Arabic source text

📘 মাবাহিছ ফি উলুমিল কুরআন লি সুব্হিস সালিহ (সুবহি আল-সালিহ - মৃত্যু 1407 হিজরী)

📘 مباحث في علوم القرآن لصبحي الصالح (صبحي الصالح - ت 1407 هـ)

📘 মাবাহিছ ফি উলুমিল কুরআন লি সুব্হিস সালিহ (সুবহি আল-সালিহ - মৃত্যু 1407 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
إباحة نكاح ما حل من النساء، ولكنه لم يقصد من السياق أصلا، وإنما قصد به أصلا قصر العدد على أربع أو الاكتفاء بواحدة.
ويجب العمل بالظاهر أيضا، لأ اللفظ لا يصرف عن المتبادر إلا بقرينة، فإذا وجدت هذه القرينة بغير المتبادر منه1.--------------------------------------------
1 خلاف، علم أصول الفقه، ص189.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 312)

‌‌الفصل الثالث: إعجاز القرآن
‌‌مدخل

الفصل الثالث: إعجاز القرآن
تحدى القرآن فصحاء العرب بمعارضته، وطاولهم في المعارضة، ولكنهم انهزموا أمام تحديه، وأعلنوا عجزهم عن تقليده؛ لأنه يعلو وما يعلى، وما هو بقول بشر.
ولقد كان الإعجاز القرآني خليقا أن يثير في الحياة الإسلامية مباحث على جانب عظيم من الأهمية يتصدى بها العلماء للكشف على وجوه البلاغة القرآنية، وعن أسلوب القرآن الفذ في التصوير والتعبير. وبذل أولئك العلماء جهودا مشكورة، وقاموا بمحاولات مضنية، لإبراز البلاغة القرآنية في صورة موحية ذات ظلال، ولكنهم وقفوا غالبا عند النص الواحد، فاقتطعوه اقتطاعا من الوحدة القرآنية الكبرى، ودرسوه على حدة دراسة تحليلية جزئية ذهب بمعالم جمالها خلافهم الذي لا يتناهى حول مشكلة اللفظ والمعنى، فكانت النزعة الكلامية تفسد عليهم تذوقهم للنصوص، وإدراكهم مواطن البلاغة والإعجاز.
ولعل الجاحظ "ت255" أول من تكلم على بعض المباحث المتعلقة بالإعجاز في كتابه "نظم القرآن"، ولم يصلنا هذا الكتاب، ولكن للجاحظ نفسه إشارات إلى هذا المصنف في كتابه "الحيوان" إذ يقول: "ولي كتاب جمعت فيه آيا من القرآن لتعرف بها ما بين الإيجاز والحذف، وبين الزوائد والفضول والاستعارات، فإذا قرأتها رأيت فضلها في الإيجاز، والجمع للمعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة. فمنها قوله حين وصف خمر أهل الجنة: {لا

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 313)

يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ} وهاتان الكلمتان جمعتا جميع عيوب خمر أهل الدنيا. وقوله عز وجل حين ذكر فاكهة أهل الجنة: {لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ} جمع بهاتين الكلمتين جميع تلك المعاني"1. ولا يبعد أن يكون محمد بن زيد الواسطي "ت603"2 قد استفاد من كتاب الجاحظ وبنى عليه حين صنف كتابه "إعجاز القرآن" الذي لم يصل إلينا كذلك، وإنما وصل إلينا ما ينبيء عنه في "دلائل الإعجاز" لعبد القاهر الجرجاني3 الذي نعلم أنه شرح كتاب الواسطي شرحين: أحدهما كبير سماه "المعتضد"، والآخر أصغر منه. ولقد كان عبد القاهر ذواقة للأسلوب القرآني، حتى أوشك أن يسبق عصره في بعض لمحاته الموفقة التي نفذ بها إلى إدراك الجمال الفني في كتاب الله. واستمع إليه وهو يفسر هذه الصورة البارعة في قوله تعالى: {اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} فسيعجبك منه بلا ريب حسه المرهف الدقيق وفهمه طريقة القرآن المفضلة في التعبير والتصوير. قال: "إن في الاستعارة ما لا يمكن بيانه إلا من بعد العلم بالنظم، والوقوف على حقيقته. ومن دقيق ذلك وخفيه أنك ترى الناس إذا ذكروا قوله تعالى: {اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} 4 لم يزيدوا فيه على ذكر الاستعارة، ولم ينسبوا الشرف إلا إليها، ولم يروا للمزية موجبا سواها. هكذا ترى الأمر في ظاهر كلامهم، وليس الأمر على ذلك، ولا هذا الشرف العظيم، ولا هذه المزية الجليلة، وهذه الروعة التي تدخل على النفوس عند هذا الكلام لمجرد الاستعارة ولكن لأن يسلك بالكلام طريق ما يسند الفعل له في المعنى منصوبا بعده، مبينا أن ذلك الإسناد وتلك النسبة إلى ذلك الأول إنما كان من أجل الثاني، ولما بينه وبينه من--------------------------------------------
1 تاريخ آداب العرب للرافعي 2/ 152، حاشية 1.
2 راجع كشف الظنون 1/ 120.
3 هوعبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد واضع أصول البلاغة، أشهر كتبه "دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة" توفي سنة 471هـ "إنباه الرواة 2/ 182".
4 سورة مريم 4.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 314)

الاتصال والملابسة كقولهم: طاب زيد نفسا، وقر عمرو عينا، وتصبب عرقا، وكرم أصلا، وحسن وجها، وأشباه ذلك مما تجد الفعل فيه منقولا عن الشيء إلى ما ذلك الشيء من سببه، وذلك أنا نعلم أن " اشتعل" للشيب في المعنى، وإن كان هو للرأس فقط كما أن طاب للنفس، كان لأن سلك فيه هذا المسلك، وتوخي به هذا المذهب، أن تدع هذا الطريق فيه وتأخذ اللفظ فتسنده إلى الشيب صريحا، فتقول: اشتعل الرأس، والشيب في الرأس، ثم تنظر هل تجد ذلك الحسن، وتلك الفخامة؟ وهل ترى الروعة التي كنت تراها؟ فإن قلت: فما السبب في أن كان "اشتعل" إذا استعير للشيب على هذا الوجه كان له الفضل، ولم بان بالمزية من الوجه الآخر هذه البينونة؟ فإن السبب أنه يفيد مع لمعان الشيب في الرأس الذي هو أصل المعنى الشمول، وأنه قد شاع فيه وأخذه من نواحيه، وأنه قد استقر به، وعم جملته، حتى لم يبق من السواد شيء، أو لم يبق منه إلا ما لا يعتد به. وهذا ما لا يكون إذا قيل: اشتعل شيب الرأس، أو الشيب في الرأس، بل لا يوجب اللفظ حينئذ أكثر من ظهوره فيه على الجملة، ووزان ذلك أن تقول: اشتعل البيت نارا، فيكون المعنى أن النار قد وقعت فيه وقوع الشمول، وأنها قد استولت عليه وأخذت في طرفيه ووسطه، وتقول: اشتعلت النار في البيت، فلا يفيد ذلك، بل لا يقتضي أكثر من وقوعها فيه وإصابتها جانبًا منه، فأما الشمول وأن تكون قد استولت على البيت وابتزته فلا يعقل من اللفظ البتة، ونظير هذا في التنزيل قوله عز وجل: {فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا} 1 التفجير للعيون في المعنى، وواقع على الأرض في اللفظ كما أسند هناك الاشتعال على الرأس، وقد حصل بذلك من معنى الشمول ههنا مثل الذي حصل هناك، وذلك أنه قد أفاد أن الأرض قد كانت صارت عيونا كلها، وأن الماء كان يفور من كل مكان فيها، ولو أجري اللفظ على ظاهره--------------------------------------------
سورة القمر 12.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 315)

فقيل: وفجرنا عيون الأرض، أو العيون في الأرض، ولم يفد ذلك، ولم يدل عليه، ولكان المفهوم منه أن الماء قد كان فار من عيون متفرقة في الأرض، وتبجس من أماكن فيها1.
وآثرنا أن ننقل هذا النص برمته -على طوله- لكيلا نذهب بتصرفنا فيه جمال فكرته، ولقد بدا لنا عبد القاهر -بعبارته الفياضة هذه- مشغوفا بالتصوير القرآني، ناعما بأخيلته البارعة، مدركا تناسقه الجمالي الأخاذ، وإن كان هنا كسواه من بلغاء عصره واقفا عند لمحة من لمحات القرآن الجزئية، غير مستوف خصائص العامة، ولا طريقته الموحدة في التعبير المتحرك النابض بالحياة.
ثم يأتي بعد الواسطي الرماني2 "ت384" بكتابه في "الإعجاز"، ولم يصدر فيه عن رأي مبتكر، ولا استشفاف أدق لأسلوب القرآن، ثم يضع القاضي أبو بكر الباقلاني "ت403" كتابه المشهور "إعجاز القرآن" الذي جمع فيه كثيرا من المباحث البلاغية القرآنية ولكنه -على سعته وشموله- لا يصور إلا الفكرة السائدة عن الإعجاز في عصره، ممزوجة بالمسائل الكلامية الكثيرة التي تفقد الكتاب سماته في استقصاء الجمال الفني في القرآن.
نخلص من هذا كله إلى أن الباحثين القدامى في البلاغة القرآنية قد شغلوا أنفسهم بمسائل كثيرة هي أبعد ما تكون عن الجو الفني المحض، فلم يتح لهم شغفهم بالتبويب والتقسيم فرصة لإدراك الخصائص العامة المشتركة التي يصدر عنها كتاب الله في تصويره وتعبيره، فيهز النفوس، ويحرك المشاعر، ويفيض الدموع.
على أن النهضة الأدبية العربية في القرن الأخير قد وجهت أنظار الباحثين--------------------------------------------
1 دلائل الإعجاز ص79-80 وانظر تلخيص البيان للشريف الرضي ص220.
2 وقد طبعت رسالته "النكت في إعجاز القرآن" في دار المعارف بالقاهرة مع كتاب "بيان إعجاز القرآن" للخطابي، ورسالة عبد القاهر الجرجاني المسماة "بالرسالة الشافية" بتحقيق الدكتور محمد خلف الله والأستاذ محمد زغلول سلام.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 316)

إلى مقالات جديدة في عناصر الجمال الفني في القرآن، فللسيد رشيد رضا صاحب المنار لمحات موفقة في فهم القرآن، ومثل ذلك لأستاذه الشيخ محمد عبده، والسيد رشيد يذكرها له في تفسيره، ولمصطفى صادق الرافعي كلمات رائعة في هذا المجال في الجزء الثاني من كتابه "تاريخ آداب العرب" وقد خصه بالقرآن والبلاغة النبوية"، ولسيد قطب بعد هذا كله في كتابه "التصوير الفني في القرآن" تخريجات ذكية، واستنباطات سديدة، وأفكار ناضجة، في استلهام الجمال القرآني بأسلوب مشرق جذاب.
ولقد عني مصطفى صادق الرافعي عناية خاصة بالنظم الموسيقي في القرآن، فرأى: "أنه مما لا يتعلق به أحد، ولا يتفق على ذلك الوجه الذي هو فيه إلا فيه، لترتيب حروفه باعتبار من أصواتها ومخارجها، ومناسبة بعض ذلك لبعضه، مناسبة طبيعية في الهمس والجهر، والشدة والرخاوة، والتفخيم والترقيق، والتفشي والتكرير"1.
ولا بد لنا من ذكر بعض الأمثلة التي سردها، ليزداد رأيه وضوحا قال: "ولو تدبرت ألفاظ القرآن في نظمها، لرأيت حركتها الصرفية واللغوية تجري في الوضع والتركيب مجرى الحروف أنفسها فيما هي له من أمر الفصاحة، فيهيئ بعضها لبعض، ويساند بعضها بعضا، ولن تجدها إلا مؤتلفة مع أصوات الحروف، ومساوقة لها في النظم الموسيقي، حتى إن الحركة ربما كانت ثقيلة في نفسها لسبب من أسباب الثقل أيها كان، فلا تعذب ولا تساغ، وربما كانت أوكس النصيبين في حظ الكلام من الحرف والحركة، فإذا هي استعملت في القرآن رأيت لها شأنا عجيبا، ورأيت أصوات الأحرف والحركات التي قبلها قد امتهدت لها طريقا في اللسان، واكتنفتها بضروب من النغم الموسيقي، حتى إذا خرجت فيه كانت أعذب شيء وأرقه، وجاءت متمكنة في موضعها، وكانت لهذا الموضع أولى الحركات بالخفة والروعة.--------------------------------------------
1 تاريخ آداب العرب، للرافعي 2/ 225.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 317)

من ذلك لفظ "النُذُر" جمع نذير، فإن الضمة ثقيلة فيها لتواليها على النون والذال معا، فضلا عن جسأة هذا الحرف ونبوه في اللسان، وخاصة إذا جاء فاصلة للكلام، فكل ذلك مما يكشف عنه ويفصح عن موضع الثقل فيه. ولكنه جاء في القرآن على العكس وانتفى في طبيعته من قوله تعالى: {لَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ} 1 فتأمل هذا التركيب، وأنعم ثم أنعم على تأمله، وتذوق مواقع الحروف، وأجر حركاتها في حس السمع، وتأمل مواضع القلقلة في دال {لَقَدْ} وفي الطاء من {بَطْشَتَنَا} وهذه الفتحات المتوالية فيما وراء الطاء إلى واو {تَمَارَوْا} مع الفصل بالمد كأنها تثقيل لخفة التتابع في الفتحات إذا هي جرت على اللسان، لكيون ثقل الضمة عليه مستخفا بعد، ولتكون هذه الضمة قد أصابت موضعها، كما تكون الأحماض في الأطعمة"2.
ويرى الرافعي أن القرآن كان "نمطا واحد في القوة والإبداع، وأن مرد ذلك إلى روح التركيب التي تنعطف عليها جوانب الكلام الإلهي، وهذه الروح -على حد تعبيره: "لم تعرف قط في كلام عربي غير القرآن، وبها انفرد نظمه وخرج مما يطيقه الناس، ولولاها لم يكن بحيث هو، كأنما وضع جملة واحدة ليس بين أجزائها تفاوت أو تباين، إذ تراه ينظر في التركيب إلى نظم الكلمة وتأليفها، ثم إلى تأليف هذا النظم، فمن هنا تعلق بعضه على بعض، وخرج في معنى تلك الروح صفة واحدة هي صفة إعجازه في جملة التركيب كما عرفت، وإن كان فيما وراء ذلك متعدد الوجوه التي يتصرف فيها من أغراض الكلام ومناحي العبارات على جملة ما حصل به من جهات الخطاب، كالقصص والمواعظ والحكم والتعليم وضرب الأمثال إلى نحو مما يدور عليه"3.--------------------------------------------
1 سورة القمرة 36.
2 تاريخ آداب العرب، للرافعي 2/ 239.
3 تاريخ آداب العرب، للرافعي 2/ 260.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 318)

وإنما كان حرص الرافعي على الأصل اللغوي في الإعجاز، والتزامه له وعنايته به، لأنه كان آخذا نفسه بالكشف عن أسرار النظم الموسيقي في القرآن، هذا النظم الذي يشبه السحر والذي ألف العرب على تعاديهم، وكون منهم أمة واحدة تطرب للحن واحد تجتمع عليه قلوبها في الأرض بينما ترتفع به أرواحها في السماء.
وقد نحا سيد قطب في دراسته للقرآن منحى آخر، فلم تكن مفردات القرآن وحدها شاغلة له بموسيقاها، ولا تراكيب القرآن وحدها مستأثرة باهتمامه بتناسقها وترابطها، وإنما كان نظره مركزا في الأداة المفضلة للتعبير في كتاب الله، ولقد وجدها في التصوير وراح يتحدث عنها بأسلوب شعري يستهوي النفوس ويهديها بحق إلى جمال القرآن: "التصوير هو الأداة المفضلة في أسلوب القرآن: فهو يعبر بالصورة المحسة المتخيلة عن المعنى الذهني، والحالة النفسية، وعن الحادث المحسوس والمشهد المنظور، وعن النموذج الإنساني والطبيعة البشرية. ثم يرتقي بالصورة التي يرسمها فيمنحها الحياة الشاخصة، أو الحركة المتجددة. فإذا المعنى الذهني هيئة أو حركة، وإذا الحالة النفسية لوحة أو مشهد، وإذا النموذج الإنساني شاخص حي، وإذا الطبيعة مجسمة مرئية، فأما الحوادث والمشاهد، والقصص والمناظر، فيردها شاخصة حاضرة، فيها الحياة وفيها الحركة، فإذا أضاف إليها الحوار فقد استوت لها كل عناصر التخييل. فما يكاد يبدأ العرض حتى يحيل المستمعين نظارة، وحتى ينقلهم نقلا إلى مسرح الحوادث الأول الذي وقعت فيه أو ستقع، حيث تتوالى المناظر، وتتجدد الحركات، وينسى المستمع أن هذا كلام يتلى، ومثل يضرب، ويتخيل أنه منظر يعرض، وحادث يقع. فهذه شخوص تروح على المسرح وتغدو، وهذه سمات الانفعال بشتى الوجدانات، المنبعثة من الموقف، المتساوقة مع الأحداث، وهذه كلمات تتحرك بها الألسنة فتنم عن الأحاسيس المضمرة.
إنها الحياة هنا، وليست حكاية الحياة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 319)

فإذا ما ذكرنا أنا لأداة التي تصور المعنى الذهني والحالة النفسية، وتشخص النموذج الإنساني أو الحادث المرئي، إنما هي ألفاظ جامدة، لا ألوان تصور، ولا شخوص تعبر، أدركنا موضع الإعجاز في تعبير القرآن"1.
وفي الفصول التي تلي هذا الفصل من كتابه "التصوير الفني في القرآن" أنشأ سيد قطب يذكر الدليل إثر الدليل على صحة نظرته، وسلامة فكرته، فعقد فصلا للتخييل الحسي والتجسيم، وفصلا للتناسق الفني، وثالثا للقصة في القرآن، ثم عرض بعض النماذج الإنسانية التي تنطق بها الآيات مؤكدا في نهاية المطاف أن الجدل القرآني قائم على ضرب من المنطق الوجداني الذي تشترك فيه "الألفاظ المعبرة، والتعبيرات المصورة، والصور الشاخصة، والمشاهد الناطقة، والقصص الكثيرة"2.
ولعل الغاية التي انتهى إليها سيد قطب من فهم الأسلوب القرآني أن تكون أصدق ترجمة لمفهومنا الحديث لإعجاز القرآن، لأنها تساعد جيلنا الجديد على استرواح الجمال الفني الخالص في كتاب الله، وتمكن الدارسين من استخلاص ذلك بأنفسهم، والاستمتاع به بوجدانهم وشعورهم. ولا ريب أن العرب المعاصرين للقرآن قد سحروا قبل كل شيء بأسلوبه الذي حاولوا أن يعارضوه فما استطاعوا، حتى إذا فهموه أدركوا جماله ومس قلوبهم بتأثيره، لذلك سنقتصر في بحثنا هذا على الجانب الفني الخالص الذي نجده عنصرا مستقلا بنفسه كافيا لإثبات فكرة الإعجاز وخلود القرآن بأسلوبه الذي يعلو ولا يعلى. أما ما يتساوق مع هذا العنصر الجمالي الفني من الأغراض الدينية والعلمية التي توسع فيها السيد رشيد رضا، كاشتمال القرآن على العلوم الدينية والتشريعية، وتحقيقه مسائل كانت مجهولة للبشر، وعجز الزمان عن--------------------------------------------
1 سيد قطب، التصوير الفني في القرآن، ص33.
2 سيد قطب، التصوير الفني في القرآن، ص187.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 320)

إبطال شيء منه1 فهي أمور لا سبيل إلى إنكارها بل يقوم عليها من الأدلة والبراهين ما لا يحصى، غير أنها أدخل في معاني الفلسفة القرآنية منها في بلاغة القرآن، وليست هي مادة التحدي لفصحاء العرب، وإنما تحدى القرآن العرب بأن يأتوا بمثل أسلوبه، وأن يعبروا بمثل تعبيره، وأن يبلغوا ذروته التي لا تسامى في التصوير، فما إعجاز هذا الكتاب الكريم إلا سحره. ولقد فعل سحره هذا فعله في القلوب في أوائل الوحي، قبل أن تنزل آياته التشريعية، ونبوءاته الغيبية، ونظراته الكلية الكبرى إلى الكون والحياة والإنسان.
ونحن إذا ألقينا نظرة على كتاب من الكتب التقليدية في "علوم القرآن" -كإتقان السيوطي مثلا- لنستخلص مه ما يتعلق بالأسلوب القرآني فقط باعتباره وجها من وجوه الإعجاز بالنسبة إلى السلف؛ وقعنا على أبواب مختلفة توحي عناوينها بالكثير مما ينطق به مفهومنا الحديث للإعجاز، ولكننا حين نمضي في قراءتها لا نستطيع أن نتملى فيها جمال القرآن، وإنما نكون بها فكرة عن ولوع علمائنا الأقدمين بالتفريع والتبويب واستنباط القواعد البلاغية الكثيرة من الشواهد القليلة، ها هو ذا السيوطي يصهر في "إتقانه" جميع المباحث القرآنية البلاغية التي التقطها من عدد لا يستهان به من المصنفات السابقة، وهو يشير إليها بأمانة وإخلاص، فيدرس تشبيه القرآن واستعارته، وكنايته وتعريضه وحقيقته ومجازه، وحصره واختصاصه، وإيجازه وإطنابه، وخبره وإنشاءه، وجدله وأمثاله وأقسامه، فلا يكاد يفوته فن من فنون القرآن الأدبية، ولا يكاد ينسى جملة مستجادة لأحد المفسرين يبرز بها موطنا من مواطن الجمال القرآني، ونحنى مع ذلك -بإكبارنا العنصر الأسلوبي وإشادتنا به عنصرا أساسيا في الإعجاز- لا نستطيع أن نكتشف في شيء من تلك المباحث التقليدية منبع السحر الأصيل للقرآن. إلا أننا لشديد ثقتنا بأن السحر كامن في صميم النسق القرآني في كل مقطع منه ومشهد، سنستعير بعض عناوين "الإتقان" وبعض الشواهد القرآنية مع تعقيب السيوطي عليها، ثم نتبعها بطريقة فهمنا لها وتملينا مواطن الجمال فيها، ولن يضيرنا أن تكون عناوين أبحاثنا مشتركة، لأن الاصطلاحات الخارجية الشكلية لا تغير شيئا من روحانية القرآن الداخلية العميقة.--------------------------------------------
1 انظر تفسير المنار، ج1 ص198 إلى 238 "فصل في تحقيق وجوه الإعجاز، بمنتهى الاختصار والإيجاز" وقد جرى على هذا الزرقاني في مناهل العرفان، في بحثه من إعجاز القرآن، ج2 ص227 إلى 278.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 321)

‌‌تشبيه القرآن واستعارته:
يذكر السيوطي في هذا الباب تعريف التشبيه وأدواته وأقسامه باعتبار طرفيه وباعتبار وجهه، حتى إذا قسمه باعتبار وجهه إلى مفرد ومركب قال: "والمركب أن ينتزع وجه الشبه من أمور مجموع بعضها إلى بعض، كقوله: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} 1 فالتشبيه مركب من أحوال الحمار، وهو حرمان الانتفاع بأبلغ نافع مع تحمل التعب في استصحابه، وقوله: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ} إلى قوله: {كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ} 2: فإن فيه عشر جمل وقع التركيب من مجموعها بحيث لو سقط منها شيء اختل التشبيه، إذ المقصود تشبيه حال الدنيا في سرعة تقضيها، وانقراض نعيمها، واغترار الناس بها، بحال ماء نزل من السماء، وأنبت أنواع العشب، وزين بزخرفها وجه الأرض كالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة، حتى إذا طمع أهلها فيها وظنوا أنها مسلمة من الجوائح أتاها بأس الله فجاءة، فكأنها لم تكن بالأمس"3.
وإنه ليعنينا أن نقف قليلا عند تشبيه الحياة الدنيا، فلقد أصاب السيوطي في استخلاص وجه الشبه، وتقسيمه هذا التركيب القرآني إلى عشر جمل،--------------------------------------------
1 سورة الجمعة 5.
2 سورة يونس 24.
3 الإتقان 2/ 70، 71 وفي "تلخيص البيان في مجازات القرآن للشريف الرضي ص155": {أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا} أي: لبست زينتها بألوان الأزهار، وأصابيغ الرياض كما يقال أخذت المرأة قناعها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 322)

أما موضع الجمال الحقيقي في هذا المشهد -مشهد الحياة القصيرة التي يوشك أن تزول- فلم يتتبعه السيوطي في تنسيق الجمل العشر، والصور التي تطويها كل جملة منها في أوقات يتفاوت عرضها الخيالي طولا وقصرا، لأن هذا التفاوت في العرض الخيالي تبعا لمراحل المشهد المصور لم يكن جزءا من التشبيه المركب، فما على السيوطي إلا أن يذكر المعنى العام للآية، وقد وفق فيه وأجاد، وإن علينا نحن أن نشير إلى المراحل التي أبطأ فيها التصوير وتمهل، أو التي اندفع فيها وأسرع، حتى تم لهذا المشهد القرآني من الإعجاز بالألفاظ الجامدة ما لا يتم من الإبداع بالريشة والألوان.
لقد استخدمت في هذا المشهد الوسائل المقصرة لعرض مراحل النبات: فالفاء التعقيبية تطوي المشاهد بسرعة عظيمة: ما كاد الماء ينزل من السماء حتى اختلط به نبات الأرض مباشرة، وأصبح فجاءة في متناول الناس يأكلونه والأنعام تتمتع به، {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ} ولكن أهل هذه الأرض المتمتعين بنباتها البهيج يمتد بهم الغرور، وليجون في اللهو كأنهم يعيشون أبدا، وكأنهم يقدرون على إخلاد الأرض وإخلاد أنفسهم فيها، غارقين في متعها، متقلبين في نعمائها، مسحورين بزخرفها، فاستخدمت "حتى" الدالة على امتداد الصور امتدادا يعرف أوله ويجهل منتهاه، وتتابعت أوصاف الغرور الإنساني تترى، لكل وصف منها تعبير متمهل متبطئ، فأما الأرض فشخصت مرتين، وقامت بحركتين، إذا أخذت بنفسها زخرفها كما تفعل العروس في يوم جلوتها، وتطلبت الزينة تطلبا وسعت إليها سعيا فلم تزين ولكنها ازينت، وأما أهل الأرض فانتفخت أوداجهم زهوا واختيالا، وصعروا خدودهم عجبا وكبرا، وأيقنوا -وإن كان يقينهم ظنا وخيالا- أنهم في الأرض على كل شيء قادرون، ولكن الظن لا يغني من الحق شيئا، وهذه الآماد الطوال كلها ليست إلا ومضات خيالية تزول كما تزول الأطياف، ففي لحظة من ليل أو نهار يأتي تلك الأرض أمر الله فيطوي تلك الأخيلة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 323)

الكواذب في وقت كلمح البصر بل هو أقرب، {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} وانظر فما من زخرف، وانظر فما من زينة، ثم انظر فالناس المغرورون أعجز من أن يتصوروا ولو بالخيال ربوعهم ومغانيهم في تلك الأرض التي أصبح نباتها حصيدًا هشيما تذروه الرياح {حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} .
ويذكر السيوطي بعد ذلك في الباب نفسه ما يتعلق بالاستعارة، ويقسمها باعتبار أركانها إلى خمسة أقسام، ويستشهد بوفرة من الأمثلة على كل قسم منها، فإذا مر بقوله تعالى: {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} 1 جعل ذلك من باب استعارة محسوس لمحسوس بوجه محسوس، وأوضح ذلك بقوله: "استعير خروج النفس شيئا فشيئا لخروج النور من المشرق عند انشقاق الفجر قليلا قليلا، يجامع التتابع على طريق التدريج، وكل ذلك محسوس"2. وقد فاته أن ينبه هنا على ظاهرة التشخيص، وسمتها في القرآن واضحة كل
الوضوح، فالحياة تخلع في هذه الآية على الصبح، حتى لقد صار كائنا حيا يتنفس، بل إنسانا ذا عواطف وخلجات نفسية تشرق الحياة بإشراقة من ثغره المنفرج عن ابتسامة وديعة وهو يتنفس بهدوء، وإذا تلا قوله تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} 3 لم ير في ذلك إلا ضربا من استعارة محسوس لمعقول بوجه عقلي "فالقذف والدمغ مستعاران وهما محسوسان، والحق والباطل مستعار لهما وهما معقولان"4: فما في التعبير بالقذف من إيحاء، وبالدفع من--------------------------------------------
1 سورة التكوير 18.
2 الإتقان 2/ 74 وأجمل من هذا قول الشريف الرضي "في مجازات القرآن 360": "والتنفس هنا عبارة عن خروج ضوء الصبح من عموم غسق الليل، فكأنه متنفس من كرب، أو متروح من هم".
3 سورة الأنبياء 18.
4 الإتقان 2/ 74.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 324)

إشعاع، يظل غامضا بهذا التفسير، ولكن جمال النص يكاد ينطق بالإفصاح عن نفسه حين نتخيل في الآية الحق -وهو معنى مجرد- أشبه بالجسم القوي العنيف الذي ينفذ في جسم الباطل الضعيف الخفيف، فيرزح الباطل تحت وطأة الحق الشديدة التي تدمغه وتكاد تلصقه بالتراب، وتزهق روحه. وهكذا يجتمع في هذا المثل التجسيم والتشخيص والتخييل، وأما التجسيم ففي تصوير الحق بالقذيفة الثقيلة، وأما التشخيص ففي دمغ الحق الباطل وإزهاقه إياه، وأما التخييل ففي تصور نوع الثقل الذي تحدثه حركة القذف ثم الدمغ ثم الإزهاق، فإنها أصوات شداد توشك أن تكون صدى لعظام الباطل، وهي تتحطم وتقعقع1. وإذا قرأ السيوطي قوله تعالى في وصف جهنم: {إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ، تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ} 2 لم يجد في هذا المشهد المروع إلا استعارة معقول لمحسوس والجامع عقلي، مع أن تشخيص جهنم في هذه الآية هو الذي يجعل المشهد حافلا بالحياة والحركة، فهي مغيظة محنقة تحاول أن تكظم غيظها حين أالقي إليها المجرمون، ولكأن منظرهم البشع كان أشد من أن تتحمله وتصبر عليه، فتلقتهم بألسنة لهبها وهي تئز وتشهق، وبمهلها وقطرانها وهي تغلي وتفور، حتى كاد صدرها ينفجر حقدا عليهم، ومقتا لوجوههم السود. فليس في الصورة استعارة معقول لمحسوس فقط، وإنما استعيرت لجهنم شخصية آدمية، لها انفعالات وجدانية، وخلجات عاطفية، فهي تشهق شهيق الباكين، وهي تغضب وتثور، وهي ذات نفس حادة الشعور3.
لسنا ندعي أن تحليلات الأقدمين لمشاهد القرآن الفنية لم تكن تتيح لهم أن--------------------------------------------
1 ولقد أصاب الشريف الرضي حين لاحظ أن "الدمغ إنما يكون عن وقوع الأشياء الثقال وعلى طريق الغلبة والاستعلاء، فكأن الحق أصاب دماغ الباطل فأهلكه" مجازات القرآن 228.
2 سورة الملك 7-8.
3 ولقد تملى الشريف الرضي جمال هذه الصورة حين رأى أن الله سبحانه "وصف النار بصفة المغيظ الغضبان، الذي من شأنه أن يبالغ في الانتقام، ويتجاوز الغايات في الإيقاع والإيلام" مجازات القرآن ص339.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 325)

يستشعروا جمال هذا الكتاب الكريم، وإنما نريد أن نقول: إن استشعارهم ذلك الجمال كان بطبيعة الحال متأثرا بمنهجهم الذي يجعل للقاعدة البلاغية المكان الأول، ولكن للتقعيد مساوئ كثيرة أهمها أن جفاف العاطفة يفقد المشهد المرسوم قيمته التصويرية الفنية. ولذلك نجد لزاما علينا أن نشيد ببعض التحليلات الموفقة التي تبرز جمال الصورة القرآنية عند علمائنا السالفين، فالسيوطي لدى تفسير قوله تعالى {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} 1 ينقل خلاصة آراء البلاغيين في الاستعاضة عن "بلغ" بـ"اصدع"، ويكاد تعقيبه يشعرك بأنه أدرك أن الاستعارة هنا ضرب من التجسيم مع التخييل لشيء معنوي مجرد، فهو يقول: "استعير الصدع -وهو كسر الزجاجة، وهو محسوس- للتبليغ وهو معقول، والجامع التأثير، وهو أبلغ من "بلغ" وإن كان بمعناه لأن تأثير الصدع أبلغ من تأثير التبليغ، فقد لا يؤثر التبليغ، والصدع يؤثر جزمًا"2، وكأن السيوطي يقول بتعبير آخر: إن ما أمر به عليه الصلاة والسلام جسم فأصبح مادة سريعة العطب قابلة للشق والكسر، فليصدعها بقوة وليخيل إلى قارئ هذه العبارة أنه يسمع حركة هذه المادة المصدوعة، فذلك أدل على نفاذ تبليغه إلى القلوب من أية صغية أخرى. ولك أن تستحسن أيضا تذوقه جمال هذه الاستعارة في قوله تعالى: {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ} 3 فإنه يقول: "شبه ميلانه للسقوط بانحراف الحي، فأثبت له الإرادة التي هي من خواص العقلاء"4. ومن ذلك قوله في {وَاعْتَصِمُوا--------------------------------------------
1 سورة الحج 94.
2 الإتقان 2/ 75 "وقارن بمجازات القرآن للشريف الرضي ص189" وينقل السيوطي في تفسير هذه الآية عن ابن أبي الأصبع أن معناها صرح بجميع ما أوحي إليك، وبلغ كل ما أمرت ببيانه وإن شق ذلك على بعض القلوب فانصدعت، والمشابهة بينهما فيما يؤثره التصريح في القلوب فيظهر أثر ذلك على ظاهر الوجوه من القبض والانبساط، ويلوح عليها من علامات الإنكار والاستبشار، كما يظهر على ظاهر الزجاجة المصدوعة" الإتقان ج2 ص92.
3 سورة الكهف 77.
4 الإتقان 2/ 76 وقارن بالبرهان 2/ 291، وتأويل مشكل القرآن لابن قتيبة 10.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 326)

بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا} 1: "شبه استظهار العبد بالله ووثوقه بحمايته، والنجاة من المكاره، باستمساك الواقع في مهواة بحبل وثيق مدلى من مكان مرتفع يأمن انقطاعه". ومن ذلك قوله في {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} 2: "أصل الموج حركة الماء، فاستعمل في حركتهم على سبيل الاستعار، والجامع سرعة الاضطراب وتتابعه في الكثرة"3.
والخلاصةن أننا لا نريد أن نستبدل التجسيم والتشخيص والتخييل بعبارات البلاغيين القدامى "التشبيه والاستعارة وما شابه ذلك" لأن هذه التسميات المختلفة شكليات لا تمس جوهر الموضوع في شيء، وإنما نريد ألا نغفل عن الحياة والحركة والتناسق الفني في المشاهد القرآنية، فإنها أوضح من أن تكتم، وأقوى من أن تهمل، وبعد ذلك فلنعبر عن الصورة المحسة أو المتخيلة بالتعبير الذي نؤثره، فإما يكون من الاصطلاحات القديمة التي تبث فيها الحياة وتنفخ فيها الروح، وإما أن يكون بألفاظنا الحديثة السهلة التي تنفر من التعقيد وتأبى كلفة التقعيد، وتصور الحياة بريشة الحياة نفسها وبأصباغها الزاهية وألوانها البديعة.--------------------------------------------
1 سورة آل عمران 103 وانظر الإتقان 2/ 76.
2 سورة الكهف 100.
3 الإتقان 2/ 74 وقارن بمجازات القرآن 217.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 327)

‌‌المجاز والكناية:
لقد استدعى بحثنا عن التشبيه والاستعارة أن نجري شيئا من التعديل في تصورنا طريقة القرآن في التعبير، كما كان يفهمها علماؤنا السالفون رضي الله عنهم وأرضاهم، ونفعنا بعلومهم، وكان هذا التعديل الطفيف ضروريا بالنسبة إلى التشبيه والاستعارة لقيام أكثر الصور المفصلة على أحدهما، وتركبها منهما. فغير هذين البابين قلما يحوجنا إلى تعديل في تصوره أو فهمه، فنستطيع أن ندرسه على ما نجده في ثنايا الكتب القديمة، لأنه يدخل في التصوير

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 327)

العام، أو التعبير المجمل، الذي برع الأقدمون في تفريعه وتبويبه وتوفير الشواهد عليه، وفهموه من ورح التركيب في كل نص على حدة، تستوي في ذلك مباحثهم عن المجاز العام الذي ليست علاقته المشابهة، وعن الكناية وأنواع الرمز بها، وعن الإيجاز والمساواة والإطناب، وعن الخبر والإنشاء، وما شابه ذلك. ولقد يتيسر لأحدنا لدى عرض تلك المباحث وشواهدها ذوق خاص يود لو يضيفه إلى المفهومات القديمة، ولكن ذلك لن يغير من طبيعة الموضوع شيئا، لأن علماءنا السالفين كانوا في ذلك كله أقرب منا إلى النبع وأقدر منا على تتبع خصائص الأسلوب العربي، ولا سيما الأسلوب القرآني. فما يضيفه أحدنا إلى ملاحظاتهم وتوجيهاته ليس إلا قبسا من نارهم وشعاعا من نورهم.
فلنسمع إليهم يحدثونا عن مجاز القرآن، ولنستجد ما استجادوه من ألوان التعبير المجازي، فنحن معهم أمام ما سموه بالمجاز العقلي الذي علاقته المشابهة، وهو واقع في التركيب، وأمام ما سموه بالمجاز اللغوي الذي يستعمل فيه اللفظ في غير ما وضع له، وهو واقع في المفرد. ولن نخوض الآن معهم في أقسام كل من المجازين، فلتفصيل ذلك نرجع إلى كتب البلاغة، وإنما نتباعهم في بعض شواهدهم، فمن المجاز العقلي ما يكون أحد طرفيه حقيقيا دون الآخر كقوله تعالى: {فَأُمُّهُ هَاوِيَة} 1 قالوا في توضيح ذلك: "فاسم الأم "الهاوية" مجاز، أي: كما أن الأم كافلة لولدها وملجأ له، كذلك النار للكافرين كافلة ومأوى ومرجع"2،
وهذا فهم سديد، خصوصا إذا وقفنا عند هذا التركيب وحده ولم نربطه بالنسق القرآني الذي صاحبه، فإن ربطناه به وقرأنا الآيات كلها {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ، فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ، نَارٌ حَامِيَةٌ} 3 تجلى لنا من مجموع المشهد معنى آخر لطيف، فالأعمال المعنوية جسمت ووزنت بموازين حسية، فإذا هي خفاف ترتفع بها كفة الموازين،--------------------------------------------
1 سورة القارعة 9.
2 الإتقان 2/ 60.
3 سورة القارعة 8-11.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 328)

فلا يقابل خفتها وارتفاعها إلا هاوية سحيقة منخفضة في الدرك الأسفل من النار الحامية التي لا يكون للمجرم في ذلك الهول أم سواها يلجأ إليها ويعتصم بها. وساءت ملجأ ومعتصمًا!.
ومن المجاز اللغوي إطلاق اسم الكل على الجزء، نحو {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ} 1 أي: أناملهم، ونكتة التعبير عنها بالأصابع الإشارة إلى إدخالها على غير المعتاد مبالغة في الفرار2، وفي ذلك تصوير لحالتهم النفسة وما أصابهم من الذعر والهلع وهم يولون هاربين.
ومن الغريب حقا أن بعض العلماء أنكروا وقوع المجاز في القرآن "منهم الظاهرية3 وابن القاص4 من الشافعية، وابن خويز منذاذ5 من المالكية، وشبهتهم أن المجاز أخو الكذب والقرآن منزه عنه، وأن المتكلم لا يعدل إليه إلا إذا ضاقت به الحقيقة فيستعير، وذلك محال على الله". لكن الذين تذوقوا جمال الأسلوب القرآني يرون أن هذه الشبهة باطلة، "ولو سقط المجاز من القرآن لسقط منه شطر الحسن، فقد اتفق البلغء على أن المجاز أبلغ من الحقيقة، ولو وجب خلو المجاز من القرآن لوجب خلوه من الحذف والتوكيد وتثنية القصص وغيرها"6.
وإذ كان بعض العلماء يعتبر الكناية ضربا من ضروب المجاز، أنكر وقوعها في القرآن منكرو المجاز فيه. ولكن للكناية مفهوما آخر غير مفهوم--------------------------------------------
1 سورة البقرة 19.
2 الإتقان 2/ 60 "وانظر البرهان 2/ 262".
3 هم أهل الظاهر، أتباع الإمام داود بن علي بن خلف المعروف بالظاهري لأخذه بظاهر النصوص.
4 ابن القاص هو أحمد الطبري أبو العباس، من فقهاء الشافعية، من كتبه "أدب القاضي" توفي سنة 335هـ "طبقات الشافعية 2/ 103".
5 ابن خويز منذاذ "بمعجمتين أو إهمال الأولى" من علماء المالكية، تلميذ الأبهري، توفي في حدود سنة 400هـ.
6 الإتقان 2/ 59.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 329)

المجاز، فهي لفظ أريد به لازم معناه، وهي -على هذا- كثيرة في القرآن، لأنها من أبلغ الأساليب في الرمز والإيماء، وللقرآن قصد إلى الرمز في مواطن لا يجمل فيها التصريح، فإذا أراد الله أن يعبر عن الغاية من المعاشرة الزوجية -وهي التناسل- رمز إلى ذلك بلفظ "الحرث" في قوله: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} 1 ويكمل وصف تلك العلاقة بين الزوجين -بما فيها من مخالطة وملابسة- بأنها لباس من كل منهما للآخر {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} 2. ومن هذا الباب في الإيماء اللطيف الذي يعلمنا أدب التعبير {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} 3، {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} 4، {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا} 5. ومن أجمل الكنايات في مثل هذه المعاني {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} 6 {وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ} 7 لأن المراد بالفروج هنا فروج القمصان والثياب8، فما تنفرج ثياب المؤمنين عن ريبة ولا تنكشف دروع المؤمنات عن منكر، بل المؤمنون والمؤمنات نقية ثيابهم طاهرة أذيالهم عفيفة أنفسهم، على حد قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّر} 9 كناية عن عفة النفس وطهارة الذيل10، ولذلك سموا هذا النوع من التعبير "كناية عن كناية"، وبه قال المفسرون في تأويل قوله تعالى: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا} 11، فإحصانها فرجها كناية عن طهارة ذيلها--------------------------------------------
1 سورة البقرة 223 "وانظر الإتقان 2/ 79".
2 سورة البقرة 187 "وانظر البرهان 2/ 304 ومجازات القرآن 354".
3 سورة النساء 43.
4 سورة البقرة 187.
5 سورة الأعراف 189 "وانظر البرهان 2/ 304".
6 سورة المؤمنون 5.
7 سورة الأحزاب 35.
8 انظر البرهان 2/ 305.
9 سورة المدثر 4.
10 مجازات القرآن 353؛ تأويل مشكل القرآن 107.
11 سورة التحريم 12.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 330)