هـ - تفسير ابن عباس
الرواية عنه واختلاف الرواة فيها
أكثر الصحابة تفسيرا ابن عباس ذلك لما عرفت من أنه ترجمان القرآن ولتأخر الزمان به حتى اشتدت حاجة الناس إلى الأخذ عنه بعد اتساع الإسلام واستبحار العمران ولانقطاعه وتفرغه للنشر والدعوة والتعليم دون أن تشغله خلافة أو تصرفه سياسية وتدبير لشؤون الرعية غير أن الرواية عنه مختلفة الدرجات.
قال السيوطي في الإتقان ورد عن ابن عباس في التفسير ما لا يحصى كثرة بروايات
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٦)
وطرق مختلفة فمن جيدها طريق علي بن أبي طلحة الهاشمي عنه قال أحمد بن حنبل بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدا ما كان كثيرا أسنده أبو جعفر النحاس.
قال ابن حجر وهذه النسخة كانت عند أبي صالح كاتب الليث رواها عن معاوية بن أبي صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وقد اعتمد عليها البخاري في صحيحه كثيرا فيما يعلق عن ابن عباس وقال قوم لم يسمع ابن أبي طلحة من ابن عباس التفسير وإنما أخذه عن مجاهد أو سعيد بن جبير ثم قال ابن حجر بعد أن عرفت الواسطة وهو ثقة فلا ضير في ذلك اهـ.
وأخرج منها ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم وابن المنذر كثيرا ولكن بوسائط بينهم وبين أبي صالح.
ومن جيد الطرق عن ابن عباس طريق قيس عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عنه وهذه الطريق صحيحة على شرط الشيخين وكذا طريق ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد مولى آل زيد بن ثابت عن عكرمة أو سعيد بن جبير عنه هكذا بالترديد وإسنادها حسن وقد أخرج فيها ابن جرير وابن أبي حاتم كثيرا.
وأوهى طرقه طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس وكذا طريق مقاتل بن سليمان وطريق الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس منقطعة فإن الضحاك لم يلقه وبالجملة فقد روي عن الشافعي أنه قال لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٧)
و - الرواية عن غير ابن عباس من الصحابة
نحدثك عن ثلاثة أعلام من الصحابة في التفسير غير ابن عباس:
أولهم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كان سادس ستة ما على وجه الأرض مسلم سواهم وكان خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسه نعليه ويمشي معه وأمامه فكان له من هذه الصلة النبوية خير مثقف ومؤدب لذلك عدوه من أعلم الصحابة بكتاب الله ومعرفة محكمه ومتشابهه وحلاله وحرامه قال في الإتقان قد روي عن ابن مسعود في التفسير أكثر مما روي عن علي كرم الله وجهه وأخرج ابن جرير وغيره عنه أنه قال: والله الذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت وأين نزلت ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته روى عنه كثيرون ولكن تتبعهم العلماء بالنقد والتجريح.
ثانيهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصهره على ابنته السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها والخليفة الرابع من بعده ولد رضي الله عنه وشب ودرج في الإسلام فلم يسجد لصنم قط وكان لصلته الوثيقة برسول الله صلى الله عليه وسلم أثر عظيم في استنارة نفسه وغزارة مادته وسعة علمه بله ما وهبه الله من فطرة صافية وذكاء نادر وعقل موهوب حتى ضرب به المثل في حل المشاكل فقيل قضية ولا أبا حسن لها قال ابن عباس ما أخذت من تفسير القرآن فعن علي بن أبي طالب اهـ وحسبك هذه الشهادة من ترجمان القرآن
لكن ابتلي علي رضي الله عنه بشيعة أسرفوا في حبه وجاوزوا الحد في تقديره فنسبوا إليه ما هو منه بريء وقولوه ما لم يقل لذلك يلاحظ أن المروي عن علي فيه دس
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٨)
كثير تصدى له صيارفة النقد من رجال الرواية حتى مازوا ما صح مما لم يصح ولا ينبئك مثل خبير.
ثالثهم أبي بن كعب الأنصاري كان من أعلام القراء ومن كتاب الوحي وممن شهد بدرا ورد فيه: وأقرؤهم لكتاب الله عز وجل أبي بن كعب روى أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب نسخة كبيرة في التفسير أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم منها كثيرا وكذا أخرج الحاكم في مستدركه وأحمد في مسنده.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٩)
ز - المفسرون من التابعين
طبقاتهم ونقد المروي عنهم
نستطيع أن نعتبر التابعين طبقات ثلاثا طبقة أهل مكة وطبقة أهل المدينة وطبقة أهل العراق
طبقة أهل مكة:
أما طبقة أهل مكة من التابعين فقد كانوا أعلم الناس بالتفسير نقل السيوطي عن ابن تيمية أنه قال أعلم الناس بالتفسير أهل مكة لأنهم أصحاب ابن عباس كمجاهد وعطاء بن أبي رباح وعكرمة مولى ابن عباس وسعيد بن جبير وطاوس.
أما مجاهد فقد كان أوثق من روى عن ابن عباس ولذا يعتمد على تفسير الشافعي والبخاري وغيرهما من أقطاب العلم وأئمة الدين قال النووي إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به وقال الفضيل بن ميمون سمعت مجاهدا يقول عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة وعنه أيضا قال عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٩)
أقف عند كل آية منه أسأله عنها فيم أنزلت وكيف كانت؟.
ولا تعارض بين هاتين الروايتين فالإخبار بالقليل لا ينافي الإخبار بالكثير ويحتمل أن عرضه القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة كان طلبا لضبطه وتجويده وحسن أدائه وأما عرضه إياه ثلاث مرات فكان طلبا لتفسيره ومعرفة أسراره وحكمه وأحكامه كما يدل عليه قوله اقف عند كل آية منه أسأله عنها فيم أنزلت وكيف أنزلت؟؟.
وأما عطاء وسعيد فقد كان كل منهما ثقة ثبتا في الرواية عن ابن عباس.
قال سفيان الثوري خذوا التفسير عن أربعة عن سعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة والضحاك وقال قتادة أعلم التابعين أربعة كان عطاء بن أبي رباح أعلمهم بالمناسك وكان سعيد بن جبير أعلمهم بالتفسير الخ وقال أبو حنيفة ما لقيت أحدا أفضل من عطاء.
وأما عكرمة مولى ابن عباس فقد قال الشافعي فيه ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة اهـ وقال عكرمة كان ابن عباس يجعل في رجلي الكبل1 ويعلمني القرآن والسنة وكان يقول لقد فسرت ما بين اللوحين لعله يريد ما بين دفتي المصحف وكل شيء أحدثكم في القرآن فهو عن ابن عباس اهـ.
وأما طاوس بن كيسان اليماني فقد كان من رجال العلم والعمل وأدرك من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نحو الخمسين ورد أنه حج بيت الله الحرام أربعين مرة وكان مجاب الدعوة قال فيه ابن عباس إني لأظن طاوسا من أهل الجنة اهـ رضي الله عنهم أجمعين.1 الكبل "بقتح الكاف وكسرها مع سكون الباء": القيد، انظر القاموس.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٠)
طبقة أهل المدينة:
منهم زيد بن أسلم وقد أخذ عنه ابنه عبد الرحمن ومالك بن أنس إمام دار الهجرة.
ومنهم أبو العالية وهو من رواة أبي بن كعب وقد روى عن الربيع بن أنس.
منهم محمد بن كعب القرظي الذي قال فيه ابن عون ما رأيت أحدا أعلم بتأويل القرآن من القرظي.
طبقة أهل العراق:
منهم مسروق بن الأجدع كان ورعا زاهدا صحب ابن مسعود قال ابن معين فيه ثقة لا يسأل عنه وكان القاضي شريح يستشيره في معضلات المسائل روى عنه الشعبي وأبو وائل وآخرون لصدق روايته وأمانته.
ومنهم قتادة بن دعامة هو من رواة ابن مسعود شهد له ابن سيرين بالضبط والحفظ وقال فيه ابن المسيب ما رأيت عراقيا أحفظ من قتادة غير أنه كان يخوض في القضاء والقدر فتحرج بعض الناس من الرواية عنه وقد احتج به أرباب الكتب الصحيحة.
منهم أبو سعيد الحسن البصري قال ابن سعد فيه كان ثقة مأمونا وعالما جليلا وفصيحا جميلا وتقيا نقيا حتى قيل إنه سيد التابعين.
ومنهم عطاء بن أبي مسلم الخراساني أصله من البصرة لكنه أقام بخراسان بعد أن دخلها لذلك نسب إليها كان من أجلاء العلماء غير أنه كان مصابا بسوء الحفظ لذلك اختلفوا في توثيقه.
ومنهم مرة الهمذاني الكوفي لكثرة عبادته قيل له مرة الطيب ومرة الخير
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢١)
أخذ عن أبي كعب وعمر بن الخطاب وغيرهما من الصحابة وروى عنه الشعبي وغيره.
هؤلاء هم أعلام المفسرين من التابعين استمدوا آرائهم وعلومهم مما تلقوه من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
وعنهم أخذ تابعو التابعين وهكذا حتى وصل إلينا دين الله وكتابه وعلومه ومعارفه سليمة كاملة عن طريق التلقي والتلقين جيلا عن جيل مصداقا لقوله سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}
ولقوله صلى الله عليه وسلم: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين".
نقد المروي عن التابعين:
يلاحظ على ما روي عن التابعين اعتبارات مهمة تثير الطعن فيه وتوجه النقد إليه:
منها أنهم لم يشاهدوا عهد النبوة ولم يتشرفوا بأنوار الرسول فيغلب على الظن أن ما يروى عنهم من تفسير القرآن إنما هو من قبيل الرأي لهم فليس له قوة المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم
ومنها أنه يندر فيه الإسناد الصحيح.
ومنها اشتماله على إسرائيليات وخرافات انسابت إليه تارة من زنادقة الفرس وأخرى من بعض مسلمة أهل الكتاب إما بحسن نية وإما بسوء نية.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٢)
ح - ضعف الرواية بالمأثور وأسبابه
علمنا أن الرواية بالمأثور تتناول ما كان تفسيرا للقرآن بالقرآن وما كان تفسيرا للقرآن بالسنة وما كان تفسيرا للقرآن بالموقوف على الصحابة أو التابعين على رأي.
أما تفسير بعض القرآن ببعض وتفسير القرآن بالسنة الصحيحة المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلا خلاف في وجاهته وقبوله وأما تفسير القرآن بما يعزى إلى الصحابة والتابعين فإنه يتطرق إليه الضعف من وجوه:
أولها ما دسه أعداء الإسلام مثل زنادقة اليهود والفرس فقد أرادوا هدم هذا الدين المتين عن طريق الدس والوضع حينما أعيتهم الحيل في النيل منه عن طريق الحرب والقوة وعن طريق الدليل والحجة.
ثانيها ما لفقه أصحاب المذاهب المتطرفة ترويجا لتطرفهم كشيعة علي المتطرفين الذين نسبوا إليه ما هو منه بريء وكالمتزلفين الذين حطبوا في حبل العباسيين فنسبوا إلى ابن عباس ما لم تصح نسبته إليه تملقا لهم واستدرارا لدنياهم.
ثالثها اختلاط الصحيح بغير الصحيح ونقل كثير من الأقوال المعزوة إلى الصحابة أو التابعين من غير إسناد ولا تحر مما أدى إلى التباس الحق بالباطل زد على ذلك أن من يرى رأيا يعتمده دون أن يذكر له سندا ثم يجيء من بعده فينقله على اعتبار أن له أصلا ولا يكلف نفسه البحث عن أصل الرواية ولا من يرجع إليه هذا القول.
رابعها أن تلك الروايات مليئة بالإسرائيليات ومنها كثير من الخرافات التي يقوم الدليل على بطلانها ومنها ما يتعلق بأمور العقائد التي لا يجوز الأخذ فيها بالظن ولا برواية
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٣)
الآحاد بل لا بد من دليل قاطع فيها كالروايات التي تتحدث عن أشراط الساعة وأهوال القيامة وأحوال الآخرة تذكر على أنها اعتقاديات في الإسلام.
خامسها أن ما نقل نقلا صحيحا عن الكتب السابقة التي عند أهل الكتاب كالتوارة والإنجيل أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن نتوقف فيه فلا نصدقهم لاحتمال أنه مما حرفوا في تلك الكتب ولا نكذبهم لاحتمال أنه مما حفظوه منها فقد قال تعالى فيهم:إنهم {أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ} .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: والاختلاف في التفسير على نوعين منه ما مستنده النقل فقط ومنه ما يعلم بغير ذلك والمنقول إما عن المعصوم أو غيره ومنه ما يمكن معرفة الصحيح منه من غيره ومنه ما لا يمكن ذلك وهذا القسم أي الذي لا يمكن معرفة صحيحه من ضعيفه عامته ما لا فائدة فيه ولا حاجة بنا إلى معرفته وذلك كاختلافهم في لون كلب أهل الكهف واسمه وفي البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة وفي قدر سفينة نوح وخشبها وفي اسم الغلام الذي قتله الخضر ونحو ذلك فهذه الأمور طريقة العلم بها النقل فما كان منها منقولا نقلا صحيحا عن النبي صلى الله عليه وسلم قبل وما لا بأن نقل عن أهل الكتاب ككعب ووهب وقف عن تصديقه وتكذيبه لقوله إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وكذا ما نقل عن بعض التابعين وإن لم يذكر أنه أخذه عن أهل الكتاب فمتى اختلف التابعون لم يكن بعض أقوالهم حجة على بعض وما نقل عن الصحابة نقلا صحيحا فالنفس إليه أسكن مما ينقل عن التابعين لأن احتمال أن يكون سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم أو من بعض من سمعه منه أقوى ولأن نقل الصحابة عن أهل الكتاب أقل من نقل التابعين ومع جزم الصحابي بما يقوله كيف يقال إنه أخذه عن أهل الكتاب وقد نهوا عن تصديقهم.
وأما القسم الذي يمكن معرفة الصحيح منه فهذا موجود كثيرا ولله الحمد
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٤)
وإن قال الإمام أحمد ثلاثة ليس لها أصل التفسير والملاحم والمغازي وذلك لأن الغالب عليها المراسيل.
وأما ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين حدثتا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان … ثم ذكر الجهتين اللتين هما مثار الخطأ فقال إحداهما حمل ألفاظ القرآن على معان اعتقدوها لتأييدها به والثانية التفسير بمجرد دلالة اللغة العربية من غير مراعاة المتكلم بالقرآن وهو الله عز وجل والمنزل عليه والمخاطب به اهـ أردنا نقله بتصرف قليل.
قال بعضهم هذا وإن كلام ابن تيمية لا ينقض قول الإمام أحمد فإنه لم يعن به أنه لا يوجد في تلك الثلاثة رواية صحيحة ألبتة وإنما يعني أن أكثرها لا يصح له سند متصل وما صح سنده إلى بعض الصحابة يقل فيه المرفوع الذي يحتج به.
إلى أن قال: ثم إن أكثر ما روي في التفسير المأثور أو كثيره حجاب على القرآن وشاغل لتاليه عن مقاصده العالية المزكية للأنفس المنورة للعقول فالمفضلون للتفسير المأثور لهم شاغل عن مقاصد القرآن بكثرة الروايات التي لا قيمة لها سندا ولا موضوعا اهـ ما أردنا نقله.
وكلمة الإنصاف في هذا الموضوع أن التفسير بالمأثور نوعان أحدهما ما توافرت الأدلة على صحته وقبوله وهذا لا يليق بأحد رده ولا يجوز إهماله وإغفاله ولا يجمل أن نعتبره من الصوارف عن هدي القرآن بل هو على العكس عامل من أقوى العوامل على الاهتداء بالقرآن.
ثانيهما ما لم يصح لسبب من الأسباب الآنفة أو غيرها وهذا يجب رده لا يجوز قبوله ولا الاشتغال به اللهم إلا لتمحيصه والتنبيه إلى ضلاله وخطئه حتى لا يغتر به أحد ولا يزال كثير من أيقاظ المفسرين كابن كثير يتحرون الصحة فيما ينقلون ويزيفون ما هو باطل أو ضعيف ولا يحابون ولا يجبنون.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٥)
ولعل الذين أطلقوا القول في رد المأثور إنما أرادوا المبالغة كما علمت في توجيه كلمة الإمام أحمد بن حنبل وعذرهم أن الصحيح منه قليل نادر ونزر يسير حتى لقد قال الإمام الشافعي رضي الله عنه لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث أي مع كثرة ما روي عنه وقد أشار ابن خلدون إلى أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية وإذا تشوفوا إلى معرفة شيء مما تتشوف إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدون منهم إلى أن قال وهؤلاء مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سلام فامتلأت التفاسير من المنقولات عنهم وتلقيت بالقبول لما كان لهم من المكانة السامية ولكن الراسخين في العلم قد تحروا الصحة وزيفوا ما لم تتوافر أدلة صحته اهـ بتصرف.
ملحوظة:
إياك أن تفهم هنا من عبارة ابن خلدون أو ابن تيمية أو غيرهما ما يجعلك تخوض مع الخائضين في هؤلاء الأعلام الثلاثة عبد الله بن سلام ووهب بن منبه وكعب الأحبار فقد ضل بعض الأدباء والمؤرخين من كبار الكتاب في هذا العصر حين زعموا ذلك حتى لقد سلكوا عبد الله بن سلام الصحابي الجليل في سلك واحد مع عبد الله بن سبأ اليهودي الخبيث الذي تظاهر بالإسلام ثم كاد له شر الكيد فتشيع لعلي وزعم أن الله حل فيه وطعن على عثمان وأظهر الرفض عند حكم الحكمين بصفين ودعا الناس إلى ضلاله الأثيم حتى نفي مرارا.
والحقيقة أن ثلاثتنا هؤلاء عدول ثقات:
أما ابن سلام فحسبك أنه صحابي من خيرة الصحابة ومن المبشرين بالجنة يروي الترمذي عن معاذ رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنه
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٦)
عاشر عشرة في الجنة" وفيه نزلت آية: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ} وآية: {عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} على ما جاء في بعض الروايات.
وأما وهب بن منبه فقد كان تابعا ثقة واسع العلم روى عن أبي هريرة كثيرا وله حديث في الصحيحين عن أخيه همام بلغ من تنسكه وصلاحه أنه لبث عشرين سنة يصلي الفجر بوضوء العشاء رضي الله عنه.
وأما كعب فقد كان تابعا جليلا أسلم في خلافة أبي بكر وناهيك أن الصحابة أخذوا عنه كما أخذ هو عن الصحابة وروى عنه جماعة من التابعين مرسلا وله شيء في صحيح البخاري وغيره.
ولكن يجب أن نفرق في هذا المقام بين ما يصح أن يقال فيهم وما يصح أن ينقل عنهم فأما ما يصح أن يقال فيهم فهو الثقة والتقدير على نحو ما ألمعناه وأما الذي ينقل عنهم فمنه الصحيح وغير الصحيح لكن عدم صحة ما لم يصح لا يعلل باتهامهم وجرحهم فقد علمت من هم إنما يعلل بأحد أمرين:
أولهما رجال السند الذين ينقلون عنهم فقد يكون بينهم متهم في عدالته أو ضبطه ولهذا يجب النظر في سلسلة الرواة عنهم رجلا رجلا ولدينا من كتب الجرح والتعديل ما يفي بهذه الغاية ولا يكفي الاعتماد على ذكر السند في كتاب كبير كتفسير ابن جرير فقد يذكر ابن جرير أو غيره أشياء غير صحيحة ويسوق أسانيدها ثم لا يبين المجروح من رجال السند ولا المعدل فيهم وعذرة في ذلك أن أحوال الرجال كانت معروفة لأهل ذلك الزمان فيستطيعون أن يحكموا في ضوء هذه المعرفة بقبول الخبر أو برده أما نحن في هذا الزمان المتأخر فقد أهملنا هذا الميزان ولم نعن بمعرفة حال الأسانيد والرجال فاللوم علينا لا على أولئك الأعلام ولا معدى لنا عن الاسترشاد بكتب الجرح والتعديل في هذا المقام.
الأمر الثاني أن يكون أولئك الثلاثة قد رووا ما رووه على أنه مما كان في
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٧)
الإسرائيليات فتقبلها الآخذون على أنها من الإسلاميات ولهذا يجب النظر في هذه المرويات فإن كانت مما يقرره الإسلام قبلناها وإن كانت مما يرده رددناها وإن كانت مما سكت عنه سكتنا عنها عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهمولا تكذبوهم" رواه البخاري بهذا اللفظ ورواه أحمد والبزار من حديث جابر بلفظ: "لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا وإنكم إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل والله لو كان موسى بين أظهركم ما حل له إلا اتباعي" وسبب هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أن عمر كتب شيئا من التوراة عن اليهود فغضب صلى الله عليه وسلم وقاله.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٨)
ط - تدوين التفسير بالمأثور وخصائص الكتب المؤلفة في ذلك
جاء قرن تابعي التابعين وفيه ألفت تفاسير كثيرة جمعت من أقوال الصحابة والتابعين كتفسير سفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح وشعبة بن الحجاج ويزيد بن هارون وعبد الرزاق وآدم بن أبي إياس وإسحاق بن راهوية وروح بن عبادة وعبد بن حميد وأبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن أبي طلحة والبخاري وآخرين ومن بعدهم ألف ابن جرير الطبري كتابه المشهور وهو من أجل التفاسير ثم ابن أبي حاتم وابن ماجه والحاكم وابن مردويه وابن حبان وغيرهم.
وليس في تفاسير هؤلاء إلا ما هو مسند إلى الصحابة والتابعين وتابعيهم ما عدا ابن جرير فإنه تعرض لتوجيه الأقوال وترجيح بعضها على بعض وذكر الإعراب والاستنباط.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٨)
1 - تفسير ابن جرير:
ابن جرير هو أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري ولد سنة 224 أربع وعشرين ومائتين وتوفي سنة 310 عشر وثلاثمائة كان فريد عصره ووحيد دهره علما وعملا وحفظا لكتاب الله وخبرة بمعانيه وإحاطة بالآيات ناسخها ومنسوخها وبطرق الرواية صحيحها وسقيمها وبأحوال الصحابة والتابعين.
لذلك كان تفسيره من أجل التفاسير بالمأثور وأصحها وأجمعها لما ورد عن الصحابة والتابعين عرض فيه لتوجيه الأقوال ورجح بعضها على بعض وذكر فيه كثيرا من الإعراب واستنباط الأحكام وقد شهد العارفون بأنه لا نظير له في التفاسير:
قال النووي في تهذيبه: كتاب ابن جرير في التفسير لم يصنف أحد مثله وقال أبو حامد الأسفراييني شيخ الشافعية لو رحل أحد إلى الصين ليحصل تفسير ابن جرير لم يكن ذلك كثيرا عليه.
ومن مزاياه أنه حرر الأسانيد وقرب البعيد وجمع ما لم يجمعه غيره غير أنه قد يسوق أخبارا بالأسانيد غير صحيحة ثم لا ينبه على عدم صحتها وقلنا إن عذره في ذلك هو ذكر السند في زمن توافر الناس فيه على معرفة حال السند من غير توقف على تنبيه منه وهذا التفسير موجود إلى اليوم ومنتشر مطبوع وهو عمدة لأكثر المفسرين.
2 - تفسير أبي الليث السمرقندي:
هو تفسير بالمأثور يذكر فيه كثيرا من أقوال الصحابة والتابعين غير أنه لا يذكر الأسانيد وهو مخطوط في مجلدين وموجود في مكتبة الأزهر
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٩)
3 - الدر المنثور في التفسير بالمأثور
هو للإمام جلال الدين السيوطي قال في مقدمته إنه لخصه من كتب ترجمان القرآن وهو التفسير المسند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مطبوع بمصر وقد ذكر في كتابه الإتقان أنه شرع في تفسير جامع لما يحتاج إليه من التفاسير المنقولة والأقوال المعقولة والاستنباط والإشارات والأعاريب واللغات ونكت البلاغة ومحاسن البديع وسماه مجمع البحرين ومطلع البدرين وذكر أنه جعل كتاب الإتقان مقدمة له وذكر في خاتمة كتاب الإتقان نبذة صالحة من التفسير بالمأثور المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أول الفاتحة إلى سورة الناس.
4 - تفسير ابن كثير
ابن كثير هو عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن الخطيب أبي حفص عمر القرشي الدمشقي الشافعي المولود سنة 705المتوفي سنة 774 وتفسيره هذا من أصح التفاسير بالمأثور إن لم يكن أصحها جميعا نقل فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم وكبار الصحابة والتابعين وقد أخرجته مطبعة المنار بمصر في تسعة أجزاء ومعه بأسفل الصفحات تفسير البغوي الآتي ذكره وبآخره كتاب فضائل القرآن الذي يعتبر متمما له.
5 - تفسير البغوي
هو العلامة أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي الفقيه الشافعي كان إماما في التفسير والحديث له التصانيف المفيدة ومنها معالم التنزيل أتى فيه بالمأثور ولكن مجردا عن الأسانيد.
6 - تفسير بقي بن مخلد
ذكر الإمام السيوطي في طبقات المفسرين أن بقي بن مخلد بن يزيد بن عبد الرحمن
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٠)
الأندلسي القرطبي أحد الأعلام وصاحب التفسير والسند أخذ عن يحيى بن يحيى الليثي ورحل إلى المشرق ولقي الكبار بالحجاز ومصر وبغداد وسمع من أحمد بن حنبل وسمع بالكوفة أبا بكر بن أبي شيبة وسمع بمصر يحيى بن بكير وسمع بالحجاز أبا مصعب الزهري وسمع بدمشق هشام بن عمار وشيوخه مائتان وأربعة وثمانون رجلا وكان إماما زاهدا صواما صادقا مجاب الدعوة قليل المثل بحرا في العلم مجتهدا لا يقلد أحدا عني بالأثر وليس لأحد مثل سنده في الحديث ولا في التفسير.
قال ابن حزم: أقطع أنه لم يؤلف في الإسلام مثل تفسيره لا تفسير ابن جرير ولا غيره ولد سنة 204 أربع ومائتين للهجرة وتفسيره الموصوف بما ترى يؤسفنا أنه لم يكتب له البقاء ولم يظفر بما ظفر به تفسير ابن جرير من هذا الخلود
وكم في الخدر أبهى من عروس … ولكن للعروس الدهر ساعد
7 - أسباب النزول للواحدي
هو أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري اقتصر في تفسيره على بيان أسباب النزول بالمأثور وهذا نوع من التفسير لا مجال للتأويل فيه وهو من أعظم ما ألف في موضوعه على رغم توسط حجمه.
8 - الناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس:
هو كتاب نفيس تحدث فيه مؤلفه عن الناسخ وذكر أقوال العلماء في ذلك مسندة وقد استوعب ما قيل في النسخ ولو لم يكن عنده صحيحا وهذا نوع لا مجال للرأي فيه أيضا بل سبيله الوحيدة هي الرواية وهو معدود هنا من التفسير بالمأثور على ضرب التوسع كما لا يخفى.
طريق المفسرين بعد العصر الأول:
ثم إن كتب التفسير بالمأثور موسوعات كبيرة لا نستطيع الإحاطة بها ولا بأسماء
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣١)
جميع مؤلفيها ولا بطرق كل مؤلف فيها غير أنا نستطيع أن نجمل القول في طرق المفسرين بعد العصر الأول فنقول:
بعد عصر الأولين الذين ألفوا في التفسير بالمأثور والتزموا ذكر السند بجملته جاء قوم صنفوا في التفسير واختصروا الأسانيد ولم ينسبوا الأقوال لقائليها فالتبس بذلك الصحيح وغيره وصار الناظر في تلك الكتب يظنها كلها صحيحة بينما هي مفعمة بالقصص وبالإسرائيليات على وجه لا تمييز فيه كأنها كلها حقائق ومن هنا استهدفت رواياتهم للتجريح والطعن ولولا ما يقوم به المحققون في كل عصر من إحقاق الحق ودحض الباطل لانطمست المعالم واختلط الحابل بالنابل ولكان ذلك مثار مطاعن توجه بلا حساب إلى الإسلام والمسلمين فقد ذكروا في قصص الأنبياء وفي بدء الخليقة والزلازل ويأجوج ومأجوج وبرودة الماء الذي في الآبار زمن الصيف وحرارته في الشتاء ذكروا في ذلك كله ما يندى له الجبين خجلا وما لا يتفق والحقائق العلمية أبدا ويا ليتهم نبهوا على وضعه لو أنهم فعلوا لكان الأمر هينا ولكنهم لم يذكروا السند كما ذكر الأولون ليستطيع المطلع عليه نقده بالرجوع إلى كتب الجرح والتعديل ثم لم يكلفوا أنفسهم الحكم على السند بعد محاكمته إلى كتب العدل والتجريح وتلك ثالثة الأثافي.
وقد عني بعض المفسرين بأن يسرد شتات الأقوال حتى أنه ذكر في تفسير قوله سبحانه: غير المغضوب عليهم ولا الضالين نحو عشرة أقوال مع أن الوارد الصحيح تفسير المغضوب عليهم باليهود وتفسير الضالين بالنصارى ولكن الولوع بكثرة النقول نأى بهم عن الاقتصار على التفسير المقبول.
وكذلك نلاحظ أن كل بارع في فن يقتصر غالبا في تفسيره على الفن الذي برع فيه فالمبرز في العلوم العقلية كالفخر الرازي أغرم باستعراض أقوال الحكماء والفلاسفة وشبههم والرد عليها في تفسيره والمبرز في الفقه كالقرطبي أولع بتقرير الأدلة للفروع الفقهية والرد على المخالفين والمبرز في النحو كالزجاج والواحدي في البسيط وأبي حيان في البحر يهتم أعظم الاهتمام بالإعراب ووجوهه ونقل قواعد النحو وفرعها.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٢)
وأصحاب المذاهب المتطرفة والنحل الضالة يقصدون إلى تأويل الآيات على ما يروج مذاهبهم في التطرف والضلال.
والأخباريون يعنيهم أن يستقصوا القصص والأخبار عمن سلف صحيحة كانت أو باطلة.
والإشاريون وأرباب التصوف تهمهم ناحية الترغيب والترهيب والزهد والقناعة والرضا فيفسرون القرآن بما يوافق مشاربهم وأذواقهم وعلى الإجمال نرى كل نابغة في فن أو داعية إلى مذهب أو فكرة يجتهد في تفسير الآيات بما يوافق فنه ويلائم مشربه ويناصر مذهبه ولو كان بعيدا كل البعد عن المقصد الذي نزل من أجله القرآن ولقد غالى بعضهم فجعل القرآن مشتملا على العلوم الكونية كالطبيعة والكيمياء والحساب والجبر وما إلى ذلك وقد سبق أن حققنا ذلك في المبحث الأول فارجع إليه إن شئت وربما نعود إلى القول في هذا الموضوع مرة أخرى.
والخلاصة هنا: أنه يجب على المفسر ملاحظة أن القرآن كتاب هداية وإعجاز وأن يجعل هدفه الأعلى ومقصده الأسمى إظهار هدايات الله من كلامه وبيان وجوه إعجازه في كتابه: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ}
التفسير المحمود والتفسير المذموم
تفسير الصحابة والتابعين وتفسير الذين اعتمدوا على أقوال الصحابة والتابعين بالأسانيد الصحيحة وتفسير أهل الرأي الموفق الذين جمعوا بين المأثور الصحيح مع حذف
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٣)