Arabic source text

📘 মাদখালু ইলাল কুরআনিল কারীম আরদুন তারিখি ওয়া তাহলিলুন মুকারান (মুহাম্মদ বিন আব্দুল্লাহ দ্রাজ - মৃত্যু 1377 হিজরী)

📘 مدخل إلى القرآن الكريم عرض تاريخي وتحليل مقارن (محمد بن عبد الله دراز - ت 1377 هـ)

📘 মাদখালু ইলাল কুরআনিল কারীম আরদুন তারিখি ওয়া তাহলিলুন মুকারান (মুহাম্মদ বিন আব্দুল্লাহ দ্রাজ - মৃত্যু 1377 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
‌‌الحنفاء:
وفي وسط هذه الجموع من الناس ذات الجهل المفضوح، كانت تتميز صفوة قليلة العدد تعرف في الأثر باسم «الحنفاء»، أي الثائرين على الرأي العام، والتي اعتمد عليها «رنان» ليصور لنا خصائص مجتمع العرب في هذا العصر. لقد كانت هذه الفئة عددا ضئيلا يعد على الأصابع، بينما جموع هذا الشعب الغفير لم تعر لوجود هذه الفئة أي اهتمام. وعلينا أن نرجع إلى أدب العصر الجاهلي لكي نستوثق من ذلك. فقد كان الحاضرون في سوق عكاظ لا يتناظرون في الدين، وإنما في المفاخر الدنيوية. وكانت كل قبيلة تستعرض عبقريتها الأدبية، ومغامراتها في الفروسية، ومفاخر الآباء والأجداد. ولا نكاد نجد أثرا للفكر الديني في أشهر القصائد المعروفة بالمعلقات الذهبية.
وبعد هذا كله، ماذا كانت دعوة هؤلاء «المصلحين» السابقين لمحمد؟ يقينا: لا شيء!! سوى أنهم أناس متمردون على عصرهم لأن إشراك مواطنيهم، وعاداتهم القاسية، وإباحيتهم، لم تكن لترضى عنه نفوسهم، فتطلعوا إلى دين صحيح ظاهر حاولوا التماسه خارج محيطهم ولم يكن عندهم عنه أية فكرة دقيقة قادرة على أن تنبئ عن دعوة القرآن ولو من بعيد. ولقد اعترف زيد بن عمرو بن نفيل - أكثر هذا الفريق حزما واستقلالا - أنه كان يجهل كيفية عبادة الله(1).
وكل ما كان يمكن استخلاصه من وجود هؤلاء الحنفاء، وهو ما صرح به رنان ذاته عن حق - إنه كان يوجد في ذلك الوقت «نوع من القلق والانتظار المبهم» الذي كان يتفاعل في «هذه النفوس الممتازة نتيجة مشاعر وتوقعات ورغبات غير محددة» (صفحة 1090). ومهما ردد الناس من عبارات: الله والدين والأنبياء والكتب والجنة في هذه المرحلة، فلم يكن لهذه الكلمات صدى في نفوسهم عن أية فكرة واضحة ومتميزة.--------------------------------------------
(1) سيرة ابن هشام المجلد الأول ص 144.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)

‌‌الصابئون:
واذا كان لا بد من الحديث عن الأنظمة الدينية المعروفة في ذلك الوقت في إطار البيئة التي ولد فيها الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن الحديث عن مذهب الصابئين أولى من الحديث عن الحنفاء. ويقصد بهذه الكلمة الواردة في القرآن(1) طائفة وثنية متميزة (صابئي حران الذي ينسبون أنفسهم إلى صابي بن سث، الذي كان يدّعي نشر تعاليم ديانة أبيه، وأنه كان عنده كتابها باللغة السريانية)؛ أو أنها طائفة يهودية مسيحية تسمى «الصابئة» (من مسيحيي يوحنا المعمداني)، أو أنها هي ذاتها الطائفة الوثنية الأولى التي كانت تنتحل هذا الإسم. المسألة محل خلاف؛ ولقد ذكر الفيومي هذا التفسير الأخير في قاموسه العربي (المصباح المنير). وعلى كل حال هناك اعتباران يقتضيان استبعاد التفسير الثاني، أولهما هو اختلاف أصل كلمة «صبأ» عن أصل «سبح» والثاني سكوت السنة والأثر عن مباديء الصابئة:
وهي الفيض والتجسيد على حين أن الأفكار الجوهرية والشعائر الأساسية للصابئين كانت معروفة وفندها القرآن والسنة. ولقد انتشرت بعض عادات هذا المذهب في قريش إلى درجة أنه يصعب عزلها عن الوثنية السائدة. وذلك مثل:
1 - تأليه الملائكة والكواكب وتأثيرها على الأحداث الأرضية(2).
2 - نصيب الأسد الذي كان يؤخذ من القرابين ليقدم إلى الآلهة الأقل في الدرجة بدلا من تقديمها إلى الله(3).
3 - عبارة الابتهال التي كانت تتضمن الشرك بالله وتستخدم في الحج(4) .... الخ.
وهناك بعض الشعائر الأخرى والعادات التي تتميز تماما عن كل من العادات الوثنية والإسلامية. فقد كان الحج عند الصابئين يتم بحران بالعراق، وليس حول--------------------------------------------
(1) سورة البقرة آية 62 وسورة المائدة آية 69 وسورة الحج آية 17.
(2) انظر البخاري كتاب المغازي باب غزوة الحديبية ج 8 ص 445، حيث ورد «مطرنا بنجم كذا».
(3 و 4)) انظر الفصل الأول من الجزء الثاني.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)

الكعبة؛ كم كانت قرابينهم تحرق تماما ولا يؤكل منها شيء(1)، وكانوا يحرمون تعدد الزوجات ولا يزاولون الختان(2). وكانت عباداتهم طقوسا يقصد بها الكواكب: فقد كانت تمارس ثلاث مرات يوميا، بحيث تتوافق تماما مع شروق الشمس والزوال والغروب، وذلك بما يخالف مواعيد الصلاة في الإسلام.
وهكذا نرى الوثنية التي كانت سائدة بالحجاز لا تقدم لنا تفسيرا سليما عن مصدر القرآن الكريم، سواء وصفت بالرّقة أو الخشونة، بالخرافات والشك، أو بروح النقد.

‌‌البيئة اليهودية والمسيحية:
لنترك إذن هذه الأوساط ونتجه ببحثنا إلى مكان آخر، فلعل البيئة اليهودية والمسيحية وقتئذ تلقي لنا بعض الضوء على هذا الموضوع.
وسوف لا نعول كثيرا على قصة الراهب بحيرى الواردة في الأثر، والتي تذكر أن محمدا صلى الله عليه وسلم قابله وهو في الثانية عشر من عمره عندما صاحب عمه أبا طالب في سفره إلى سوريا. فالصواب يمنعنا من الأخذ بهذه المقابلة العارضة، واعتبارها مصدرا لتعليم محمد صلى الله عليه وسلم، لأن الحادثة إما أنها أسطورية، أو أنه يتعين علينا أخذ كل الوقائع التى تذكرها في الحسبان. وحينئذ نجد أن القصة تذكر أن هذه المقابلة كانت في حضور جميع أفراد القافلة؛ وأن محمدا صلى الله عليه وسلم كان في دوره «مسؤولا» لا مستمعا، وبانتهاء الاستجواب خلص الراهب إلى نبوءة مضمونها توقع بعثة هذا الشاب رسولا في المستقبل. إن الفكرة إذن تفند نفسها(3).
هل يتعين علينا أن نتوقف لنبحث احتمالا آخر من نفس النوع؟ يقال إنه كان--------------------------------------------
(1) انظر «ملاحظات تاريخية ونقدية عن الإسلام» تأليف ج سال ص 30 - 31.
(2) دائرة المعارف الإسلامية (باللغة الفرنسية) مادة" Sabia '' .
(3) اقرأ مقال هوارت «بالجريدة الآسيوية» عدد يوليو اغسطس 1904 بعنوان «مصدر جديد للقرآن» حيث ورد ما يلي بالخاتمة «لا تسمح النصوص العربية التي عثر عليها ونشرت وبحثت منذ ذلك الوقت بأن نرى في الدور المسند إلى هذا الراهب السوري إلا مجرد قصة من نسج الخيال».

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)

يوجد في ضواحي مكة بعض أفراد من المغامرين الرومان، أو الزنوج الأحباش «بائعون للنبيذ»، أو «كادحون» يقطنون «الأحياء المنزوية»(1). ويقال أيضا «أن الإنجيل درس في الحانات لعقليات خام»(2). فهل كان التقاء محمد صلى الله عليه وسلم بالأفكار الدينية في هذه الأماكن؟ أنهم يتركوننا في الغموض والإبهام ولا يقدمون لنا وثيقة واحدة عن علاقات فعلية لمحمد صلى الله عليه وسلم من هذا النوع. وفي مواجهة هذا الغموض فإن لدينا عديدا من الأسباب تحول دون أن نأخذ مأخذ الجد إمكان وجود مثل هذه العلاقات بل حدوث تأثيرها:

‌‌رحلات الرسول صلى الله عليه وسلم ومشاهداته (فرضان لا يعول عليهما):
ففي المقام الأول نجد أن شواغل الرسول صلى الله عليه وسلم قبل بعثته كانت معروفة ومحددة.
إذ يقدم لنا التاريخ الثابت المؤكد هذه الشخصية وهي تتحرك على التوالي في أماكن ثلاثة: إما في الخلاء يرعى الأغنام، وإما في التجارة مسافرا مع القوافل وإما في المجتمع العام مع رؤساء القبائل. فلا خلقه ولا مولده ولا مشاغله. تجعلنا نتصوره يتردد على هذه البيئة الهابطة.
أما السبب الثاني فهو أنه لم يكن لهذه العلاقة أية جدوى. فهؤلاء المطمورون لم يكونوا يجهلون دينهم(3) فحسب ولكن بصفة خاصة - وهنا تتركز حجة القرآن - كانت لغتهم الأجنبية حاجزا طبيعيا أمام النبي صلى الله عليه وسلم(4).
وأخيرا إذا كان هذا المصدر صالحا بالفعل للأخذ عنه، ألم يكن طبيعيا وفي متناول معارضيه أن يلجأوا اليه ويحطموا به طموح محمد صلى الله عليه وسلم بدلا من أن يكلفوا أنفسهم عناء السفر إلى المدينة بحثا عن أسلحة علمية يوجهونها ضده كما سنرى؟--------------------------------------------
(1) انظر قانون الإسلام تأليف ماسيه ص 21.
(2) انظر مقال هوارت السابق ص 131.
(3) انظر لامنز «الإسلام» ص 28.
(4) لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [النحل: 103].

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)

‌‌الإتصال بالجموع المسيحية في سوريا:
إننا نفضل أن نتكلم عن بيئة أوسع دائرة وثقافة أغنى بحيث يمكن أن تكون أفكارها الدينية وطقوسها قد ساهمت في تكوين النظام الإسلامي. فقد رأينا أن محمدا صلى الله عليه وسلم في شبابه كان من وقت لآخر يسافر إلى سوريا في تجارته وربما إلى اليمن لنفس الغرض(1). ومن المعلوم أن الغساسنة بسوريا، وبني الحارث بنجران في اليمن، كانوا قد اعتنقوا المسيحية (فضلا عن وجود القبائل اليهودية بالمدينة وخيبر التي لم يتصل بها محمد صلى الله عليه وسلم إلا بعد الهجرة). فلماذا لا يكون هذا المسافر العربي - بما عرف عنه من ملاحظة ذكية واهتمام فطري بالمسائل الأخلاقية - قد تأثر بأخلاق وأفكار هذه المجتمعات التي تفوق في سموها ورقتها أخلاق قومه الخشنة التي كانت تثير حنقه؟.
كان هذا رأي «جولد سيهر» وآخرين. فلقد اعتقد هذا المفكر المجري أن مقارنة محمد صلى الله عليه وسلم لحياة قومه وتقاليدهم، بانطباعاته الحية التي اكتسبها من رحلاته العديدة قد أوجدت عنده الدفعة الأولى لنظامه الإصلاحي(2).
إلى أي حد سيساعدنا هذا الرأي في حل المشكلة؟ أولا هل دخل محمد في الأراضي المسيحية الحقيقية؟ بعض الكتاب يشكون في هذا نظرا لعدم وجود أية إشارة في القرآن عن المظاهر الخارجية للديانة المسيحية. بينما يتكلم بتوسع عن أعماق روح المسيحية الشرقية مما يتناقض تماما مع مسلك الشعراء العرب المعاصرين للرسول صلى الله عليه وسلم، والذين زاروا هذه البلاد(3). وهناك كتاب آخرون أكثر اقترابا من الحقيقة، إذ يؤكدون أن رحلات القوافل التجارية التي صاحبها الرسول صلى الله عليه وسلم لم نقده إلى أبعد من سوق (حباشا) بتهامة وغراش باليمن(4).--------------------------------------------
(1) رحلة الشتاء والصيف (قريش 2).
(2) «عقيدة الإسلام وتشريعه» ص 4.
Goldziher،Le Dogme et la Loi de l'Islam ،
(3) اندريه «محمد، حياته وعقيدته» ص 37 - 38.
T.Andrae،Mahomet،Sa vie et sa Doctrine .
(4) سبرنجر ذكره هوارت في المقال السابق ص 128
Sprenger،cite Par Huart Une Nouvelle Source du Koran،p .128

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)

ولنفرض أنه اتصل بالفعل بالمسيحية في ذلك الوقت، فهل كان سيجد ما يسره؟ لنستمع أولا إلى ملاحظات بعض الكتاب المسيحيين: يقول «ج. سال»:
إذا قرأنا التاريخ الكنسي بعناية، فسنرى أن العالم المسيحي قد تعرض منذ القرن الثالث لمسخ صورته، بسبب أطماع رجال الدين، والانشقاق بينهم، والخلافات على أتفه المسائل، والمشاجرات التي لا تنتهى، والتى كان الأنقسام يتزايد بشأنها.
وكان المسيحيون في تحفزهم لإرضاء شهواتهم واستخدام كل أنواع الخبث والحقد والقسوة .. قد انتهوا تقريبا إلى طرد المسيحية ذاتها من الوجود، بفعل جدالهم المستمر حول طريقة فهمها. وفي هذه العصور المظلمة بالذات ظهرت، بل وثبتت أغلب أنواع الخرافات والفساد .. ولقد وجدت الكنيسة الشرقية نفسها بعد مجمع «نيقيه» ممزقة بسبب الخلافات بين أنصار أريوس وسابليوس ونسطور ويوتيخيوس.
ولقد رأى رجال الدين أن يمنح ضباط الجيش بعض الحماية، وبهذه الحجة كان العدل يباع علنا مما شجع كل نوع من أنواع الفساد والرشوة. أما بالنسبة للكنيسة الغربية، فقد بلغ الخلاف بين دماز Damase وأرزيسيان Ursicien على كرسي الأسقفية بروما في شدته حد اللجوء إلى العنف والقتل. ولقد قامت هذه الإنشقاقات أساسا نتيجة أخطاء الأباطرة ولا سيما الأمبراطور قسطنس. وزادت حدة في ظل حكم جستنيان، الذي اعتقد أنه ليس هناك أي جرم في قتل أي رجل يخالفه في فهم العقيدة. هذا الفساد في الأخلاق وفي العقيدة الذي ساد بين الأمراء وبين رجال الدين، استتبع بالضرورة فساد الشعب عامة. حتى أصبح شغل الناس الشاغل على اختلافهم هو جمع المال بأية وسيلة مهما كانت لإنفاقه بعد ذلك في الترف والرذيلة(1).

‌‌وصف المسيحية في ذلك الوقت بمعرفة الكتاب المسيحيين:
ولقد كتب تايلور في كتابه «المسيحية القديمة» المجلد الأول صفحة 266 يقول--------------------------------------------
(1) انظر «ملاحظات عن الإسلام» ج. سال ص 68 - 71.
G،Sale،Observations sur le Mahometisme .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)

«إن ما قابله محمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه في كل اتجاه .. لم يكن إلا خرافات منفرة، ووثنية منحطة ومخجلة، ومذاهب كنسية مغرورة، وطقوسا دينية منحلة وصبيانية، بحيث شعر العرب ذوو العقول النيرة، بأنهم رسل من قبل الله، مكلفين بإصلاح ما ألمّ بالعالم من فساد .. » وعندما وصف راهب مورخ الآلام والعذاب والذي أوقعه الفرس بشعب فلسطين في زمن محمد صلى الله عليه وسلم لم يتردد في أن يقرر أن الله لم يصب المسيحيين هناك بقسوة الذنادقة الظلمة إلا بسبب ظلمهم وشرورهم. وعندما أراد «موشايم» Mosheim وصف هذا العصر، رسم صورة للمقارنة، أبرز فيها التعارض بين المسيحيين الأوائل والأواخر، وخرج بأن الديانة الحقيقية في القرن السابع كانت مدفونة تحت أكوام من الخرافات والأوهام السخيفة، حتى أنه لم يكن في مقدورها أن ترفع رأسها(1).
وكأن هذه الصفحات قد كتبت لتفسرالآية القرآنية الوجيزة من سورة المائدة {وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ}
[المائدة: 14]، فهذه الآية الكريمة تشير مجرد إشارة إلى البعد الذي كان بين المسيحية والمسيحيين في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وتعلن أن الإنشقاق الناتج من هذا البعد سيمتد إلى يوم القيامة.
فهل كان مسلك العرب الذين تنصروا أحسن حالا من مسلك المسيحيين أنفسهم؟ لا - فرغم تنصر قبائل العرب بسوريا في الجاهلية (الغساسنة)، احتفظوا بعاداتهم وتقاليدهم الوثنية القديمة(2). ولقد قال عليّ إن ما أخذه التغالبة من المسيحية لم يكن سوى شرب الخمر(3) ويقرر «هوارت» Huart في--------------------------------------------
(1) اسحق تيلور ذكره الدكتور سنكلير تسدال في «مصادر القرآن» باللغة الانجليزية ص 136 - 137.
Taylor،cite par Dr.Sinclair Tisdall،The sources of the Koran
(2) انظر مسايه «الإسلام» ص 17.
(3) انظر نولدكه في «تاريخ القرآن» باللغة الألمانية ص 10 وانظر أيضا تفسير الزمخشري لسورة المائدة الآية 5.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)

النهاية «مهما كان إغراء الفكرة التي تقول بأن تفكير المصلح الشاب (محمد) صلى الله عليه وسلم قد تأثر بقوة عندما شاهد تطبيق الديانة المسيحية بسوريا، فإنه يتحتم استبعادها. نظرا لضعف الوثائق والأسس التاريخية الصحيحة»(1).
هذا إذن هو المشهد الحي الذي يمتد أمام نظر المشاهد. فحيثما اتجه وجد ضلالا يحتاج إلى الهداية. وانحرافا يتطلب التقويم. ولن يجد أبدا نموذجا أخلاقيا ودينيا يصلح لأن ينقله محمد صلى الله عليه وسلم أو يبني عليه نظامه الإصلاحي. فلا شك أن المواد التي صادفها حتى الآن قد تجمعت في بناء يصلح للهدم، ولم يكن فيها ما يصلح ليقيم عليه بناءه الجديد.

‌‌الاتصال بالكتب المقدسة:
فلنوسع حقل البحث قليلا. إذ خارج العالم الملموس والمنظور، يوجد العالم المسموع، وبيئة الكتب والإطلاع. وإذا لم يصلح المثل والواقع، فقد يصلح الدرس.
ولكن من أين يأتي الدرس؟ ومن هو حامله؟.
إن أول إجابة تتبادر إلى الذهن في هذا المجال، هو أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد استخلص دروسه من مطالعاته المباشرة للكتب المقدسة القديمة سواء كانت مسيحية أو يهودية أو غيرها(2). ولكن هل كان محمد صلى الله عليه وسلم يعرف القراءة والكتابة؟

‌‌هل كان محمد صلى الله عليه وسلم يقرأ؟:
يجيب القرآن بالنفي؛ ويبرهن بأمية الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم على ربانية تعليمه. إنه لا يقرر فحسب أنه أمّي من شعب أمّي(3)، أي غير متعلم، وليس فقط كما يريد--------------------------------------------
(1) انظر هورات «مصدر جديد للقرآن» ص 129.
(2) لقد ذهب الدكتور س. تسدال إلى حد الإدعاء بأن بعض المبادئ الإسلامية مستقاة من الزرادشتية.
وخصص فصلا كاملا لعناصر هذا المذهب الذي يرى أنها موجودة في القرآن والسنة. ومن غير مناقشة مصدر أو حتى تشابه الأفكار التي أوردها تحت هذا العنوان، نلاحظ - فيما عدا فكرة «الحور» - أنها لا تنسب إلى القرآن، وإنما إلى بعض الأثر المشكوك فيه. إنها فكرة النور «نور محمد» وفكرة «عزرائيل» ملك الموت وفكرة «السراط» جسر جهنم … الخ.
(3) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ … [الأعراف: 157] وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [آل عمران: 164].

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)

«سبرنجر» أنه ينتمي إلى شعب وثني لم يتلق أي كتاب سماوي من قبل(1)، وإنما يؤكد، بصريح العبارة، أنه لم يسبق له أن قرأ كتابا قبل القرآن، أو كتب بيده: {وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} [العنكبوت: 48].
ولا شك أن معارضيه كانوا يعرفون فيه هذه الأمية جيدا، لأنهم عندما أرادوا تعليل المصدر الذي تلقى عنه أساطير العصور القديمة، لم يجرؤوا أن يقولوا «كتبها» وإنما قالوا «اِكْتَتَبَها» أي كتبها له غيره {وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} [الفرقان: 5] وهما عبارتان مختلفتان تمام الاختلاف، إلا أنه التبس معناهما على بعض المستشرقين(2).--------------------------------------------
(1) وهذا التفسير غير معقول في بعض المواضع، فضلا عن أنه يتعارض مع القرآن في مواضع أخرى، حيث تطبق كلمة «أمي» على اليهود غير المتعلمين وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاّ أَمانِيَّ [البقرة: 78] ومن جهة أخرى عندما يقرر الرسول صلى الله عليه وسلم أنه هو وقومه «أمة أمية» يفسرها بأنهم لا يقرأون ولا يحسبون (البخاري كتاب الصوم باب 13).
(2) انظر مثلا الكتاب السابق تأليف لوبلوا (ص 34). ولقد حاول هذا الكاتب - اقتداءا بغيره من الكتاب - أن يثبت العكس استنادا إلى رواية مضمونها أن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو على فراش الموت، طلب أن يؤتى إليه بما يكتب عليه وصيته بشأن الخلافة. ولكن هذه الحجة ليست كافية، لأن الرواية لا تقول إن الرسول صلى الله عليه وسلم كتب بالفعل، ولا ينبغي استخلاص شيء من أمر لم يتم، ولا سيما بالنسبة لإنسان في حالة احتضار.
ومن جهة أخرى، إن استعمال فعل «يكتب» بالنسبة للرؤساء والعظماء بوجه عام - ومن باب أولى بالنسبة لرئيس معروف بين أتباعه بأنه لم يستعمل القلم ولم يقرأ أبدا فيما مضى - معناه أن «يملي أو يضع خاتمه». وبناء على ذلك يستعمل الرواة عند الحديث عن مراسلات الرسول صلى الله عليه وسلم السياسية للملوك والحكام هذا الفعل بالمعنى السابق «كتب إلى فلان» أي بواسطة كتبته أو سكرتارييه. ونفس الموقف عندما قيل «بينما يكتب هو وسهيل إذ طلع .. الخ» وذلك في صلح الحديبية بينما الذي كان يكتب بالفعل هو علي بإملاء الرسول صلى الله عليه وسلم.
وهناك تعليل آخر حاولوا استنتاجه في حادث عرضى وقع أثناء هذا الصلح ذاته. إذ لما عنون علي الصلح وذكر فيه اسم الرسول صلى الله عليه وسلم «محمد رسول الله … » اعترض مندوب قريش بحجة أنه إذا كان يعلم أنه رسول الله لما قاتله - ونزولا على رغبة هذا المندوب أمر الرسول صلى الله عليه وسلم عليا باإلغاء هذا العنوان، ولكن الكاتب الورع لم يجرؤ على إجراء الشطب المطلوب، وعندئذ سأله الرسول صلى الله عليه وسلم عن مكان الكلمة المطلوب إلغاؤها وشطبها بيده. إلى هنا وليست هناك خلافات. إلا أنه توجد رواية صحيحة تضيف أن الرسول صلى الله عليه وسلم كتب محل الكلمة المشطوبة «محمد بن عبد الله» وهذه الإضافة تنسب في ظاهرها الكتابة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. وحتى على فرض أن هذا هو معني الرواية فليس هناك إشكال لأن القاعدة العامة تقتضى أن يكون إلحاق هذه الصفة بعبارة ذات معنى قطعي. ثم إن أي التباس ظاهري في المعنى توضحه وتبينه الروايات الأخرى التي تذكر أنه بعد إلغاء العنوان السابق بمعرفة الرسول صلى الله عليه وسلم استبدله بآخر. أما الإفادة من هذه النقطة الضيقة لإثبات معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم للكتابة فيعد نسيانا للواقعة التي تقول إنه لم يستدل -

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)

‌‌عدم وجود توراة باللغة العربية في تلك الفترة:
وحتى على فرض أنه كان يعرف القراءة، فقد كانت هناك عقبة يستحيل تذليلها، لأن في هذا الوقت، لم تكن قد وجدت بعد توراة ولا إنجيل باللغة العربية(1). ووجود هذه الوثائق بلغات أجنبية جعلها حكرا لبعض العلماء المتحدثين بأكثر من لغة الذين حفظوها بعناية، بل لقد وصفهم القرآن بالبخل بما عندهم من العلم، بحيث أنهم لم يكونوا يتنازلون عن بضع أوراق من التوراة إلا مع حرصهم على إخفاء الجزء الأكبر منها(2). وسوف يكشف القرآن فيما بعد فى المدينة، وسائلهم الأخرى لإخفاء العلم شفويا(3)، وتحريريا(4). وعلى كل حال لم ينبئنا التاريخ عن أي اتصال كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين وسط العلماء قبل الهجرة.
فطالما أن الكلام يدور في العموميات التي يصعب التحكم فيها، فلا شك أنه--------------------------------------------
(2) - على الكلمة المطلوب شطبها إلا بإرشاد الكاتب، ويعد أيضا إغفالا لما هو موضح في نفس المكان بأن إلتجاء الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الكاتب كان بسبب أنه «لا يحسن الكتابة».
ولكن اعتراف الرسول صلى الله عليه وسلم: «نحن أمة أمية؛ ما أنا بقارئ» ومسلكه طوال حياته وشهادة أتباعه، واعتراضات أعدائه، وتصريح القرآن المدوي، كل هذا يثبت بما لا يدع مجالا للشك، أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان «أميا». وكل محاولة غرضها إثبات العكس هي أضعف من أن تزعزع هذه الحقيقة. لأن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يكن يعيش على كوكب آخر، وحياته معروفة في أدق تفاصيلها وقومه ليسوا بهذه السذاجة. وإذا كان يعرف القراءة حقا، ألم يكن من المحتمل أن ينظر مرة إلى مراسلاته أو إلى المدون من القرآن أو يراجعها؟ ورغم غموض بعض الروايات استطاع «نلدكه» أن يخرج بالنتائج التالية (1) أن محمدا كان يعتبر نفسه أميا ولهذا كان يترك غيره يقرأ له القرآن ومراسلاته (2) أنه على أية حال لم يقرأ التوراة أو أي كتاب عظيم آخر (تاريخ القرآن الجزء الأول ص 16).
(1) انظر الكتاب السابق تأليف لوبلوا (ص 35) إلا أن الدكتور «جراف» Graf أكثر تأكيدا. فلم يظهر الكتاب المقدس باللغة العربية إلا بعد ذلك بقرون عديدة ولم تكن الحاجة ملحة لإنجيل باللغة العربية إلا في القرن التاسع والعاشر (مجلة «العالم الإسلامي» (باللغة الانجليزية) - إبرايل 1939، مقال «مس بادويك» Miss Padwick عن أصل الترجمات العربية … ) ورغم بحوثه المضنية في المكتبات المختلفة، يقول القس «شيدياك» بأنه لم يتمكن من الرجوع بتاريخ أقدم ترجمات العهد الجديد باللغة العربية إلى أبعد من القرن الحادي عشر (انظر شيدياك - دراسة عن الغزالي … الفصل السابع).
(2) تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً [الأنعام: 91].
(3) وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ [آل عمران: 78].
(4) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً [البقرة: 79].

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)

يمكن افتراض وجود مثل هذه العلاقة، وذلك بإتاحة الفرصة لكل حدس وخيال، أما عندما نطالب بالتحديد فإنه يحدث التناقض والتخبط في الحال(1).

‌‌الاقتباس من الشعراء ومن الفكر الشعبي:
ولكن إذا كان محمد صلى الله عليه وسلم لم يحصل على أفكاره الدينية لا من نصوص التوراة مباشرة ولا بفضل أي تعليم منهجي من العلماء ذوي الاختصاص، أليس من المحتمل أن يكون قد جمعها من بعض الشعراء العرب اليهود أو النصارى أو ما شابههم؟
نلاحظ أولا أن القرآن يوضح لنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يؤلف الشعر بوجه عام، بحيث اعتبره القرآن بالنسبة للرسول صلى الله عليه وسلم لهوا لا يليق بشخصه {وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ} [يس: 69] ونمر على هذه النقطة بسرعة، ونتساءل عن هذا التعليم الذي يمكن أن يخرج من هذا النوع من الأدب؟ وهنا نجد اتجاهين في الأدب الجاهلي: الأول وهو أن بعض الشعراء، مثل الأعشى، كان يهتم بوصف التقاليد والطقوس الكنسية. وهو ما لا نجد له أثرا في القرآن بل لقد كان اهتمام هؤلاء الشعراء ينصب أكثر على شرب الخمر، الذي سيوجه إليه القرآن ضربته القاضية بدلا من تحبيذه. فالقرآن لا ينتمي إذن إلى هذه الفئة. أما النوع الثاني من الشعر، فقد كان يكاد يتخصص تماما في الأفكار الدينية؛ وقصائد أمية بن أبى السلط أصلح نموذج لهذا النوع، حيث نقابل موضوعين أساسيين هما: وصف الحياة الأخروية، وقصص الديانات القديمة، وفي بعض المواضع بنفس عبارات القرآن.
فلماذا لا نرى هنا النموذج الذي أخذ عنه محمد صلى الله عليه وسلم؟.
وإذا حالف التوفيق محاولة إثبات هذه العلاقة، سيكون ذلك أهم اكتشاف علمي، يخفف عنا عبء التفسيرات الغيبية ولو جزئيا. وستكون نظرة الكتاب الذين اعتبروا شعر أمية الحلقة بين القرآن والتوراة(2). نظرة صائبة.--------------------------------------------
(1) انظر الفصل الثاني فيما بعد.
(2) انظر كتاب Das Leben und die Lehre des Moh ومؤلفه سبرنجر المجلد الأول ص 78 الذي أورده هوارت في مقال بعنوان «مصدر جديد للقرآن» ص 133.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)

ولكي نتمسك بهذه الحجة لا شك أن أول شرط يطلب إثباته أو طرحه هو صحة الشعر موضوع البحث. ولكننا لا ننوي أن نثير أي خلاف على هذه النقطة.
فإذا كان هناك بعض جامعي الشعر. مثل حماد وخلف الأحمر، قد اشتبه في أنهم لفقوا بعض الأشعار ونسبوها إلى القدماء بعد أن خلطوها بشعر هؤلاء، فإن تعميم هذا العمل المشبوه - بحيث يشكل كل الشعر العربي أو الجاهلي على الأقل - سيتضمن نوعا من المبالغة.
إلا أنه لا يكفي أن يكون النص صحيحا لكي يمكن اعتباره مصدرا للنص المشابه له، وإنما يجب أن يكون سابقا له في التاريخ. ولكن قضية أسبقية شعر أمية بالنسبة لآيات القرآن قضية مستحيلة الحل. لأن محمدا صلى الله عليه وسلم وأمية قد عاصر كل منهما الآخر، وهما أيضا من نفس العمر تقريبا، فضلا عن أن أمية عاش واستمر في قرض الشعر طوال ما يقرب من ثماني سنوات بعد نزول آخرآية من سور القرآن المكية التي يوجد تشابه بينها وبين شعر أمية. بحيث يكون من التعسف الادعاء بأن هذا الشعر كان سابقا للقرآن من حيث التاريخ.
ونضيف أن أمية لم يدّع الأصالة ولا الإلهام، بل إنه كثيرا ما عبر عن خيبة أمله وأسفه في هذا الشأن، مما يحملنا على الإعتقاد بأنه قد اندفع إلى التقليد بروح المنافسة وعلى عكس ذلك، لقد أعلن محمد صلى الله عليه وسلم على مسمع من جميع معاصريه بأنه لم يتلق علمه من بشر. ولنأخذ في اعتبارنا موقف خصوم النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموضوع. فلقد كانوا دائما على يقظة لأقل ثغرة ليوجهوا من خلالها ضربتهم، ويحولوها إلى سخرية واستهزاء. ألم يكن من الأيسر لهم أن يضعوا يده على مسروقاته المفضوحة من شعر أمية الذي لم يكن قد جف مداده، بدلا من أن يوجهوا حججهم في كل اتجاه، وأن يلجأوا إلى كل افتراض، وصل إلى حد وصم الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنون لتفسير ظاهرة القرآن العجيبة؟.
ومن هذا نخلص - إن لم يكن بتأكيد - فعلى الأقل باحتمال كبير، بأن القرآن هو الذي كان أساس الإنتاج الأدبي في عصر نزوله، كما كان يقينا أساسه في

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)

العصور التالية. ولا يضير فن الشعر في شيء أن نشكك في أصالة مصادره، بعكس ما قد يحدث إذا قلنا نفس الشيء عن مذهب ديني. لأن الشاعر لا يركز اهتمامه في الحقيقة التي يعلنها، بقدر ما يركزه في جمال القالب الذي يقدمها فيه، بغض النظر عن المصدر الذي يبحث فيه عن خاماته سواء في حكمة القدماء أو المعاصرين، في وقائع تجاربه، أو في الرأي العام، في أي شعور أو خيال، مهما كانت درجة هبوطه. ولقد أثبت نقد شعر أمية بصفة خاصة، أنه يرجع إلى عدة مصادر مختلفة - وهذا ما لاحظه هوارت - فعندما يتكلم الشاعر عن وصف النار يقلد أسلوب التوراة، وعندما يشرع في وصف الجنة يستخدم عبارات القرآن، وعندما يقص التاريخ الديني يلجأ أحيانا إلى الأسطورة الشعبية، وإلى ما يشبه الأساطير الميثولوجية (أو أساطير الآلهة اليونانية) حيث يتمثل الشخص أحيانا في صورة إنسان، وأحيانا في صورة حيوان أو نبات.
وتبقي أمامنا مرحلة أخيرة في مجال هذا التنقيب عن المصادر الطبيعية الخارجية للقرآن، ألا وهي: الأفكار الشعبية.
إننا لا ننوي أن ننفي عن محمد صلى الله عليه وسلم وهو في شبابه - أي نوع من العلم المنقول إليه بطريق السمع عن الأديان السابقة. فليس من المقبول عقلا الادعاء بأنه كان يعيش في عزلة تامة تجعله أجهل من شعبه في هذه النقطة. ويبدو لنا هذا الشعب من خلال القرآن الكريم وقد توفرت عنده بعض المعلومات عن الأديان السابقة، مما جعله يطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأتي بآيات ربانية تشبه الآيات التي جاء بها المرسلون من قبل(1)، ويعارض دعوة الوحدانية بما كان قد سمعه عن آخر الأديان المنزلة(2)، ويقارن ملة عيسى عليه السلام بعقيدة الوثنية(3)، ومن السهل--------------------------------------------
(1) فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ [الأنبياء: 5].
(2) ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ [سورة ص: 7].
(3) وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ. وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف: 57 - 58].

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)

أن نتصور أن بعض المعلومات الأخرى عن التوراة قد انتشرت بين طبقات الشعب العربي بفضل تلاقي هذه الأديان في الجزيرة العربية.
ولكن أسبابا كثيرة، تحول بيننا وبين أن نوسع من خيالنا في هذا الشأن منها:
أولا: عدم توفر الدعاية واختفاء الرؤساء الدينيين.
ثانيا: ندرة المعتنقين الجدد وتشتتهم - وبصفة خاصة - جهلهم.
ثالثا: اعتزاز العرب القدماء بجنسهم، وقلة اهتمامهم بالأمور التي لا تتعلق بمصالحهم المباشرة أو تاريخهم القومي.
رابعا: عدم وجود الموضوعات الدينية في أدبهم، فيما عدا بعض الاستثناءات القليلة. ومن الجدير بالملاحظة هنا، أن نرى أن الاهتمام - حتى من جانب الذين سافروا وتعلموا - كان ينحصر في أشياء أخرى غير الأمور الدينية. فعندما أراد «النضر بن الحارث» منافسة القصص القرآني، شرع يقص على مستمعيه أساطير ملوك فارس القدامى، ومغامرات أبطالها، مثل رستم واسفندار(1) … الخ، بدلا من قصص الأنبياء والمرسلين. وماذا كان ينشد النابغة الذبياني في شعره؟ يقول هوارت(2): تاريخ الملك سليمان. ومعني ذلك أن بريق ومظاهر حياة البذخ هي التي كانت تستهوي العرب وقتئذ.
وإزاء سكوت التاريخ عن الدرجة الفعلية للمعارف المدونة، التي كانت تتوفر عند هذا الشعب الأمّي الغافل، فكل ما نستطيع عقلا أن ننسبه إليه يجب ألا يتعدى بعض المعلومات المبهمة والبدائية التي لا تختلف عما سبق توضيحه، ولا تهدينا إلى مصدر الحقائق القرآنية، بما اتصفت به من اتساع ودقة وعمق. والواقع أن تصور هذا الشعب الذي كان في عصر «الجاهلية» على درجة من العلم تؤهله للمشاركة في العلوم التي اقتصرت معارفها على بعض العلماء المعدودين في ذلك--------------------------------------------
(1) سيرة ابن هشام المجلد الأول ص 183.
(2) المرجع السابق ص 131.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)

الوقت، تعد فكرة غريبة لا تستقيم مع الحقائق المقررة. فلم يسبق في أي عصر من عصور التاريخ، وعند أكثر الشعوب تحضرا وعلما، أن وجدنا مثل هذا الربط بين الجاهل وبين العالم المتخصص. فهذا الأخير وحده هو الذي يستطيع أن يتحدث عن «القنبلة الذرية» لأنه يعلم أسرارها، بينما الآخر لا يملك أكثر من ترديد اسمها دون أن يدري عن تركيبها شيئا. وكل هذا لا يعدو أن يكون تفكيرا مبنيا على الاستنتاج، لا يجوز الاعتماد عليه إلا في غياب الحقائق اليقينية، وإليك ما يقوله القرآن الكريم الذي لا يلتزم الصمت عن جدّة تعاليمه بالنسبة للعرب، بما فيهم النبي صلى الله عليه وسلم، ففي مواضع كثيرة لا يفوته - وهو يقص بعض قصص القرآن - أن يؤكد أن محمدا صلى الله عليه وسلم فضلا عن قومه - لم يكونوا يألفون أو يعلمون منها شيئا قبل نزول الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم(1)، فإذا كان الأمر على خلاف ذلك، ماذا كان ينتظر من أعداء الإسلام؟.
وحتى على فرض تسرب بعض التفاصيل إلى معارف العرب البدائية، هل كان يستطيع محمد صلى الله عليه وسلم أن يثق بكل بساطة في علم الجماهير، وهو الذي كان يقف مما يرويه العلماء موقف التحدي؟ ونظرا لأن الأفكار التي كانت رائجة في هذا المجتمع الديني الكبير لم يكن لها اتجاه واحد، بل كان لكل من المشركين والصابئين ورجال الدين والفرس واليهود والنصارى أسلوبهم الخاص في عرض الحقيقة! ففي أي فريق من هؤلاء كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستطيع أن يضع ثقته؟ وعلى أي دعوة من هذه المتناقضات يعتمد؟ وهب أنه حرص على أن يقص علينا عقيدة كل طائفة، وكل مذهب، وكل فرع، من تلك المذاهب المعاصرة، فأي خليط مخيف كنا--------------------------------------------
(1) ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [آل عمران: 44] تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا [هود: 49] نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ [يوسف: 3] ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ [يوسف: 102].

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)

سنجده في القرآن(1).

‌‌تأملاته الفكرية الشخصية:
وهنا يتعين علينا إدخال عامل جديد ألا وهو العامل الشخصي.
فقد يظن أن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في فترات تعبده في حراء قبيل نزول الوحي، بل وهو في خلوته عندما كان يرعى الغنم فى شبابه - كان ينطلق في تأملاته العميقة باحثا عن نوع الحقيقة في هذا الموضوع أو ذاك، وبعد إتمام بحثه يقوم بالإختيار والتحديد.
وهنا يجدر بنا التمييز بين مجالين من مجالات المعرفة الإنسانية، ألا وهما المعرفة الإمبيريفية (المنبعثة من الحياة اليومية) والمعرفة العقلية. فالتاريخ الإنساني لا يخضع لمنطقنا لأنه قد يشتمل على أحداث تتعارض مع ما يقبله العقل، فلا يستطيع محمد صلى الله عليه وسلم بانطوائه على نفسه أن يكتشف حادثا ما وقع في تاريخ ما من الزمان الغابر. ولهذا تتركز الجهود على المقارنة بين القصص الديني في القرآن، وبينه في الكتب المنزلة السابقة للبحث عن الطريقة التي نتج عنها هذا التوافق العجيب.

‌‌ثمار تأملاته الشخصية:
ولكن إذا كانت التأملات العقلية غير ذات جدوى في مجال الأحداث الواقعية، فإنها بلا أدنى شك تكون ذات قيمة عظيمة في مجال الكشف عن الحقائق الخالدة. فما هي حدود العقل الصافي المجرد في مادة الدين؟ إنها ضيقة بلا شك لأن العقل في مقدوره أن يثبت لنا ضلال الوثنية والخرافات وفراغها وعدم جدواها ولكن متى أزاح من طريقه هذه الخزعبلات، فماذا يبني مكانها؟ فليست هناك دعوة أو مذهب أو نظرية تنبنى على حقائق سلبية. ومن الأرجح أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد وجد نفسه - وهو في هذه المرحلة - في موقف الحنفاء، أي قلقا وحزينا، وهو--------------------------------------------
(1) وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء: 82].

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)

الحال الذي يرسمه لنا القرآن عن صورته قبيل نزول الوحي عليه: لقد كان حزينا وكأنه يئن تحت حمل ثقيل(1).
ولنفرض أن اجتياز مرحلة البحث الأولى كان سريعا، وأن اكتشاف الحقيقة الجوهرية كان سهلا أو حدث في وقت مبكر. ولكن معرفة الله سبحانه وتعالى ليست هي كل العلم الديني الموجود في القرآن، والطريق الموصل إلى هذا العلم طويل ومتعثر إن لم يكن مغلقا ومسدودا أمام عقل الإنسان في حالة اعتماده على إمكانياته المحدودة. بأي إلهام إذن استطاع محمد صلى الله عليه وسلم أن يكتشف صفات الله العديدة، وأسمائه الحسنى، وعلاقة الله بالكون المنظور وغير المنظور، والمصير الذي ينتظر الإنسان بعد الموت … ومن غير أن يتراجع في حقيقة سبق أن أعلنها، ومع احتفاظه في نفس الوقت بتوافقه العجيب مع حقائق الكتب السماوية السابقة والمحفوظة بعناية تحت يد العلماء؟ لا شك أن العقل مهما بلغ من الصفاء والقوة لا يستطيع أن يخطو خطوة واحدة في هذا السبيل بمثل هذه الثقة وهذا الوضوح ما لم يكن له عون ومدد من تعاليم ايجابية خارج نطاق البشر. والقرآن يؤكد هذا في تلك النقطة التي تشغلنا، ويقرر أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يكن يدري قبل نزول الوحي عليه {مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ} [الشورى: 52]، وذلك بصرف النظر عن البناء التشريعي بمظاهره المختلفة، الأخلاقي منها والاجتماعي والتعبدي. كيف نعبد الله؟ ما هي قاعدة السلوك المثلى للفرد والمجتمع والإنسانية؟ لقد كان محمد صلى الله عليه وسلم يجهل كل ذلك فهل كان في استطاعته هداية غيره، بينما كان عاجزا عن هداية نفسه في أمور دينه؟(2).--------------------------------------------
(1) أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ. وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ. الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ [الإنشراح: 1 - 3].
(2) وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى [الضحى: 7].

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)

‌‌الفصل الثاني البحث عن مصدر القرآن في الفترة المدنية
‌‌هل أثر إنتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بيئة جديدة واتصاله بأهل الكتاب في سلوكه ومصدر علمه؟
بعد أن جبنا الآفاق المكية في عجل، وتوصلنا إلى نتيجة سلبية أينما بحثنا، كان أجدر بنا أن نصدر حكمنا الآن لو لم يطرأ أي تغيير على مسيرة النبوة المباركة.
ونظرا لأننا لم نقابل هذا التعبير في بداية الفترة المكية، فقد بحثنا هذه الفترة ككل، من غير تمييز بين ما كان قبل أو بعد نزول الوحي. ولما كنا بصدد البحث عن مصدر بشري للقرآن، فقد تعيّن علينا فيما تقدم - وينبغي علينا هنا - أن نبعد عن مجال البحث ظاهرة الوحي، فإذا أبعدنا هذه الظاهرة - نستطيع أن نقرر - أنه طوال نصف مدة الرسالة المحمدية، أي خلال مدة إقامته بمكة، بقيت جميع الظروف البيئية بدون تغيير بينما مالت احتمالات حصوله على تعليم خارجي إلى الضعف ومنذ أن أعلن محمد عليه السلام دعوته، دخل التاريخ من أوسع أبوابه، ثم بدأت تعد عليه خطواته تدريجيا وتحسب عليه اتصالاته، ثم باطراد زيادة المعارضة والاضطهاد، زاد استقلاله وإيمانه، وارتفع شأن دعوته.
وعليه فنظرا لضعف احتمال وجود أي مصدر يصلح استخدامه في الفترة المكية، بل انعدام هذا المصدر، فإن الإتجاه الآن يزداد أكثر فأكثر نحو استبعاد الفرض القائل بتلقي محمد صلى الله عليه وسلم لتعليم بشرى فيما قبل الهجرة.

‌‌تغيير الموطن:
ولكن تغييرا عظيما قد طرأ في الواقع مع الهجرة على وجه التحديد. فمن بيئة وثنية جاهلة عنيدة، انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى جو مرحب ودود، يحوطه فيه أتباعه الأقوياء المخلصون. وهو منذ ذلك الحين على اتصال بطائفة منظمة دينيا، ولها

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)

كتابها المقدس ألا وهم يهود المدينة فهلا نجد في هذا العهد الجديد، وهذا الوسط الجديد، فرصة سانحة لعقد بحوث تاريخية، وإجراء تقريب بين المبادئ المتجاورة؟
لنستعرض أولا الموقف عموما بالنسبة لروح القرآن من اليهود، ويمكننا أن نرجع إلى الفترة السابقة على الهجرة، لكي نرى ما إذا كان القرآن يعتبر المجتمع الجديد مثلا صادقا للفضيلة المنزلة من عند الله، وبالتالي جديرا بالإتباع والتأسي.

‌‌أخلاق اليهود في نظر القرآن:
من الغريب أن نلاحظ هذا التعارض الصارخ بين موقف القرآن الدائم من المجتمع اليهودي، وموقفه من المجتمع المسيحي، فعندما يتكلم عن المسيحيين بصفة خاصة، نجده إذا لم يثني عليهم(1) فعلى الأقل يوجه إليهم بعض اللوم في لهجة مخففة نسبيا(2) ولكن الأمر ليس كذلك عندما يتحدث إلى اليهود في ذلك العصر، أو إلى أهل الكتاب عموما، فهم - في نظر القرآن - أناس لا يتبعون ما أنزل إليهم، وإنما يتبعون إلهام الشياطين(3) وعندما ألمح إلى ما أوقعه يهود اليمن في الماضي من تعذيب المسيحيين بنار الأخدود، انضم القرآن إلى صف المسيحيين واعتبر هذه الجريمة تآمرا مع سبق الإصرار على الإيمان الحق(4).
وعند ما انتقل القرآن إلى المدينة بعد ذلك احتفظ بموقفه وعدّد إدانتهم. فالذين تلقوا التوراة وحفظوا نصوصها لا يراعونها بإخلاص(5)، وهم يتعاملون بالربا، ويلجأون إلى حيل مختلفة لأكل أموال الناس بالباطل(6). واعتمادا على بعض--------------------------------------------
(1) وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى [المائدة: 82].
(2) وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ [المائدة: 14].
(3) تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [النحل: 63].
(4) قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ [البروح: 4، والآيات التالية].
(5) مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً [الجمعة: 5].
(6) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ [النساء: 161].

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)

الأماني والأوهام، يستبيحون الرشوة والكذب(1) ويعتقدون أنه ليس عليهم حساب بشأن الطوائف الأخرى، ولا التزام بالعدل(2) في معاملاتهم معهم.

‌‌المعارضة الشعبية لنظامين مدنيين:
أليس من الغريب أن نفترض أن هذا الشعب الذي يقف القرآن منه هذا الموقف، ويحكم عليه هذا الحكم الصارم، يمكن أن يكون نموذجا يحتذي به محمد صلى الله عليه وسلم ومصدرا لتعاليمه؟ مهما بلغ من تعارض هذا الافتراض مع المنطق. فإن ذلك لا يمنع من بحثه ودراسته فقد تكذب الوقائع أي حكم جزافي مسبق. ولهذا علينا أن نتقبل بالترحيب أي بحث جدّي يكون غرضه كشف أي جانب مجهول من الحقيقة. وإن شك ديكارت المنهجي في نظرنا مبدأ صالح ولا غنى عنه سواء في مجال الإيمان أو في مجال العلم؛ فماذا يفيد بناء الإيمان على رمال متحركة؟ فالأخطاء والأحكام المتحيزة، أمام الضمير المخلص، هما العدو الأول الجدير بالمطاردة حتى عند بحث الحقائق التي تبدو كما لو كانت البراهين قد أجمعت على صحتها.
فعندما نرى القمر يغيّر منازله بحسب موقعه من الشمس، نحكم عن معرفة، بأنه يتلقى نوره من الشمس. ألا يتعين علينا أن نحكم نفس الحكم عندما نرى أن ما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم يتطور ويتعدل ويتراجع بحسب اتصاله مع المجتمع المدني المزود بالعلم؟ هذا هو ما حاول بعض الكتاب الأوروبيين إثباته.

‌‌الحرب وتعدد الزوجات:
ومن غير أن نبعد كثيرا، فقد تأثر أغلبهم بمظهرين عامين وجدوهما متعارضين مع ربانية الرسالة. وتتركز أكبر حججهم في موقف الرسول صلى الله عليه وسلم المعادي الذي--------------------------------------------
(1) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً [البقرة: 79 - والآية التالية].
(2) وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران: 75].

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)