فإن كانت طاعة تقدمتُ، وإن كانت معصية تأخرت.
هذا حال خَوَاصِّ المحبين الصادقين، فافهموا رَحمكم الله هذا، فإنه: من دقائق أسرار التوحيد الغامضة. والى هذا المقام أشار النبيّ صلى الله عليه وسلم في خطبته لما قدم المدينة حيث قال: "أحبُوا من كل قلوبكم"(1). وقد ذكرها ابن إسحاق(2) وغيره. فإن من امتلأ قلبه من محبة الله لم يكن فيه شيء أفرغ من إرادات النفس والهوى، وإلى ذلك أشار القائل(3) بقوله:--------------------------------------------
(1) رواه ابن إسحاق بدون سند كما في سيرة ابن هشام (2/ 146 - 147).
(2) هو أبو بكر محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي بالولاء، المدني أحد الأئمة الأعلام، من أقدم مؤرخي العرب من أهل المدينة له السيرة النبوية رواها عنه ابن هشام وكتاب الخلفاء، وكان قدريًا ومن حفاظ الحديث حجة إذا صرح بالتحديث، سكن بغداد ومات سنة 151 فيها.
(3) هو أحمد بن حسين المتنبي في قصيدته التي مطلعها:
فدًا لك من يقتصر عن مداكا … فلا ملك إذن إلا فداكا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
أروح وقد ختمْتَ على فؤادي … بحبك أن يحل به سواكا
فلو أني استطعت غضضت طرفي … فلم أنظرْ به حتى أراكا!
أحبك لا ببعضي بل بكلي … وإن لم يُبق حبُك لي حراكا
وفي الأحباب مخصوص بوجد … وآخر يدَّعي معه اشتراكا
إذا اشتبكت دموع في خدود … تبين من بكا ممن تباكى!
فأما من بكى فيذوب وجدًا … وينطق بالهوى من قد تشاكا
متى بقي للمحب حظ من نفسه فما بيده من المحبة إلا الدعوى، إنما المحب من يفنى عن كله، ويبقى بحبيبه، في يسمع وبي يبصر.
القلب بيت الرب:
وفي الإسرائيليات يقول الله: "ما وسعني سماني ولا أرضيّ، ووسعني قلب عبدي المؤمن"(1). فمتى كان القلب--------------------------------------------
(1) لقد أحسن المؤلف صنعًا بعزوه هذا الكلام إلى الإسرائيليات، وقد جاء في كتب بعض المتصوفة وغيرهم مرفوعًا إلى رسول صلى الله عليه وسلم واشتهر كذلك على الألسنة، ولا أصل له مرفوعًا كما نص عليه الأئمة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
فيه غير الله فالله أغنى الأغنياء عن الشرك، وهو لا يرضى بمزاحمة أصنام الهوى … الحق غيور يغار على عبده المؤمن أن يسكن في قلبه سواه، أو يكنَّ فيه شيء ما يرضاه.
أردناكُمُ صرْفًا فلما مزجتم … بعدتم بمقدار التفاتِكُم عنّا
وقلنا لكم: لا تُسكنِوا القلبَ غيرَنا … فأسكنتم الاغيار، ما أنتم منا!
لا ينجو غدًا إلا من لقي الله بقلب سليم ليس فيه سواه، قال الله تعالى: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم}(1). القلب السليم: هو الطاهر من أدناس المخالفات، فأما المتلطخ بشيء من المكروهات فلا يصلح لمجاورة حضرة القدوس إلا بعد أن يطهر في كير العذاب، فإذا زال عنه الخبث صلح حينئذ للمجاورة.
"إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا(2). فأما القلوب الطيبة فتصلح--------------------------------------------
(1) سورة الشعراء، الآيتان: 88، 89.
(2) هذا طرف من حديث لأبي هريرة رواه مسلم في "صحيحه"، مرفوعًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
للمجاورة من أول الأمر: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ}(1). {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ}(2). {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ}(3).
من لمُ يحْرِقْ اليوم قلبّه بنار الأسف على ما سلف، أو بنار الشوق إلى لقاء الحبيب، فنار جهنم له أشد حرًّا.
ما يحتاج إلى التطهر بنار جهنم إلا من لم يُكْمل تحقيق التوحيد والقيام بحقوقه.
أول من تُسْعَر به النار من الموحدين العباد المراؤون بأعمالهم، وأولهم العالم والمجاهد والمتصدق للرياء، لأن يسير الرياء شرك(4).
ما نظر المرائي إلى الخلق بعمله إلا لجهله بعظمة الخالق.
المرائي يزوّر التوقيع على اسم الملك ليأخذ البراطيل(5)--------------------------------------------
(1) سورة الرعد، الآية: 24.
(2) سورة الزمر، الآية: 73.
(3) سورة النحل، الآية: 32.
(4) يشير إلى حديث أبي هريرة في "صحيح مسلم" (6/ 47).
(5) البرطيل بكسر الباء: الرشوة، جمعه: براطيل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
لنفسه، ويوهم أنه من خاصة الملك وهو ما يعرف الملك بالكلية.
نَقَش المرائي على الدرهم الزائف اسم الملك ليروج، والبهرج(1) لا يجوز إلا على غير الناقد.
وبعد أهل الرياء يدخل النار أصحاب الشهوة، وعبيد الهوى الذين أطاعوا هواهم، وعصوا مولاهم؛ فأما عبيد الله حقًّا فيقال لهم: {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي}(2).
جهنم تنطفئ بنور إيمان الموحدين.
وفي الحديث: "تقول النار للمؤمن: جُزْ يا مؤمن فقد--------------------------------------------
(1) البهرج: الباطل، والرديء، وهذا هو المناسب هنا، والبهرجة أن يُعدل بالشيء عن الجادة القاصدة إلى غيرها، والمبهرج من المياه المهمل الذي لا يُمنع عنه، بل يَرده كل من هب ودب، والمبهرج من الدماء المهدر، وقول أبي محجن لسعد بن أبي وقاص: بهرجتني؛ أي: أهدرتني بإسقاط الحد عني.
(2) سورة الفجر، الآيات: 27 - 30.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
أطفأ نورك لهبي"(1).
وفي "المسند"(2) عن جابر(3) عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يبقى بَرٌ ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمنين بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم"(4). حتى إن للنار ضجيجًا من بردهم.
هذا ميراث ورَثِه المحبون من حال الخليل عليه السلام.
نار المحبة في قلوب المحبين تخاف منها نار جهنم.--------------------------------------------
(1) رواه الطبراني وابن عدي وغيرهما بسند ضعيف ومنقطع.
وقد خرجته في "الضعيفة" (3413).
(2) (ج 3 ص 328 - 329) عن أبي سمية عنه، وأبو سمية مجهول كما قال الذهبي، وقد صححه هو والحاكم، وفيه نظر ليس هذا موضع بيانه.
(3) هو الصحابي الجليل أبو عبد الله، أو أبو عبد الرحمن، أو أبو محمد، جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي المدني، أحد المكثرين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وممن شهد العقبة، غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع عشرة غزوة. توفي رضي الله عنه سنة 78 هـ عن 74 سنة.
(4) يشير إلى قوله تعالى في سورة الأنبياء: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ}.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)