أول اتصاله بروح القدس:
وفي إحدى الليالي ووسط السكون المطبق من يوم 17 من شهر رمضان كما يقول ابن سعد (فبراير 610 من التقويم الميلادي) دخل محمد صلى الله عليه وسلم في أول اتصال له مع ما وراء الكون. فمر بأول تجربة له مع الوحي الحقيقي.
بداية الوحي:
ولقد نقل إلينا بنفسه أطوار ما حدث على شكل حوار بينه وبين جبريل عليه السلام، بين التابع والمربي. قال جبريل: اقرأ، قال محمد صلى الله عليه وسلم مندهشا: ما أنا بقاريء، فكرر جبريل قوله «اقرأ» بعد أن ضمه إليه ضمة شديدة، قال محمد:
ماذا أقرأ! ولقد تكرر نفس الأمر مع ضمة أشد من الضمة الأولى، كما لو كان المقصود منها إثارة انتباهه والتمكين في نفسه لمعاني الجدية التي تتطلبها التبعة الثقيلة التي سيكلف بها. ولكن صاحبنا المتبتل يتساءل في هلع: «كيف أقرأ» وهنا يقرأ عليه الملك:
{اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ}(1) [سورة العلق: 1 - 5].
وثبتت هذه الكلمات الكريمة في ذاكرته؛ وأخذ يرددها لنفسه بينما اختفي الملك. وعندما خرج محمد صلى الله عليه وسلم من الغار عائدا إلى داره سمع صوتا يناديه. فرفع رأسه إلى السماء وإذا بالملك ذاته يغطى الأفق ويقول: «يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل» ولم يستطع أن يحول نظره. أو يتقدم أو يتأخر، فلم يكن يحدق في أي نقطة في السماء إلا ويراه أمامه، واستمر ذلك لمدة من الزمن ثم لم يعد يرى شيئا.--------------------------------------------
(1) نذكر هنا أن هذه الآيات وهي أول نبع من الوحي القرآني توضح بدقة أن المقصود هو الإعلان عن علم لم يحصل بعد وإنما سوف يتلقاه محمد مستقبلا بفضل كرم الله الخالق. ومن الجلي أن التعبير كان يخالف ذلك تماما لو أن الوحي كان ثمرة لدراسة طويلة وناضجة كما يحب البعض تفسيره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
تأثيره على الرسول صلى الله عليه وسلم:
قد يكون الاضطراب الذي أصاب محمدا صلى الله عليه وسلم من هذه التجربة السمعية والبصرية الجديدة قد أوجد عنده بعض الشك حينا في حقيقة صوت الملك أو بعض الخوف من أن يكون قد أصابته مسة شيطانية وهو الذي لم يمقت شيئا كمقته للسحرة والكهنة فكان يخشى أن يكون قد أصبح واحدا منهم. وقد لا يبعد عن الحقيقة أن الآلام البدنية التي نتجت عن هذه المقابلة تشبه آلام الموت وقد يكون قد تصور أنه مات من شدتها. وبهذا الاضطراب المعنوي والبدني عاد محمد صلى الله عليه وسلم فورا إلى بيته تهزه حمّى باردة وطلب من أهله أن يدثروه بغطاء ثقيل حتى يذهب عنه الخوف.
مواساة خديجة ورأي ورقة بن نوفل:
وعندما أنهى إلى خديجة ما حدث وأبدى لها مخاوفه واضطرابه بذلت وسعها في تطييب خاطره في أطيب حديث وأجمل مواساة: «كلا والله ما يخزيك الله أبدا. إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضعيف وتعين على نوائب الحق»(1).
ولما لم تستطع أن تعطي له تفسيرا موضوعيا وأكيدا عن طبيعة هذه الظاهرة لجأت إلى من هو مختص في الموضوع لاستشارته. وقررت أن تذهب معه إلى ابن عمها «ورقة بن نوفل» وهو عجوز كفيف قد تنصر بعد أن أمضى حياته في المطالعات العبرية وفي علوم الكتب السماوية السابقة. فقال لهما: «هذا هو الناموس(2) الذي نزل على موسى يا ليتني فيها جزعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: أو مخرجي هم. قال: نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا»(3).--------------------------------------------
(1) رواه البخاري عن عائشة كتاب الوحي باب بدء الوحي ج 1 ص 21.
(2) معنى الناموس الوحي أو القانون السماوي.
(3) رواه البخاري عن عائشة كتاب الوحي باب بدء الوحي ج 1 ص 21.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
فتور الوحي وانقطاعه مؤقتا:
ولكن حياة ورقة لم تدم طويلا وإن كانت هذه الكلمات المطمئنة قد ألقت ضوء الأمل في هذه النفس القلقة لهذا الإنسان الشغوف بالعلم والباحث عن الوضوح واليقين، أي هذه العقلية الموضوعية، وسوف نرى أن هذا الأمل لم يكن قويا ولم يدم طويلا. إذ كان طبيعيا أن يتصور محمد صلى الله عليه وسلم تحقق هذا العلم الموعود، الذي أعلنه له صوت الحق، في الأيام التالية. فكان يعود دائما في طلب الدرس الثاني في ذات المكان الذي تلقى فيه الدرس الأول. وكان يجلس مجلسه الأول ويجوب الجبل ويدور بنظره في كل اتجاه والأيام تتلو الأيام والأسابيع تتوالى والشهور تتبع الشهور ومضى العام وبدأ العام الثاني، وكما يقول الشعبي ثم الثالث أيضا وهو في انتظار مجيء الملك. وفي كل مرة يصل فيها إلى حافة اليأس كان يرى ويسمع «يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل» كانت هذه الكلمات تلقي في نفسه شيئا من السكينة إلا أن الوحي الحقيقي كان يطول انتظاره فيغمره الحزن والضيق من جديد. فقال بعض الناس: لم يكن ذلك إلا لوثة من الجنون.
وافترض آخرون فيما بعد أن الأمر كان يتعلق فعلا بمنحة سماوية عظيمة، إلا أن ما أظهره محمد صلى الله عليه وسلم من ضعف الاحتمال جعله يبدو كما لو كان غير جدير بهذا النداء الرباني فنزلت آيتان(1) (،2). لتردا عنه هذه المخاوف ولكنهما لم تمنحاه التعاليم المنتظرة.
استئناف الوحي بوصفه رسولا بالإضافة إلى وصفه نبيّا:
ولقد شارف محمد صلى الله عليه وسلم عامه الرابع والأربعين. وكان يسهر شطرا طويلا من الليل انتظارا لهذا القول «الثقيل المترقب»، بل لقد تعود منذ مقابلة الوحي الأولى أن ينعزل في جبل حراء في نفس الفترة في شهر رمضان وأخيرا عندما أتم عزلته--------------------------------------------
(1) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [القلم: 2] ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى [الضحى - 3].
(2) يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً (4) إِنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (5) [المزمل: 1 - 5].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
وشرع في نزول الجبل من الجانب المطل على مكة سمع صوتا يناديه فالتفت يمينه ويساره وخلفه فلم ير شيئا، فرفع بصره إلى السماء فرأى الملك الذي رآه من قبل على جبل حراء ولكن مفاجأة ظهور الملك والضخامة العظيمة لهذا المخلوق السماوي أذهلته حتى لم تقو رجلاه على حمله، فارتعد من الخوف (وقد يكون أيضا من برد شهر يناير وأسرع عائدا إلى خديجة يطلب منها الرعاية السابقة. إلا أن زائره الكريم لحق به إلى البيت حاملا إليه الحكم الذي يكلفه بمهمته الثانية:
{يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ} [سورة المدثر: 1 - 2]. منذ ذلك الوقت لم يقتصر دور محمد صلى الله عليه وسلم على أن يتلقى تعاليم ربه فحسب وإنما عليه أيضا أن يبلغها إلى الناس كافة، فدور الرسول صلى الله عليه وسلم قد أضيف إلى دور النبوة.
لقد رأينا كيف أنه في خلال هذين التكليفين كان الوحي منقطعا وبطيئا بل وقليلا، ولكن ما أن بدأ التكليف بالرسالة، حتى أصبح الوحي ينزل على الرسول صلى الله عليه وسلم لا أقول بصفة منتظمة وفي فترات متقاربة وإنما بنوع من الاتصال ومن غير أن ينقطع مثل الإنقطاع السابق.
التوافق بين التقويم الهجري والتقويم الميلادي:
فعام 612 الميلادي هو نقطة انطلاق رسالة الإسلام، ويجيء تاريخ الهجرة(1)
ليقسم فترة الرسالة إلى قسمين متساويين تقريبا منها عشر سنوات في مكة مسقط رأس الرسول صلى الله عليه وسلم، وعشر سنوات في المدينة محل إقامته الجديد حيث توفي في--------------------------------------------
(1) الهجرة معناها قطع العلاقات والابتعاد عن اختبار، وإن كانت أسباب ذلك غير اختيارية، فمن المعلوم أن محمدا صلى الله عليه وسلم وهو يبلغ رسالته - اضطر إلى أن يرحل عن وطنه في اليوم السابق لمؤامرة كانت تهدف القضاء عليه، واستقر به المقام بالمدينة حيث وصل في بداية شهر ربيع الأول (يوم 2 أو 8 أو 12 لاختلاف المؤرخين) ولقد حدد الفلكي المصري السابق ذكره اعتمادا على وثائق عديدة - يوم الهجرة بيوم الاثنين 8 من ربيع الأول الموافق 20 سبتمبر عام 622 بعد الميلاد إلا أنه يجب ألا يغيب عن بالنا أن التقويم الإسلامي بدأ من السنة القمرية التي تمت فيها الهجرة وليس في يوم هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم أي أنه بدأ قبل ذلك بشهرين وعدة أيام أي في يوم أول محرم الموافق 15 أو 16 يوليه عام 622 ميلادية ولما كانت السنة القمرية الكبيسة تساوي 355 يوما فقط وأن مجموع 33 سنة قمرية يعادل 32 سنة شمسية تقريبا فيمكن تحويل التاريخ الهجري (هـ) إلى تاريخ ميلادي (م) أو العكس باستخدام إحدى المعادلتين التاليتين: م - (هـ + 622 - هـ / 33 هـ - م - 622 + م - 622 32/ 33).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
12 أو 13 من ربيع الأول عام 11 هجرية (7 أو 8 يونيو 632 ميلادية) بعد أن بلغ من العمر ثلاثة وستين عاما قمريا بالكامل أي أكثر قليلا من واحد وستين عاما شمسيا(1).
ولا شك أن من الأمور الطريفة حقا متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم في نشاطه الدؤوب وفي رسالته الهادية طوال العشرين سنة والتي نتج عنها ثورة من أكبر الثورات الحضارية التي عرفتها البشرية. ولكن لما كان الهدف الرئيسي من هذا الكتاب هو دراسة تحليلية للبناء القرآني ذاته ونظرا لأننا قد تناولنا بالدراسة حياة محمد صلى الله عليه وسلم حتى بلغنا نقطة التقاء الرسول صلى الله عليه وسلم برسالته، نستطيع الآن أن نتناول بالبحث الكتاب الذي تركه لنا، وسوف نتناول في الفصل التالي كيفية تكوين هذا الكتاب الكريم وتنظيمه وحفظه وتناقله عبر التاريخ.
***--------------------------------------------
(1) في مقال بعنوان «عمر محمد صلى الله عليه وسلم» (بالجريدة Journal Asiatique عدد مارس/إبريل 1911) حاول H.Lammens أن يخفض سن النبي صلى الله عليه وسلم بعشر سنوات دون أن يأتي على ذلك بدليل قوي فقد بدا له أنه خارق للعادة أن يتوفر لرجل تجاوز الخمسين من عمره من النشاط والقوة ما يلزمه ليخلق لنفسه وضعا جديدا في الحياة. فرغم اعتراف الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه «ولدت في زمن الملك العادل كسرى» «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده» ورغم شهادة الصحابة الصحيحة: معاوية وابن عباس وعائشة … ورغم الوقائع التاريخية المتفقة مع المراجع الأوروبية والفارسية والعبرية المختلفة يحلو لهذا الكاتب أن يعارض ذلك كله ببعض المعلومات المستقاة من كتاب مجهول مؤلفه وبعض الروايات المشبوهة والمتناقضة فيما بينها
ويحاول أن يضع بعض علامات الاستفهام ليس فقط عن سن الرسول صلى الله عليه وسلم وإنما عن حياته برمتها وكل ما يتعلق بها. فيدعي أن التواريخ والوقائع والشخصيات وكل ما ورد في الأثر الصحيح مشكوك فيها ومسوقة بتقدير سابق وبتلفيق في التفسيرات والنصوص وموفقة بطريقة مقصودة وإن علم الاستشراق ذاته يكون قد ضل في طريق خاطئ بفعل المؤرخين العرب. هل يكترث العلم بمثل هذه المشاركة السلبية أو الهدامة على الوجه الأرجح؟ ولا يكمن الخطر في لهجة الكاتب الساخرة فحسب، حيث تغمر السخرية كل خطوة من خطواته وراء نزعته إلى الشك المريض الواهي من أساسه وإنما أخطر من ذلك تحيزه في تطبيق نزعته في الشك، فبمجرد أن يجد رأيا في غير صف الرسول صلى الله عليه وسلم وإن كان تافها أو مصادما للمعقول ينقلب شكه فجأه إلى يقين وتأييد. إنه تحامل حقود لا يخجل من التحدث باسم النقد العلمى بما يناقض المنطق ذاته.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
الفصل الثاني كيف جمع نصّ التنزيل الحكيم
يقع القرآن الذي بين أيدينا اليوم في مجلد واحد. ويتكون في طبعته العادية من حوالي خمسمائة صفحة (بكل منها 15 سطرا) وينقسم إلى 114 سورة مختلفة الأطوال. فبعد الفاتحة المكونة من خمسة سطور تتدرج السور في ترتيبها بوجه عام(1) حسب طولها، فالسور الطويلة في البداية(2) ثم المتوسطة ثم القصيرة (وبعضها لا يتعدي السطر الواحد). وتكثر علامات التشكيل والعلامات الصوتية والإملائية وعلامات الوقف لترشد القارئ في نطقه ووقفاته.
مظهر التجزؤ من الأهمية التي كان يثيرها كل جزء منزل بين الخصوم وبين الأتباع:
ولم يكن القرآن على هذه الهيئة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم. فإن كان النص مطابقا تماما لما أملاه الرسول صلى الله عليه وسلم لكتبة الوحي، فإن الشكل الخارجي قد طرأ عليه تغيير كبير. إذ لم يكن هناك ما تطلق عليه كتابا أو مجلدا. وكما اتضح لنا من الأمثلة التي أوردناها في الفصل السابق، فقد نزل القرآن أجزاءا متفرقة تتباين أطوالها من سورة كاملة إلى آية واحدة وأحيانا إلى جزء من الآية. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يتلو كل جزء ينزل عليه ويعلمه للسامعين ليصل عن طريقهم إلى من لم يسمعه من فم الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة. وكان الناس جميعا ينتظرون الوحي بشغف، ويتمنون أن يتلقوه فور نزوله. كما أن أعداء الرسول صلى الله عليه وسلم أنفسهم الذين لم يكونوا يهملون--------------------------------------------
(1) الواقع أن هذا الترتيب غير متبع بدقة إذ توجد استثناءات كثيرة فيفهم من ذلك أن هناك حكمة أبعد اقتضت هذا الترتيب.
(2) ولهذا تجدسورة البقرة وهي السورة الثانية - الأولى بعد الفاتحة أكبر سور القرآن على الإطلاق وتبلغ أربعين صفحة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
شأن القرآن، كانوا يحرصون على سماعه إما للبحث عن نقط ضعف فيه تعينهم على مغالبته أو مهاجمته، وإما لإشباع حاجتهم الملحة في التذوق الأدبي، ويمكننا أن نتصور إذن مدى الاهتمام الذي كان يثيره القرآن في نفوس المؤمنين، فقد كان بالنسبة إليهم غذاء الروح وقاعدة السلوك ونصوص الصلاة وأداة الدعوة إلى الإسلام، كان نشيدهم وتاريخهم، كان قانونهم الجوهري ودستورهم في كل شؤون الحياة.
القرآن (المقروء) والكتاب (المدون):
غير أن النص المنزل لم يقتصر على كونه «قرآنا» أو مجموعة من الآيات التي تتلى أو تقرأ، وتحفظ في الصدور، وإنما كان أيضا «كتابا» مدونا بالمداد. فهاتان الصورتان تتضافران وتصحح كل منها الأخرى.
كتبة الوحي:
ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم كلما جاءه الوحي وتلاه على الحاضرين أملاه من فوره على كتبة الوحي ليدونوه على أي شيء كان في متناول أيديهم، مثل الورق أو الخشب أو قطع الجلد أو صفائح الحجارة وكسر الأكتاف … الخ. ويذكر العلماء الثقاة أن عدد كتاب الوحي بلغ تسعة وعشرين كاتبا، أشهرهم الخلفاء الخمسة الأوائل (أبو بكر وعمر وعثمان وعلى ومعاوية) والزبير بن العوام وسعيد بن العاص وعمرو بن العاص وأبي بن كعب وزيد بن ثابت، ولكن معاوية وزيد بن ثابت كانا أكثر ارتباطا بهذا العمل. وإذا كان عدد كتبة الوحي بمكة لم يبلغ هذه الكثرة ومهمة الكتابة ذاتها لم تأخذ هذا الطابع الرسمي، فإن هناك واقعة أكيدة هي أن المؤمنين لم يتوانوا منذ البداية - بل وخلال صنوف الاضطهاد التي تعرضوا لها - في تسجيل الآيات القرآنية التي وصلتهم في مخطوطات شخصية لاستعمالهم الخاص. وكان إسلام عمر - كما ورد بالأثر - راجعا إلى قراءته لآيات أول سورة طه التي وجدها مكتوبة على ورقة كانت تحملها أخته.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
لم توجد نسخة عند الرسول صلى الله عليه وسلم:
ومن الجلي أن هذه المخطوطات على هيئتها البدائية، لم تكن تمثل مجموعة متجانسة ومنظمة ومرقمة. وكما أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن عنده شيء مكتوب فلم يكن عند الأفراد في هذه الحقبة نسخة واحدة كاملة من القرآن.
عند بعض الأفراد أوراق متفرقة:
وإنما كانت المخطوطات متفرقة ومبعثرة بين المؤمنين ولم تأخذ شكلها النهائي في صدورهم إلا قرب نهاية حياة الرسول صلى الله عليه وسلم. ولقد لوحظ منذ وقت مبكر أن مجموعات الآيات المنزلة لم تكن لتبقى منعزلة بعضها عن بعض، ولا أن تتوالى في ترتيب زمني بعضها تلو الأخرى حسب نزول الوحي.
بقاء بعض السور غير تامة:
فقد كانت مجموعات كثيرة منها تتزايد بمعزل عن مجموعات أخرى وتكون تدريجيا وحدات مستقلة بعد أن تنضم إليهاآيات أخرى نزلت بعدها؛ وأن بعضها كانت تضاف هنا، والأخرى تتداخل مع غيرها هناك، بحسب أمر الرسول صلى الله عليه وسلم الصريح الذي كان يتلقاه بدوره من الروح القدس.
كل جزء منزل كان له مكانه في التلاوة:
وحتى تتاح الفرصة لسور القرآن لكي يتم بناؤها تدريجيا، كان ينبغي الانتظار إلى أن يكتمل الوحي كله لإخراج القرآن في شكل وحدة كاملة. إلا أن غياب هذا التتابع بين الآيات المكتوبة في هذه المرحلة لم يحل بين المؤمنين وبين المعرفة الشفوية لموضع كل آية(1) جديدة من كل سورة على وجه التحديد، وفي كل مرحلة من مراحل نزول الوحي. وكذلك كان الأمر بالنسبة للصلاة والتعاليم والوعظ والقراءات الأخرى.--------------------------------------------
(1) قد تستثنى الآية الأخيرة من سورة النساء من هذه القاعدة لأنهانزلت قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بوقت قصير بحيث لم يتمكن الصحابة من الاستعلام منه عن المكان الذي كان ينبغي وضعها فيه، فأضافوها في نهاية السورة التي تبحث نفس الموضوع ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
القراء أو حملة القرآن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والتجمع الشفوي للقرآن:
وهكذا نرى أنه كان في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم مئات من الصحابة يطلق عليهم «حفظة القرآن» قد تخصصوا في تلاوة القرآن، وفي حفظه عن ظهر قلب، وفي معرفة كل سورة في هيئتها المؤقتة أو النهائية. فنرى ابن مسعود مثلا يفخر بأنه حفظ أكثر من سبعين سورة من فم الرسول صلى الله عليه وسلم والرسول صلى الله عليه وسلم بدوره كان يؤكد أنه في شهر رمضان من كل عام كان يقوم بمراجعة عامة وتلاوة الآيات التي نزل بها الوحي في حضور جبريل عليه السلام وأنه في العام الأخير راجع عليه جبريل القرآن مرتين مما جعل الرسول صلى الله عليه وسلم يتنبأ بقرب أجله.
أول مصحف منظم في عهد الخليفة الأول:
ولم يمض عام واحد بعد أن قبض الرسول صلى الله عليه وسلم إلا وبدت الحاجة ملحة لجمع وثائق القرآن المبعثرة في مجموعة مدونة، سهلة الاستعمال، حيث تتتابع آيات كل سورة، كما هو ثابت من قبل في حافظة جماعة المؤمنين. ولقد تقدم بالفكرة عمر بن الخطاب إلى الخليفة الأول عقب معركة اليمامة مع مسيلمة الكذاب التي قتل فيها مئات من المسلمين، منهم «سبعون من حملة القرآن» فخشية أن يتناقص تدريجيا عدد هؤلاء القراء بسبب الحروب المحتملة، كان عمر يهدف بهذه الطريقة ليس فقط إلى حفظ المدون من التنزيل في مأمن من الأخطار، وفي صورة يسهل الرجوع إليها، وإنما كان يقصد أيضا إقرار الشكل النهائى لهذا الكتاب المقدس وتوثيقه عن طريق حفظته الباقين على قيد الحياة واعتماده من الصحابة الذين كان كل منهم يحفظ منه أجزاءا كبيرة أو صغيرة(1).
ولقد عهد بهذه المهمة إلى زيد بن ثابت الذي تردد في بداية الأمر عندما أدرك ضخامة التبعة في هذا العمل الجليل. ولكن أبا بكر أصر قائلا: «إنك رجل ذكي لا--------------------------------------------
(1) أنظر م. ج. رستوفدوني - تاريخ القرآن ص 26 - 27. M.J.Rostovdoni
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
لا نتهمك، وكنت تكتب الوحي في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فقم بجمع القرآن»(1).
ويبدو أن سببا آخر قد أسهم بعض الشيء في هذا الاختيار وهو أن زيدا لم يكن من كتبة الوحي ومن حملة القرآن فحسب، ولكنه فضلا عن ذلك حضر بنفسه آخر تلاوة للقرآن قام بها الرسول صلى الله عليه وسلم(2). وبالإضافة إلي كل هذه الضمانات، وضعت قاعدة للعمل وطبقت بكل عناية، وهي تقضي بألا يؤخذ بأي مخطوط لا يشهد شخصان على أنه مكتوب ليس من الذاكرة وإنما بإملاء الرسول صلى الله عليه وسلم ذاته وأنه جزء من التنزيل في صورته النهائية. وهذا التشدد في اشتراط شاهدين أدى إلى إستبعادآية جاء بها «عمر» عن رجم الزانية لأنه كان الشاهد الوحيد، كما يقول الليث بن سعد(3).
وبعد جمع القرآن بكل هذه الاحتياطات، سلمه زيد إلى أبي بكر الذي احتفظ به طوال خلافته وعهد به قبل موته إلى عمر المرشح للخلافة من بعده. ثم قام عمر بتسليمه إلى ابنته حفصة أم المؤمنين في آخر لحظة من حياته لأن الخليفة الثالث لم يكن قد بويع في ذلك الوقت.
خصائصه:
وفضلا عن كماله المطلق، يتميز أول مصحف رسمي (الذي يمكن أن نشبهه بملف يجمع صحفا مرتبة وغير مجلدة) عن النسخ الأخرى الكاملة أو الناقصة التي كانت عند الأفراد بمطابقته المطلقة للنص المنزل إذ استبعد منه كل ما لم يتضمنه النص الأصلي طبقا للعرضة الأخيرة. فبينما ابن مسعود أو أبي بن كعب كانا في بعض الأحيان يكتبان من الذاكرة على مصحف كل منهما، فيضيفان كلمة قد ترجع إلى تاريخ سابق أو قد يوضحان في الهامش أو بين السطور - وغالبا--------------------------------------------
(1) بعد أن أورد لوبلوا هذه الرواية أردف قائلا: من ذا الذي لم يتمن لو أن أحدا من تلاميذ عيسى الذين عاصروه قام بتدوين تعاليمه بعد وفاته مباشرة» («القرآن والتوراة العبرية» - لوبلوا ص 47 مذكره 5).
Leblois،Le Koran eta Bible Hebraique
(2) انظر «تاريخ القرآن» للزنجاني ص 17.
(3) انظر «الإتقان» للسيوطي ص 58.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
بلون مختلف - بعض التفسيرات(1) أو بعض أدعية الصلاة(2) الخارجة عن النص، فإن المصحف الرسمي يخلو حتى من أسماء السور. ولكن رغم قيمة هذا المصحف العظيمة ورغم ما يستحقه من العناية التي بذلت في جمعه فإن مجرد بقائه محفوظا بعناية عند الخليفتين الأولين أسبغ عليه الطابع الفردي أو الشخصي بعض الشيء ولم يصبح وثيقة للبشر كافة إلا من يوم نشره.
اختلافه بمعرفة عثمان:
ولكن فرصة نشره لم تتح إلا في خلافة عثمان بعد معارك أرمينية وأذربيجان.
فقد تجمعت جيوش المسلمين الوافدة من سوريا ومن العراق ولاحظوا بعض الاختلاف في القراءات، إذ كان السوريون يتبعون قراءة «أبى» والعراقيون يتبعون قراءة «ابن مسعود» فقال بعضهم لبعض «قراءتنا خير من قراءتكم» ففزع حذيفة ابن اليمان إلى عثمان وطلب إليه أن يضع حدا لهذا اللجاج الذي قد يؤدي إلى مثل ما وقع فيه اليهود والنصارى من فرقة بشأن كتبهم. فشكل عثمان لجنة من أربعة نساخ منهم زيد بن ثابت نفسه - وهو من الأنصار - وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن ابن الحارث بن هشام من المهاجرين. وكلفهم بنسخ مصحف حفصة بعدد من النسخ(3) يعادل عدد الأمصار الرئيسية في الدولة الإسلامية وقال لهم: «ما اختلفتم فيه أنتم وزيد»(4) فاكتبوه بلسان قريش--------------------------------------------
(1) فنجد مثلا في مصحف ابن مسعود بجوار كلمة «وَالصَّلاةِ الْوُسْطى» عبارة «صلاة العصر» أو «وهي صلاة العصر». هل هذا هو المقصود من الآية؟ اختلف الصحابة أنفسهم في هذا الصدد وحتى إذا قبلنا رأي البراء الذي يقول إن هذه الإضافة كانت موجودة في مكان كلمة «الْوُسْطى» وأنها نسخت فيما بعد واستبدلت بها، فإنها لم توجد في نص التنزيل مقابلة للعبارة الأخرى. ويذكر ابن الأنباري أنه أثناء الجمع الأول طلبت حفصة إضافة هذه الكلمة إلى الآية ونظرا لأنها لم تأت بالشهادة المطلوبة فقد عارضها أبوها عمر صراحة (أنظر «الدر المنثور» للسيوطي المجلد الأول، ص 303).
(2) نجد في مصحف أبي بالإضافة إلى السور المعروفة دعائي القنوت.
(3) من غير أخذ نسخة عثمان الشخصية في الاعتبار يتفق أغلب الرواة على أنها كانت خمس نسخ خطية أرسلت إلى المدن الخمس التالية: مكة والمدينة والبصرة والكوفة ودمشق. ولكن أبا حاتم السجستاني يذكر نسختين أخريين لولايتي اليمن والبحرين (أنظر كتاب المصاحف لابن أبي داود ص 74).
(4) وهكذا احتفظت كلمة «تابوت» التي كانت تكتب «تابوه» في المدينة بشكلها المكي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
فإنه نزل بلسانهم وبانتهاء هذا العمل بما يتفق تماما مع النص الأصلى، أعيد مصحف حفصة إليها بينما جلدت النسخ الأخرى ووزعت على الأمصار باعتبارها نماذج لا بديل لها وتبطل كل ما يخالفها من قريب أو بعيد.
مآخذ بعض الشيعة:
ولقد ظن بعض الشيعة أن عثمان قد بدل في نص القرآن، أو أنه على وجه التحديد أسقط شيئا يتعلق بعلي بن أبي طالب. فلو صح ذلك لراجعه حملة القرآن وما أكثرهم في وقت نشر مصحف عثمان عند مضاهاته على ما يحفظونه في صدورهم. إلا أنه حتى ابن مسعود نفسه الذي كان لديه أكثر من سبب لكي لا يرضى عن السياسة قد أقر بصحة مصحف عثمان بل وتنبأ أنه سوف يوجد فيما بعد قراء كثيرون وقليل من العلماء، وأن آيات القرآن ستظل مقدسة في النفوس وسيهمل تطبيقها(1) ونظرا لغيرة المسلمين الأوائل وهم بطبيعة الحال أكثر تحمسا لكلام الله من خلفائهم يستحيل علينا أن نعلل قبول الكافة لمصحف عثمان دون منازعة أو معارضة، بأنه راجع إلى انقياد غير متبصر من جانبهم. ولقد قرر «نولدكه» أن ذلك يعد أقوى دليل على أن النص القرآني «على أحسن صورة من الكمال والمطابقة»(2).
اعتراف الإمامية (أبو جعفر):
ومهما يكن من أمر، فإن هذا المصحف هو الوحيد المتداول في العالم الإسلامي - بما فيه فرق الشيعة - منذ ثلاثة عشر قرنا من الزمان. ونذكر هنا رأي الشيعة الإمامية (أهم فرق الشيعة)، كما ورد بكتاب أبى جعفر الأم «إن اعتقادنا في جملة القرآن الذي أوحى به الله تعالى إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم هو كل ما تحتويه دفتا المصحف المتداول بين الناس لا أكثر، وعدد السور المتعارف عليه بين المسلمين هو 114 سورة - أما عندنا فسورتا الضحى والشرح تكونان سورة واحدة، وكذلك--------------------------------------------
(1) موطأ مالك كتاب جامع الصلاة الباب الأول.
(2) نولدكه «تاريخ القرآن» الجزء الثاني ص 93. Noeldeke،Geschichte des Korans .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
سورتا الفيل وقريش، وأيضا سورتا الأنفال والتوبة. أما من ينسب إلينا الإعتقاد في أن القرآن أكثر من هذا فهو كاذب»(1).
شهادة الغربيين عن صحة القرآن في عصور الإسلام كلها:
وبناء على ذلك أكد لوبلوا(2): «أن القرآن هو اليوم الكتاب الرباني الوحيد الذي ليس فيه أي تغيير يذكر». وكان «و. موير» قد أعلن ذلك قبله إذ قال: «إن المصحف الذي جمعه عثمان قد تواتر انتقاله من يد ليد حتى وصل إلينا بدون أي تحريف. ولقد حفظ بعناية شديدة بحيث لم يطرأ عليه أي تغيير يذكر بل نستطيع أن نقول إنه لم يطرأ عليه أي تغيير على الإطلاق في النسخ التي لا حصر لها والمتداولة في البلاد الإسلامية الواسعة … فلم يوجد إلا قرآن واحد لجميع الفرق الإسلامية المتنازعة، وهذا الاستعمال الإجماعي لنفس النص المقبول من الجميع حتى اليوم يعد أكبر حجة ودليل على صحة النص المنزل الموجود معنا والذي يرجع إلى الخليفة المنكوب(3) عثمان الذي مات مقتولا».
تصحيح:
وهذا الحكم الذي يمتاز بنزاهة تاريخية لا مثيل لها يحتاج إلى تصحيح من--------------------------------------------
(1) أنظر مقال لميرزا اسكندر كاظم بجريدة Journal Asiatique عدد ديسمبر 1843 فالفرق الوحيد إذن هو في طريقة تقسيم السور وترقيمها وهذا الفرق أيضا لا يوجد إلا نظريا عند هؤلاء العلماء لأن نسخهم في الواقع لا تختلف عن نسخ أهل السنة في شيء. وإذا كان هناك بعض الأولياء المتزمتين الذين يحلو لهم أن يوردوا بعض الكلمات التي يظن أن عثمان قد اسقطها من مصحفه فإنهم لا يسمحون لأنفسهم بإضافتها إلى مصحفهم، لأن إمامهم لم يعتمدها. ونفس الشيء ينطبق من باب أولى على «سورة النورين» الموضوعة والتي نشرها جارسين دي تاسي تحت عنوان «سورة مجهولة من القرآن» والتي هاجمها ميرزا اسكندر كاظم. فقد أثبت هذا العالم الجليل أن السورة المزعومة لا يوجد لها أثر في مصحف الشيعة، فضلا عن أنه لم يرد ذكرها في مؤلفاتهم الخاصة بمجادلاتهم التقليدية بل إن عنوانها «النورين» الذي يشير إلى محمد وعلى لم يظهر لأول مرة عند الشيعة إلا في القرن السابع الهجري طبقا لما جاء عند الطوسي. وتكفي قراءة هذه المقطوعة التي لا تعدو أن تكون تراكما ركيكا من العبارات والكلمات المسروقة من القرآن لنتبين التعارض الشديد بينها وبين أناقة الأسلوب القرآني وتناسقه. أنظر أيضا نولدكه.
الفصل الثاني ص 107 - 112.
(2) لوبلوا المرجع السابق.
(3) عن كتاب The Life of Mahomet تأليف W.Muir الوارد بكتاب «محمد والقرآن» تأليف B-St، Hilaire ص 33 Mahomet et le Koran
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
ناحيتين لأنه يتضمن نقصا من جهة وزيادة من جهة أخرى.
أما من ناحية النقص فلأنه يرجع النص القرآني الموجود بين أيدينا اليوم إلى الخليفة الثالث، بينما عثمان - كما رأينا - لم يقم إلا بنشر المخطوط المجموع في عهد أبي بكر. ولقد رأينا أيضا كيف أن هذا الأصل ذاته لم يكن إلا التدوين الكامل حسب ترتيب العرضة الأخيرة للرسول صلى الله عليه وسلم (وهذا الترتيب يختلف عن ترتيب النزول) وهو النص المدون بإملاء الرسول نفسه.
وأما الزيادة ففي التأكيد بأن النسخ المتداولة - رغم أنها تكرار خطي لبعضها البعض - لا تتضمن أي اختلاف في القراءة. ويعلم عكس ذلك تماما كل من له إلمام بالنص القرآني العربي. فإذا كانت الحروف المتحركة الطويلة تكتب دائما في جسم كل كلمة، فإن الحروف المتحركة القصيرة لا تكتب أبدا، وكذلك الحال بالنسبة لبعض الحروف المتحركة المتوسطة. هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن مجموعة كبيرة من الحروف العربية تتشابه وتتطابق في كتابتها ولا تختلف عن بعضها إلا ببعض نقط التشكيل، فمثلا يحتمل قراءة «الياء» (ي) نونا أو تاءا أو باءا أو ياءا بحسب موضع النقطة أو النقطتين بأعلى أو بأسفل الحرف. ولم تكن هذه النقط تستخدم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا في عهد الخلفاء الراشدين الثلاثة من بعده. وإذا كان التذوق اللغوي كان يساعد أحيانا على تخمين النطق الصحيح للكلمة، ففي الغالب كان النطق لا يتضح إلا بإرشاد شفوي. غير أن السنة توضح لنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يتبع نطقا واحدا عند تعليمه القرآن للمسلمين، فلم يكن نادرا أن يعطي للكلمة الواحدة (أو أصلها) أكثر من قراءة، كلها صحيحة ولها مدلولها، فكلمه «ملك» يجوز قراءتها «مالِكِ» أو «ملك» وكذلك كلمة «فَتَبَيَّنُوا» يمكن قراءتها «فتثبتوا» طبقا للقراءات المختلفة الواردة في السنة.
منشأ القراءات المختلفة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والقراءات السبعة:
ولما كان المستمعون من المسلمين ليسوا هم ذوات الأشخاص في كل مرة، فقد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
نشأ عند الصحابة منذ العهد الأول تباين في القراءات لبعد كل قراءة عن غيرها.
فيروي البخاري أن عمرا ثار يوما على هشام بن الحكيم ابن حزام لأنه سمعه يتلو سورة الفرقان بقراءة تختلف عن القراءة التي علمها له الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد تحامل على نفسه في كظم غضبه أثناء صلاة هشام وفور خروجه من الصلاة قام إليه عمر وأمسك بتلابيبه وسأله: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرؤها قال اقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كذبت فو الله إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهو أقرأني هذه السورة.
وانطلق به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم هشام فقرأ السورة فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: هكذانزلت ثم أمر عمر فقرأ السورة فقال الرسول صلى الله عليه وسلم. هكذانزلت ثم قال: إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف(1) فأقروا ما تيسر منها. ويذكر الطبري أن أبي بن كعب صدم أيضا من اختلاف في قراءة سورة النحل ولما احتكم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أقر القراءتين(2).
هل ألغى عثمان جميع القراءات؟:
فهل كان عثمان أكثر تشددا من الرسول صلى الله عليه وسلم، فمنع أشياءا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يبيحها؟ لا نعتقد ذلك. فلم يكن عثمان يقصد، كما يعتقد بصفة عامة، إلى إلغاء كل اختلاف في القراءات. بل كان مصحفه - كما هي الحال في المصاحف السابقة - يتكون من هيكل كلمات تقبل القراءة بطرق مختلفة بل وكان حرصه دائبا على أن يوضح القراءات المعروفة على النص ذاته في كل مرة لا تتمكن--------------------------------------------
(1) هل كلمه «سبعة» تعني في الحقيقة سبعة أم تفيد الكثرة، اختلف على هذه النقطة ومهما يكن من أمر فإن هذه الأحرف السبعة يجب عدم خلطها بالسبعة قراء الذين اختارهم ابن مجاهد. ولا داعي للربط بينهما كما يقترح الدكتور «جيفري» في المقدمة العربية «لكتاب المصاحف» ص 8 فإن اختيار عدد السبعة من ابن مجاهد جلب عليه لوما كثيرا (الإتقان ص 49، نولدكه «تاريخ القرآن» ص 50، التبيان للطاهر ص 81) لأنه يوحي بالإعتقاد بأن كل قراءة منسوبة إلى هؤلاء القراء السبعة تعتبر شرعية والعكس صحيح. بينما النقد المنهجي هو الذي في إمكانه وحده أن يميز بين الخطأ والصحيح. ويعكس ما يعتقد الدكتور جيفري (نفس المرجع) يجب أن يوجه النقد العلمي لدراسة السبعة قراءات أو العشرة أو الأربعة عشر وأي مصدر لكل قراءة مهما اختلفت.
(2) رواه البخاري عن عروة بن الزبير - كتاب فضائل القرآن - باب من لم ير بأسا أن يقول سورة البقرة وسورة، ج 10 ص 399.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
الكلمات من إظهار إلا طريقة واحدة في القراءة. وهكذا نرى أن كلمة «مسيطر»
مكتوبة بالسين ويعلوها حرف «ص» أو مكتوبة بالصاد وتعلوها السين. كما نجد في أحد مصاحفه النموذجية «سارعوا» وفي مصحف آخر «وَسارِعُوا» وأيضا «بما تشتهي» و «بما تشتهيه» وأيضا «سَيَقُولُونَ لِلّهِ» و «سيقولون الله».
الهدف المزدوج لنشر عثمان المصاحف:
وفي رأينا أن نشر القرآن بعناية عثمان كان يستهدف أمرين:
أولهما: أن في إضفاء صفة الشرعية على القراءات المختلفة التي كانت تدخل في إطار النص المدون ولها أصل نبوي مجمع عليه وحمايتها، فيه منع لوقوع أي شجار بين المسلمين بشأنها لأن عثمان كان يعتبر التماري في القرآن نوعا من الكفر(1).
ثانيهما: باستبعاد مالا يتطابق تطابقا مطلقا مع النص الأصلي، وقاية للمسلمين من الوقوع في انشقاق خطير فيما بينهم، وحماية للنص ذاته من أي تحريف نتيجة إدخال بعض العبارات المختلفة عليها نوعا ما، أو أي شروح يكون الأفراد قد أضافوها لمصاحفهم بحسن نية.
مصحف عثمان لا يحمل أية قراءة للآحاد وإنما اقتصر على القراءات الصحيحة:
ولا يفهم مما سبق أن الطبعة العثمانية - فضلا عن المصحف العثماني الأصلي - تتضمن جميع القراءات التي قد يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد علمها للناس باسم السبعة أحرف؛ لأنها إذا كانت قد اشتملت بالفعل على القراءات التي اتفق عليها أن النص الأصلي كان يتضمنها في صورته الأخيرة، فقد استبعدت هذه الطبعة من ناحية أخرى كل قراءة واردة عن طريق الآحاد ولا يتوفر فيها الضمان المطلوب(2).
ولقد وفق هذا المبدأ منذ البداية بين آراء آلاف الصحابة الحاضرين وارتضوه عن طيب خاطر(3).--------------------------------------------
(1) إتقان السيوطي. المجلد الأول ص 57.
(2) انظر اتقان السيوطي ص 50 - انتصار الباقلاني الوارد بتبيان الطاهر، ص 73.
(3) انظر السيوطي بنفس المرجع - وابن حجر الوارد بتاريخ القرآن الزنجاني ص 44.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
ما مدى صحة القراءات غير العثمانية:
ونضيف أن هذا الاستبعاد عن النص المدون لم يكن الغرض منه - كما يبدو - ولا من نتائجه، إلغاء القراءات الشفوية إذ بوضع الأمور على هذا النحو في نصابها، ترك الباب مفتوحا لكل من كان يؤكد أنه سمع الرسول صلى الله عليه وسلم يقرأ بقراءة معينة لكي يقرأ بقراءاته الخاصة بحرية تامة وتحت كامل مسؤوليته الأدبية ومن غير أن يلزم جماعة المسلمين كلها بما يؤكد سماعه. وهذا الموقف المعقول والعادل يتضح بجلاء أولا من رد عثمان نفسه على المتمردين: إذ قال: أما القرآن فلم أمنعكم إلا لأني خشيت عليكم الفرقة ويمكنكم أن تقرأوا بالحرف الذي يتيسر لكم(1) ثم جاءت فتوى مالك فيما بعد، سمح بموجبها قراءة «فامضوا» في الآية 9 من سورة الجمعة(2) … طبقا لقراءة عمر بدلا من «فَاسْعَوْا» إلا في صلاة الفرض، كما يقرر ابن عبد البر، لأن القراءات غير العثمانية ليست قرآنا صحيحا يصلح للصلاة(3).
تفنيد حجة الدكتور جيفري:
وفيما عدا القراءة العثمانية وأي إدخال على النص العثماني، يبقي لكل استعمال آخر مطلق الحرية ولم يتوقف المتفقهون في علوم الدين، في كل زمان، عن الاهتمام بدراسة هذه القراءات الفردية، إلا أن الدكتور أرتير جيفري مؤلف «كتاب المصاحف» لم يدرك بوضوح هذه المسألة المزدوجة فلم يكن الإهتمام بمثل هذه البحوث جديدا في العالم الإسلامي (كما زعم في المقدمة ص 1). والشاهد على ذلك عدد المراجع العربية التي يستخدمها هو نفسه في هذا الموضوع.
فالمؤلفات العربية فى العلوم الإملائية والصوتية والقراءات القرآنية فضلا عن التفاسير والمؤلفات اللغوية والبلاغية ومؤلفات المحدثين والفقهاء لا حصر لها. ومن جهة أخرى فإن هذه القراءات الفردية - وهي بعيدة عن أن يقع عليها «ضغط من--------------------------------------------
(1) ابن أبي داود - كتاب المصاحف ص 36.
(2) انظر الزنجاني في المرجع السابق.
(3) انظر التبيان للطاهر ص 39 - 40 ويقرر إبن أبي داود نفس الرأي (كتاب المصاحف ص 54).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
جانب أصحاب العقيدة الرشيدة» (نفس المرجع ص 9، 10) - لا زالت حتى اليوم يكسوها طابع التقديس وتستخدم في مدارس أهل السنة لا على أنها نص قرآني ولكن كأحاديث آحاد.
ورغم هذا الوضوح الذي يقطع كل شك، يبدو المبشر الانجليزي المتقدم ذكره قد وقع تحت تأثير التاريخ الكنسي المسيحي الذي ألف دراسته إلى درجة أنه يكاد يكون قد نقله بأحداثه الكاملة أثناء بحثه في المجال الإسلامي. فالواقع أنه يحاول أن يثبت أن النص القرآني قد مر بأطوار تشبه من جوانب كثيرة ما مر به الإنجيل.
ففي عرضه بكتابه المشار إليه، يبدأ في التفرقة بشكل غريب فى النص القرآنى ذاته بين «بعض الآيات المتعلقة بالعبادة» والتى «من المحتمل» على حد قوله، أن تكون قد دونت في عهد نزول الوحي، وبين آيات أخرى لم تدون (ص 6) ثم يؤكد وهو يناقض نفسه، أنه حتى وقت وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن مجموع القرآن قد دون بعد. (قارن ص 5 مع ص 7)، ثم ينفي بعد ذلك وهو يلعب بالألفاظ - الطابع «الرسمى» للمصحف الذي جمعه أبو بكر (قارن ص 6، 212)، ثم يقرر في النهاية احتمال وجود بون شاسع بين نصوص الأمصار الإسلامية وقت قرار عثمان (ص 8) - ويصف مسلمي الكوفة حينئذ وكأنهم فريقان منقسمان (بعضهم يقبل النص الجديد الذي بعث به عثمان والغالبية العظمي تتمسك بمصحف ابن مسعود) (ص 8، 21).
وهكذا يبدو مصحف عثمان في هذا العرض ليس فقط كأنه مصحف من بين مصاحف كثيرة «مزاحمة له» (الفصل العاشر ص 9 - 23) وإنما أيضا على أنه وافد جديد غريب عن النصوص القديمة، أي معارض للقراءة التي كانت على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه في النهاية يفرض نفسه على المسلمين لا لخصائصه الذاتية وإنما بفضل نفوذ المدينة (ص 8).
هذه الطريقة في عرض تاريخ القرآن تتضمن مغالطات جسيمة وتقتضي منا التوضيح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
فنذكر بحقيقة أولى لا تشير فحسب إلى قدم النص الذي نشره عثمان وإنما أيضا وبصفة خاصة، مطابقته التامة مع النص الذي جمع في عهد أبى بكر(1).
والبحوث المسيحية الحديثة تؤكد هذه الحقيقة فيقول شوالي Schwally «لقد أثبتنا فيما تقدم أن نسختي زيد متطابقتان وأن مصحف عثمان ما هو إلا نسخة من المصحف الذي كان عند حفصة»(2).
ولا يفوتنا أن ننبه هنا، إلى أن آيات مصحف حفصة لا ترجع إلى الخليفة الأول، وإنما ترجع بنصها الكامل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ضعف القراءات المخالفة:
والحقيقة أن جميع القراءات تنسب نفسها أيضا إلى نفس المصدر سواءا أكانت شفويّة أو مدونّة. ومن المحتمل أن ترجع بعض هذه القراءات المخالفة إلى ما قبل تاريخ القراءات التي تضمنها مصحف عثمان رضى الله عنه، رغم أن كلا من هذه وتلك يجب أن ترتبط بعهد حياة الرسول صلى الله عليه وسلم. ولكن مع ذلك يجب أن نلاحظ أن الأسبقية النسبية ليست في الواقع مقياسا لأفضلية أي منها على الأخرى.
فالنص الصحيح ليس بالضرورة هو النص الأسبق، بل الأرجح أن يكون هو الذي يتمتع باللمسات الأخيرة في آخر وقت. وحين يرد في حديث الصحابة تعبير «الحرف الأول» فيما يتعلق بالقراءات التي خارج النص، فلا يعني ذلك قط أنها القراءات التي كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجه عام، وإنما القراءة التي كانت في أول هذه الحقبة أي القراءة المنسوخة وهكذا ينهار الأساس ذاته الذي كان يراد به المبالغة في قيمة مثل هذه القراءات.
لنترك جانبا هذه التنوعات التي تعزى إلى فارق الزمن، فيبقي أن الشرط الجوهري لإثبات صحة النص هو الضمان بأنه على شكله المدوّن تتوفر فيه المراجعة الكافية والتصديق الوافي على صحته من الرسول صلى الله عليه وسلم أو ممن يمثله. وهذه الشروط--------------------------------------------
(1) البخاري كتاب فضائل القرآن باب جمع القرآن، ص 384.
(2) تاريخ القرآن لنولدكه. الجزء الثاني، ص 91.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
على وجه التحديد هي التي لم تتوفر في هذه القراءات وقت جمع القرآن. مما اقتضى بطبيعة الحال إبعادها عن النص الصحيح.
محاولة ترتيب القراءات المخالفة:
وفوق هذا الأساس الواهي. يضاف أساس آخر يتعلق بانتقال هذه القراءات بعد ذلك. فيقرر مؤلف «كتاب المصاحف» نفسه أنه مدرك للشك الذي يحيط بهذه القراءات الخارجة عن النص العثماني من ثلاث جهات:
1 - من حيث قدمها، فيشتبه أحيانا في تلفيق بعض هذه القراءات في فترة لاحقة بقصد ربطها بسند قديم للإفادة من نفوذه.
2 - من حيث تحديد المصدر، فقد ثبت في كثير من الحالات وجود اضطراب في رفع الأسانيد إلى رواتها.
3 - من حيث مطابقتها الشكلية. فيصعب تحديد الصحيح(1) من بين القراءات التي تنسب إلى ذات القارئ، فضلا عن أن بعضها يبدو مستحيلا لغويا.
ويعترف هذا المستشرق بأن القراءات غير العثمانية نادرا ما تنسب إلى ما دوّنه الثقاة في مصحافهم، وإنما تنتمي في الغالب إلى تعاليمهم وقراءاتهم الشفوية (ص 24). مع ذلك عندما يتحدث عن جمعها، يسمح لنفسه بأن يطلق عليها جميعا اسم النص القرآني، ثم يضيف إليها - وكأنه يريد زيادة حجمها ويرفع من قيمتها في المنافسة - قراءات لم تختلف مع النص الأصلي في شيء، فضلا عن قراءات أخرى ينسبها إلى بعض الصحابة، بينما هي في الواقع أحد أتباعهم.
وبعد كل هذا ماذا تعني في الواقع هذه القراءات غير الرسمية وما أهميتها؟
نلاحظ أولا أنها لا تتعلق بكل سور القرآن ولا بسورة واحدة بأكملها.
ولنبحث بعد ذلك طبيعتها، فنستطيع أن نميز بين أنواع مختلفة:--------------------------------------------
(1) مثال ذلك مصحف ابن مسعود الذي يؤكد ابن اسحق بشأنه (طبقا لما أورده الدكتور جيفري ص 23 بالهامش)، أنه من بين عديد من نسخ هذا المصحف لا توجد نسختان متطابقتان. وكذلك يقرر فهرست ابن النديم أنه رأى منه نسخة وجد السورة الأولى (الفاتحة) فيها مخالفة لما هي معروفة به.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)