Arabic source text

📘 মাদখালু ইলাল কুরআনিল কারীম আরদুন তারিখি ওয়া তাহলিলুন মুকারান (মুহাম্মদ বিন আব্দুল্লাহ দ্রাজ - মৃত্যু 1377 হিজরী)

📘 مدخل إلى القرآن الكريم عرض تاريخي وتحليل مقارن (محمد بن عبد الله دراز - ت 1377 هـ)

📘 মাদখালু ইলাল কুরআনিল কারীম আরদুন তারিখি ওয়া তাহলিলুন মুকারান (মুহাম্মদ বিন আব্দুল্লাহ দ্রাজ - মৃত্যু 1377 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
ألا يمكن - في الوقت الذي نراعي فيه عمليا وقلبيا محبة عالمية - أن تخلق في ظل هذه الأسرة العالمية الكبرى أسرة أصغر وأكثر ترابطا، وأكثر إدراكا لكيانها، وكأنها مجموعة من الخلايا تكوّن كيانا عضويا داخل ذلك الجسم الكبير؟
إن هذا الجمع الموفق بين الفضيلة العامة والفضيلة الجماعية هو الذي أبرمه القرآن الكريم؛ إذ يعلمنا في الواقع أن خارج الأخوة في الله توجد الأخوة في آدم(1)، وأن اختلاف المشاعر الدينية لا يجوز أن يحول بيننا وبين أن نبادل إخواننا في الإنسانية المحبة والإحسان(2)، وأن قسوة الكفار علينا لا ينبغي أن تدفعنا إلى العدوان، ولا لأن نكون غير مقسطين في معاملتهم(3) ولقد حرم على المؤمنين أن يتعاملوا بالربا مع أي إنسان(4)، وبين أن التقيّ العادل في محيط الجماعة الإسلامية هو كذلك خارجها(5). وإذا كان على المسلم في بعض الظروف أن يبدى عناية خاصة في فك أسر إخوانه المسلمين(6)، فإن عتق العبيد بوجه عام يعتبر إما إلتزاما عليه(7)، وإما عملا يستحق التقدير(8) ويحث عليه القرآن دائما(9). وهكذا تتطور فكرة الفضيلة العامة التي أعلنها الإنجيل، وتتحدد أكثر فأكثر عندما تتسع لتشمل مجالات الحياة المختلفة. ولكن هل معنى ذلك أن الجماعة الإسلامية ستتراخى في--------------------------------------------
(1) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: 10] يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات: 13].
(2) لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة: 8].
(3) وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ .. عَلى أَلاّ تَعْدِلُوا [المائدة: 2].
(4) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة: 278].
(5) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ … بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [آل عمران:
75 - 76].
(6) وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظّالِمِ أَهْلُها [النساء: 75].
(7) إِنَّمَا الصَّدَقاتُ … وَفِي الرِّقابِ … فَرِيضَةً مِنَ اللهِ [التوبة: 60].
(8 و 9)) وَفِي الرِّقابِ [البقرة: 177] فَكُّ رَقَبَةٍ .. [البلد: 13].

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)

روابطها الداخلية لتضيع في محيط البشرية الواسع؟ على العكس إذ نجد أن مبدأين أساسيين يذكرانها بكل قوة بدورها كجماعة متميزة ومتماسكة:
الأول: يدعو المؤمنين بأن يكونوا جماعة موحدة لا تنقسم، بدون فرقة أو إنشقاق، تلتف حول مثل أعلى وحول رئيسها(1). ومع ذلك فقد بدا لبعض المستشرقين أن يصوروا المسلم على أنه ذو نزعة «فردية لا تقاوم»، لم يعرف معنى «رباط التضامن» في يوم من الأيام(2). «إن الدين الإسلامي، كما يقول أحد المستشرقين، يحترم النزعة الفردية ويقدسها، ولا يعرف معنى اندماج النفوس وتلاشيها في تنظيم كبير: فليست الأعمال الجماعية مثل صلاة الجمعة، ووقفة عرفات، وصلاة الأعياد، إلا أعمالا فردية يؤديها المؤمنون في وقت واحد، ومكان واحد، دون أن تتخذ طابع الاحتفالات الموجهة أو المنظمة وفق تنسيق خاص(3).
وسوف يلاحظ أي إنسان يحضر صلاة الجماعة للمسلمين، أن هذا القول لا أساس له من الصحة، وسوف لا يرى المؤمنين مبعثرين في غير نظام يصلى كل واحد من أجل نفسه أو يحضر كمشاهد، بينما إمامهم يؤدي وحده جوهر الفريضة الدينية. وإنما سوف يرى المؤمنين مصطفين في نظام جميل، متلاصقين كتفا إلى كتف، الغني بجانب الفقير، والرئيس بجوار مرؤوسه، في وضع واحد، واتجاه واحد، ودعاء واحد، كل منهم يدعو للجميع: {إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ * اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة 5 - 6] إنهم جميعا يطلبون النجاة والفلاح، ليس فقط لمجموعة المصلين وإنما لجميع عباد الله الصالحين أينما كانوا: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» إن هذا التوافق في المظهر لا يعدو أن يكون وسيلة لتأليف--------------------------------------------
(1) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران: 103] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ … [النساء: 59] وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا [الأنفال: 46].
(2) انظر «أخلاق وعادات المسلمين» تأليف جوتييه، ص 216.
(3) انظر «الإسلام» في مجموعة «التاريخ والمؤرخين» تأليف جودفروا ديمو مبين ص 739.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)

القلوب والجمع بينها. يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «لتسوون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم»(1) فالإسلام ليس دينا فحسب، وإنما هو أخوة في الله(2).
والمسلمون في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى إليه سائر الأعضاء بالسهر والحمى. فالواجبان الأساسيان اللذان يعتبرهما المسلمون واجبين توأمين، يترتب على التخلف عنهما النبذ والعقاب، هما الصلاة والزكاة. إنهما ينهضان كدليل بليغ عن روح التضامن في الإسلام.
أما المبدأ الثاني: وهو على جانب كبير من الأهمية من الناحية الأخلاقية فهو التزام جميع المسلمين بألا يتركوا المنكر يسود في مجتمعهم(3)، وضرورة أن يتواصوا بالحق والفضيلة(4) إنه ليس حق، ولكنه واجب كل مسلم صغيرا أو كبيرا. أن يدعوا أخاه المسلم إلى ما هو حق وعدل وأن ينهاه عن كل سوء. ويجب ألا يقل اهتمامه بسعادته الأخروية، عن اهتمامه بسعادته المادية. إن علينا جميعا أن نتعاون في نشر الفضيلة والتقوى بيننا(5) ودليل القيمة التي يراها القرآن في وضع هذا التضامن موضع التنفيذ العملي، أن جعله المقياس الذي على أساسه سمى جماعة المسلمين الأولى بخير أمة أخرجت للناس(6).

‌‌5 - الفضيلة في المعاملات الدولية وبين الأديان:
نضيف إلى كل ما تقدم فصلا آخر في الأخلاق الإسلامية جديدا كل الجدة.--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري عن النعمان بن بشير كتاب الأذان تسوية الصفوف عند الإقامة وبعدها ج 2 ص 348، وصحيح مسلم كتاب الصلاة باب تسوية الصفوف وإقامتها وفضل الأول فالأول ج 2 ص 31.
(2) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: 10].
(3) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال: 25].
(4) وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر: 3] وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ [البلد: 17].
(5) وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى [المائدة: 2].
(6) كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران: 110].

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)

لأن اليهودية والمسيحية في وقت تأسيسها لم تتح لهما الفرصة لإقامة علاقات مع دول معادية. فدعوة عيسى السلمية المحلية كانت تناقضها في اتجاه مضاد الحروب التي قادها موسى ضد الأمم المجاورة والتي انتهت بالقضاء عليها بسرعة. ولقد اختلف الوضع تماما بالنسبة لمحمد صلى الله عليه وسلم خلال العشر سنوات التي كان فيها على علاقات دائمة مع أمم وديانات مختلفة، تارة مسالمة وتارة معادية.
إن هذه الظروف الخاصة التي جعلت من المرشد الروحي والأخلاقي صلى الله عليه وسلم سياسيا وقائدا، اقتضت تشريعا أخلاقيا لظروف السلم والحرب تضمن القرآن مبادئه الأساسية. ومن هذه المباديء أن الحرب الشرعية لا تقوم إلا من أجل دفع العدوان(1) ويجب أن تتوقف بمجرد انتهائه(2). وهناك بعد ذلك المبدأ الذي يحترم المواثيق المبرمة مع العدو مهما كانت فرص عقدها غير متكافئة. فالمعاهدة الموقعة بين الأطراف واجبة الاحترام حتى ولو كانت في غير صالحنا(3). وحتى إذا بدأ العدو في نقض اتفاقه، فلا يحق لنا أن نهاجمه على غرة، بل يجب أولا إعلانه بإلغاء عهده معنا بطريقة واضحة بحيث يتيسر له العلم بقرارنا(4) (،5). وهذا بخلاف القواعد التي حددتها السنة والتي نجحت - إن لم يكن في القضاء على هذه الآفة - فعلى الأقل في التخفيف من نتائجها القاسية.
***--------------------------------------------
(1) وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا [البقرة: 190].
(2) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ [الأنفال: 61].
(3) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً .. وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ [النحل: 91 - 92).
(4) وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ [الأنفال: 58].
(5) ولقد أخطأ جولد سيهر عند ترجمة هذه الآية وكذلك كازمرسكي وأيضا سفاري فترجموها بمعنى «عامله بمثل معاملته الخائنة» وهذا يتناقض مع نهاية نفس الآية: إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)

‌‌الفصل الثالث الجمال أو الجانب الأدبي

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)

الفصل الثالث الجمال أو الجانب الأدبي

‌‌القرآن نموذج ممتاز في الأدب العربي:
توجد في أعماق النفس الإنسانية، كما سبق لنا القول، بصيرة داخلية تميز بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، مهما اختلفت صورهما بشرط أن يرى الإنسان بجلاء، وبذهن صاف، ورباطة جأش. فالعقول الثاقبة، والنفوس المهيأة، لا تحتاج لأكثر من ذلك لكي تعتنق دعوة جديدة طالما رأت أنه يتوفر فيها هذا الشرط المزدوج، ألا وهو تعليم الحقيقة والدعوة إلى الفضيلة. فبدون أن يثيرها المظهر الخارجي، تنفذ بسرعة من خلال هذا الغلاف وتكتشف الجوهر وتقدر قيمته حق قدرها. وعلى هذا النحو استطاع هرقل - الامبراطور الروماني رغم جهله باللغة العربية - أن يحكم على صدق الرسالة المحمدية استنادا إلى بعض الشروط الأخلاقية التي اعتقد أنها ضرورية وكافية لكي تبرهن على ربانية هذه الرسالة(1).
ولكن الأمر قد يختلف عن ذلك بالنسبة لعامة الناس. فما يجذب اهتمامنا فيما يقدم إلينا، هو سحر شكله الخارجي أكثر من متانة محتواه وأي جديد يكتسي بمظهر حقير وغير جذاب، يجعلنا ننفر منه وننصرف عنه. لأننا نتسرع في الحكم على الأشياء بحسب مظهرها قبل أن نختبر الجوهر واللباب. فالمحسوس لدينا يسبق المعقول وعن طريقه نتوصل إلى اختبار هذا الأخير، عندما يعرض علينا. ومن هنا ندرك قيمة العون الحقيقي الذي يمكن أن يقدمه الأدب إلى العلم والحكمة عندما ينتصران للحقيقة والفضيلة.
والدعوة الإسلامية تتمتع في هذه الناحية بالكمال الذي لا تشوبه شائبة--------------------------------------------
(1) انظر البخاري - كتاب الجهاد باب 101؛ وأيضا ج. ب. سان هيلير في كتابه «محمد والقرآن» ص 150 - 151.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)

فبمظهرها وجوهرها تشبع حاجة كل من يفهم اللغة العربية. والقرآن - حامل هذه الرسالة - كان وسيظل النموذج الذي لا يبارى في الأدب العربي. فجمال أسلوبه محل إعجاب الجميع في كل العصور. وإذا نظرنا نظرة مجردة إلى الصفات الأدبية التي ينطوي عليها، نستطيع أن نقول إنه يعتبر المثل الأعلى لما يمكن أن يسمى أدبا بوجه عام. إذ أن لغة القرآن تمتاز بالسمو والجلالة، لا بالغواية والتأثير.
إنها تأخذ بالقلوب أكثر مما تغري الأسماع؛ إنها تثير الإعجاب لا المتعة؛ إنها تفحم بالحجة أكثر مما تستثير العواطف وتجلب السرور الهادئ لا الصاخب.

‌‌بعض خصائص التركيب القرآني:
ففي العصر الذهبي للغة العربية - حيث بلغت الذروة في الصفاء والقوة، وحيث كانت تخلع ألقاب التشريف والتكريم علانية على الشعراء والخطباء في المسابقات السنوية، ما أن ظهر محكم التنزيل حتى اكتسح الحماس للشعر والنثر، وأنزلت المعلقات السبع من باب الكعبة واتجهت كل الأسماع إلى هذا الإعجاز الجديد في اللغة العربية.
فلغة القرآن مادة صوتية، تبعد عن طراوة لغة أهل الحضر. وخشونة لغة أهل البادية، وتجمع - في تناسق حكيم - بين رقة الأولى وجزالة الثانية، وتحقق السحر المنشود. بفضل هذا التوفيق الموسيقي البديع بينهما.
إنها ترتيب في مقاطع الكلمات في نظام أكثر تماسكا من النثر، وأقل نظما من الشعر، يتنوع في خلال الآية الواحدة ليجذب نشاط السامع، ويتجانس في آخر الآيات سجعا، لكي لا يختل الجرس العام للوقفات في كل سورة(1).
أما كلماته، فمنتقاة من بين الكلمات المشهورة، دون أن تهبط إلى مستوى الدارج، ومختارة من بين الكلمات السامية، التي لا توصف بالغريب إلا نادرا.
وتمتاز بالإيجاز العجيب في الكلام. إذ تعبر بأقل عدد من الكلمات عن أفكار--------------------------------------------
(1) هناك استثناءات من هذه القاعدة فقد لا ينتظم السجع إلا على مراحل، ويختلف بين مجموعات الآيات في نفس السورة. انظر مثلاسورة الحاقة والسور التالية.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)

كبيرة يصعب التعبير عنها في العادة إلا بجمل مطولة نسبيا.
ويضاف إلى هذا النقاء في التعبير، وهذا التركيز الشديد في المعنى - حيث لا تقابلنا كلمة زائدة بل اختصار معجز أحيانا - وضوح أخاذ، كأنه تحد سافر بحيث أن رجل الشارع قليل الحظ من المعرفة، يستطيع أن يقول لنفسه: لقد فهمت جيدا. ومع ذلك نجد العمق والمرونة والإيحاء والإشعاع في كل جانب مثل أوجه قطعة الماس البراقة، إلى درجة أن جميع العلوم والفنون الإسلامية تستمد على الدوام من هذا المصدر قواعدها ومبادئها. إنها حقيقة مقررة عرفها الناس جميعا، وهي أن كلا من النبيل والحقير، والسطحي والباحث الدؤوب، يلتقون على فهم القرآن. كأن كل عبارة فيه مفصلة تفصيلا بما يناسب عقلية كل منهم بحسب درجته في العلم والمعرفة.
وكل هذا في موضوعات غير مطروقة في الأدب الجاهلي، ونادرا ما تعرض لها الشعراء والخطباء إلا من بعيد وبصور مبهمة وموجزة، بحيث يحق لنا أن نؤكد بدون تردد أنه من الناحية اللغوية البحتة، كان ظهور القرآن خلقا للغة جديدة، ولأسلوب جديد.
أما ما يبدو أنه فوق طاقة البشر حقا في الأسلوب القرآني، فهو أنه لا يخضع للقوانين النفسية التي بمقتضاها نرى العقل والعاطفة لا يعملان إلا بالتبادل وبنسب عكسية، بحيث يؤدي ظهور إحدى القوتين إلى اختفاء الأخرى. ففي القرآن لا نرى إلا تعاونا دائما في جميع الموضوعات التي يتناولها - بين هاتين النزعتين المتنافرتين.
وبالإضافة إلى الموسيقي الخالدة التي تعلو هذا الأسلوب المتنوع، نرى أن الكلمات ذاتها بمعناها المجازي - سواء أكانت وصفا أو إستدلالا أو سن قاعدة في القانون أو في الأخلاق - تسعى بقوة وتجمع في نفس الوقت بين التعليم والإقناع والتأثير وتمنح القلب والعقل نصيبه المنشود. وعلاوة على ذلك فإن هذا الكلام الرباني وهو يؤثر على هذا النحو، في قوانا المختلفة - يحتفظ دائما وفي أي موضع بهيبة مدهشة وبجلالة قوية لا تتأرجح ولا تضطرب.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)

وربما لا يكون هناك ما يدعو للوقوف طويلا أمام هذا الوصف التجريدي الذي ليس له معنى ولا قيمة إلا بمراجعة مضمونه على النص القرآني. وهو العمل الذي قمنا به في كتاب آخر(1) ولا ينبغي أن نكرره هنا. فالعربي الأصيل الذي تسري في دمه غريزة اللغة، ليس في حاجة إلى هذا التحليل لكي يقدر بنفسه طابع النص القرآني الفريد. وما يستفاد من هذه الدراسة البطيئة المنطقية، يدركه هو بفطنته وفطرته. فهو يشعر بالقرآن وكأنه آت من السماء، ينفذ إلى القلوب، ويبهر الأبصار.

‌‌السمو الفريد حتى بالنسبة لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم:
ولقد أدرك الكفار هذا التأثير في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم. واختلفوا في التماس التفسير والتعليل له، إذ وجدوه ظاهرة غريبة إلى درجة أن اطلقوا عليه «سحرا».
وحتى في عصرنا الحاضر، ورغم بعد الزمن واختلاط الأجناس وانحراف فطرة اللغة، نجد العرب على اختلاف دياناتهم، يعترفون بالسمو والجلال والهيبة التي ينفرد بها النص القرآني لا بالنسبة للأدب العربي بوجه عام، ولكن حتى بالنسبة لأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ذاته المعروفة ببلاغتها الرفيعة. فالواقع أنه يتوفر تحت أيدينا اليوم آلاف من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، منها ما كان بعد تفكير عميق امتد إلى ما يقرب من الشهر مثل حديث الإفك، وأحاديث أخرى كانت على أثر وحي بالمعنى لا بالنص مثل «اصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك»(2) فجميع عبارات الرسول صلى الله عليه وسلم وجمله يتميز عنها النص القرآني تمييزا صارخا، وكأنه شعاع من الشمس يمر خلال--------------------------------------------
(1) في دراسة سابقة لنا باللغة العربية بعنوان «النبأ العظيم» والتي توقف نشرها بالقاهرة بسبب سفرنا إلى فرنسا عام 1936 - عرضنا لبعض الخصائص الفريدة للأسلوب القرآني وضربنا الأمثلة الجلية التي توضح هذا الانفراد. ولا يعدو عملنا هنا سوى التذكير ببعض النقاط الجوهرية التي وردت بهذه الدراسة.
وهناك عدا التعليقات والمقدمات التي كتبت عن القرآن الكريم دراسات متخصصة في هذا الموضوع نذكر منها: العسكري (الصناعتين)، الجرجاني (دلائل الإعجاز)، (وأسرار البلاغة) الباقلاني (إعجاز القرآن) ومن الكتاب المحدثين نذكر على الخصوص الرافعي (إعجاز القرآن والبلاغة النبوية).
(2) صحيح البخاري عن صفوان بن يعلي بن أمية عن أبيه، كتاب الحج باب يفعل في العمرة ما يفعل في الحج ج 4 ص 363، وصحيح مسلم كتاب الحج باب ما يباح للمحرم لحج أو عمرة وما لا يباح ج 4 ص 3.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)

ضوء منبعث من نجفة من الشموع، إذ نلحظ في القرآن فى الحال لهجة فريدة لا تنبعث من قلب رجل، وليست سوى نفحة ربانية.

‌‌خطأ كثير من العلماء بشأن وحدة السور القرآنية:
وقبل أن نترك هذا الفصل ينبغي أن نركز بعض الجهد على نقطة غفل عنها جميع المستشرقين فضلا عن بعض علماء المسلمين، وهي طريقة القرآن الكريم في معالجة أكثر من موضوع في السورة الواحدة. فعند ما لاحظ بعضهم بنظرته السطحية - عدم توافر التجانس والربط الطبيعي بين المواد التي تتناولها السورة، لم ير القرآن في جملته إلا أشتاتا من الأفكار المتنوعة، عولجت بطريقة غير منظمة، وبدون أي ربط منطقي بينها، بينما رأي البعض الآخر أن علة هذا التشتيت المزعوم ترجع إلى الحاجة إلى تخفيف الملل الناتج من رتابة الأسلوب، والحزن المترتب على تكرار النغمة مما يتنافي مع المثالية في الأسلوب العربي. وهناك فريق آخر لم ير في الوحدة الأدبية لكل سورة - وهو ما يستحيل نقله في أية ترجمة - إلا نوعا من التعويض لهذا النقص الجوهري في وحدة المعنى. وفريق آخر يضم غالبية المستشرقين رأى - وهو يهدف إلى تبرئة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي قدم كل سورة من القرآن على شكل وحدة مستقلة - أن هذا العيب يرجع إلى الصحابة الذين جمعوا القرآن وقاموا بهذا الخلط عندما جمعوا أجزاءه ورتبوها على شكل سور.
إن هذه التفسيرات لا تبدو صالحة للأخذ بها. إذ أن السنة والأثر الصحيح متفقان على أن السور كانت بالشكل الذي نقرأها به اليوم. وبتركيبها الحالي منذ حياة الرسول صلى الله عليه وسلم. إذن قد يرجع السبب إلى عيب أصيل لا تكاد تجدي معه التبريرات السابقة إذا كانت حقا وحدة السورة لا تعدو أن تكون سلسلة من الحروف والصوتيات تخفي تشتيتا وتفرقا جوهريا في المعنى، وتترك فواصل لا يقبلها المنطق في مسيرة الأفكار وتقفز قفزات مفاجئة في السورة عند الإنتقال من موضوع إلى موضوع جديد.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)

‌‌تجربة خاصة:
فعندما نريد أن نقدر جمال لوحة مرسومة لا ينبغي أن نحصر نظرتنا في جزء ضيق منها حيث لا نجد إلا ألوانا متنوعة تتجاور أو تتنافر أحيانا، بل يجب أن نرجع قليلا إلى الوراء، ليتسع مجال الرؤية وتحيط بالكل في نظرة شاملة، تستطيع وحدها أن تلاحظ التناسق بين الأجزاء والتوافق في التركيب. فبمثل هذه النظرة ينبغي دراسة كل سورة من سور القرآن الكريم لنقدر أبعادها الحقيقية. ولقد قمنا في الماضي أثناء تدريسنا بجامعة الأزهر - بتطبيق هذه القاعدة في دراسة لاحدى السور المدنية (هي سورة البقرة) ولسورتين مكيتين (هما سورتي يونس وهود) ولم يكن اختيارنا لهذه السور عن قصد، وإنما كانت كلها مقررة في البرنامج الدراسي. فالواقع أننا وجدنا أكثر مما كنا نتطلب من بحثنا. فقد كنا نبحث عما إذا كان هناك نوعا من الترابط في الأفكار التي تتناولها السورة الواحدة، ولقد وضح لنا بما أثار دهشتنا أن هناك تخطيطا حقيقيا واضحا ومحددا يتكون من ديباجة وموضوع وخاتمة. فتوضح الآيات الافتتاحية الأولى من السورة الموضوع الذي ستعالجه في خطوطه الرئيسية ثم يتبع ذلك التدرج في عرض الموضوع بنظام لا يتداخل فيه جزء مع جزء آخر، وإنما يحتل كل جزء المكان المناسب له في جملة السورة، وأخيرا تأتي الخاتمة التي تقابل الديباجة.

‌‌هذه الوحدة من العجائب نظرا للظروف التي تتم فيها وتجعلها مستحيلة بالنسبة للقوى البشرية:
فإذا أخذنا في اعتبارنا التواريخ التي لا حصر لها والتفتيت المتناهي في نزول الآيات. ولاحظنا أن هذا الوحي كان بوجه عام مرتبطا بظروف ومناسبات خاصة، فإن ذلك يدعونا إلى التساؤل عن الوقت الذي تمت فيه عملية تنظيم كل سورة على شكل وحدة مستقلة. وهذا التساؤل يضعنا أمام نقطة محيرة. فسواء افترضنا أن هذا الترتيب كان قبل أو بعد إكتمال نزول القرآن، فقد كان ينبغي أن يتبع، إما الترتيب التاريخى للنزول، وإما الترتيب المنطقي البسيط المبني على تجانس

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)

الموضوعات. إلا أن السور القرآنية تتنوع موضوعاتها ولا تخضع لأي من الفرضين أو الترتيبين السابقين، مما يدعونا إلى ترجيح وجود تصميم معقد يكون قد وضع في وقت سابق لنزول القرآن على قلب الرسول صلى الله عليه وسلم. ولكن سرعان ما نميل إلى الانصراف عن هذا الافتراض بسرعة لأننا نرى مدى الجرأة والإستحالة التي ينطوي عليها وضع نظام سابق حسب ترتيب تحكمي بين فقرات حديث سوف يطلب إلقاؤه أو إظهاره على مدار عشرين عاما، وبما يتناسب مع عديد من الملابسات والظروف التي تستدعي هذا الحديث والتي لا يمكن توقعها أو التنبؤ بها. غير أن السنة تؤكد لنا هذا الإفتراض الغريب وتؤيده. فالواقع أنه فور نزول الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم كان كل جزء منه صغيرا أو كبيرا يوضع في السور التي لم تكن قد اكتملت بعد وفي مكان محدد من السورة، وفي موضع رقمي من آياتها، وفي ترتيب لم يكن دائما هو الترتيب التاريخي. وبمجرد وضع الآية أو الآيات في موضع ما، بقيت فيه إلى الأبد، دون أن يطرأ عليها تحويل أو تصحيح. من هذا نقول إنه لا بد كان هناك تصميم لكل سورة، فضلا عن تصميم أو خطة عامة للقرآن في جملته، بمقتضى كل منهما، كأن كل وحي جديد يوضع في مكانه توا بين آيات هذه السورة أو تلك، من السور المفتوحة.

‌‌انفراد في تجميع الأجزاء القرآنية مما يثبت وجود خطة سابقة:
ولا شك أن طريقة القرآن هذه ليست لها مثيل على الإطلاق. فلا يوجد أي كتاب من الكتب في الأدب أو في أي مجال آخر، يمكن أن يكون قد تم تأليفه على هذا النحو أو في مثل هذه الظروف. وكأن القرآن كان قطعا متفرقة ومرقمة من بناء قديم، كان يراد إعادة بنائه في مكان آخر على نفس هيئته السابقة. وإلا فكيف يمكن تفسير هذا الترتيب الفوري والمنهجي في آن واحد، فيما يتعلق بكثير من السور، إذا لم تكن الصحائف الخالية والصحائف التامة تمثل وحدة كاملة في نظر المؤلف؟.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)

‌‌تصميم يتحدى الطبيعة ونجاحه معجزة المعجزات:
ولكن أي ضمان تاريخي يستطيع أن يتحصل عليه الإنسان عند وضع مثل هذه الخطة، إزاء الأحداث المستقبلة، ومتطلباتها التشريعية، والحلول المنشودة لها، فضلا عن الشكل اللغوي الذي يجب أن تقدم به هذه الحلول، وتوافقها الأسلوبي مع هذه السورة بدلا من تلك؟ وكيف يمكن مجرد تجميع وتقريب هذه القطع المبعثرة بعضها من بعض بدون تعديل أو لحام أو وصلات - رغم تنوعها الطبيعي وتفرقها التاريخي - أن يجعل منها وحدة عضوية متجانسة يتوافر فيها ما نرجوه من التماسك والجمال؟ ألا يصدر مثل هذه المشروع، وقد بلغ هذا المبلغ من الطموح، إلا عن حلم خيالي، أو عن قوة فوق قدرة البشر؟. وبمعنى آخر إذا كان الاضطراب في النظام المنطقي أو الخلل اللغوي والبلاغي، هما النتيجة الحتمية لمثل هذا المشروع إذا اضطلع به إنسان لما يشتمل عليه من تعقيد محير، ألا ينبغي أن نستنتج من هذه المقدمات ذاتها، أن اكتمال هذه الخطة وتحقيقها بالصورة المرجوة، يتطلب تدخلا من قوة عظمى، تتوفر فيها القدرة على إقامة مثل هذا التنسيق المنشود؟ وإلا فمن هو المخلوق الذي يستطيع أن يوجه الأحداث بما يتوافق تماما مع هذا التصميم المرسوم، أو كيف يمكن أن نخرج من مجموعة مصادفات بمثل هذا البناء الأدبي الرفيع وهو القرآن؟
فإذا كانت السورة القرآنية من نتاج هذه الظروف، تكون وحدتها المنطقية والأدبية في نظرنا معجزة المعجزات. ولقد صرح بوجود هذه الوحدة المزدوجة كثير من ذوي الاختصاص في هذا الشأن، ومن بينهم: أبو بكر النيسابوري وفخر الدين الرازي وأبو بكر بن العربي وبرهان الدين البيقاعي(1) وأبو اسحق الشاطبي.
ولمراجعة هذا على بعض المختارات من القرآن - نشير إلى كتابنا السابق «النبأ العظيم».
وإننا لا ندعي أن هذه المختارات تمثل نموذجا مطابقا لباقي سور القرآن، وإلا نكون قد فصلنا في أمر تجريبي بناءا على حكم سابق. والواقع أنه قد يصعب في--------------------------------------------
(1) أبو الحسن ابراهيم بن عمر البيقاعي شافعي من القرن التاسع الهجري واستاذ السيوطي الذي خصص لهذا الموضوع فصلا كاملا من كتاب «الاتقان» المجلد الثاني ص 108.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)

بعض السور التمييز بين الفكرة الرئيسية والأفكار الثانوية، أو اكتشاف العلاقة بين هذه الأفكار بعضها وبعض أو بينها وبين النواة المركزية للسورة. وقد نجهل حتى الظروف التي استدعت التجميع بينها في سورة واحدة. ومن المفهوم أن تركيز عبارات القرآن الكريم وجزالة معناها قد تترك بين كل جزء وآخر نقاطا للوصل، وعديدا من الخيوط الإرشادية، مما جعل المفسرين يختلفون في الربط بين هذه الأجزاء. ولكن أيا كانت الطريقة التي نتبعها، وأيا كانت درجة الدقة في معرفتنا، وسواء أكان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ذاته يعرف ذلك أو لا يعرفه، فإن هذا التصميم كان موجودا بالفعل وأسهم في تحقيق ذلك الترتيب الذي كان موضوعا في زمن سابق على نزول القرآن.

‌‌فضلا عن هذا التخطيط المنطقي والإسلوبي فقد اتبع الوحي مسلكا تربويا:
أما الذين لا يهتمون بالكشف عن هذا التخطيط في السور القرآنية فإنهم يستطيعون أن يتأملوا تخطيطا آخر ذا طابع أسلوبي، وبمقتضاه يمكن ملاحظة أن الأجزاء التي ستتجاور مجهزة مقدما بطريقة معينة بحيث يتزاوج بعضها مع بعض بدون تصادم أو ثغرات، كل ذلك مع تنوع الموضوعات واختلاف البعد الزمني الذي يفصل بين كل موضوع وآخر.
ولكن إعجابنا سيصل إلى ذروته إذا أدركنا أن هذه الأجزاء المبعثرة من الآيات القرآنية، قد اتبعت في نزولها تخطيطا آخر مختلفا تماما عن التخطيط الذي تحدثنا عنه في الفقرات السابقة. وما علينا إلا أن نستعرض - من أولها إلى آخرها - المراحل التدريجية للعرض خلال الثلاث والعشرين سنة؛ من النبوة إلى الرسالة (من «اِقْرَأْ» بسورة العلق إلى «قُمْ فَأَنْذِرْ» بسورة المدثر) ومن الدعوة السرية إلى الدعوة الجهرية {فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [الحجر: 94]، ومن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم لأقاربه {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] إلى دعوة مكة بأسرها، {وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا} [القصص: 59]، ثم القرى المجاورة {وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها}
[الأنعام: 92]، ثم البشرية جمعاء {وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ}

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)

[الأنبياء: 107]، ومن إرساء القواعد الأساسية للإسلام (فى السور المكية) إلى التطبيق العملي (في السورة المدنية)، ومن التبغيض في شرب الخمر {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما}
[البقرة: 219]، إلى تحريمها صراحة {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90]، ومن الدعوة إلى الصبر واحتمال الأذى {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ} [النساء: 77]، إلى المقاومة المسلحة {وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا} [البقرة: 190] .... الخ.
وقد يكفي أن نسجل هنا تاريخين على جانب من الأهمية، هما تاريخ انطلاق الدعوة وتاريخ اختتامها. فالتاريخ الأول هو يوم غار حراء، حين تلقى محمد صلى الله عليه وسلم الوحي لأول مرة، وأعلن فيه أنه سيتلقى علما من قبل الله {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 4 - 5]، وسيكلف بمهمة شاقة {إِنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} [المزمل: 5]. أما التاريخ الثاني فهو يوم حجة الوداع، حين أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم بأن رسالته قد تمت، وأن مهمته على الأرض قد انتهت {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً}
[المائدة: 3] وبعد ذلك لم يلبث الرسول صلى الله عليه وسلم أن لحق بالرفيق الأعلى.
إن هذا التطور إذن كان متفقا مع خطة تربوية وتشريعية موضوعة في وقت سابق، في إجمالها وفي تفصيلها، بمعرفة منزل الوحي سبحانه وتعالى. فإذا كانت هذه النصوص ذاتها التي كانت تتبع في نزولها تخطيطا تربويا ممتازا، قد تحولت بمجرد نزولها من شكلها التاريخي لكي تتوزع وتتجمع في شكل آخر على هيئة إطارات محددة ومختلفة الأطوال بحيث يظهر من هذا التوزيع المقصود في النهاية، كتاب يقرأ، مكون من وحدات كاملة، لكل منها نظامها الأدبي والمنطقي، لا يقل روعة عن النظام التربوي العام، فهذا هو التخطيط المزدوج الذي لا يمكن أن يصدر عن علم بشر.
***

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)

‌‌الباب الثالث المصدر الحقيقي للقرآن
الفصل الأول: البحث عن مصدر القرآن في الفترة المكية
الفصل الثاني: البحث عن مصدر القرآن في الفترة المدنية

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)

ينبغي أن تسبق دراسة مصدر أي كتاب دراسة محتواه. أما القرآن فإن دراسة مصدره تستوجب مخالفة هذه القاعدة. لأن فكرة مصدره الإلهي ليست فقط جزءا من دعوته، وإنما هي الجزء الأساسي منها. ومن أول القرآن إلى آخره نراه يتحدث إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أو يتحدث عنه ولا يتركه أبدا يعبر عن فكره الشخصي.
وفي كل جزء منه يتكلم الله تبارك وتعالى ليصدر أمرا، أو ليشرع قانونا، ليخبر أو لينذر. فنقرأ «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ} .... {يا أَيُّهَا الرَّسُولُ} … {إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ} … {إِنّا أَرْسَلْناكَ} .... {اُتْلُ عَلَيْهِمْ} .... {بَلِّغْ} .... افعل كذا .... لا تفعل كذا
{سَيَقُولُونَ} .... {قُلْ} … » وحتى عندما لا يتضمن النص بعض علامات الأمر (مثل سورة الفاتحة) فكل شيء يدل عليها.
ولكن كيف لا ننسب كلام القرآن والأفكار التي يتضمنها إلى الشخص الذي جاء به، باعتبارها نابعة من فكره الشخصي أو منقولة مما تعلمه في بيئته بالطريق الطبيعي؟ كيف يمكن أن نجعل من هذا الإنسان مجرد أداة استقبال يقدم كتابه جاهزا وتاما من مصدر خارجي وغير بشري؟ لا شك أن مثل هذا الإدعاء يبلبل الأفكار لمخالفته للقوانين النفسية ولو في مظهرها العادي على الأقل.
لا شك أن محمدا صلى الله عليه وسلم وهو يؤكد هذا القول لم يكن أول من أثار قضية الوحي. بل إنه كان أكثر تواضعا في هذا الشأن من موسى عليه السلام الذي - كما يقول القرآن - تلقى التوراة في لقاء مباشر بينه وبين الله تبارك وتعالى، حيث سمع كلام الله ذاته. أما بالنسبة لمحمد صلى الله عليه وسلم فالقرآن قول رسول سماوي. وسيط بينه وبين الله: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} [التكوير: 19 - 21] وفيما عدا هذا الاختلاف فإنهما متفقان في نسبة ما تلقياه إلى ما وراء الكون.
فأما المؤمنون بالوحي من حيث المبدأ العام، فمن حقهم ألا يطبقوه على ظاهرة معينة إلا بعد استنفاد جميع فرص التفسير الطبيعي لهذه الظاهرة. وإذا ما رضخوا

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)

في النهاية واعترفوا بمنشئها الإلهي المباشر يكون هذا الاعتراف آخر مطاف البحث وقرار العلم، بعد استنفاد جميع الوسائل الممكنة.
فلنبعد إذن من بحثنا الحجة التي يمكن استخلاصها من الإعجاز اللغوي في القرآن، والمؤيدة لمصدره الإلهي، ونتساءل عما إذا كان يمكن تفسير الأفكار التي يتضمنها القرآن بسبب آخر غير الوحي. والواقع أن بحوثا ودراسات كثيرة قد سلكت هذا السبيل في الماضي. ومما يشرف القرآن والسنة أنهما سجلا، بكل عناية وإنصاف، جميع الآراء التي أبداها معاصرو النبي صلى الله عليه وسلم، لتعليل هذه الظاهرة وتبريرها، وهي تشتمل على افتراضات لا تعتمد على الحلول الممكنة والمعقولة وحدها، وإنما تلجأ إلى كل مستحيل وغير معقول لا يتوانى أي عقل ساخر عن التعبير عنه للحط من شأن أي جديد، مهما كانت جديته وأهميته بالنسبة للبشرية. وهذا يجعلنا نقرر أن البحوث الحديثة في هذا المجال لا تعدو أن تكون زيادة أو تكرارا لنفس الكلام القديم وإن اختلفت في الشكل والأسلوب.
والغرض من هذا الجزء الثالث هو دراسة مختلف الحلول في شكلها الحاضر، وسنتبع في هذا الصدد الترتيب الزمني. فنقسم البحث إلى فصلين بحسب ما يكون الحديث عن المرحلة المكية أو المرحلة المدنية.
***

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)

‌‌الفصل الأول البحث عن مصدر القرآن في الفترة المكية
‌‌البيئة الوثنية: صورتان من حياة العرب في الجاهلية:
نحاول بأبسط الافتراضات أن نجد في بيئة الحجاز المحدودة - إن لم يكن في مسقط رأس الرسول صلى الله عليه وسلم جميع العناصر الضرورية لبناء الدعوة القرآنية. ومن هذه النظرة قدم لنا «إرنست رنان» نموذجا فريدا لحياة العرب قبل الإسلام. ففي مقال له عن «محمد ومصادر الإسلام»(1)، عرض لنا هذا العالم الفرنسي صورة رائعة للجزيرة العربية في القرن السادس بعد الميلاد. وبدلا من هذا الشعب المشرك الذي تعرفه الدنيا، وضع لنا شعبا آخر لم يعرف في حياته عن الله تعددا ولا تنوعا وإنما عرفه كإله واحد لم يلد ولم يولد (انظر صفحة 1070 - 1071) ولقد نجح «رنان» في إبراز الذوق الأدبي الرفيع لهذا الشعب، ونظرته الواقعية القوية، وفي إغفال سائر الصفات الأخرى التي لا تشرفه. فبدلا من هذه النزعة المادية الطاغية الفاسدة التي لا تلتفت إلى أي تفكير ينتمي إلى الحقائق السامية، رسم لنا مجتمعا في أوج حماسه الديني التقت فيه جميع الديانات وجميع الحضارات بالإضافة إلى أن الدين كان شغله الشاغل (صفحة 1089) وعلى هذا المنوال لا تعدو أن تكون رسالة محمد صلى الله عليه وسلم إلا امتدادا للحركة الدينية التي سادت في عصره دون أن يسبقها محمد صلى الله عليه وسلم في أي جديد (نفس الصفحة).
ولكن الصورة الحقيقية للحياة العربية في هذه الحقبة من الزمان، نجدها في القرآن ذاته، وتختلف عن ذلك كل الاختلاف. فلقد سبق أن رأينا كيف كان--------------------------------------------
(1) Revue des Deux Mondes،I 5 dec.I 85 I .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)

العرب يطمسون التوحيد الأولي تحت أركام من الخرافات والأساطير(1). وأما الجانب الخلقي والاجتماعي فلم يكن أسعد من ذلك حالا، فوأد الأطفال(2)، والبغاء(3)، وزنا المحارم(4)، وابتزاز المهور وإرث نساء الأقارب كرها(5)، وظلم اليتامي(6)، والجشع وإهمال الفقراء وازدراء الضعفاء(7)، كان هو الطابع الغالب.
بل ان المروءة العربية المشهورة كان القرآن يعتبرها عاطفة في غير موضعها، ملطخة بالرذيلة والفساد، إن لم تكن الفساد بعينه؛ فلم يكن الغرض منها سوى الإسراف والمباهاة(8).
وباختصار كانت حياتهم حياة (الضلال المبين)(9)، وزمانهم زمن «الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى»(10).
ولقد كانوا يحتفظون في عاداتهم ببعض الآثار من ديانة إبراهيم واسماعيل عليهما السلام مثل الحج، ولكن هذه الآثار ذاتها، كانت تختلط بأخطاء وأوهام كثيرة(11).--------------------------------------------
(1) انظر الفصل الأول من الجزء الثاني.
(2) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام: 140].
(3) وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً [النور: 33].
(4) وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ … حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ .. إلى آخرالآية [النساء: 22 - 23].
(5) لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ … وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً [النساء: 19 - 21].
(6) وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ [النساء: 127].
(7) كَلاّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا [الفجر: 17 - 20].
(8) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ [النساء: 38].
(9) وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الجمعة: 2].
(10) الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى [الأحزاب: 33] إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ [الفتح: 26].
(11) يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى [البقرة: 189] فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً [البقرة: 200].

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)