إلى آية في سورة الأحقاف ثبت حكمها بزعمهم ست عشرة سنة قبل أن ينسخها أول سورة الفتح، وهي قوله تعالى: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ} 1، فابن سلامة يرى أن أول هذه الآية محكم، أما المنسوخ منها فهو قوله: "وما أدري ما يفعل بي ولا بكم" ويقرر أنه عليه الصلاة والسلام عمل بها بمكة عشر سنين وعيره المشركون، فهاجر إلى المدينة، فبقي ست سنين يعيرونه، وكان المشركون يقولون: كيف يجوز لنا اتباع رجل لا يدري ما يفعل به ولا بأصحابه؟ ثم نزل أول سورة الفتح فنسخ هذه الآية، واستنتج منه المشركون أن النبي أمسى يعلم ما يفعل به وبأصحابه! 2.
وإن هذا التساهل في نسخ كلام الله، وفي تحديد مدد زمانية للعمل بمنسوخه قبل نسخه، وفي ترديد الآيات بين مدلولها لدى تنزيلها أول مرة ومدلولها بعد تبديل حكمها بآيات أخرى تنزلت عقبها بزمن يطول أو يقصر، حمل الغير على كتاب الله على أن يستبعدوا ما استطاعوا شبح النسخ المخيف، كأنه في نظرهم يعادل البداء، أو كأنه -على الأقل- معبر طبيعي إلى القول بالبداء، والإذن للجهلة في كل زمان ومكان بالخلط بين النسخ بأسراره الحكيمة والبداء بكل قبحه وفساده ودلالته على الجهل!.
إن البداء يصدر عن الذي يرى الرأي ثم يبدو له3، وقد فر اليهود من--------------------------------------------
1 الأحقاف 90.
2 ابن سلامة، الناسخ والمنسوخ 279، ولم يكتف ابن سلامة بتعسفه هذا كله، بل أضاف إليه تعسفا من لون جديد، فقد رأى أنه "ليس في كتاب الله تعالى كلمات منسوخة نسختها سبع آيات إلا هذه الآية" رادع ص383 في كتابه. ويشير بهذا إلى الآيات السبع في مطلع سورة الفتح، فالآيات الأربع الأولى حتى قوله: {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} نزلت فيه عليه الصلاة والسلام والآية الخامسة نزلت في صحابته، والسادسة والسابعة في كل من المنافقين واليهود. وما أحسبك قد انقضى عجبك من هذا التكلف النادر!.
3- البرهان 2/ 30. وقد ضبطها أبو الفضل إبراهيم مصحح البرهان مرتين بالضم "البداء" وهو خطأ ظاهر، كما يظهر من مراجعة المادة في جميع القواميس المشهورة، ومعنى البداء الظهور بعد الخفاء ومنه قوله تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا} وله معنى آخر هو نشأة رأي جديد لم يك موجودًا. قال في القاموس: "وبدا له في الأمر بدوا" وبداء وبداة، أي: نشأ له فيه رأي" ومنه قوله تعالى: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ} .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)
قبل من القول بالنسخ لئلا يقودهم بالبداء، فقد حسبوا أن نسخ الشيء بعد نزوله والعمل به يرادف تغيير الله للأحكام بما يبدو له بعد أن لم يك باديا، ولا يجوز نسبة شيء من هذا إلى الله، وتسرع بعض الباحثين المسلمين في القديم والحديث ففروا من النسخ كما فر منه اليهود وعدوه من قبيل البداء -ولا سيما حين رأوا إكثار المفسرين من النسخ من غير دليل- وقد غلا كلا الفريقين، فما كان لأصحاب النسخ أن يكثروا منه ويخلطوه بمفهومات أخرى لا صلة له بها، وما كان لمنكري النسخ أن يبطلوا أمرا صرحت به آيات في كتاب الله ودلت عليه وقائع ثابتة لا قبل للباحث المحقق بردها، ولا كان لهم أن يشبهوا على الناس النسخ بالبداء.
لقد نسي منكروا النسخ أو تناسوا -كما قال الزرقاني1: "أن الله تعالى حين نسخ بعض أحكامه ببعض ما ظهر له أمر كان خافيا عليه، وما نشأ له رأي جديد كان يفقده من قبل. وإنما كان سبحانه يعلم الناسخ والمنسوخ أزلا من قبل أن يشرعهما لعباده، بل من قبل أن يخلق الخلق، ويبرأ السماء والأرض، إلا أنه -جلت حكمته- علم أن الحكم الأول المنسوخ منوط بحكمة أو مصلحة تنتهي في وقت معلوم، وعلم بجانب هذا أن الناسخ يجيء في هذا الميقات المعلوم منوطا بحكمة ومصلحة أخرى. ولا ريب أن الحكم والمصالح تختلف باختلاف الناس، وتتجدد بتجدد ظروفهم وأحوالهم، وأن الأحكام وحكمها والعباد مصالحهم، والنواسخ والمنسوخات كانت كلها معلومة لله من قبل ظاهرة لديه لم يخف شيء منها عليه. والجديد في النسخ إنما هو إظهاره تعالى ما علم لعباده، لا ظهرو ذلك له".
على أن المنهج الذي نعرف به الناسخ والمنسوخ لا يشتبه فيه النسخ بالبداء، ولا بالتخصيص، ولا بالإنساء ولا ببيان المجمل، فإنما يرجع في النسخ إلى نقل صريح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من صحابي يقول: "آية كذا نسخت كذا".--------------------------------------------
1 مناهل العرفان 2/ 78.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 272)
وقد يحكم به عند وجود التعارض المقطوع به مع علم التاريخ ليعرف المتقدم والمتأخر. ولا يعتمد في النسخ قول عوام المفسرين بل ولا اجتهاد المجتهدين من غير نقل صحيح ولا معارضة بينة، لأن النسخ يتضمن رفع حكم واثبات حكم تقرر في عهده صلى الله عليه وسلم، والمعتمد فيه النقل والتاريخ دون الرأي والاجتهاد1.
وقد صرح المحققون من العلماء بأن كثيرا مما ظنه المفسرون نسخا ليس به " وإنما هو نسء وتأخير، أو مجمل أخر بيانه لوقت الحاجة، أو خطاب قد حال بينه وبين أوله خطاب غيره، أو مخصوص من عمومه، أو حكم عام لخاص أو لمداخلة معنى في معنى. وأنواع الخطاب كثيرة، فنظنوا ذلك نسخا وليس به، وإنما هو الكتاب المهيمن على غيره، وهو نفسه متعاضد، وقد تولى الله حفظه فقال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} 2.
وحين قسم المتزيدون في النسخ سور القرآن أقساما بحسب ما دخله النسخ وما لم يدخله عدوا ثلاث وأربعين سورة فقط ليس فيها ناسخ ولا منسوخ، وست سور فيها ناسخ وليس فيها منسوخ، وأربعين سورة فيها منسوخ وليس فيها ناسخ، وإحدى وثلاثين سورة اجتمع فيها الناسخ والمنسوخ3. ولا يعنينا قط أن نسرد أسماء السور في هذه الأقسام فإن سردها نفسه قائم على أساس فاسد من الغلو والتعسف، وحسبك أن السور المحكمات الخاليات من النسخ لم تزد -في هذا التقسيم- على ثلاث وأربعين، كأن القاعدة هي النسخ لا الإحكام، وكأن الأصل في سور القرآن أن يكون فيها ناسخ أو منسوخ!
والحق أن الأصل في آيات القرآن كلها الإحكام لا النسخ، إلا أن يقوم دليل صريح على النسخ فلا مفر من الأخذ به، وما زال العلماء المحققون بالآيات التي قيل إنها منسوخة يبحثونها من وجوهها المختلفة حتى حصروا ما يصلح منها--------------------------------------------
1 هذا رأي ابن الحصار، وقد عرضه السيوطي في الإتقان 2/ 40.
2 سورة الحجر 9. وقارن بالبرهان 2/ 44.
3 انظر هذه الأقسام في الناسخ والمنسوخ "لابن سلامة" ص14 وما بعدها، وقارن بالبرهان 2/ 33.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 273)
لدعوى النسخ في عدد قليل، وتعقب آخرون هذا القليل نفسه فآثروا في طائفة منه القول بالإحكام على القول بالنسخ: فالسيوطي مثلا حصر دعوى النسخ في إحدى وعشرين آية على خلاف في بعضها1، ثم استثنى منها آيتي الاستئذان والقسمة2 فذكر أن الأصح فيهما أنهما محكمتان، فصارت الآيات المنسوخة في نظره لا تزيد على تسع عشرة آية، ولولا خشية الاستطراد لتعقبناها فوجدنا الصالح منها للنسخ لا يزيد على عشر فقط، بيد أننا نفضل أن نحيل القارئ على ما ذكره السيوطي لعله يكتشف من تلقاء نفسه، -في ضوء حديثنا عن النسخ- ما عسى أن يكون أقرب إلى التخصيص أو تأخير البيان أو الإنساء، وما عسى أن يدخل حقا فيما نسخه الله من آيات فأتى بأحسن منها أو مثلها وهو على كل شيء قدير!.--------------------------------------------
1 راجع الإتقان 2/ 37-38. وقد ذكر السيوطي هنا جميع هذه الآيات الصالحة للقول بالنسخ.
2 يراد بآية الاستئذان قوله تعالى: {لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ} وهي آية لا ريب في إحكامها.
أما آية القسمة فهي قوله تعالى: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} فقد قيل: إنها منسوخة بآية المواريث. والصحيح أنها ليست منسوخة، وحكمها باق على الندب والترغيب في فعل الخير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 274)
الفصل السابع: علم الرسم القرآني
اتبعت اللجنة الرباعية في استنساخ مصاحف الأمصار على عهد عثمان "رضي الله عنه" طريقة خاصة ارتضاها هذا الخليفة في كتابة كلمات القرآن وحروفه. وقد اصطلح العلماء على تسمية هذه الطريقة "برسم المصحف". وكثيرا ما ينسبون هذا الرسم إلى الخليفة الذي ارتضاه فيقولون: رسم عثمان أو الرسم العثماني، وكان لا بد أن يحاط هذا الرسم بهالة من الإجلال والتقديس، فالخليفة الذي ارتضاه ووضعه موضع التنفيذ شهيد عظيم لقي مصعره وهو يتلو كتاب الله خاشعا متبتلا1. وهذا يفسر لنا إلى حد كبير اعتقاد الناس أن كل مصحف مخطوط قديم يعثرون عليه لا بد أن يكون مصحف عثمان أو أحد مصاحفه، وربما كان في رأي بعضهم هو المصحف الذي لا يزال عليه أثر من دم الخليفة الشهيد2.
ولقد بلغ الغلو ببعضهم أشده حين زعموا أن هذا الرسم القرآني، توقيفي وضع منهاجه النبي الكريم نفسه، صلوات الله عليه، فقد نسبوا إليه -وهو--------------------------------------------
1 Casanova، Mohammed et l fin du mode، p. 139، قارن ما يقوله كازانوفا برأي بلاشير Blachere، Coran، Introduction، 67 الذي يلاحظ في الحاشية رقم 83 أن جميع مؤرخي العرب عرضوا لمصرع عثمان بهذا الشكل المثير للعواطف، حتى المؤرخ المسيحي ابن العبري في كتابه "تاريخ مختصر الدول" نشر صالحاني، بيروت، سنة 1890، ص 179، س13.
2 Casanova، op. cit، 123.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 275)
الأمي الذي لا يكتب- أنه قال لمعاوية، أحد كتبة الوحي: "ألق الدواة وحرف القلم، وانصب الباء، وفرق السين، ولا تعور الميم، وحسن الله، ومد الرحمن، وجود الرحيم، وضع قلمك على أذنك اليسرى، فإنه أذكر لك"1. ومن المتحمسين لهذا الرأي ابن المبارك الذي نقل في كتابه "الإبريز" عن شيخه عبد العزيز الدباغ أنه قال له: "ما للصحابة ولا لغيرهم في رسم القرآن ولا شعرة واحدة، وإنما هو توقيف من النبي، وهو الذي أمرهم أن يكتبوه على الهيئة المعروفة بزيادة الألف ونقصانها، لأسرار لا تهتدي إليها العقول، وهو سر من الأسرار التي خص الله به كتابه العزيز دون سائر الكتب السماوية. وكما أن نظم القرآن معجز فرسمه أيضا معجز! وكيف تهتدي العقول إلى سر زيادة الألف في "مائة" دون "فئة"، وإلى سر زيادة الياء في {بِأَييْدٍ} ، و {بِأَييْكُمْ} ، أم كيف تتوصل إلى سر زيادة الألف في {سَعَوْا} بالحج، ونقصانها من {سَعَوْ} بسبأ؟ وإلى سر زيادتها في {عَتَوْا} حيث كان ونقصانها من {عَتَوْ} في الفرقان؟ وإلى سر زيادتها في {آمَنُوا} ، وإسقاطها من {بَاؤُ، جَاؤُ، تَبُوؤُ، فَاؤُ} بالبقرة؟ وإلى سر زيادتها في {يَعْفُوَا الَّذِي} ، ونقصانها من {يَعْفُوَ عَنْهُمْ} في النساء؟ أم كيف تبلغ العقول إلى وجه حذف بعض أحرف من كلمات متشابهة دون بعض، كحذف الألف من {قُرْءَنا} بيوسف والزخرف، وإثباتها في سائر المواضع؟ وإثبات الألف بعد واو {سَمَواتٍ} في فصلت وحذفها من غيرها، وإثبات الألف في {الْمِيعَادِ} مطلقا، وحذفها من الموضع الذي في الأنفال؟ وإثبات الألف في {سِرَاجًا} حيثما وقع، وحذفه من موضع الفرقان؟ وكيف تتوصل إلى حذف بعض التاءات وربطها في بعض؟ فكل ذلك لأسرار إلهية، وأغراض نبوية.
وإنما خفيت على الناس لأنها أسرار باطنية لا تدرك إلا بالفتح الرباني، بمنزلة الألفاظ والحروف المقطعة التي في أوائل السور، فإن لها أسرارا عظيمة،--------------------------------------------
1 الزرقاني، مناهل، ج1، ص370.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 276)
ومعاني كثيرة، وأكثر الناس لا يهتدون إلى أسرارها، ولا يدركون شيئا من المعاني الإلهية التي أشير إليها! فكذلك أمر الرسم الذي في القرآن حرفا بحرف"1.
وعلى هذا الأساس، لم يجد الزرقاني في "مناهله" بأسا في أن يعد من مزايا الرسم العثماني "دلالته" على معنى خفي دقيق كزيادة -الياء- في كتابة كلمة "أيد" من قوله تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْد} إذ كتبت هكذا "بأييد" وذلك للإيماء إلى تعظيم قوة الله التي بنى بها السماء، وأنها لا تشبهها قوة على حد القاعدة المشهورة، وهي: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى2.
ولا ريب أن هذا غلو في تقديس الرسم العثماني، وتكلف في الفهم ما بعده تكلف3، فليس من المنطق في شيء أن يكون أمر الرسم توقيفيا، ولا أن يكون له من الأسرار ما لفواتح السور، فما صح في هذا التوقيف حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا مجال لمقارنة هذا بالحروف المقطعة التي تواترت قرآنيتها في أوائل السور، وإنما اصطلح الكتبة على هذا اصطلاحا في زمن عثمان، ووافقهم الخليفة على هذا الاصطلاح، بل وضع لهم دستورا يرجعون إليه في الرسم عند الاختلاف في قوله للثلاثة القرشيين: "وإذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم"4.--------------------------------------------
1 نقلا عن الزرقاني، مناهل العرفان، ج1، ص376.
2 الزرقاني، المصدر نفسنه، ج1، ص367 وفي هذا السياق نفسه يسترسل الرزقاني في تعليل الحذف في الآيات التالية: {وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ} ، {وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ} ، {يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ} ، {سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} ، فينقل عن العلماء أنهم قالوا: السر في حذفها من {وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ} هو الدلالة على أن هذا الدعاء سهل على الإنسان يسارع فيه كما يسارع إلى الخير، والسر في حذفها من {يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ} الإشارة إلى سرعة الدعاء وسرعة إجابة الداعين. إلخ، وهو تكلف ظاهر، والتعليل الطبيعي لهذا كله الكتبة لاحظوا النطق فقط، فالواو تسقط في جميع الآيات في النطق.
3 ومن هذا الغلو والتكلف ما ينقله الزركشي في "البرهان 1/ 380 وما بعدها" عن أبي العباس المراكشي الشهير بابن البناء في كتابه "عنوان الدليل في مرسوم خط التنزيل".
4 وعلى هذا الأساس، "لما كتب الصحابة المصحف زمن عثمان رضي الله عنه اختلفوا في كتابة "التابوت" فقال زيد: "التابوه" وقال النفر القرشيون "التابوت"، وترافعوا إلى عثمان فقال: اكتبوا "التابوت" فإنما أنزل القرآن على لسان قريش" البرهان 1/ 376.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 277)
واحترام الرسم العثماني واستحسان التزامه أمر يختلف اختلافا جوهريا عن القول بالتوقيف فيه، فقد تضافرت آراء العلماء على ضرورة التزام هذا الرسم حتى قال الإمام أحمد بن حنبل: "تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في واو أو ألف أو ياء أو غير ذلك"1 وسئل الإمام مالك: أرأيت من استكتب مصحفا أترى أن يكتب على ما استحدثه الناس من الهجاء اليوم؟ فقال: "لا أرى ذلك، ولكن يكتب على الكتبة الأولى"2 وروي في فقه الشافعية والحنفية أقوال من هذا القبيل، ولكن أحدا من هؤلاء الأئمة لم يقل: إن هذا الرسم توقيفي، ولا سر أزلي، وإنما رأوا في التزامه ضربا من اتحاد الكلمة واعتصام الأمة بشعار واحد، واصطلاح واحد، فواضع الدستور عثمان، ومنفذه بخطه زيد بن ثابت، "وكان أمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وكاتب وحيه".
على أن من العلماء من لم يكتف بإباحة مخالفة الرسم العثماني، بل صرح فوق ذلك بأنه اصطلاحي، ولا يعقل أن يكون توقيفيا. وفي طليعة هؤلاء القاضي أبو بكر الباقلاني3 في كتابه "الانتصار" فهو يقول: "وأما الكتابة فلم يفرض الله على الأمة فيها شيئا، إذ لم يأخذ على كتاب القرآن وخطاط المصاحف رسما بعينه دون غيره أوجبه عليهم وترك ما عداه، إذ وجوب ذلك لا يدرك إلا بالسمع والتوقيف. وليس في نصوص الكتاب ولا مهفومه، أن رسم القرآن وضبطه لا يجوز إلا على وجه مخصوص وحد محدود لا يجوز تجاوزه، ولا في نص السنة ما يوجب ذلك ويدل عليه، ولا في إجماع الأمة ما يوجب ذلك، ولا دلت عليه القياسات الشرعية، بل السنة دلت على جواز رسمه بأي وجه سهل، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر برسمه ولم يبين لهم--------------------------------------------
1 السيوطي، الإتقان ج2 ص283.
2 الداني، المقنع ص10 والسيوطي في "الإتقان 2/ 283" ينقل هذا القول المنسوب إلى مالك "رض" من كتاب "المقنع". وانظر أيضا البرهان 1/ 379.
3 هو محمد بن الطيب الباقلاني صاحب كتاب "إعجاز القرآن" توفي سنة 403 "انظر وفيات في وفيات الأعيان ج1 ص481 وفي شذرات الذهب ج2 ص75.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 278)
وجها معينا ولا نهى أحدا عن كتابته، ولذلك اختلفت خطوط المصاحف فمنهم من كان يكتب الكلمة على مخرج اللفظ ومنهم من كان يزيد وينقص لعلمه بأن ذلك اصطلاح وأن الناس لا يخفى عليهم الحال. ولأجل هذا بعينه جاز أن يكتب بالحروف الكوفية والخط الأول، وأن يجعل اللام على صورة الكاف، وأن تعوج الألفات، وأن يكتب على غير هذه الوجوه، وجاز أن يكتب المصحف بالخط والهجاء القديمين، وجاز أن يكتب بالخطوط والهجاء المحدثة، وجاز أن يكتب بين ذلك.
وإذا كانت خطوط المصحف وكثير من حروفها مختلفة متغايرة الصورة، وكان الناس قد أجازوا أن يكتب كل واحد منهم بما هو عادته، وما هو أسهل وأشهر وأولى، من غير تأثيم ولا تناكر علم أنه لم يؤخد في ذلك على الناس حد محدود مخصوص، كما أخذ عليهم في القراءة والأذن، والسبب في ذلك أن الخطوط إنا هي علامات ورسوم تجري مجرى الإشارات والعقود والرموز، فكل رسم دال على الكلمة مفيد لوجه قراءتها تجب صحته وتصويب الكاتب به على أية صورة كانت.
وبالجملة فكل من ادعى أنه يجب على الناس رسم مخصوص وجب عليه أن يقيم الحجة على دعواه وأنى له ذلك! "1.
وإن رأي القاضي أبي بكر هذا لجدير أن يؤخذ به، وحجته ظاهرة، ونظره بعيد، فهو لم يخلط بين عاطفة الإجلال للسلف وبين التماس البرهان على قضية دينية تتعلق برسم كتاب الله. أما الذين ذهبوا إلى أن الرسم القرآني توقيفي أزلي فقد احتكموا في ذلك إلى عواطفهم، واستسلموا استسلاما شعريا صوفيا إلى مذاويقهم ومواجيدهم، والأذواق نسبية؛ لا دخل لها في الدين، ولا يستنبط منها حقيقة شرعية.--------------------------------------------
1 لقد أورد هذا النص ملخصا الزرقاني في "مناهله" ج1 ص373-374، ولكنه أتبعه بالرد عليه، وبنقول من آراء العلماء في تفنيده "374-378".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 279)
وإنا لنذهب في رسم القرآن مذهبا أبعد من هذا، فلا نرى جواز مخالفته لمجرد الحجج التي أوردها الباقلاني، بل نأخذ برأي العز بن عبد السلام الذي يقول: "لا تجوز كتابة المصحف الآن على الرسوم الأولى باصطلاح الأئمة، لئلا يؤدي إلى دروس العلم. وشيء أحكمته القدماء لا يترك مراعاة لجهل الجاهلين، ولن تخلو الأرض من قائم لله بالحجة"1.
وملخص هذا الرأي الأخير أن العامة لا يستطيعون أن يقرءوا القرآن في رسمه القديم، فيحسن بل يجب أن يكتب لهم بالاصطلاحات الشائعة في عصرهم، ولكن هذا لا يعني إلغاء الرسم العثماني القديم لأن في إلغائه تشويها لرمز ديني عظيم اجتمعت عليه الكلمة، واعتصمت به الأمة من الشقاق، ففي الأمة دائما علماء يلاحظون هذه الفروق الضئيلة في طريقة الرسم العثماني، ومن الممكن -مع ذلك- كما اقترحت مجلة الأزهر أن ينبه في ذيل كل صفحة من صفحات المصحف على ما عسى أن يكون فيها من الألفاظ المخالفة للاصطلاح الحديث في الخط والإملاء2.--------------------------------------------
1 البرهان 1/ 379.
2 وقد حاول السيوطي أن يحصر أمر الرسم القرآني في ست قواعد: هي الحذف والزيادة والهمز والبدل والفصل والوصل، وما فيه قراءتان فيكتب على إحداهما "انظر الإتقان 2/ 283-289" وقد نقلها الزرقاني. برمتها في "مناهل العرفان 1/ 362-366" والاطلاع على هذه القواعد ضروري.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 280)
الفصل الثامن: علم المحكم والمتشابه
نستطيع أن نقول: إن القرآن كله محكم، إن أردنات بإحكامه إتقانه وجمال نظمه بحيث لا يتطرق إليه الضعف في ألفاظه ومعانيه، وبهذ المعنى أنزل الله قوله الكريم: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} 1، كما نستطيع أن نقول: إن القرآن كله متشابه، إن أردنا بتشابهه تماثل آياته في البلاغة والإعجاز، وصعوبة المفاضلة بين أجزائه، وبهذا المعنى أنزل الله قوله الحكيم: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ} 2 فالإحكام والتشابه في كل من الآيتين السابقتين ليسا مثار بحثنا عن محكم القرآن ومتشابهه، إنما يثير بحثنا هنا الآية السابعة في سورة آل عمران، إذ يقول الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} 3.
من الواضح في هذه الآية أن المحكم يقابل المتشابه، كما أن الراسخين في العلم يقابلون الذين في قلوبهم زيغ، وقد حمل هذا التقابل العلماء على--------------------------------------------
1 سورة هود 1.
2 سورة الزمر 23.
3 سورة آل عمران 7.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 281)
تعريف كل من المحكم والمتشابه، فكثرت آراؤهم في هذا الموضوع وتعددت وجهات نظرهم1، ولكن آرءاهم تئول في النهاية إلى أن المحكم هو الذي يدل على معناه بوضوح لا خفاء فيه، والمتشابه هو الذي يخلو من الدلالة الراجحة على معناه. فيدخل في المحكم النص والظاهر. أما النص فلأنه اللفظ الذي وضع للمعنى الراجح المتبادر. ويدخل في المتشابه المجمل والمؤول والمشكل، لأن المجمل يحتاج إلى تفصيل، والمؤول لا يدل على معنى إلا بعد التأويل، والمشكل خفي الدلالة فيه لبس وإبهام2.
ووضوح الدلالة في المحكم يغنينا عن البحث عنه، لأن قراءتنا له كافية لإفهامنا المراد منه، ولكن خفاء المتشابه جدير أن يشغلنا بعض الشيء، لكي نعرفه ثم نجتنبه فلا نتبعه كالذين في قلوبهم زيغ.
إن أكثر العلماء يذهبون إلى أن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله، ويوجبون في الآية الوقف على اسم الجلالة، أما الراسخون في العلم فقد انتهى علمهم بتأويل القرآن إلى أن قالوا: {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} .
لكن أبا الحسن الأشعري كان يرى أن الوقوف في الآية على قوله تعالى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} ، فهم على ذلك يعلمون تأويل المتشابه. وقد أوضح هذا الرأي أبو إسحاق الشيرازي3 وانتصر له فقال: "ليس شيء استأثر الله تعالى بعلمه، بل وقف العلماء عليه، لأن الله تعالى أورد هذا مدحا للعلماء، فلو كانوا لا يعرفون معناه لشاركوا العامة". وتوسط الراغب الأصفهاني فقسم المتشابه من حيث إمكان الوقوف على معناه إلى ثلاثة أضرب: "ضرب لا سبيل إلى الوقوف عليه، كوقت الساعة وخروج الدابة ونحو ذلك، وضرب للإنسان أسباب إلى معرفته كالألفاظ الغريبة والأحكام المغلقة وضرب متردد بين الأمرين--------------------------------------------
1 الإتقان 2/ 2-3.
2 الإتقان 2/ 5.
3 أبو إسحاق الشيرازي هو إبراهيم بن علي بن يوسف. اشتهر بقوة الحجة في المناظرة، له تصانيف كثيرة أهمها "التبصرة" في أصول الفقه. توفي سنة 476هـ "انظر طبقات السبكي 3/ 88".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 282)
يختص به بعض الراسخين في العلم ويخفى على من دونهم. وهو المشار إليه بقوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس: "اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل" 1.
ولا ريب أن في رأي الراغب قصدا واعتدالا: فذات الله وحقائق صفاته لا يعلمها إلا الله، وفي هذا المعنى يقول في دعائه: "أنت كما أثنيت على نفسك، ولا أحصي ثناء عليك"، والعلم بالغيب مما استأثر الله به، مصداقا للآية الكريمة: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} 2. ولقد رأينا في بحث فواتح السور كيف أحيطت هذه الحروف بجو من التورع عن تأويل حقائقها، وعرفنا أن آراء العلماء فيها إنما كانت تدور حول حكمة وجودها لا حول كنه حقيقتها، ففي خفاء هذه الأمور وعجز الإنسان عن الوصول إليها ما يقلل من غروره ويخفض من كبريائه، ويحمله على أن القول: {سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} 3.
والآيات المشكلة الواردة في صفات الله تعالى، كقوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} هي أهم ما يتعلق بهذا الضرب من المتشابه الذي لا سبيل لأحد من البشر إلى الوقوف عليه، وقد أفردها ابن اللبان بكتاب سماه "رد المتشابهات إلى الآيات المحكمات"4، وذكر الرازي الحكمة من متشابه الصفات فقال: "إن القرآن يشتمل على دعوة الخواص والعوام، وطبائع العوام تنبو في أكثر الأمور عن إدراك الحقائق، فمن سمع من العوام في أول الأمر إثبات موجود--------------------------------------------
1 الإتقان 2/ 7-8 والراغب الأصفهاني هو الحسين بن المفضل، أبو القاسم، أديب كبير، أهم كتبه "مفردات القرآن" توفي سنة 502.
2 سورة لقمان 34.
3 سورة البقرة 32.
4 الإتقان 2/ 8 وابن اللبان هو محمد بن أحمد بن عبد المؤمن الأسعردي، شمس الدين. مفسر من أهل دمشق توفي سنة 749. له تفسير مخطوط "الأعلام "3/ 853".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 283)
ليس بجسم ولا متحيز ولا مشار إليه، ظن أن هذا عدم ونفي محض، فيقع في التعطيل، فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما يناسب ما تخيلوه وما توهموه، ويكون ذلك مخلوطا بما يدل على الحق الصريح، فالقسم الأول -وهو الذي يخاطبون به في أول الأمر- من باب المتشابه، والقسم الثاني وهو الذي يكشف عن الحق الصريح وهو المحكم"1.
وللعلماء في متشابه الصفات مذهبان:
الأول: مذهب السلف، وهو الإيمان بهذه المتشابهات وتفويض معرفتها إلى الله تعالى. سئل الإمام مالك عن الاستواء فقال: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، وأظنك رجل سوء، أخرجوه عني"2.
والثاني: مذهب الخلف، وهو حمل اللفظ الذي يستحيل ظاهره على معنى يليق بذات الله. وينسب هذا المذهب إلى إمام الحرمين3، وجماعة من المتأخرين.
ولتوضيح المذهبين نذكر بعض الآيات القرآنية الواردة في متشابه الصفات. فمن ذلك {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} 4، و {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} 5، و {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} 6، {يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} 7، {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} 8 {وَلِتُصْنَعَ عَلَى--------------------------------------------
1 الزرقاني، مناهل 2/ 179.
2 الإتقان 2/ 8 وقد أخرج الدارمي عن سليمان بن يسار أن رجلا يقال له ابن صبيغ قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر وقد أعد له عراجين النخل، فقال له: من أنت؟ فقال: أنا عبد الله بن صبيغ، فأخذ عمر عرجونا فضربه حتى دمي رأسه، وفي رواية أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: ألا يجالسه أحد من المسلمين. الإتقان 2/ 5.
3 إمام الحرمين هو عبد الملك بن أبي عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني الشافعي العراقي، أبو المعالي، كان شيخ الإمام الغزالي ومن أعلم أصحاب الشافعي. توفي سنة 478هـ "انظر ترجمته في وفيات الأعيان 1/ 287".
4 سورة طه 5.
5 سورة الفجر 22.
6 سورة الأنعام 61.
7 سورة الزمر 56.
8 سورة الرحمن 27.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 284)
عَيْنِي} 1، {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} 2، {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} 3.
فالسلف ينزهون الله عن هذه الظواهر المستحيلة عليه، ويؤمنون بها بالغيب كما ذكرها الله، ويفوضون علم حقائقها إليه، أما الخلف فيحملون الاستواء على العلو المعنوي بالتدبير من غير معاناة4. ومجيء الله على مجيء أمره5، وفوقيته على العلو لا في جهة6، وجنبه على حقه7، ووجهه على ذاته8، وعينه على عنايته9، ويده على قدرته 10، ونفسه على عقوبته 11.وهكذا يؤول الخلف -على هذا المنوال- جميع ما ورد من رضى الله وحبه وغضبه وسخطه وحيائه بحملها على أقرب مجاز، ويقولون: لا يراد من هذه الألفاظ إلا لازمها12.
وقد فهم ابن اللبان في كتابه "رد الآيات المتشابهات" الحكمة من ورود هذه الآيات فقال: "من المعلوم أن أفعال العباد لا بد فيها من توسط الجوارح مع أنها منسوبة إليه تعالى، وبذلك يعلم أن لصفاته تعالى في تجلياتها مظهرين: مظهر عبادي منسوب لعباده وهو الصور والجوارح الجسمانية، ومظهر حقيقي منسوب إليه، وقد أجرى عليه أسماء المظاهر العبادية المنسوبة لعباده--------------------------------------------
1 سورة طه 39.
2 سورة الفتح 10.
3 سورة آل عمران 28.
4 إلى هذا تؤول أكثر تفسيرات الخلف للاستواء، وانظر هذه الأقوال المختلفة في الإتقان 2/ 9-10 والبرهان 2/ 80-82".
5 البرهان 2/ 83 وقد حكى ابن الجوزي عن القاضي أبي يعلى تأويل أحمد في قوله تعالى: {أَوْ يَأْتِيَ رَبُّك} [سورة الأنعام: 158] قال: وهل هو إلا أمره؟! بدليل قوله: {أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ} [سورة النحل: 33] "انظر البرهان 2/ 79".
6 الإتقان 2/ 12.
7 الإتقان 2/ 12 أيضا.
8 البرهان 2/ 86.
9 الإتقان 2/ 11.
10 الإتقان 2/ 11 أيضا.
11 البرهان 2/ 83.
12 الإتقان 2/ 12.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 285)
على سبيل التقريب لأفهامهم، والتأنيس لقلوبهم، ولقد نبه في كتابه على القسمين وأنه منزه عن الجوارح في الحالين، فنبه على الأول بقوله: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} فهذا يفهم أن كل ما يظهر على أيدي العباد فهو منسوب إليه تعالى، ونبه على الثاني بقوله فيما أخبر عنه نبيه صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم: "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به" إلخ … الحديث، وقد حقق الله ذلك لنبيه بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} وبقوله: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} 1.
وكأني بابن اللبان هنا يستشعر -بذوقه الأدبي الرفيع- ما في الكناية عن الحقائق الدينية الكبرى من الحسن والجمال: فبهذا الأسلوب الرمزي ترتسم في الخيال الإنساني صورة حسية عن الفكرة المجردة، وتقرب إلى الناس في جميع الأجيال أسمى الحقائق بواسطة الخيال.
ولعل اشتمال القرآن على المتشابه وعدم اقتصاره على المحكم وحده، أن يكون حافزًا للمؤمنين على الاشتغال بالعلوم الكثيرة التي تقدرهم على فهم الآيات المتشابهات فيتخلصون من ظلمة التقليد، ويقرءون القرآن متدبرين خاشعين2.--------------------------------------------
1 الزرقاني، مناهل 2/ 193-194.
2 البرهان 2/ 75.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 286)
الباب الرابع: التفسير والإعجاز
الفصل الأول: التفسير "نشأته وتطوره"
لا ريب أن التفسير مر بأطوار كثيرة حتى اتخذ هذه الصورة التي نجده عليها الآن في بطون المؤلفات والتصانيف، بين مطبوع ومخطوط. ولقد نشأ التفسير مبكرا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان أول شارح لكتاب الله، بين للناس ما نزل على قبله. أما صحابته الكرام فما كانوا يجرءون على تفسير القرآن وهو عليه الصلاة والسلام بين أظهرهم، يتحمل هذا العبء العظيم، ويؤديه حق الأداء، حتى إذا
لحق عليه الصلاة والسلام بالرفيق الأعلى لم يكن بد للصحابة العلماء بكتاب الله، الواقفين على أسراره، المهتدين بهدي النبي صلى الله عليه وسلم من أن يقوموا بقسطهم في بيان ما علموه، وتوضيح ما فهموه.
والمفسرون من الصحابة كثيرون، إلا أن مشاهيرهم عشرة: "الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي بن كعب وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير، أما الخلفاء فأكثر من روي عنه منهم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، والرواية عن الثلاثة نزرة جدا، وكأن السبب في ذلك تقدم وفاتهم"1.
وأجدر هؤلاء العشرة جميعا بلقب المفسر هو عبد الله بن عباس الذي شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعلم، ودعا له بقوله: "اللهم فقهه في الدين، وعلمه--------------------------------------------
1 الإتقان 2/ 318.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 289)
التأويل" 1 وسماه ترجمان القرآن2. ولكن الناس تزيدوا في الرواية عن ابن عباس، وتجرأ بعضهم على الوضع عليه، والدس في كلامه، حتى قال الإمام الشافعي "لم ثيبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث"3.
ومن الذين ورد عنهم شيء من التفسير من الصحابة، غير أولئك العشرة، أبو هريرة، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، والسيدة عائشة أم المؤمنين، إلا أن ما روي عنهم قليل بالنسبة إلى العشرة السابقين.
وتلقى أقوال الصحابة نفر من كرام التابعين في الأمصار الإسلامية المختلفة، فنشأت في مكة طبقة للمفسرين، وفي المدينة طبقة ثانية، وفي العراق ثالثة، قال ابن تيمية: "أعلم الناس بالتفسير أهل مكة، لأنهم أصحاب ابن عباس، كمجاهد وعطاء بن أبي رباح وعكرمة مولى ابن عباس وسعيد بن جبير وطاوس وغيرهم، وكذلك أهل الكوفة أصحاب ابن مسعود، وعلماء أهل المدينة في التفسير مثل زيد بن أسلم الذي أخذ عنه ابنه عبد الرحمن بن زيد ومالك بن أنس"4.
وعن التابعين أخذ تابعو التابعين، فجمعوا أقوال من تقدمهم وصنفوا التفاسير، كما فعل سفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح، وشعبة بن الحجاج، ويزيد بن هارون، وعبد بن حميد5، فكانوا بذلك إرهاصا لابن جرير الطبري6 الذي يوشك المفسرون جميعا من بعده أن يكونوا عالة عليه. وبعد ذلك اتجه العلماء في تفاسيرهم اتجاهات متباينة، فكان ما يسمى "بالتفسير--------------------------------------------
1 البرهان 2/ 161.
2 الإتقان 2/ 319.
3 الإتقان 2/ 322.
4 نقل هذه العبارة السيوطي في الإتقان 2/ 323.
5 انظر البرهان 2/ 159.
6 انظر طبقات المفسرين للسيوطي 30-31 وشذرات الذهب 2/ 260-261 وتاريخ بغداد 2/ 162.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 290)
بالمأثور"، وهو امتداد للتفاسير السابقة المسندة إلى الصحابة والتابعين وتابعيهم، وكان ما يسمى "بالتفسير بالرأي" وفيه تعددت المناهج وتضاربت الأفكار فحمد بعضه وذم بعضه، تبعا لقربه من هداية القرآن أو بعده عنها.
أ- وأجل التفاسير بالمأثور هو تفسير ابن جرير الطبري، ويسمى كتابه "جامع البيان، في تفسير القرآن" ومن خصائصه أنه عرض فيه لأقوال الصحابة والتابعين مع تحرير أسانيدها، وترجيح بعضها على بعض، واستنباط الكثير من الأحكام وذكر بعض وجوه الإعراب التي تزيد المعنى وضوحا. غير أنه -اعمادا منه على معرفة الناس حال الأسانيد- كان أحيانا يغفل بعضها، ويذكر منها غير الصحيح دون أن ينبه عليه.
ويقرب من تفسير الطبري، وربما يفوقه في بعض الأمور، تفسير ابن كثير "عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن عمر القرشي الدمشقي المتوفى سنة 744"، ومن مزاياه الدقة في الإسناد، وبساطة العبارة، والوضوح في الفكرة. وتبعا لهذا المنهج ألف السيوطي "ت911" كتابه القيم "الدر المنثور في التفسير بالمأثور" وقد اعتمد فيه -كما يفهم عن عنوانه- على الأخبار الصحيحة المأثورة التي تجعله أقرب إلى الفكرة الإسلامية منه إلى الشروح الإنسانية.
لكن التفسير بالمأثور معرض غالبا للنقد الشديد، لأن الصحيح من الروايات قد اختلط بغير الصحيح، ولزنادقة اليهود والفرس نشاط لا يجهله أحد في الدس على الإسلام وتشويه تعاليمه، ولأصحاب المذاهب والشيع ولوع غريب بجمع معاني القرآن وتنزيلها وفق هواهم، فكان على المفسر بالمأثور أن يدقق في تعبيره، ويحترس في روايته، ويحتاط كثيرا في ذكر الأسانيد.
ب- أما التفسير بالرأي فقد اختلف العلماء حوله، فمن محرم له، ومن مجوز، لكن اختلافهم يؤول في الحقيقة إلى أن المحرم منه هو الجزم بأن مراد الله كذا من غير برهان، أو محاولة تفسير الكتاب الكريم مع جهل المفسر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 291)
بقواعد اللغة وأصول الشرع، أو تأييد بعض الأهواء بآيات من القرآن زورا وبهتانا، أما إذا كانت الشروط المطلوبة متوافرة في المفسر فلا مانع من محاولته التفسير بالرأي، بل لعلنا لا نبعد إن قلنا: إن القرآن نفسه يدعو إلى هذا الاجتهاد في تدبر آياته وفقه تعاليه، قال تعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} 1 وقال: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} 2.
وقد نقل السيوطي عن الزركشي "في البرهان" خلاصة الشروط التي لا بد منها لإباحة التفسير بالرأي3، فرآها تندرج تحت أربعة:
الأول: النقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع التحرز عن الضعيف والموضوع.
الثاني: الأخذ بقول الصحابي، فقد قيل: إنه في حكم المرفوع مطلقا، وخصه بعضهم بأسباب النزول ونحوها مما لا مجال للرأي فيه.
الثالث: الأخذ بمطلق اللغة مع الاحتراز عن صرف الآيات إلى ما لا يدل عليه الكثير من كلام العرب.
الرابع: الأخذ بما يقتضيه الكلام، ويدل عليه قانون الشرع. وهذا النوع الرابع هو الذي دعا به النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس في قوله: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل".
وأشهر التفاسير التي تتوافر فيها هذه الشروط تفسير الرازي4 المسمى "مفاتيح الغيب" وتفسير البيضاوي المسمى "أنوار التنزيل وأسرار التأويل" وتفسير أبي السعود5 المسمى "إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم" وتفسير النسفي6 المسمى "مدارك التنزيل، وحقائق التأويل" وتفسير--------------------------------------------
1 سورة محمد 22.
2 سورة ص29.
3 انظر الإتقان 2/ 304 والبرهان 2/ 156-161.
4 هو الإمام فخر الدين محمد بن عمر الرازي، توفي سنة 606 "انظر وفيات الأعيان 1/ 474".
5 هو محمد بن محمد بن مصطفى بن أحمد بن الطحاوي. توفي سة 982هـ.
6 هو أبو البركات عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي سنة 710.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 292)