المصحف، فإن كان إنما يحفظ السورة الواحدة؛ فالذي يقرأ في المصحف أحب إلينا ".
قال: " وقد قيل: يؤمهم في شهر رمضان في المصحف ".
ومن تعايا عن القراءة في تنفله؛ تفكر قليلا، فإن تذكر، وإلا خطرف ذلك، وابتدأ سورة أخرى، ولا يسلم.
7 - فصل
[القنوت]
وأما القنوت - وهو لعن الكفرة في رمضان -؛ فعن مالك فيه روايتان:
قال في " المدونة ": " وليس العمل على القنوت في رمضان؛ لا في أوله، ولا في آخره، ولا في نافلة، ولا في الوتر أصلا ".
هذه رواية ابن القاسم وعلي بن زياد.
وروى ابن وهب وابن حبيب عن مالك: " أن ذلك مستحب في النصف الآخر من رمضان، فيقنت الإمام؛ يلعن الكفرة، ويؤمن من خلفه ".
وبه قال ابن عمر، ومعاذ، وجماعة من التابعين.
وروى محمد بن يحيى عن مالك في " المدونة " أنه قال: " يلعن الكفرة في رمضان إذا أوتر الناس، فصلى الركعتين، ثم قام في الثالثة، فركع، فإذا رفع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
رأسه من الركوع؛ وقف يدعو على الكفرة ويلعنهم ويستنصر للمسلمين، ويدعو مع ذلك بشيء خفيف غير كثير، وكان للإمام دعاء معروف يجهر به كما يجهر بالقراءة، وإنه لحسن، وهو أمر محدث لم يكن في زمان أبي بكر وعمر وعثمان ".
قال ابن القاسم: " كان مالك ينكره إنكارا شديدا ".
قال: " ولا أرى أن يعمل به ".
قال محمد بن يحيى عن مالك: " كان الناس يدعون به ليلة خمس عشرة من الشهر ".
وقال أبو حنيفة وأحمد: " يستحب القنوت في الوتر في جميع السنة ".
وقال الشافعي: " يستحب في النصف الآخر من شهر رمضان ".
واحتج أبو حنيفة بما روى أبي بن كعب قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يوتر بثلاث: بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} ، و {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ} ، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ، ويقنت في الثالثة قبل الركوع» .
ووجه من اختاره في النصف الآخر ما روي: " أن أبيا صلى بالناس في النصف الأول فلم يقنت، ثم مرض، فصلى مكانه معاذ، فقنت ".
وروي " أن عمر جمع الناس على أبي بن كعب، فكان يقوم بهم عشرين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
ليلة، ولا يقنت إلا في النصف الثاني ".
فحصل الاتفاق منهما، ومن سائر الصحابة الذين لم ينكروا على واحد منهما، على أن القنوت مشروع في النصف الآخر كما اختص بالركعة الأخيرة من صلاة الصبح.
ووجه الرواية الثانية ما قاله مالك؛ أن هذا الأمر لم يدرك العمل عليه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
بالمدينة، ولأنها صلاة وتر، فلم يكن القنوت مشروعا فيها كالمغرب.
فأما ما احتج به أبو حنيفة، فقال أبو داود: " خبر القنوت في هذا الحديث ليس بصحيح "، وعلى أنا نخصه بما ذكرنا.
فهذه جمل من أحكام قيام رمضان، ومنشئها، ومستقرها، وما روي فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وسائر الأئمة الراشدين على ما رواه مالك والبخاري ومسلم والنسائي وأبو داود وسائر مصنفات المسلمين ودواوينهم الفقهية، لم يرووا في شيء من ذلك ما أحدثه الناس من هذه البدع؛ من نصب المنابر عند ختم القرآن، والقصص، والدعاء، بل قد حفظ عنهم النهي عن ذلك على ما رويناه.
8 - فصل
[ختم القرآن]
فأما ما أحدثه الناس من الخطب في أعقاب الختم؛ فقال مالك: " ليس ختم القرآن بسنة لقيام رمضان ".
وأنكر مالك والأئمة أن يقرأ أحدهم في غير الموضع الذي انتهى إليه الآخر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
وقال مالك في " المدونة ": " الأمر في رمضان الصلاة، وليس بالقصص بالدعاء ".
فتأملوا - رحمكم الله -، فقد نهى مالك أن يقص أحد في رمضان بالدعاء، وحَكَى أن الأمر المعمول به في المدينة إنما هو الصلاة من غير قصص ولا دعاء.
وروى محمد بن أحمد في " المستخرجة " عن ابن القاسم؛ قال: " سئل مالك عن الذي يقرأ القرآن فيختمه ثم يدعو؟ فقال: ما سمعت أنه يدعى عند ختم القرآن، وما هو من عمل الناس ".
وهذه المسألة ذكرها ابن شعبان عن مالك أيضا في " مختصر ما ليس في المختصر "، وذكرها الشيخ أبو الحسن القابسي بالقيروان في " الكتاب الممهد "، وقد كانت القيروان دار العلم بالمغرب، ولم يكن في عصره من فقهاء المغرب أعلم منه.
وأعظم من هذا مسألة قالها مالك في " مختصر ما ليس في المختصر "؛ قال مالك: " لا بأس أن يجتمع القوم في القراءة عند من يقرئهم أو يفتح على كل واحد منهم فيما يقرأ ".
قال: " ويكره الدعاء بعد فراغهم ".
وهذا غاية ما يكون في إنكار الأمور المحدثة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
قال: وروى ابن القاسم أيضا عن مالك: " أن أبا سلمة بن عبد الرحمن رأى رجلا قائما عند المنبر يدعو ويرفع يديه، فأنكر، وقال: لا تقلص تقليص اليهود "
قال مالك: " التقليص: رفع الصوت بالدعاء ورفع اليدين ".
وروى ابن القاسم أيضا؛ قال: " سئل مالك عما يعمل الناس من الدعاء حين يدخلون المسجد وحين يخرجون ووقوفهم عند ذلك؟ فقال: هذا من البدع، وأنكر ذلك إنكارا شديدا ".
قال بعض أصحابنا: إنما عنى بهذا: الوقوف للدعاء، فأما عند دخوله وخروجه ماشيا؛ فحسن جائز، وقد وردت فيه آثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: " وسئل عن التكبير خلف الصلوات بأرض العدو؟ فقال: ما سمعته، إنما هو شيء أحدثه المسودة. قيل له: إن بعض البلدان يكبرون دبر المغرب والصبح؟ فقال: هذا مما أحدثوه ".
وسئل مالك عن الرجل يدعو خلف الصلاة قائما؟ فقال: " ليس بصواب، ولا أحب لأحد أن يفعله ".
9 - فصل
في توجيه هذا الأصل
اعلم أن الحرف الذي يدور عليه هذا المذهب إنما هو حماية الذرائع، وألا يزاد في الفروض ولا في السنن المسننة، وألا يعتقد أيضا في النوافل المبتدأة أنها سنن مؤقتة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
وهذا الأصل؛ كل من أباه في الجملة قد قال به في التفصيل فنذكر أولا موافقة أبي حنيفة والشافعي لمالك في هذا الأصل:
فمن ذلك أن مالكا كره صيام ست من شوال، ووافقه أبو حنيفة، فقال: " لا أستحب صيامها "، وخالفهما الشافعي، فقال: " يستحب صيامها "!
والحديث منصوص فيه، رواه البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من صام رمضان وأتبعه بست من شوال؛ فكأنه صام الدهر» .
ولا حجة لمالك وأبي حنيفة إلا أنهما قالا: " التزام هذا يؤدي إلى الزيادة في الفروض، فيجيء الأعراب، وينشأ الأطفال، فإن رأوا الأسلاف والعموم يداومون على صومه؛ اعتقدوه فرضا "!
وعلى هذا المنهاج تدرج صوم النصارى حتى صار خمسين يوما، وذلك أن الله تعالى فرض عليهم صوم شهر رمضان، وذلك بين في قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} ، فأقاموا عليه برهة من دهرهم، فاشتد عليهم؛ لأنه ربما أتاهم في الحر الشديد، أو في البرد الشديد، فيضرهم في أسفارهم ومعايشهم، فاجتمع رأي علمائهم ورؤسائهم على أن يجعلوا صيامهم في فصل من السنة بين الشتاء والصيف! فجعلوه في الربيع، وزادوا فيه عشرة أيام؛ كفارة لما صنعوا، فصار أربعين يوما! ! ثم اشتكى ملك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
لهم، فجعل لله عليه إن برئ من مرضه في صومه أسبوعا، فبرئ، فزادوه، ثم مات، فوليهم آخر، فقال: لو أكملتموه خمسين يوما!
قال الحسن والشعبي وجماعة من العلماء: " وعلى هذا دل حديث عثمان في الإتمام في السفر ".
وقد بيناه.
وأما الشافعي؛ فقد وافق مالكا في أن الأضحية سنة، وخالفهما أبو حنيفة، وقال: " واجبة ".
واحتج أصحاب مالك والشافعي جميعا بالأسلوب الذي ذكرناه في الباب الثالث؛ من ترك أبي بكر وعمر وجابر وابن عباس الأضحية؛ مخافة أن يرى الناس أنها واجبة!
وهؤلاء الأئمة الثلاثة - وهم أثافي الإسلام - تركوا سنة ثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فلم لا يجوز أن نترك الخطب ونصب المنابر عند الختم في رمضان؛ خوفا من أن يظن الناس أن الخطبة عقيب الختم في رمضان سنة ثابتة عند هذين الشيئين - أعني: الختم والصوم -، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما سن قيامه وتلاوة القرآن فيه على هذا الوجه؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
وهكذا ذكر ابن شعبان في كتابه عند ذكره جملا من هذه الأمور المحدثة؛ قال: " … إنما كرهه مالك؛ خيفة أن يلحق بما يجب فعله حتى يتخذ أمرا ماضيا ".
وما لنا نقدر ذلك؟ ! بل قد وجدنا ما كنا نحذر! فأكثر المسلمين اليوم يعتقدون أن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما شرع قيام رمضان على هذا الوجه، وأن ترك ذلك بدعة، مع القطع بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجمع في رمضان إلا ليلتين، ولم ينقل أحد من المسلمين عدد الركوع، ولا دعاء، ولا خطبة.
وقد بيناه.
وهذا المذهب أيسر؛ لأنه ليس فيه ترك سنة، وفي ترك صيام ست من شوال وترك الأضحية ترك السنن، فهو بالإنكار أحق.
فإن خالفنا أحد من أصحاب أبي حنيفة، والشافعي، ومالك، ممن لا يطلع على أسرار المذهب وأغوار الأصول ولم يتحقق بالكليات، وإنما نظر في الأطراف والجزئيات، فقال: إن هذا ذكر لله تعالى، وتحميد، وثناء، ودعاء، واجتماع من المسلمين على طاعة الله، وفيه إظهار شعائر الإسلام؛ فينبغي أن يكون مشروعا مستحبا كنفس القيام!
فالجواب أن نقول: هذا منقوص بما لا قبل لكم به: منها صيام ست من شوال على أصل أبي حنيفة، وترك الأضحية على أصل الشافعي؛ فإن هذه قرب وطاعات، ومناسك وعبادات، ثم كان تركها - عند خوف البدعة - خيرا من فعلها.
ثم نقول: الذكر والثناء قد يكون استحبابه مشروطا بشروط؛ كما في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
الصيام والأضحية، وكما أن قراءة القرآن في الركوع والسجود والتشهد بدعة، وإن كان على غير هذا الوجه قربة.
وينتقض بالخطبة والدعاء صبيحة الختم بالنهار، فلو أنه ختم بالليل ثم نصب كرسيه واختطب ودعا بالنهار؛ لكان مبتدعا! وإن كان ذكرا لله تعالى ودعاء!
وينتقض بالخطبة والدعاء في آخر الشهر؛ فإن الناس لو نصبوا الكراسي واختطبوا ودعوا في أول ليلة من رمضان، وحضوا المسلمين على صيامه وقيامه والتشمير للعبادة في ليله ونهاره؛ لكان مبتدعا منهيا عنه!
وهذا أشبه مما صرتم إليه؛ فإن الناس في أول الشهر أحوج إلى الخطبة والدعاء والتنبيه على خدمة مولاهم في هذا الشهر منهم إلى ذلك في آخره.
ويشهد لذلك أيضا أصول الشرع:
ألا ترى أن يوم الفطر والأضحى إنما شرعت الخطبة فيهما في أول النهار، فيختطب في صبيحة الأضحى، فيعلم الناس أمر مناسكهم وضحاياهم وقربانهم، ثم لو فعل ذلك في أول الشهر لم يجز، كذلك في آخره؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
10 - فصل
[شيعوعة الفعل لا تدل على جوازه]
في الكلام على فريق من العامة وأهل التقليد قالوا: إن هذا الأمر شائع ذائع في أقاليم أهل الإسلام وأقطار أهل الأرض، حتى قال بعض الأغبياء: إن القيروان كانت دار العلم بالمغرب، ولم يزل هذا الأمر بها فاشيا، لا منكر له! !
فالجواب أن نقول: شيعوعة الفعل وانتشاره لا يدل على جوازه؛ كما أن كتمه لا يدل على منعه.
ألا ترى أن بيع الباقلاء في قشرته شائع في أقطار أهل الإسلام وعند الشافعي لا يجوز؟
والاستئجار على الحج شائع في بلاد أهل الإسلام وعند أبي حنيفة لا يجوز؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
واقتعاط العمائم شائع في أهل الإسلام، وهو بدعة منكرة.
والاقتعاط: هو التعميم دون الحنك:
نظر مجاهد رجلا قد اعتم ولم يتحنك، فقال: " اقتعاط كاقتعاط الشيطان؟ ! ".
فهي عمامة الشيطان، وهذه كانت عمائم قوم لوط أصحاب المؤتفكات.
وروى أبو بكر محمد بن يحيى الصولي في " غريب الحديث ": " أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالتلحي ونهى عن الاقتعاط ".
يقال للعمامة إذا لاثها على رأسه ولم يجعلها تحت حنكه: اقتعطها،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
وهو المنهي عنه، وإذا أدارها تحت حنكه؛ يقال: تلحاها، وهو المأمور.
وإسبال الثوب تحت الكعبين شائع في بلاد أهل الإسلام، وهو حرام لا يجوز؟
والتقنع بالثوب على الرأس شائع في بلاد المغرب، وهم أتباع مالك بن أنس، وقد سئل مالك عن التقنع؟ فقال: " أما لحر، أو لبرد أو لغيره من العذر؛ فلا بأس به، وأما لغير ذلك؛ فلا ".
قال: " وكان أبو النضر يلزمه لحر يجده ".
قال: " ورأت سكينة - أو فاطمة - بنت الحسين بعض ولدها مقنعا رأسه، فقالت: اكشف القناع عن رأسك؛ فإن التقنع ريبة بالليل، ومذلة بالنهار ".
قال مالك: " وأنا أكرهه لغير عذر، وما علمته حراما، ولكنه ليس من لباس خيار الناس ".
فهذه بدعة منكرة كما ترى، قد صارت سنة في خيار الناس اليوم، وقد روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: " ما دخلت الخلاء مذ أسلمت إلا مقنعا رأسي حياء من ربي ".
وأكثر أفعال أهل زمانك على غير السنة، وكيف لا وقد روينا قول أبي الدرداء إذ دخل على أم الدرداء مغضبا، فقالت له: مالك؟ فقال: والله ما أعرف فيهم شيئا من أمر محمد صلى الله عليه وسلم؛ إلا أنهم يصلون جميعا، وما روينا هنالك من الآثار!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
فإنه لم يبق فيهم من السنة إلا الصلاة في جماعة، كيف لا تكون معظم أمورهم محدثات؟ !
وأما من تعلق بفعل أهل القيروان؛ فهذا غبي يستدعي الأدب دون المراجعة!
فنقول لهؤلاء الأغبياء: إن مالك بن أنس رأى إجماع أهل المدينة حجة، فرده عليه سائر فقهاء الأمصار، هذا وهو بلد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرصة الوحي، ودار النبوة، ومعدن العلم، فكيف بالقيروان؟ !
وأيضا؛ فإنما كان يكون فيه متعلق لو نقلتم عن علماء القيروان أنهم أفتوا بهذا؛ لأن الاقتداء إنما يكون بالعلماء لا بالعوام، وهذا ما لا ينقلونه أبدا، وإنما كان يفعله العوام والغوغاء، فإنكارنا عليهم كإنكارنا عليكم.
والدليل على هذا أن الفتيا بالقيروان إنما كانت على مذهب أهل المدينة، وقد كان القوم من أشد الناس تمسكا بمذهب مالك، فكان علماؤنا إنما يقومون في رمضان في بيوتهم؛ لقول مالك: " قيام الرجل في بيته لمن قوي عليه أحب إلي "، وكان الغالب عليهم الورع والاتباع، وقد قال لهم في " المدونة ": " ليس الشأن في رمضان القصص بالدعاء "، فيبعد من حالهم أن يحدثوا هذه البدعة، وينصبوا المنابر، ويخطبوا عند الختم!
ولو كان هذا؛ لشاع وانتشر، وكان يضبطه طلبة العلم، والخلف عن السلف، فيصل ذلك إلى عصرنا، فلما لم ينقل هذا أحد ممن يعتقد علمه، ولا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
ممن هو في عداد العلماء؛ علم أن هذه حكاية العوام والغوغاء.
ثم يقال لهم: بم تنفصلون ممن يعارضكم بشكل آخر من جنسه، فيقول لكم: إن قرطبة أعظم من القيروان، وهي دار العلم والخلافة - فقد فضلت القيروان بالخلافة -، ثم لم يعهد فيها قط خطبة ولا منبر ولا دعاء ولا اجتماع عند ختم القرآن في رمضان؟
فإن قيل: فهل يأثم فاعل ذلك؟
فالجواب أن يقال: أما إن كان ذلك على وجه السلامة من اللغط، ولم يكن إلا الرجال، أو الرجال والنساء منفردين بعضهم عن بعض، يستمعون الذكر، ولم تنتهك فيه شعائر الرحمن؛ فهذه البدعة التي كرهها مالك.
وأما إن كان على الوجه الذي يجري في هذا الزمان؛ من اختلاط الرجال والنساء، ومضامة أجسامهم، ومزاحمة من في قلبه مرض من أهل الريبة، ومعانقة بعضهم لبعض - كما حكي لنا أن رجلا وجد يطأ امرأة وهم وقوف في زحام الناس! وحكت لنا امرأة أن رجلا واقعها فما حال بينهما إلا الثياب! وأمثال ذلك من الفسق واللغط -؛ فهذا فسوق، فيفسق الذي يكون سببا لاجتماعهم.
فإن قيل: أليس روى عبد الرزاق في " التفسير ": " أن أنس بن مالك كان إذا أراد أن يختم القرآن جمع أهله "؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
قلنا: فهذا هو الحجة عليكم؛ فإنه كان يصلي في بيته، ويجمع أهله عند الختم، فأين هذا من نصبكم المنابر، وتلفيق الخطب على رؤوس الأشهاد، فيختلط الرجال والنساء والصبيان والغوغاء، وتكثر الزعقات والصياح، ويختلط الأمر، ويذهب بهاء الإسلام ووقار الإيمان؟ !
وأيضا؛ فإنه ما روي أنه دعا، وإنما جمع أهله فحسب.
وأيضا؛ فإن عمر سمع رجلا يقول: واحبذا صفرة ماء ذراعيها! لماء كانت قد توضأت به امرأة فبقي من أثر الزعفران، فعلاه بالدرة.
وروي أنه نهى أن يجلس الرجل في مجلس المرأة عقيب قيامها منه.
فكل من قال بأصل الذرائع؛ يلزمه القول بهذا الفرع، ومن أبى أصل الذرائع من العلماء؛ يلزمه إنكاره؛ لما يجري فيه من اختلاط الرجال والنساء.
11 - فصل
في بيان الوجه الذي يدخل منه الفساد على عامة المسلمين
روى مسلم في " الصحيح " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم؛ اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
فتدبر هذا الحديث؛ فإنه يدل على أنه لا يؤتى الناس قط من قبل علمائهم، وإنما يؤتون من قبل أنه إذا مات علماؤهم؛ أفتى من ليس بعالم، فيؤتى الناس من قبله.
وقد صرف عمر هذا المعنى تصريفا، فقال: " ما خان أمين قط، ولكنه اؤتمن غير أمين فخان ".
ونحن نقول: ما ابتدع عالم قط، ولكنه استفتي من ليس بعالم؛ فضل وأضل.
وكذلك فعل ربيعة؛ قال مالك: " بكى ربيعة يوما بكاء شديدا، فقيل له: أمصيبة نزلت بك؟ فقال: لا، ولكنه استفتي من لا علم عنده ".
وروى البخاري في " صحيحه " عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
صلى الله عليه وسلم: «قبل الساعة سنون خداعات، يصدق فيهن الكاذب، ويكذب فيهن الصادق، ويخون فيهن الأمين، ويؤتمن الخائن، وينطق فيهن الرويبضه» .
قال أبو عبيد: " هو الرجل التافه الخسيس ينطق في الأمور العامة ".
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: " قدعلمت متى يهلك الناس: إذا جاء الفقه من قبل الصغير؛ استعص عليه الكبير، وإذا جاء الفقه من قبل الكبير؛ تابعه الصغير، فاهتديا ".
وقال عبد الله بن مسعود: لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم، فإذا أخذوه عن أصاغرهم وشرارهم؛ هلكوا.
وتناقش العلماء فيما أراد عمر بالصغار:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
فأما عبد الله بن المبارك؛ فقال: " الأصاغر: هم أهل البدع ".
قال أبو بكر بن ثابت الخطيب الحافظ: " إنما أراد به صغير السن، وفي هذا ندب إلى التعليم في الصغر؛ مثل قول عمر أيضا: تفقهوا قبل أن تُسَوَّدوا؛ أي: إن لم تتعلموا تسودوا؛ استحييتم من التعليم، فأخذتم العلم عن صغاركم ".
وأما أستاذنا القاضي أبو الوليد؛ فقال: " يحتمل أن يكون معنى الأصاغر: من لا علم عنده، وقد كان عمر بن الخطاب يستشير الصغار، وقد كان القراء أصحاب مشورته؛ كهولا كانوا أو شبابا، ويحتمل أن يريد بالأصاغر من لا قدر له ولا حال، ولا يكون ذلك إلا بنبذ الدين والمروءة، فأما من التزمهما؛ فلا بد أن يسمو أمره ويعظم قدره ".
وقد روي عن مكحول أن قال: " تفقه الرعاع فساد الدنيا، وتفقه السِّفْلَةِ فساد الدين ".
وقال الفريابي: " كان سفيان الثوري إذا رأى هؤلاء النبط يكتبون العلم؛
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
تغير وجهه! فقلت له: يا أبا عبد الله! أراك إذا رأيت هؤلاء يكتبون العلم يشتد عليك؟ ! فقال: كان العلم في العرب وفي سادة الناس، فإذا خرج عنهم وصار إلى هؤلاء - يعني: النبط والسفلة -؛ غير الدين ".
وقال سفيان: " كانوا يتعوذون بالله من شر فتنة العالم، ومن شر فتنة العابد الجاهل؛ فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون ".
وقال وهب بن منبه: " جمع المال وغشيان السلطان لا يبقيان من حسنات المرء إلا كما يبقي ذئبان جائعان سقطا في حظار فيه غنم، فباتا يجوسان حتى أصبحا ".
وقال سفيان الثوري: " كان خيار الناس وأشرافهم الذين يقومون إلى هؤلاء الأمراء فيأمرونهم وينهونهم، وكان آخرون يلزمون بيوتهم، فكان لا ينتفع بهم ولا يذكرون، ثم بقينا حتى صار الذين يأتونهم فيأمرونهم شرار الناس، والذين لزموا بيوتهم خيار الناس ".
وقال محمد بن سحنون: " كان لبعض أهل العلم أخ يأتي القاضي والوالي بالليل، ويسلم عليهما، فبلغه ذلك، فكتب إليه: أما بعد؛ فإن الذي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)