Arabic source text

📘 আসারুল ঈমান ফী তাহসীনিল উম্মাতিল ইসলামিয়্যাহ দিদ্দাল আফকারিল হাদামাহ (عبدুল্লাহ ইবনে আব্দুর রহমান আল-জারবু)

📘 أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة (عبد الله بن عبد الرحمن الجربوع)

📘 আসারুল ঈমান ফী তাহসীনিল উম্মাতিল ইসলামিয়্যাহ দিদ্দাল আফকারিল হাদামাহ (عبدুল্লাহ ইবনে আব্দুর রহমান আল-জারবু)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
‌‌‌‌الباب الثالث: أثر الإيمان في تحصين المجتمع المسلم ضد الأفكار الهدامة " الأثر الإجتماعي "
*

لقد خلق الله الإنسان لعبادته، فالعبودية هي المقصد الأهم، والمحور الذي يجب أن تدور حوله وتنطلق منه جميع أعماله ومعاملاته واهتماماته ومقاصده.
والإسلام عندما بيّن جميع نواحي العبادة، وما يتصل بها، لم يتجاهل كون الإنسان اجتماعياً بطبعه، وما للمجتمع الذي يعيش فيه من تأثير على نفسه وتفكيره وسلوكه.
ومن أجل ذلك جاء الإسلام بالأسس المتكاملة، وهي النّظام الذي يقوم عليه المجتمع المسلم، وهو نظام يمتاز بالشمول والواقعيّة، ويضمن سير الحياة فيه على وجه يحقق العدل والأمن والحياة الكريمة لكافّة أفراده، كما يمنحهم الفرصة بالمشاركة في التنمية الحضارية، مما يدفع المجتمع إلى مستوى رفيع من الإنتاج الاقتصاديّ والزراعيّ والتجاريّ والصناعيّ، وفي كافة المجالات.
وبهذا يحصل التّوازن في سعي النّاس في المجتمع المسلم بين قيامهم بمتطلبات العبودية التي من أجلها خلقوا، وبين كدحهم في استثمار واستغلال ما سخّره الله لهم على الأرض طلباً للرزق ومتطلبات الحياة.
وهم في سيرهم في كلا الأمرين يُحكمون بمنهج ونظام رباني يسترشدون به في كل ما يأتون أو يذرون، فيأخذ بأيديهم إلى الصراط المستقيم، ويباعدهم عن سبل الضلال وظلمات الجاهلية.
والحق أن المجتمع المسلم بتعاليمه وشرائعه، وقيمه وأنظمته،

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 541)

وضوابطه، وكوابحه حصن متين يتحصن به المسلمون من خصائص الجاهلية، وأفكارها الضالة وشرائع الطاغوت، وهذا الحصن مكوّن من دعامات وسدود يقوم كل منها بسد ثغرة يحتمل تسلل الفساد من خلالها إلى قلب المجتمع المسلم.
وبقدر صلابة وتماسك هذه الدعامات، تكون قوة وتماسك الحصن الاجتماعي، وإذا ضعفت فتحت فيه ثغرات يتسلل منها الضلال الفكري والسلوكي إلى جسد الأمة، فيضعف المجتمع وتنخر فيه عوامل الفساد.
وهذا الأثر العظيم للمجتمع المؤمن -وهو كونه حصناً لأفراده- يفسر بعض جوانب الحكمة في عناية الشارع بإقامة المجتمع المسلم، وتنظيمه، والتأكيد على وجوب لزوم جماعة المسلمين، وإيجاب الهجرة إلى بلاد الإسلام، والنهي عن مساكنة المشركين والإقامة بينهم، والسفر إلى بلادهم بغير حاجة شرعية.
فالإسلام يحتّم على أتباعه الانضمام إلى المجتمع المسلم ليصطبغوا بصبغته ويسايروا تعاليمه، ويوالوا أهله، ويحكموا بنظامه، ويحتموا بحماه من شرور الجاهليات والأفكار المضللات.
قال سيد قطب رحمه الله مبيناً أهم الأسس التي يقوم عليها المجتمع المسلم: "والحضارة الإسلامية يمكن أن تتخذ أشكالاً متنوعة في تركيبها العادي والتشكيلي، ولكن الأصول والقيم التي تقوم عليها ثابتة، لأنها هي مقومات هذه الحضارة: العبودية لله وحده، والتجمّع على

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 542)

آصرة العقيدة فيه، واستعلاء إنسانية الإنسان على المادة، وسيادة القيم الإنسانية التي تنمّي إنسانية الإنسان لا حيوانيته.. وحرمة الأسرة، والخلافة في الأرض على عهد الله وشرطه … وتحكيم منهج الله وشريعته وحدها في شؤون هذه الخلافة "1.
فالإسلام بإقراره هذه الأسس يقدم للناس المجتمع المتحضر حقاً، الذي يشعر فيه الإنسان بإنسانيته وتكريم الله له، ويحس بسموّ هدفه، وإثمار سعيه في عبوديته: ولاية الله في الدنيا، والفوز بالجنة في الآخرة، ويرى ثمرة كدحه في شؤون دنياه: تقدماً علمياً وصناعياً وزراعياً وتجارياً واجتماعياً.
ويولي الإسلام هذه الأسس عناية خاصة لما لها من الأهمية في استقرار المجتمع المسلم، وتحصينه وسلامته من المؤثرات الجاهلية، وتتجلى هذه العناية بدقّة البيان لتفاصيل كلّ منها، وبالتشديد على إقامتها والتحذير من الإخلال بشيء منها.
وبقدر اهتمام الإسلام بتوطيد هذه الأسس، يعمل أعداء الإسلام جاهدين على زعزعتها وإضعافها، ليسهل عليهم التوغل في المجتمع المسلم والإفساد فيه.
قال سيد قطب رحمه الله في معرض كلامه عن جانب من--------------------------------------------
1 معالم في الطريق ص132.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 543)

جوانب الفكر الهدام وأثره على أسس المجتمع المسلم: "وإذا تقرر أن مناهج الفكر الغربي، ونتائج هذا الفكر في كل حقول المعرفة، يقوم على أساس تلك الرواسب المسممة بالعداء لأصل التطور الديني جملة، فإن تلك المناهج، وهذا النتاج أشد عداء للتصور الإسلامي خاصة، لأنه يتعمد هذا العداء بصفة خاصة، ويتحرى في حالات كثيرة -في خطة متعمدة- تمييع العقيدة والتصور والمفهومات الإسلامية، ثم تحطيم الأسس التي يقوم عليها تميّز المجتمع المسلم في كل مقوماته"1.
وهذه الأسس -كما تقدم- تشكل حصناً منيعاً للمجتمع إذا طبقت على الوجه الصحيح.
فالمؤمنون في مجتمعهم يحاطون بأسوار إيمانية تحميهم من الأخطار الداخلية والخارجية، وهذه الأسوار يؤثر بعضها في بعض، فإذا انهدم سور منها أو اختل انهدم أو اختل سور آخر قائم عليه أو متأثر به.
ويمكن حصر هذه الأسوار الإيمانية في ثلاث مجموعات:
المجموعة الأولى: ما يتعلق بالرابطة الإيمانية التي تشد أفراد المجتمع بعضهم إلى بعض، بالشعور المشترك بالعبودية لله وحده، والتجمع على آصرة الأخوة فيه، وعلى العمل لنشره والدفاع عنه، وما يتصل بذلك من الأخلاق الفاضلة الجالبة للمحبة والتراحم والتلاحم،--------------------------------------------
1 المصدر السابق ص148.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 544)

والتعاون على البر والتقوى، وما يلزم لاستمرارها وازديادها من وجود نظام متكامل يتمثل بتعاليم الإسلام وشرائعه وحدوده وضوابطه التي تنظم العلاقات والمعاملات وسائر جوانب الحياة على وضع يحقق العدالة، ويعمق المودة، ويُعرِّف كلاً بما له من حق وما عليه من واجب.
ويتصل بذلك نظام الردع المتمثل بالحدود والعقوبات الأخرى المانعة من ظهور الفساد في المجتمع المسلم وانتشاره، ونظام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي بقيامه يضمن المجتمع المسلم سير جميع أموره سيراً صحيحاً على منهج الله ويكون واعياً متيقظاً لكل طارئ غريب فكريّ أو سلوكيّ يحاول التسلل إلى المجتمع.
المجموعة الثانية: ما يتعلق بقيام الدولة وعلى رأسها ولي الأمر وأعوانه من الوزراء والأمراء والقضاة بما عليهم من واجب تنفيذ الدين والدفاع عنه.
المجموعة الثالثة: ما يتعلق بوضع الدولة المتمكن في الأرض ومنزلتها المهيبة بين الأمم، وما له من الأثر في استقرارها الداخلي وحصانتها الفكرية وذلك يرجع إلى أخذها بأسباب القوة والإعداد للجهاد وإقامته. هذا وسوف أفرد لكل منها فصلاً مستقلاً أبيّن فيه -إن شاء الله- أثرها في تحصين المجتمع المسلم ضد الشرور عامة والفكرية منها خاصة. والله المستعان.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 545)

‌‌‌‌الفصل الأول: أثر الرابطة الإيمانية والأخلاق والنظم الإسلامية في صيانة المجتمع المسلم من الانحراف الفكري
*

إن المجتمع الإسلامي -كغيره من المجتمعات- يتكون من السلطان ورجال دولته، ومن أفراد المجتمع. وصلاح المجتمع يكون بصلاح كلا الفريقين وقيام كل منهما بدوره في نصرة الإسلام تنفيذاً ودفاعاً. وسوف يجري الكلام على دور الإمام في حصانة المجتمع في الفصل القادم، إن شاء الله.
أما في هذا الفصل فيجري الكلام -بعون الله تعالى- على أهم الأمور التي تكفل قيام أفراد المجتمع بدورهم في حصانة المجتمع وقوة جبهته الداخلية والعوامل التي تضمن تلاحمهم وتراحمهم وتعاونهم، وقد أجملتها في أمرين:
الأول: المحافظة على الرابطة الإيمانية والعمل على تنميتها.
ويتم تحقيق ذلك بما يلي:
1- الالتزام بالأخلاق الفاضلة.
2- أداء الحقوق المفروضة لبعضهم على بعض.
3- الالتزام بالنظام الاجتماعي والاقتصادي الإسلامي.
4- المحافظة على الوحدة الفكرية.
الثاني: العمل على سلامة مقومات المجتمع المسلم.
ويتحقق ذلك بالتواصي بالحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على ذلك.
وسوف أفرد لكل منهما مبحثاً مستقلاً أبين فيه أثره في حصانة المجتمع المسلم من الشرور الفكرية وغيرها، والله المستعان.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 549)

‌‌‌‌المبحث الأول: أثر المحافظة على الرابطة الإيمانية في الحصانة الفكرية
إن لكل مجتمع إنساني خصائص تميزه عن غيره، وروابط تشد بين أفراده، ومقومات تحكم تعاملهم مع بعضهم ومع غيرهم في المجتمعات الأخرى.
ويتوقف على حظ المقومات والروابط من الصلاح والتناسق، قوة المجتمع وصلاحه من عدمها.
وقد وردت تعاريف كثيرة لمصطلح المجتمع الإنساني، وكل من هذه التعاريف يتناول جانباً من جوانب المجتمع وخواصه الرئيسية كالعلاقات الاجتماعية، أو النظم والضوابط السلوكية، أو التجمع والتفاعل الإنساني، أو البقعة الجغرافية التي يعيش عليها الأفراد والجماعات، أو اللغة والتاريخ أو العادات والتقاليد والأهداف المشتركة التي يؤمن بها أبناؤه وهكذا1.
ورابطة الدم والعقيدة هي أقوى الروابط التي يجتمع عليها أفراد المجتمعات الإنسانية، أما الوطن فهو البقعة الجغرافية التي تقيم عليها تلك الجماعة ويشكل الحنين والولاء له رابطة تشد أبناء الوطن بعضهم إلى--------------------------------------------
1 انظر: دراسات في المجتمع العربي، تأليف نخبة من أساتذة الجامعات، الفصل الأول بعنوان: المجتمع الإنساني طبيعته ومقوماته، د. حسان محمد الحسن ص17.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 551)

بعض، كما أن المصالح المشتركة تكون في كثير من الأحيان رابطة يجتمع عليها الناس.
ويعتبر المجتمع متماسكاً قوياً إذا كانت الرابطة بين أفراده قوية والتزامهم بها شعوراً وولاء قوياً.
لكن تماسك المجتمع وقوته لا تعني أنه يسير على الحق والهدى والصراط المستقيم، ذلك أن القوة غير الهداية وإنما تمام الأمر أن تقترن القوة بالهداية، فتكون القوة مجندة لنشر الحق والدفاع عنه، والحق موجهاً للقوة.
وعلى هذا فالمجتمع السليم المهتدي هو الذي يسير على الهدى الذي جاء به الوحي المطهر النازل على أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه عليهم.
ذلك المجتمع هو: الذي ربط بين أعضائه رباط الإيمان وشدهم التوحيد والشعور بالانتماء إليه، وبمسئولية نشره والدفاع عنه، وقَوِيَ ولاؤهم جميعاً له، واتّحدت أهدافهم التي يؤمّلونها في الدنيا والآخرة، وحُكِموا جميعاً بنظامه وشرعه، وتعاملوا بأخلاقه والحقوق التي أوجبها لكل منهم.
ولذلك فإن الرابطة الإيمانية هي أهم الأسس التي يقوم عليها المجتمع المسلم، وبالتالي فهي أهم وأقوى الحصون التي تحصن المجتمع من كيد أعدائه وأفكارهم المسمومة، وتخطيطاتهم الخبيثة.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 552)

وبهذا يكون الإسلام قد أبطل جميع الاعتبارات -غير رابطة الأخوة الإيمانية- أن تتخذ رابطة ولاء كرابطة ولاء وأخوة وتناصر، وأبقاها روابط تعارف وتراحم، تعتبر في الأنساب وبعض الأحكام الشرعية كالدية التي تكون على العاقلة، وولايات التزويج، والميراث ونحو ذلك.
قال الدكتور مصطفى عبد الواحد: "الأساس الأول الذي يشيد عليه الإسلام بناءه الاجتماعي هو الأخوة بين أفراده جميعاً … فمن الطبيعي وهو مجتمع يقوم على عقيدة تجمع بين أبنائه أن يجعل منها رابطة قوية تشد كل المسلمين وتؤلف بين قلوبهم.
إنه يجعل تلك الأخوة علاقة حقيقية تزيد على علاقة الدم والنسب، وتفضلها، وقد كان الإسلام بذلك أول من أقام مجتمعاً على أساس رابطة روحية يجعل لها الاعتبار الأول، ويعتمد عليها في تقرير الحقوق والواجبات. إن بين المؤمنين رباطاً روحياً يتمثل في إيمانهم بإله واحد، واعتقداهم بغاية واحدة للحياة ومصير واحد، ومن أجل ذلك فهم أخوة … هكذا يقرر القرآن الكريم: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة} [الحجرات:10] .
وهذا الرباط من القوة والأصالة بحيث جُعل أساساً يتجمع حوله المسلمون دون اعتبار لما تواضع عليه البشر أزماناً طويلة، فلا اعتبار -في المجتمع الإسلامي- للنسب وشرفه، فقد وضع الإسلام عن الناس وزر التفاخر بالأنساب والتعصب لها …

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 553)

ولا اعتبار للجنس، فالإسلام يرفض أن يفترق الناس أجناساً مختلفة، وأن تفصل بينهم فواصل من صنع أيديهم.
ولهذا فقد احتضن المجتمع الإسلامي أول المسلمين من كل جنس، ولم يجد الحبشي أو الفارسي أو الرومي حائلاً يمنعهم من الانتساب لهذا المجتمع، بل والتصدر فيه.
وقد كانت الأخوة نوعاً جديداً من العلاقات لم يعهده المجتمع العربي قبل الإسلام، إذ كان ذلك المجتمع يقوم على رباط النسب والجنس، فجاء الإسلام ليجعل الترابط في مجتمعه على ذلك الأساس الروحي والفكري من وحدة العقيدة ووحدة الغاية، متخطياً في ذلك الروابط التي تحمل في طيّاتها عوامل التفكك وبذور الانهيار … "1.
وقد قرر الله هذه الرابطة والأخوة الإيمانية بقوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10] .
قال ابن كثير رحمه الله: "أي الجميع إخوة في الدين"2.
والأخوة من مدلولها معنى التقارب والمحبة والتراحم، والتعاون--------------------------------------------
1 المجتمع الإسلامي، أهدافه ودعائمه أوضاعه وخصائصه، في ضوء الكتاب والسنة، د. مصطفى عبد الواحد ص44، 45 مطبعة دار التأليف، مصر، ط: الأولى 1389هـ.
2 تفسير القرآن العظيم، ط: الشعب، 8/355.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 554)

والمناصرة، وهذه الأمور ثمرات الإيمان، نابعة منه ودالة عليه ولا يمكن أن يوجد بدونها، قال صلى الله عليه وسلم مبيناً الترابط الوثيق بين الحب والإيمان: " والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم "1.
ولا يجوز أن يبقى بين المسلمين ما يعكر صفو هذه الأخوة، لذلك قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُم} .
وقال: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} [الأنفال:1] .
وقال صلى الله عليه وسلم محذراً من بعض الأمور التي تعكر صفو الأخوة الإيمانية، وتضعف الرابطة: " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه "2 كما بيّن الله تعالى، ورسوله صلى الله عليه وسلم ما ينبغي أن يكون عليه المؤمنون فيما بينهم لتقوى الرابطة، وتتحقق الأخوة، فمن ذلك قول الله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح:29] .--------------------------------------------
1 رواه مسلم، كتب الإيمان، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، ح54 1/74 تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.
2 متفق عليه: البخاري، كتاب المظالم، باب لا يظلم المسلم المسلم، الصحيح مع الفتح 5/97. ومسلم، كتاب البر … ، باب تحريم الظلم، 4/1996.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 555)

وقال صلى الله عليه وسلم: " والله في عون العبد، ما كان العبد في عون أخيه "1.
وقال: " ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم، كمثل الجسد إذا اشتكى عضواً، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى "2.
وهذا الحديث مع بيانه لما يجب أن يكون عليه المؤمنون من التّوادّ والتراحم والتعاطف والتواصل، مع ذلك بيّن أمراً هاماً، ألا وهو أثر هذه الأخوة القائمة على الرابطة والتعاون الإيماني في حصانة المجتمع وتماسكه وقوته، حيث شبّه مجتمع المؤمنين بالجسد الواحد الذي يهتم سائر أفراده لما يحصل لبعضهم أو يحدث في مجتمعهم من خلل أو خطر، ويتكاتفون لصده.
ويؤيد هذا المعنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: " إن المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضاً"، وشبك بين أصابعه 3.--------------------------------------------
1 أخرجه مسلم، كتاب الذكر والدعاء … ، باب فضل الاجتماع على الذكر 4/2074.
2 متفق عليه -واللفظ للبخاري-: البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم الصحيح مع الفتح 10/438. ومسلم في كتاب البر، باب تراحم المؤمنين … ، صحيح مسلم تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي 4/1999.
3 متفق عليه -واللفظ للبخاري-: البخاري، كتاب الصلاة، باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، الصحيح مع الفتح 1/565. ومسلم، كتاب البر، باب تراحم المؤمنين … ، صحيح مسلم 4/1999.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 556)

وتشبيه المجتمع المسلم بالبنيان من أبلغ التشبيهات، وذلك أن البنيان يتكون من لبنات، ومن مادة تشدّ بينها، وكذلك المجتمع المؤمن يتكون من أفراد، ومن رابطة تشد بينهم.
ففي البناء كلّما كانت اللبنات متقاربة مرصوصة، والمادة اللاصقة قوية، كان البناء أشد قوة وتماسكاً.
وكذلك الحال في المجتمع المسلم، كلما كانت الرابطة الإيمانية قوية، كانت القلوب متقاربة متحدة، وبذلك يكون المجتمع قوياً متماسكاً. فأول أساس لوحدة المسلمين هي الرابطة العقدية والأخوّة الإيمانية.
وهذه الرابطة لا تستحكم إلا إذا كان اعتقاد الجميع مستمداً من نصوص الكتاب الكريم والسنة الشريفة، وكانت العقيدة نقية من شوائب الشرك والبدع والعقائد المستمدة من المناهج المحدثة المخالفة لما كان عليه السلف في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين، والأئمة المهديين، الذين شهدت لهم الأمة بالخير والإمامة في العصور الثلاثة المفضلة، ومن سار على طريقهم في سائر العصور.
وعلى هذا فأول خطوة في الطريق إلى وحدة المسلمين اليوم هي العمل على تنقية العقائد وتصحيحها، ونشر الإيمان المبيّن في الكتاب والسنة والدعوة إلى نبذ ما خالفه.
وما لم تجتمع كلمة علماء الإسلام ودعاته على هذا، وينطلقون منه، سيبقى المسلمون في شتات وذلة وحيرة، وسيبقى العمل لا يثمر إلا مزيداً

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 557)

من الفرقة والتحزب، وإعجاب كل فريق برأيه، {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم:32] ، فلا اجتماع إلا إذا اجتمعت القلوب، ولا اجتماع لها إلا بالتوحيد. فإن التوحيد يجمع أهله، ويفرّق بينهم وبين من خالفهم، قال ربنا تبارك وتعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام:153] .
وإذا كانت الرابطة الإيمانية هي الأساس للوحدة الإسلامية، وكانت الوحدة حصناً قوياً للمجتمع من كل فكر دخيل هدام، وسلوك منحرف، فإن الفرقة والنزاع الناتج عن ضعف أو انعكاس الرابطة الإيمانية بين أفراد المجتمع المسلم يمثل ثغرة خطيرة تسهم وبسرعة في تفككه وضعفه، ومن ثم حصول الشر بين أفراده. قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال:46] .
ومردّ التنازع بالدرجة الأولى إلى الفرقة في الدين الناتجة عن الانحراف في العقيدة، أو الابتداع في الشريعة. وكم خطط أعداء الإسلام للتفريق بين المسلمين، ولم يجدوا أنجح في تحقيق ذلك من نشر الأفكار المخالفة.1--------------------------------------------
1 انظر تفصيل ذلك فيما تقدم تحت عنوان: الصراع الفكري بين الحق والباطل.. من ص79-141.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 558)

فكلما وجدوا ثغرة في المجتمع الإسلامي أطلقوا فكرة ضالة جللوها بتلبيسات مزخرفة، فاستهوت بعض أفراد المجتمع ومالت بهم عن الجادة. وهكذا حتى تفرق المسلمون شيعاً وأحزاباً وطرقاً.
ولم يقف الحد عند ذلك، بل أوجدوا أفكاراً تهدف إلى إزالة الرابطة الإيمانية والأخوة الدينية من أساسها، وتدعو إلى الاجتماع والاتحاد على رابطة أخرى كالشعوبية الداعية إلى التعصب للدم والعرق، ومثلها القومية، والوطنية، والوجودية، والإنسانية أو الدعوة إلى التآخي على الرياضة والفنون أو غير ذلك من الروابط.
وبذلك يقل الولاء للدين، ويخفّ الحماس لنشره والدفاع عنه، وهذا انتصار للكفر بحرب باردة يذوب فيها شباب المجتمع ورجاله الذين هم جيش الإسلام وعدته تحت ألوان من الأفكار والدعوات المضللة، والولاآت المختلفة.
وبعد البيان لأهمية الرابطة الإيمانية لقوة المجتمع المسلم ووحدته وحصانته من الأفكار الهدامة، وأثر ضعف تلك الرابطة في تفككه وحدوث الثغرات التي يتسلل منها كل فكر خبيث ومبدأ هدام، بعد ذلك يأتي المجال لذكر أهم العوامل التي تنمي الرابطة الإيمانية وتشد منها.
وكل عامل من هذه العوامل هو شعيرة من شعائر الإسلام، بمعنى أن الإسلام أمر بها ونظمها، وهي في نفس الوقت لبنة في حصن المجتمع بقيامها يتماسك، وتقوى رابطته، وبضعفها أو زوالها يهتز بناء المجتمع،

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 559)

وتضعف رابطته ويدب فيه الفساد.
وأهم العوامل التي تنمي الرابطة الإيمانية هي:
أولاً: التزام الأخلاق الفاضلة.
ثانياً: القيام بالحقوق المفروضة لبعض المسلمين على بعض.
ثالثاً: الالتزام بالنظام الاجتماعي والاقتصادي الإسلامي.
رابعاً: المحافظة على الوحدة الفكرية.
وسأتكلم بإذن الله على كل منها في مطلب مستقل.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 560)

‌‌المطلب الأول: أثر الالتزام بالأخلاق الفاضلة في تقوية الرابطة الإيمانية
لقد تقدم أن الله تعالى جعل الرابطة بين أفراد المجتمع الإسلامي الأخوة الإيمانية، لذلك حث على الابتعاد عن كل ما يضعفها، والحرص على التخلص من كل طارئ يحدث الخلل بها، وبالمقابل شرع للمسلمين أخلاقاً وآداباً ونظماً في المعاملات إذا التزموا بها ساد بينهم الحب والإخاء وانقطعت موارد الكره والشحناء.
وأهمية الأخلاق في المجتمع المسلم تعود إلى عظم أثرها في تقوية الرابطة بين أفراد المجتمع المسلم، لذلك ورد الإيضاح والتفصيل لها في كثير من آيات الكتاب، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم.
قال عبد الكريم زيدان: "كثرة الآيات القرآنية المتعلقة بموضوع الأخلاق، أمراً بالجيد منها ومدحاً للمتصفين به، ومع المدح الثواب، ونهياً عن الرديء منها، وذم المتصفين به، ومع الذم العقاب. ولا شك أن كثرة الآيات في موضوع الأخلاق أمر مهم جداً لا يستغني عنه المسلم وأن مراعاة الأخلاق تلزم المسلم في جميع الأحوال، فهي تشبه أمور العقيدة من جهة عناية القرآن بها في سوره المكيّة والمدنية على حد سواء"1.--------------------------------------------
1 أصول الدعوة ص78 د. عبد الكريم زيدان، دار عمر بن الخطاب للطباعة والنشر، الإسكندرية، ط: الثالثة، 1396هـ.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 561)

وهذا التشابه بين أمور العقيدة والأخلاق من حيث التركيز عليها من جهة الأمر بالتزامها، والإيضاح والتفصيل لجميع جوانبها، يدل على التلازم بينهما، فالأخلاق لازمة لقوة العقيدة وانتشارها، كما أن العقيدة الصحيحة باعثة على الخلق الكريم.
فإذا كانت الأعمال الصالحة وقوة الصلة بالله من أسباب زيادة الإيمان في قلب المؤمن ورسوخه، فإن الأخلاق الفاضلة والتعامل بها بين أفراد المؤمنين سبب لتلاحمهم وترابطهم على أساس العقيدة، فتكون الأخلاق الفاضلة سبباً في قوة عقيدة المجتمع ورسوخ إيمانه.
كما أن التزام المؤمن بالأخلاق الفاضلة يجذب الناس إلى الإيمان، ويحببهم فيه فيدخلون في الإسلام، وقد أشار الله إلى هذا الأثر بقوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران:159] .
وبهذا يتبين الأثر الوثيق بين المعتقد والأخلاق في المجتمع المسلم، وأن الرابطة العقدية والأخوة الإيمانية تزيد كلما التزم أفراد المجتمع بالخلق الفاضل، وكذلك تأثير المجتمع وجاذبيته تزيد إذا سادت الأخلاق، والعكس صحيح، فإن هذين الأثرين يضعفان ويكادان ينحسران إذا ساءت الأخلاق.
ونظام الأخلاق في الإسلام يشمل أموراً حثّ الشارع على فعلها والتحلي بها، لما لها من الأثر في صلاح المجتمع والأفراد، وقربهم من الله،

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 562)

فبالتزامها تسود المحبة وتتقارب القلوب، ويتعامل الناس بالمودة والتراحم والتعاون، وتوجد الثقة بين أفراده، ويشعر الجميع بالرضى والأمن. ومن هذه الآداب:
الصدق في الحديث والمعاملة، والعدل في الحكم والعلاقات، والأمانة في جميع الأمور، والوفاء بالعهد والعقود، والحياء، والحلم، والأناة والرفق، والتعاون على البر والتقوى، والتوادّ والتراحم والتعاطف، والصبر والكرم، والشجاعة.
كما يشمل أموراً من الخلق القبيح نهى الإسلام عنها وحذر منها، لما لها من أثر في بعد المسلمين عن ربهم، وتنافرهم وضعف الرابطة فيما بينهم، وانبعاث بذور الفرقة والشر بينهم، ومن هذه الصفات الذميمة: الكذب، والظلم، ونقض العهد، وتضييع الأمانة، والنفاق الملي، والتكبر والفخر والبخل، والنميمة والغيبة، والغش والخداع، والتحاسد، والخيانة، واللعن والسباب، والفحش، وشهادة الزور وقذف المحصن، … إلى غير ذلك من الأخلاق الرذيلة التي توغر الصدور، وتبعث الشرور وتفرق بين المسلمين، فتضعف الرابطة الإيمانية، ويتهدم هذا السور المنيع، وتصبح فيه ثغرات وممرات يدخل منها الشر الفكري، والمكر الخفي والجلي، ويصبح المجتمع ميداناً لخيل المنافقين، والحاقدين المتربصين، قد أقيمت فيه سوق الضلالات، وصدع فيه بأنواع الجهالات، وليس للمسلمين وحدة يقمعون بها ذلك، بل صار حولهم بينهم وكيدهم على بعضهم، يثبّط

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 563)

بعضهم بعضاً، وينقض الأخ غزل أخيه، وربما تآمر عليه وفرح بالمكروه يصيبه.
وخلاصة هذا المبحث: أن للأخلاق الفاضلة التي حثّ الإسلام عليهاً أثراً عظيماً في قوة الرابطة الإيمانية بين أفرد المجتمع المسلم، كما أنها من أبرز الأسباب التي تحمل على الدخول في الإسلام.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 564)