وروى البخاري «أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد، فقال: أيها الناشد! غيرك الواجد» .
وروى مسلم في " صحيحه " «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا ينشد ناقته في المسجد، فقال: لا جمعها الله عليك! إن المساجد لم تبن لهذا» .
قال مالك في " المبسوط ": " ولو لم يرفع بذلك صوته؛ فلا بأس بذلك؛ لأنه من جنس المحادثة، وذلك غير ممنوع ".
وأما الكتابة في المساجد:
فروى ابن القاسم عن مالك في " المجموعة " في ذكر الحق يكتب في المسجد؛ قال: " أما الشيء الخفيف؛ فنعم، وأما الشيء يطول؛ فلا أحبه ".
ويجري على أصل محمد بن مسلمة أن لا يكتب فيه اليسير ولا الكثير ".
قال القاضي أبو الوليد: " ولم أر شيئا في كتب المصاحف في المساجد ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
قال: " فأما الرجل المتوقي الذي يصون المساجد ويكتب المصاحف؛ ظاهره الجواز ".
وأما تعليم الصبيان في المساجد:
فكرهه سحنون، ويتفرع في تعليله وجهان:
أحدهما: قلة توقيهم للنجاسة.
والثاني: أنه صنعه وتكسب.
قال القاضي أبو الوليد: " فيلزم على هذا التعليل منع كتابة المصاحف فيه ".
قال ابن حبيب: " ويكره دخول الصبيان المسجد وتعليمهم فيه؛ إلا أن يدخل الصبي للصلاة ثم يخرج ".
وقال غيره: في تعليمهم فيه بالأجر تكسب، وهي إجازة من جنس التجارة، وقد نهي عنه، ويجوز أن يؤتى بالصبي إلى المسجد إذا كان قد علم الأدب، ولم يعبث لصغره، ثم يخرج.
وأما الخياطة وغيرها من الأعمال الظاهرة التي لا تتعلق بالقرب:
فقد قال سحنون: " لا يجلس فيه للخياطة ".
ويلزم أن تكون سائر الأعمال التي في معنى الخياطة على ذلك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
9 - فصل
في البطحاء
روى مالك بن أنس أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بنى رحبة في ناحية المسجد تسمى البطحاء، وقال: " من كان يريد أن يلغط أو ينشد شعرا أو يرفع صوته فليخرج إلى هذه الرحبة ".
واعلموا أنه لما رأى عمر جلوس الناس في المسجد، وحديثهم فيه، وربما أخرجهم ذلك إلى اللغط - وهو المختلط من القول وارتفاع الأصوات - وربما تناشدوا شعرا واتسع الخوض في أخبار الدنيا: بنى البطحاء مرتفعة نحو الذراع وحصرها بجدار قصير، وبسطها بالحصباء ملاصقة المسجد، ليخلص المسجد لذكر الله تعالى.
قال السائب: كنت في المسجد، فحصبني رجل، فنظرت؛ فإذا عمر بن الخطاب، فقال لي: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما، فقال: من أنتما؟ ومن أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف. قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما؛ ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ! إن مسجدنا هذا لا نرفع فيه الأصوات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)
وقال ابن القاسم في " المبسوط ": " رأيت مالكا يعيب على أصحابه رفع أصواتهم في المسجد ".
وعلل ذلك محمد بن مسلمة بعلتين:
إحداهما: أنه يجب أن ينزه المسجد من مثل هذا؛ لأنه مما أمر بتعظيمه وتوقيره.
والثانية: أنه مبني للصلاة، وقد أمرنا أن نأتيها وعلينا السكينة والوقار، فكان يلزم ذلك في موضعها المتخذ لها أولا.
قال مالك في " العتبية ": " وقد كان عمر بن الخطاب يجلس في المسجد ويجلس إليه رجال، فيحدثهم عن الأجناد، ويحدثونه بالأحاديث ".
وفي لفظ آخر: " ويحدثونه عن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ".
فيقتضي هذا أن الحديث على وجه لا لغط فيه ولا رفع صوت، والأمر الخفيف من ذلك إذا لم يطل؛ أنه لا بأس به، لا سيما في مثل أخبار الأجناد والسرايا.
وقد روي أن مسجدا من المساجد ارتفع إلى السماء شاكيا من أهله يتكلمون فيه بكلام الدنيا، فاستقبلته الملائكة، فقالوا: " بعثنا بهلاكهم ".
وروي أن الملائكة يشكون إلى الله تعالى من نتن فم المغتابين والقائلين في المساجد بكلام الدنيا.
وروي أن المسيح عليه السلام مر على قوم يتنازعون في المسجد،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)
فجعل يضربهم ويقول: " يا بني الأفاعي! اتخذتم مساجد الله أسواقا، إنما هذا سوق الآخرة ".
وجوز مالك التعزير في المسجد بالأسواط اليسيرة دون ما كثر من الضرب والحدود.
10 - فصل
في اجتماع الناس في سائر الآفاق يوم عرفة
قال ابن وهب: " سألت مالكا عن الجلوس يوم عرفة؛ يجلس أهل البلد في مسجدهم، ويدعو الإمام رجالا يدعون الله تعالى لللناس إلى غروب الشمس؟ فقال: ما نعرف هذا، وإن الناس عندنا اليوم ليفعلونه ".
قال ابن وهب: " وسمعت مالكا يسأل عن جلوس الناس في المسجد عشية عرفة بعد العصر، واجتماعهم للدعاء؟ فقال: ليس هذا من أمر الناس، وإنما مفاتيح هذه الأشياء من البدع ".
قال مالك في " العتبية ": " وأكره أن يجلس أهل الآفاق يوم عرفة في المساجد للدعاء، ومن اجتمع إليه الناس للدعاء؛ فلينصرف، ومقامه في منزله أحب إلي، فإذا حضرت الصلاة؛ رجع فصلى في المسجد ".
وروى محمد بن وضاح أن الناس اجتمعوا بعد العصر من يوم عرفة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم يدعون، فخرج نافع مولى ابن عمر، فقال " يا أيها الناس!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)
إن الذي أنتم فيه بدعة وليست بسنة، أدركت الناس لا يصنعون هذا ".
قال مالك بن أنس: " ولقد رأيت رجالا ممن اقتدي بهم يتخلفون عشية عرفة في بيوتهم ".
قال: " وإنما مفاتيح هذه الأشياء من البدع، ولا أحب للرجل الذي قد علم أن يقعد في المسجد في تلك العشية؛ مخافة أن يقتدى به، وليقعد في بيته ".
قال الحارث بن مسكين: " كنت أرى الليث بن سعد ينصرف بعد العصر يوم عرفة، فلا يرجع إلى قرب المغرب ".
وقال إبراهيم النخعي: " الاجتماع يوم عرفة أمر محدث ".
وقال عطاء الخراساني: " إن استطعت أن تخلو عشية عرفة بنفسك؛ فافعل ".
وكان أبو وائل لا يأتي المسجد عشية عرفة.
فاعلموا رحمكم الله أن هؤلاء الأئمة علموا فضل الدعاء يوم عرفة، ولكن علموا أن ذلك بموطن عرفة لا في غيرها، ولم يمنعوا من خلا بنفسه فحضرته نية صادقة أن يدعو الله تعالى، وإنما كرهوا الحوادث في الدين، وأن يظن العوام أن من سنة يوم عرفة بسائر الآفاق الاجتماع والدعاء، فيتداعى الأمر إلى أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
يدخل في الدين ما ليس منه.
وقد كنت ببيت المقدس، فإذا يوم عرفة؛ حبس أهل السواد وكثير من أهل البلد، فيقفون في المسجد مستقبلين القبلة مرتفعة أصواتهم كأنه موطن عرفة!
وكنت أسمع هناك سماعا فاشيا منهم: أن من وقف ببيت المقدس أربع وقفات؛ فإنها تعدل حجة، ثم يجعلونه ذريعة إلى إسقاط فريضة الحج إلى بيت الله الحرام! !
وروى المالكي في كتاب " رياض النفوس ": " أن يحيى بن عمر الفقيه الأندلسي كان يغير في القيروان على موضع ناس حاكة، فإذا كانت أيام العشر؛ يرفعون أصواتهم بالتكبير والتهليل، فنهاهم، فلم ينتهوا، ثم نهاهم، فلم ينتهوا، وكان شديدا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ".
قال: " فدعا الله عليهم، فانقرضوا، وخربت ديارهم برهة من الزمان ".
11 - فصل
في منتصف شعبان
قال الله تعالى: {حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ} .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
اعلموا - رحمكم الله - أن لأهل العلم في هذه الليلة قولين:
فقال بعضهم: هي ليلة النصف من شعبان.
واستدلوا بما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان ليلة النصف من شعبان؛ فقوموا ليلتها، وصوموا يومها؛ فإن الله تعالى ينزل لغروب الشمس إلى سماء الدنيا، فيقول: ألا مستغفر فأغفر له؟ ألا مبتلى فأعافيه؟ ألا مسترزق فأرزقه؟ ألا كذا؟ ألا كذا؟ … حتى يطلع الفجر» .
وهذا مذهب عكرمة مولى ابن عباس؛ قال: " هي ليلة النصف من شعبان، يبرم فيها أمر السنة، وينسخ الأحياء من الأموات، ويكتب الحاج، فلا يزاد فيهم أحد ولا ينقص منهم أحد ".
وروى عثمان بن المغيرة؛ قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان، حتى إن الرجل لينكح ويولد له، ولقد خرج اسمه في الموتى» .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)
وقال قتادة، وابن زيد، ومجاهد، والحسن، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأكثر علماء العراق: هي ليلة القدر، أنزل الله تعالى القرآن في ليلة القدر من أم الكتاب إلى السماء الدنيا، ثم أنزله على نبيه في الليالي والأيام.
قالوا: فيبرم في ليلة القدر من شهر رمضان كل أجل وعمل ورزق وما يكون في تلك السنة.
قال سعيد بن جبير: " يؤذن للحاج في ليلة القدر، فيكتبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، فلا يغادر منهم أحد، ولا يزاد، ولا ينقص ".
وقال هلال بن يساف: " انتظروا القضاء في شهر رمضان ".
وعلى هذا القول علماء المسلمين.
وروى ابن وضاح عن زيد بن أسلم؛ قال: " ما أدركنا أحدا من مشيختنا ولا فقهائنا يلتفتون إلى النصف من شعبان، ولا يلتفتون إلى حديث مكحول، ولا يرون لها فضلا على ما سواها ".
وقيل لابن أبي مليكة: إن زيادا النميري يقول: إن أجر ليلة النصف من شعبان كأجر ليلة القدر. فقال: " لوسمعته وبيدي عصا؛ لضربته ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)
وكان زياد قاصا.
والدليل على صحة هذا القول قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} .
وهذه الكناية كناية عن غير مذكور؛ إلا أنه قد جرى في قوله تعالى: {حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} … ؛ نزل القرآن كله جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، فوضع في بيت العزة، وأملاه جبريل على السفرة، ثم كان ينزله جبريل عليه السلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم نجوما.
وكان بين أوله وآخره ثلاث وعشرون سنة.
ألا تراه سماها مُبَارَكَةٍ، وإنما البركة من خصائص ليلة القدر؛ من أنها خير من ألف شهر، فهذا هو الخير والبركة والمغفرة؟
والاشتقاق يقتضيه أيضا؛ لأنه مأخوذ من التقدير، فتقدر فيها الأشياء؛ أي: يقضي الله تعالى فيها قضاء السنة كلها.
وقيل: ليلة العظمة والشرف وعظم الشأن؛ من قولك: رجل له قدر؛ يقال: قدرت فلانا؛ أي: عظمته؛ قال الله عز وجل: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)
؛ أي: ما عظموه حق تعظيمه، وهذا تأويل الزهري.
وقيل: لأن كل عمل صالح يوجد فيها من المؤمن يكون ذا قدر وقيمة عند الله تعالى؛ لأنه مقبول.
وقيل: سميت بذلك لأن من لم يكن ذا قدر وخطر يصير في هذه الليلة ذا قدر وخطر إذا أحياها.
وهذه المعاني هي تحقيق البركة، فأما مجرد فصل القضاء، وفرق كل أمر حكيم؛ فهو عمل الله تعالى.
فبان بهذا أن قوله تعالى: {فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} ؛ إنما أراد به ليلة القدر.
وقوله تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} ؛ أي يفصل ويبرم، هو المعنى الذي ذكرناه في معنى القدر.
وأخبرني أبو محمد المقدسي؛ قال: " لم يكن عندنا ببيت المقدس قط صلاة الرغائب هذه التي تصلى في رجب وشعبان، وأول ما حدثت عندنا في أول سنة (448) ثمان وأربعين وأربع مائة: قدم علينا في بيت المقدس رجل من نابُلُس يعرف بابن أبي الحمراء، وكان حسن التلاوة، فقام، فصلى في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
المسجد الأقصى ليلة النصف من شعبان، فأحرم خلفه رجل، ثم انضاف إليهما ثالث، ورابع، فما ختمها إلا وهم في جماعة كثيرة! !
ثم جاء في العام القابل فصلى معه خلق كثير، وشاعت في المسجد.
وانتشرت الصلاة في المسجد الأقصى، وبيوت الناس ومنازلهم، ثم استقرت كأنها سنة إلى يومنا هذا "!
فقلت له: فأنا رأيت تصليها في جماعة؟
قال: " نعم؛ وأستغفر الله منها "!
قال: " وأما صلاة رجب؛ فلم تحدث عندنا في بيت المقدس إلا بعد سنة ثمانين وأربع مائة، وما كنا رأيناها ولا سمعنا بها قبل ذلك ".
12 -[فصل
مسجد مكة]
وروى الأزرقي في " كتاب مكة " بإسناده عن عثمان الأسود؛ قال: " كنت مع مجاهد، فخرجنا من باب المسجد، فاستقبلت الكعبة، فرفعت يدي، فقال: لا تفعل! إن هذا لفعل اليهود ".
وروى أيضا بإسناده عن قتادة في قوله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} ؛ قال: " إنما أمروا أن يصلوا عنده، ولم يأمروا بمسحه، ولقد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
تكلفت هذه الأمة شيئا ما تكلفته الأمم قبلها، ولقد ذكر لنا بعض من رأى أثره وأصابعه، فما زالت هذه الأمة تمسحه حتى اخلولق وانماح ".
13 - فصل
في رجب
نذكر أولا الأشهر الحرم وخصائصها وصيامها وقيامها، وهل أحكامها منسوخة أم لا؟
قال الله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} ، وهن: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب.
ومعنى حُرُمٌ: تعظم انتهاك المحارم فيها بأشد مما تعظم في غيرها.
وكانت العرب تعظمها حتى لو لقي الرجل منهم قاتل أبيه؛ لم يهجه، وكانوا يسمون رجبا: (منصل الأسنة) ؛ ينزعون فيه الأسنة من الرماح؛ توقيا للقتال.
وأصل هذا اللفظ من (الحرام) ، و (الحرام) : المحظور بعض أحواله، فالأم حرام؛ لحظر نكاحها، والخمر حرام؛ لحظر شرابها والاتخاذ لها والمعاملة بها، والمسجد الحرام؛ لحظر صيده وسفك الدم فيه وابتذاله بما يبتذل به غيره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
وأما قوله تعالى في أول (براءة) : {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ} . . .؛ ففيه قولان:
أحدهما: أن المراد بها هذه بعينها.
والثاني: أن المراد بها الأربعة التي جعل الله لهم أن يسيحوا فيها آمنين، وهو قوله تعالى: {فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} ، وهي عشرون من ذي الحجة والمحرم، وصفر، وربيع، وعشر من ربيع الآخر. قاله الحسن.
فأما قوله: {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} ؛ فقال ابن عباس: " الضمير عائد على الشهور كلها ".
وقال قتادة: " بل هو عائد على الأربعة الحرم؛ لعظم أمرها ".
فإن قيل: لم جعل بعض الشهور أعظم حرمة من بعض؟
قلنا: أفعال القديم عندنا لا تعلل؛ لأنه تعالى لا يفعل لغرض وعلة، ومن لا يفعل لغرض وعلة؛ لا يجوز أن يقال فيه: لم فعل؟ ولم لم يفعل؟
وأصحاب اللطف يجيبون عن ذلك؛ لما في ذلك من المصلحة في الكف عن الظلم فيها؛ لعظم منزلتها في حكم خالقها، فربما أدى ذلك إلى ترك الظلم رأسا؛ لانطفاء النائرة في تلك المدة، وانكشاف الحمية، ولأن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
الأشياء تجر إلى أشكالها، وتباعد من أضدادها.
وإنما سمي رجب [بذلك] ؛ لأنهم كانوا يرجبونه؛ أي: يعظمونه؛ يقال: رجَّبْته ورجَبْته؛ بالتشديد والتخفيف؛ أي: عظمته.
قال الكميت:
ولا غيرهم أبقى لنفسي جنة … ولا غيرهم ممن أجل وأرجب
وقيل: سمي بذلك لترك القتال فيه؛ من قولهم: رجل أرجب؛ إذا كان أقطع لا يمكنه العمل.
وفي الحديث: «إن في الجنة نهرا؛ يقال له: رجب، ماؤه أشد بياضا من الثلج، وأحلى من العسل، من صام يوما من رجب؛ شرب منه» .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)
{فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} ؛ قال ابن عباس: " باستحلال القتل والغارة في جميع شهور السنة ".
وقيل في التفسير: " {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} ؛ في الأشهر الحرم؛ بالعمل بمعصية الله تعالى، وترك طاعته ".
وقال محمد بن إسحاق بن يسار: " لا تجعلوا حلالها حراما، ولا حرامها حلالا؛ كما فعل أهل الشرك، وهي النسيء ".
قال قتادة: " إن العمل الصالح والأجر أعظم في الأشهر الحرم، والظلم والذنب فيهن أعظم من الظلم فيما سواهن، وإن كان الظلم على كل حال عظيما، ولكن الله تعالى يعظم من أمره ما شاء، ويصطفي من خلقه من شاء ".
واختلف العلماء في تحريم القتال في الأشهر الحرم:
فقال قتادة وعطاء الخرساني: " كان القتال كبيرة من الكبائر في الأشهر الحرم، ثم نسخ وأحل القتال فيه؛ لقوله تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} ؛ يقول: فيهن وفي غيرهن ".
وقال الزهري: " كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرم القتال في الأشهر الحرم بما أنزل الله تعالى من تحريم ذلك، حتى نزلت {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ} . . .، فأحل قتال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
المشركين ".
قال محمد بن إسحاق: " فسألت سفيان الثوري عن القتال في الشهر الحرام؟ فقال: هذا منسوخ، ولا بأس فيه وفي غيره؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم غزا هوازن بحنين وثقيفا بالطائف، وحاصرهم في شوال وفي بعض ذي القعدة ".
وهذا واضح في استحلاله ونسخه.
وقيل: إنه غير منسوخ.
قال ابن جريج: " حلف عطاء بن أبي رباح بالله: ما يحل للناس أن يغزوا في المحرم، ولا في الأشهر الحرم؛ إلا أن يقاتلوا فيها، وما نسخت ".
قال ابن حبان: " نسخت هذه الآية كل آية فيها رخصة ".
* فأما فضل صيامها:
فروى أبو داود «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل قد غيره طول الصيام: لمَ عذَّبت نفسك؟ صم شهر الصبر، ويوما من كل شهر. قال: زدني؛ فإني فيَّ قوة.»
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)
«قال: صم يومين. قال زدني؛ فإن في قوة. قال: صم ثلاثة أيام. قال: زدني؛ فإن في قوة. قال: صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك» .
انظر في السند؛ فإنه يرويه عن موسى بن إسماعيل عن حماد عن سعيد الجُريري عن أبي السليل عن مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها عن النبي صلى الله عليه وسلم!
وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم، وإن أفضل الصلاة بعد المفروضة صلاة من الليل» .
قال عثمان بن حكيم: " سألت سعيد بن جبير عن صيام رجب؟ فقال: أخبرني ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم حتى نقول: إنه لا يفطر، ويفطر حتى نقول: إنه لا يصوم» .
وروى مالك والبخاري ومسلم عن عائشة «أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يخص شهرا من السنة بصوم» .
وروى ابن وضاح أن عمر بن الخطاب كان يضرب الرجبيين الذين يصومون رجبا كله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)
قال أبو محمد بن أبي زيد: " وكره ابن عباس صيام رجب كله؛ خيفة أن يرى الجاهل أنه مفترض ".
وروي أن ابن عمر كان إذا رأى الناس وما يعدون لرجب؛ كرهه، وقال: صوموا منه وأفطروا؛ فإنما هو شهر كانت تعظمه أهل الجاهلية.
وعن ابن عباس: " لا تتخذوا رجبا عيدا؛ إذا أفطرتم قضيتموه ".
وعن أبي بكر أنه دخل على أهله وقد أعدوا لرجب، فقال: " ما هذا؟ قالوا: رجب؛ نصومه. فقال: أجعلتم رجبا كرمضان؟ ! ".
وقد ورى ابن عباس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام رجب» .
والله أعلم بصحة هذا الخبر؛ لأنه ليس على شرط الصحة.
وروى الفاكهي في " كتاب مكة " بإسناده عن خرشة بن الحر؛ قال: " رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يضرب أيدي أو أكف الناس في رجب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)
إذا رفعوها حتى يضعوها في الطعام، ويقول: كلوا؛ فإن رجبا كان أهل الجاهلية يعظمونه ".
وروى أيضا بإسناده عن ابن عباس؛ قال: لا تتخذوا رجبا عيدا ترونه حتما مثل شهر رمضان، إذا أفطرتم منه صمتم.
دلت هذه الآثار على أن الذي في أيدي الناس من تعظيمه إنما هي غبرات من بقايا عقود الجاهلية.
وروى مسلم في " صحيحه ": " أن أسماء أرسلت إلى ابن عمر: بلغني أنك تحرم صوم رجب! فقال لها ابن عمر: فكيف بمن يصوم الأبد؟ ! ".
وقديما حرف العامي على الخاص: هذا ابن عمر كان يكره صوم رجب كله؛ إما حذرا أن يعتقد الجاهل أنه مفروض، وإما حذرا أن يعتقده سنة ثابتة موقتة، فقال الناس: حرم ابن عمر صيام رجب. وهذا التحريف ديدن الناس اليوم.
والله المستعان!
وفي الجملة: أنه يكره صومه على أحد ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه إذا خصه المسلمون بالصوم في كل عام؛ حسب العوام ومن لا معرفة له بالشريعة - مع ظهور صيامه - أنه فرض كرمضان.
أو: أنه سنة ثابتة خصه الرسول بالصوم كالسنن الراتبة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)