Arabic source text

📘 আল-আরশ লিয-যাহাবী (শামস আদ-দীন আদ-দাহাবী - মৃত্যু 748 হিজরী)

📘 العرش للذهبي (شمس الدين الذهبي - ت 748 هـ)

📘 আল-আরশ লিয-যাহাবী (শামস আদ-দীন আদ-দাহাবী - মৃত্যু 748 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
ولذلك فقد ذكر كثير من العلماء أن هذا القول في الكرسي قد حصل عليه إجماع السلف.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الكرسي ثابت بالكتاب والسنة وإجماع السلف"1.
وقال شارح العقيدة الطحاوية: "وإنما هو -الكرسي- كما قال غير واحد من السلف بين يدي العرش كالمرقاة إليه"2.
وقال محمد بن عبد الله بن زمنين: "ومن قول أهل السنة أن الكرسي بين يدي العرش وأنه موضع القدمين"3.
وقال القرطبي: "والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق بين يدي العرش، والعرش أعظم منه"4.--------------------------------------------
1 الفتاوى (6/584) .
2 شرح العقيدة الطحاوية (ص313) .
3 أصول السنة (ص96) .
4 تفسير القرطبي (3/276) .

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٥٣)

كما أن أهل اللغة لا يعرفون معنى الكرسي غير هذا المعنى، قال الزجاج: "والذي نعرفه من الكرسي في اللغة: الشيء الذي يعتمد ويجلس عليه، فهذا يدل على أن الكرسي عظيم دونه السموات والأرض"1.
وقال ثعلب: "الكرسي ما تعرفه العرب من كراسي الملوك"2.
ومن هذا كله يتبين لنا مدى صحة هذا القول وموافقته للكتاب والسنة وإجماع الأمة، ومطابقته لما جاء في لغة العرب، وأما الأقوال الأخرى فهي أقوال باطلة ومخالفة لما عليه جمهور أهل السنة من سلف الأمة وخلفها.
وأما ما استدل به أهل القول الأول من قول ابن عباس، فهو غير صحيح كما بيناه في تخريجه، والصحيح عن ابن عباس هو قوله: "الكرسي موضع القدمين...."، وهذه رواية اتفق أهل العلم على صحتها.
وأما القول الثاني: إن الكرسي هو العرش نفسه، فلم يثبت عن الحسن البصري، لأن في إسناده جوبيراً وهو متفق على ضعفه، وقال فيه الحافظ ابن حجر: "ضعيف جداً".
وقال ابن كثير: "رواه ابن جرير من طريق جوبير، وهو ضعيف، وهذا لا يصح عن الحسن بل الصحيح عنه وعن غيره من الصحابة--------------------------------------------
1 تهذيب اللغة (10/53) .
2 تهذيب اللغة (10/53) .

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٥٤)

والتابعين أنه غيره"1.
وقال البيهقي عند الكلام على هذا القول: "هذا ليس بمرضي، والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق بين يدي العرش، والعرش أعظم منه"2.
ومساندة ابن جرير الطبري لهذا القول غير صحيحة، لأن حديث عبد الله بن خليفة ضعيف كما تقدم.
أما القول الثالث: فهو قول مخالف لما دلت عليه الأحاديث والآثار، ومخالف لما عليه الجمهور من أهل السنة والجماعة ومخالف للغة العربية، وهو تأويل باطل ترده الأحاديث، وهو أيضاً تكذيب بالكرسي، وتكذيب للأحاديث الصحيحة التي دلت على وجود الكرسي.
وأما القول الرابع: فيكفي في إثبات بطلانه أن جماعة من أنفسهم ردوا عليهم هذا القول كما ذكره ابن كثير وبالإضافة إلى ذلك فإن أصحاب هذا القول ليس لديهم أي دليل على قولهم هذا كما سبق وأن بيناه في قولهم في العرش.--------------------------------------------
1 البداية والنهاية (1/13) .
2 الأسماء والصفات

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٥٥)

‌‌القسم الثاني: التعريف بالمؤلف والكتاب
‌‌الفصل الأول: التعريف بالمؤلف

الفصل الأول: التعريف بالمؤلف
أولاً: اسمه وكنيته1
هو الشيخ الإمام الحافظ الكبير، مؤرخ الإسلام، شيخ المحدثين،--------------------------------------------
1 من مصادر ترجمته: الوافي بالوفيات للصفدي (2/163) .البداية لابن كثير (14/225) .شذرات الذهب لابن العماد (6/153) .طبقات الحفاظ للسيوطي (ص517) .طبقات الشافعية الكبرى (9/100، ترجمة رقم 1306) .الدرر الكامنة لابن حجر (3/426) .البدر الطالع للشوكاني (2/110) .غاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري (2/71) .النجوم االزاهرة (10/182) .نكت الهميان للصفدي (ص241) .ذيل تذكرة الحفاظ للحسيني (ص34، 347) .الرد الوافر لابن ناصر الدين (ص31-32) .رونق الألفاظ لسبط ابن حجر (ق180) .مقدمة سير أعلام النبلاء لبشار عواد (1/7-146) .الذهبي ومنهجه في كتابه التاريخ لبشار عواد.
طبقات الشافعية للأسنوي (1/558، ترجمة رقم 514) .الدارس في أخبار المدارس (1/78) .وفيات الأعيان (2/370، ترجمة رقم 391) .الدليل الشافي على المنهل الصافي (2/591، ترجمة رقم 2029) .هدية العارفين (8/289) .الأعلام (6/222) .معجم المؤلفين (8/289) .

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٦١)

محدث العصر، وخاتمة الحفاظ، شمس الدين، أبو عبد الله، محمد بن أحمد ابن عثمان بن قايماز بن عبد الله الذهبي التركماني الفارقي ثم الدمشقي، الشافعي، المقرئ.
ثانياً: أصله
يرجع الذهبي إلى أصول تركمانية، فقد قال الذهبي عن جد أبيه قايماز: "قايماز ابن الشيخ عبد الله التركماني الفارقي، جد أبي … "1 وكذا قال في جده عثمان2.
فهو من أسرة تركمانية الأصل، سكنت مدينة مَيَّافارقين من أشهر مدن ديار بكر3.
ويرجع في ولائه4 إلى بني تميم، فقد ذكر بشار عواد في ترجمته للذهبي أن الذهبي كتب بخطه على طرة المجلد التاسع عشر من "تاريخ--------------------------------------------
1 أهل المائة فصاعداً للذهبي (ص137) .
2 معجم الشيوخ (1/436، ت رقم 495)
3 معجم البلدان (4/703) .
4 الولاء على ثلاثة أقسام:
أ- ولاء عتق: وهو الغالب بحيث ينسب إلى من أعتقه.
ب- ولاء إسلام: وذلك بأن يسلم العجمي على يد العربي.
ج- ولاء حلف: وذلك بأن يكون الشخص حليفاً لقبيلة فينسب إليها.
انظر المنهل الراوي من تقريب النواوي (ص199-200) .

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٦٢)

رابعاً: مولده:
ولد في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وسبعين وستمائة1.
وذكر ابن حجر أن مولده في الثالث من الشهر المذكور2.
وكان مولده في مدينة دمشق3.
خامساً: أسرته
عاش الذهبي في أجواء أسرة متدينة متعلمة ميسورة الحال، الأمر الذي ساعده على التحصيل العلمي منذ نعومة أظفاره.
فمن جهة والده، كان والده شهاب الدين أحمد بن عثمان قد طلب العلم، وسمع الصحيح من المقداد القيسي سنة (666هـ) ، وقد ترجم له الذهبي في معجم شيوخه4، وقد توفي والده سنة (697هـ) .--------------------------------------------
1 انظر: طبقات القراء (ص459) .والوافي بالوفيات (2/164) .ونكت الهميان (ص242) .ذيل تذكرة الحفاظ (34/348) .طبقات الحفاظ للسيوطي (ص518، ت رقم 1146) .شذرات الذهب (6/154) .
2 الدرر الكامنة (3/426) .
3 ذيل تذكرة الحفاظ (34) .
4 معجم شيوخ الذهبي (1/75، ت رقم 60) .

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٦٤)

وكذلك استفاد الذهبي من عمته ست الأهل بنت عثمان بن قايماز، وهي أمه من الرضاعة، وكان قد أجاز لها ابن أبي اليسر، وجمال الدين بن مالك، وزهير بن عمر الزرعي، وجماعة. وسمعت من عمر بن القواس وغيره.
فروى الذهبي عنها، وكانت وفاتها سنة (729هـ) 1.
ولكن لم تكن أسرة والده عريقة في العلم مشهورة به، فجد الذهبي عثمان ابن قايماز يقول عنه الذهبي: "رجل أُمِّيٌّ" وكان نجاراً، وقد توفي سنة (683هـ) ، وقد ترجم له الذهبي في معجم الشيوخ2.
وكذلك جد أبيه قايماز بن عبد الله، فلم يذكر الذهبي أن له اشتغالاً بالعلم، وذكر أنه توفي عن مائة وتسع سنين، وقد عُمِّرَ وأضر بآخره، وكانت وفاته سنة إحدى وستين وستمائة3.
وأما من جهة والدته: فإنها ابنة علم الدين، أبو بكر سنجر بن عبد الله الموصلي، قال عنه الذهبي: "كان خيراً، عاقلاً، مديراً للمناشير بديوان الجيش، مات سنة (680هـ") 4.--------------------------------------------
1 المصدر السابق (1/284-285، ت رقم 311) .
2 المصدر السابق (1/436، ت رقم 495) .
3 أهل المائة فصاعداً (ص137) .معجم الشيوخ (1/436) .
4 معجم الشيوخ (1/275-276، ت رقم305) .

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٦٥)

وقد أفاد الذهبي من خاله علي بن سنجر بن عبد الله الموصلي، وقال في ترجمته: "الحاج المبارك، أبو إسماعيل -خالي-، مولده في سنة ثمان وخمسين وستمائة، وسمع بإفادة مؤدبه ابن الخباز من أبي بكر الأنماطي، وبهاء الدين أيوب الحنفي، وست العرب الكندية. وسمع معي ببعلبك من التاج عبد الخالق وجماعة، وكان ذا مروءَةٍ وكد على عياله، وخوف من الله. توفي في الثالث والعشرين من رمضان سنة ست وثلاثين وسبعمائة"1.
وفي محيط أسرته استفاد الذهبي من زوج خالته فاطمة، واسمه أحمد ابن عبد الغني بن عبد الكافي الأنصاري الذهبي، المعروف بابن الحرستاني، وقد سمع الحديث ورواه، وكان حافظاً للقرآن الكريم، كثير التلاوة له. توفي بمصر سنة (700هـ) 2.
سادساً: نشأته في طلب العلم:
كانت أهم العوامل التي أثرت في التكوين العلمي للإمام الذهبي في بداية طلبه للعلم، أسرته وبلده.
أما أسرته، فهو كما أسلفنا من أسرة متدينة متعلمة، ميسورة الحال،--------------------------------------------
1 المصدر السابق (2/27-28، ت رقم529) .
2 المصدر السابق (1/68-69، ت رقم54) .

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٦٦)

الأمر الذي ساعد -بعد توفيق الله تعالى- على دفع الذهبي إلى كتاتيب تعليم القرآن في صغره، والتفرغ بعد ذلك لطلب العلم وتحصيله من ريعان شبابه، بدلاً من الانشغال في تحصيل قوته وطلب رزقه. ولم يكن يكدر صفو هذه النعمة إلا امتناع والده عن السماح له بالرحلة في طلب العلم إلا في رحلات قصيرة لا تتجاوز أربعة أشهر، وذلك لخوفه عليه وشدة تعلقه به.
وقد عبر الذهبي عن تحسره لعدم الالتقاء ببعض الشيوخ لهذا المانع ومن ذلك قوله: "وكنت أتحسر على الرحلة إليه، وما أتجسر خوفاً من الوالد، فإنه كان يمنعني"1 وقال في موضع آخر: "ولم يكن الوالد يمكنني من السفر"2.
وأما العامل الثاني، فهو بلده دمشق التي كانت تجمع في ذلك العصر شموس العلم من أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ المزي وغيرهما، فقد حظي الذهبي برفقة هؤلاء والإفادة منهم، وأضف إلى ذلك اشتهار دمشق في ذلك الحين بكبريات دور الحديث، كدار الحديث الظاهرية، ودار الحديث السكرية، ودار الحديث الأشرفية، وغيرها. فقد كانت دمشق في ذلك العصر مركز إشعاع علمي وخاصة في علوم الحديث،--------------------------------------------
1 معرفة القراء للذهبي (ص556) .
2 المصدر السابق (ص551) .

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٦٧)

وخير شاهد على ذلك ما نراه بين أيدينا من مؤلفات وموسوعات علمية كتبت في تلك الحقبة الزمنية التي عاشها الذهبي.
وقد بدأ الذهبي بدايته العلمية بحفظ كتاب الله تعالى، وتعلم مبادىء القراءة والكتابة، وذلك على يد أحد المؤدبين، واسمه علاء الدين علي بن محمد الحلبي، المعروف بالبصبص، حيث أقام الذهبي في مَكْتَبِه أربعة أعوام1.
ثم انتقل الذهبي بعدها إلى الشيخ مسعود بن عبد الله الأغزازي، فلقنه جميع القرآن، ثم قرأ عليه نحو من أربعين ختمة2.
تلك هي بواكير دراسته، والتي تبعها بعد ذلك جلوسه في مجالس الشيوخ، وذلك ببلوغ سن الثامنة عشرة3، حيث تعتبر هذه السن عند الذهبي بداية مرحلة العناية بطلب العلم، وقد ركز في تلك المرحلة على علمين شريفين عظيمين هما:
علم القراءات وعلم الحديث، فلازم كبار علماء القراءات في عصره، حتى أصبح متقناً لهذا الفن وأصوله ومسائله، مما حذا بالشيخ محمد--------------------------------------------
1 معجم الشيوخ (2/52-53، ت رقم555) .
2 المصدر السابق (2/339-340، ت رقم 917) .
3 ذيل تذكرة الحفاظ للحسيني (ص34) .الدرر الكامنة (3/426) .تذكرة الحفاظ للسيوطي (517-518) .

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٦٨)

ابن عبد العزيز الدمياطي -وهو من المقرئين المجودين- أن يتنازل له عن حلقته بالجامع الأموي، عقب مرض الشيخ، الذي توفي على إثره سنة (693هـ) 1.
وإن كان الذهبي لم يستمر في ذلك المنصب إلا قرابة السنة بسبب انشغاله بالرحلة إلى طلب العلم2.
قال عنه السيوطي: "وتلا بالسبع وأذعن له الناس"3.
وأما علم الحديث، فقد كان له النصيب الأوفر عند الذهبي، حيث اعتنى به العناية الفائقة حتى أصبح هذا العلم هو شغله الشاغل طيلة حياته، فقد سمع الذهبي مئات الكتب والأجزاء الحديثية، ولعل نظرة في معجم شيوخه (المعجم الكبير) تبرهن لك على سعة اطلاعه وغزارة تحصيله في هذا الجانب، فضلاً عن نتاجه الذي يشهد بتبوئه المنزلة العالية والمقام الرفيع بين مصاف أكابر هذا الفن.
قال عنه السيوطي: "وطلبَ الحديث وله ثماني عشرة سنة، فسمع الكثير، ورحل، وعني بهذا الشأن، وتعب فيه وخدمه إلى أن رسخت فيه قدمه"4.--------------------------------------------
1 معجم الشيوخ (2/218-219، ت رقم769) .
2 معرفة القراء (ص600) .
3 طبقات الحفاظ (ص518) .
4 تذكرة الحفاظ للسيوطي (ص518) .

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٦٩)

ومع عناية الذهبي بعلمي القراءات والحديث في تلك المرحلة، إلا أنه لم يهمل علوم العربية والأدب والتاريخ، فقد عني بدراسة النحو، فسمع" الحاجبية " على شيخه موفق الدين أبي عبد الله محمد بن أبي العلاء- النصيبي المتوفى سنة (695هـ) 1.
كما دَرَسَ على شيخ العربية، وإمام أهل الأدب في مصر آنذاك، الشيخ محمد بن إبراهيم بن النحاس الحلبي المتوفى سنة (698هـ) 2.
"إضافة إلى سماعه لعدد كبير من مجاميع الشعر واللغة والأدب"3، وقد تعاطى الشعر، ونظم اليسير منه.
"واهتم بالكتب التاريخية، فسمع عدداً كبيراً منها على شيوخه، في المغازي، والسيرة، والتاريخ العام، ومعجمات الشيوخ والمشيخات، وكتب التراجم الأخرى"4.
وفي العموم فقد اعتنى الذهبي في فترة تحصيله بشتى العلوم الدينية مع ما تحتاجه تلك العلوم من علوم الآلة ونحوها من العلوم المساعدة مع أنه لم ينقطع عن التحصيل والسماع طوال حياته، يشهد لذلك معجمات شيوخه ومؤلفاته الموسوعية التي تؤكد دراسته لعدد ضخم من المؤلفات في--------------------------------------------
1 معجم الشيوخ (2/323-324، ت رقم895) .
2 المصدر السابق (2/136-137، ت رقم659) .
3 مقدمة سير أعلام النبلاء (1/32) .
4 المصدر السابق (1/32) .

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٧٠)

العقيدة، والتفسير، والحديث، والفقه، والتاريخ، واللغة، والأدب، وغيرها.
وقد انعكس هذا التحصيل الواسع على مؤلفاته التي تشهد له بسعة الإطلاع وغزارة الإنتاج مع القوة والتمكن في مختلف العلوم.
سابعاً: رحلاته:
مع ما أسلفنا من أن والد الذهبي كان يمنعه من السفر والرحلة في طلب العلم وهو في مقتبل شبابه، إلا أن ذلك المنع لم يكن بالكلية، فقد سمح له والده ببعض الرحلات القصيرة، تمكن من خلالها الالتقاء ببعض العلماء خارج محيط بلده دمشق، ومن بين تلك الرحلات التي قام بها أثناء حياة والده، رحلته إلى بعض المدن الشامية، ومنها: بعلبك، وحلب، وحمص، وحماة، وطرابلس، والكرك، والمعرة، وبصرى، ونابلس، والرملة، والقدس، وتبوك1.
لكن أبرز رحلاته في هذه الفترة كانت إلى مصر، التي زارها في الفترة من رجب إلى ذي القعدة من عام (695هـ) مروراً بفلسطين، وكان قد وعد والده أن لا يقيم في هذه الرحلة أكثر من أربعة أشهر2، وبسبب ذلك لم تطل فترة رحلته، ولكنه استفاد كثيراً حيث سمع من--------------------------------------------
1 انظر مقدمة سير أعلام النبلاء (1/26) .
2 معرفة القراء (ص558) .

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٧١)

شيوخها وكبار علمائها.
وفي سنة (698هـ) أي بُعيد وفاة والده، رحل الذهبي للحج وسمع بمكة، وعرفة، ومنى، والمدينة من مجموعة من الشيوخ1.
كما كانت له بعض الرحلات في تلك الفترة انحصرت في محيط البلاد الشامية.
قال عنه ابن الصفدي: "وارتحل وسمع بدمشق، وبلعبك، وحمص، وحماة، وحلب، وطرابلس، ونابلس، والرملة، وبِلبِس، والقاهرة، والأسكندرية، والحجاز، والقدس، وغير ذلك"2.
ثامناً: شيوخه:
ذكر الصفدي أن عدد شيوخ الذهبي وصل إلى ألف وثلاثمائة شيخ3.
وقد حرص الذهبي على تدوين أسماء شيوخه الذين استفاد منهم عن طريق السماع أو الإجازة، فكتب معجم الشيوخ الكبير، والأوسط،--------------------------------------------
1 مقدمة سير أعلام النبلاء (1/31) .
2 نكت الهميان (ص242) .وانظر شذرات الذهب (6/154-155) .وذيل تذكرة الحفاظ (ص34) .
3 انظر نكت الهميان (ص243) .

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٧٢)

والصغير (اللطيف) 1.
وقد طبع معجم الشيوخ الكبير بتحقيق الدكتور محمد الحبيب الهيلة.
وقال الذهبي في مقدمته: "أما بعد فهذا معجم العبد المسكين محمد ابن أحمد بن عثمان" إلى أن قال: "يشتمل على ذكر من لقيته أو كتب إلي بالإجازة في الصغر، وعلى كثير من المجيزين لي في الكبر ولم استوعبهم، وربما أجاز لي الرجل ولم أشعر به، بخلاف ما سمعته منه فإني أعرفه"2.
ولسنا بصدد ذكر الجم الغفير من شيوخ الذهبي، ولكن نشير إلى أن الذهبي حظي برفقة ثلاثة من مشاهير عصره الذين طبّقت سمعتهم الآفاق وهم:
1ـ شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية (661هـ-728هـ) .
2ـ العلامة الحافظ جمال الدين يوسف بن عبد الرحمن المزي (654هـ---------------------------------------------
1 توجد له نسخة في (الظاهرية: مجموع:12) .
2 معجم الشيوخ الكبير (1/12) ، وقد ذكر محقق الكتاب أن مجموع ما اشتمل عليه الكتاب من التراجم (1042) حسب نسخة دار الكتب المصرية، وأما نسخة استنبول فقد احتوت على (1278) ترجمة.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٧٣)

742هـ) .
3ـ العلامة الحافظ علم الدين القاسم بن محمد البرزالي (665هـ-739هـ) .
وكان للذهبي مع هؤلاء الأعلام صحبة وملازمة، وكان الذهبي أصغر الجميع سناً، وكان أبو الحجاج المزي أكبرهم، وكان بعضهم يقرأ على بعض، فهم شيوخ وأقران في الوقت ذاته، يجمعهم التمسك بعقيدة السلف الصالح والرغبة في تعلمها ونشرها والدفاع عنها، وحبهم لعلم الحديث والاشتغال به وحرصهم على اتِّباع آثار السلف الصالح.
وقد تركت تلك الصحبة آثارها القوية على شخصية الذهبي وتكوينه العلمي، ويظهر ذلك جلياً في كتاباته.
وقد ساعد على تكوين الذهبي لتلك العلاقة والصلة الوثيقة بهؤلاء الأعلام - مع أن فارق السن كان بينه وبين المزي تسع عشرة سنة، وبينه وبين ابن تيمية اثنتا عشرة سنة - ما حباه الله به من الذكاء وقوة الحافظة، الأمر الذي ساعده على ملازمة هؤلاء الأعلام ومجاراتهم مع ما تميزوا به من علم واسع، وذكاء مفرط.
وقد أثنى الذهبي الثناء العطر على هؤلاء الأعلام وامتدحهم في كتاباته، واعترف لهم بالفضل والجميل1.--------------------------------------------
1 انظر معجم الشيوخ (1/56-57) و (2/115-117) و (2/389-390) .

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٧٤)

تاسعاً: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه
تصدر الذهبي مرتبة الإمامة في عدد من العلوم، فهو إمام في علم القراءات، وإمام في علوم الحديث، وإمام في علم التاريخ.
أما في علم القراءات:
فقد قال عنه ابن ناصر الدين المتوفي سنة (842هـ) : "كان إماماً في القراءات"1.
وقال ابن الجزري: "الأستاذ، الثقة الكبير"2.
وقد اعتنى الذهبي بهذا الفن في مرحلة مبكرة من حياته. ومن مؤلفاته في ذالك، كتاب "التلويحات في علم القراءات"، وكتاب "معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار" إلا أنه مع إتقانه لهذا الفن لكنه لم يتفرغ له كما ذكر ذلك ابن الجزري3، ولعل ذلك بسبب انشغاله بعلوم الحديث.
أما في علوم الحديث:
فقد تفانى الذهبي في خدمة علوم الحديث، وأكثر من التصنيف فيها، ولقيت مؤلفاته القبول عند الناس، فهذا ابن حجر يقول: "ورغب الناس--------------------------------------------
1 الرد الوافر (ص31) .
2 انظر غاية النهاية في طبقات القراء (2/71) .
3 المصدر السابق.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٧٥)

في تواليفه، ورحلوا إليه بسببها، وتداولوها قراءة ونسخاً وسماعاً"1 ولا غرابة في ذلك فالإمام الذهبي بلغ منزلة عالية ودرجة رفيعة بسبب ما حباه الله من صفات وخصائص علمية تميز بها.
واسمع إلى وصف بعض تلاميذه له -وهو صلاح الدين الصفدي- حيث قال: "محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز، الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ، أبو عبد الله الذهبي، حافظ لا يجارَى، ولافظ لا يبارى، أتقن الحديث ورجاله، ونظر علله وأحواله، وعرف تراجم الناس، وأزال الإبهام في تواريخهم والإلباس، مع ذهن يتوقد ذكاؤه، ويصح إلى الذهب نسبته وانتماؤه، جمع الكثير، ونفع الجم الغفير، وأكثر من التصنيف ووفر بالاختصار مؤونة التطويل في التأليف". إلى أن قال: "ولم أجد عنده جمود المحدثين، ولا كوذنة - (أي بلادة) - النقلة، بل هو فقيه النظر، له دربة بأقوال الناس، ومذاهب أئمة السلف، وأرباب المقالات. وأعجبني ما يعانيه في تصانيفه من أنه لا يتعدى حديثاً يورده حتى يبين ما فيه من ضعف متن، أو ظلام إسناد، أو طعن في رواةٍ، وهذا لم أر غيره يعاني هذه الفائدة فيما يورده"2.
وإمامة الذهبي في هذا الشأن لا يختلف فيها اثنان، ولذلك قال--------------------------------------------
1 الدرر الكامنة (3/427) .

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٧٦)

السيوطي: "إن المحدثين الآن عيال في الرجال وغيرها من فنون الحديث على أربعة: المزي، والذهبي، والعراقي، وابن حجر"1.
وقال عنه التاج السبكي: "شيخنا وأستاذنا، محدث العصر، اشتمل عصرنا على أربعة من الحفاظ -وبينهم عموم وخصوص- المزي، والبرزالي، والذهبي، والشيخ الوالد، لا خامس لهم في عصرنا، فأما أستاذنا أبو عبد الله فبصر لا نظير له وكنز، هو الملجأ إذا نزلت المعضلة، إمام الوجود حفظاً، وذهب العصر معنى ولفظاً، وشيخ الجرح والتعديل، ورجل الرجال في كل سبيل، كأنما جمعت الأمة في صعيد واحد فنظرها، ثم أخذ يخبر عنها إخبار من حضرها، وكان محط رحال المعنت، ومنتهى رغبات من تعنت، تعمل المطي إلى جواره، وتضرب البزل المهارى أكبادها فلا تبرح أو تبيد نحو داره، وهو الذي خَرَّجَنا في هذه الصناعة وأدخلنا في عداد الجماعة". إلى أن قال "وسمع منه الجم الكثير، ومازال يخدم هذا الفن حتى رسخت فيه قدمه، وتعب الليل والنهار وما تعب لسانه وقلمه، وضربت باسمه الأمثال، وسار اسمه مسير لقبه الشمس إلا أنه لا يتقلص إذا نزل المطر، ولا يدبر إذا أقبلت الليال، وأقام بدمشق يُرحل إليه من سائر البلاد وتناديه السؤالات من كل ناد"2.--------------------------------------------
1 تذكرة الحفاظ للسيوطي (ص518) .
2 طبقات الشافعية (9/100) .وشذرات الذهب (6/153-155) .

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٧٧)

وقال عنه البدر النابلسي: "كان علامة زمانه في الرجال وأحوالهم، حديد الفهم، ثاقب الذهن، وشهرته تغني عن الإطناب فيه"1.
وقال ابن حجر: "ومهر في فن الحديث، وجمع فيه المجاميع المفيدة والكثيرة"2.
ومن أشهر كتبه في هذا المجال "ميزان الاعتدال في نقد الرجال".
وأما علم التاريخ والتراجم:
فالذهبي صاحب الموسوعات الكبار في هذا المجال، والتي أهمها "تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام"، و"سير أعلام النبلاء"، و"العبر"، و"دول الإسلام"، و"تذكرة الحفاظ"، وغيرها كثير، وقد أظهر الذهبي في تلك المؤلفات براعة في العرض، ودقة في التحليل والنقد، مع غزارة في المعلومات، تشهد له بالذكاء والعبقرية وقوة الحافظة، لدرجة أن ابن حجر -مع فضله وجلالة قدره- شرب ماء زمزم سائلاً الله أن يصل إلى مرتبة الذهبي في الحفظ والفطنة3.--------------------------------------------
1 الدرر الكامنة (3/427) .
2 المصدر السابق (3/426) .
3 الإعلام للسخاوي (ص472) .

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٣٧٨)