وقيل: هذا منسوخ.
ــ
وثالثها: ما رواه ابن خزيمة في صحيحه عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمرنا أن نضع الركبتين قبل اليدين. أجيب بأن هذه الأحاديث كلها ضعيفة جداً، لا تصلح أن تكون شاهدة لحديث وائل. أما حديث أبي هريرة فلأن مداره على عبد الله بن سعيد المقبري وهو متروك، قال ابن معين: ليس بشيء. وقال الفلاس: منكر الحديث، متروك. وقال يحيى بن سعيد: استبان كذبه في مجلس. وقال الدارقطني: متروك ذاهب. وقال أحمد مرة: ليس بذلك، ومرة قال: متروك. وقال فيه البخاري: تركوه، كذا في الميزان. وأما حديث أنس فلأن في سنده العلاء بن إسماعيل، وقد تفرد به، وهو مجهول، قاله البيهقي. وقد أخطأ الحاكم في تصحيحه، ونقل الحافظ في لسان الميزان عن أبي حاتم أنه أنكر هذا الحديث. وحكي عن الدارقطني أنه أخرجه، وقال: إن العلاء تفرد به وهو مجهول، ثم قال الحافظ: وخالفه عمر بن حفص بن غياث وهو من أثبت الناس في أبيه، فرواه عن أبيه، عن أعمش، عن إبراهيم، عن علقمة وغيره، عن عمر موقوفاً عليه، وهذا هو المحفوظ. وأما حديث سعد بن أبي وقاص فلأن في سنده إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، وهو يرويه عن أبيه وقد تفرد به، وهما ضعيفان، إبراهيم بن إسماعيل اتهمه أبوزرعة، وأبوه إسماعيل متروك. وقال الحازمي: في سنده مقال، وأن المحفوظ عن مصعب، عن أبيه حديث نسخ التطبيق-انتهى. وقد ظهر بهذا التفصيل أن هذه الأحاديث ضعيفة جداً، فلا تصلح أن تكون شاهدة لحديث وائل فإنها لضعفها وسقوطها صارت كأن لم تكن. (وقيل: هذا) وفي معالم السنن: وزعم بعض العلماء أن هذا أي حديث أبي هريرة. (منسوخ) أي بما رواه ابن خزيمة، عن مصعب بن سعد، عن أبيه. وقد ذكرنا لفظه. وفيه: أن دعوى النسخ بحديث سعد بن أبي وقاص باطلة، فإن هذا الحديث ضعيف كما عرفت، وقد عكس ابن حزم في المحلي (ج4: ص130) فجعل حديث أبي هريرة ناسخاً لما خالفه. وقيل: إن حديث أبي هريرة ضعيف معلول أعله البخاري بأن محمد بن عبد الله بن الحسن لا يتابع عليه، وأنه لا يدري أسمع محمد من أبي الزناد أم لا. وفيه: أن قوله "لا يتابع عليه" ليس مضر؛ لأن محمد بن عبد الله ثقة، ولحديثه هذا شاهد من حديث ابن عمر، وصححه ابن خزيمة، والحاكم، ووافقه الذهبي، قال ابن التركماني في الجوهر النقي: محمد بن عبد الله وثقه النسائي، وقول البخاري "لا يتابع على حديثه" ليس بصريح في الجرح، فلا يعارض توثيق النسائي-انتهى. وأما قوله "لا يدري أسمع" الخ. ففيه أنها أيضاً ليست بعلة، وشرط البخاري معروف، خالفه فيه جمهور المحدثين، ومحمد بن عبد الله ليس بمدلس، وسماعه من أبي الزناد ممكن، فإن أبا الزناد مات سنة ثلاثين ومائة بالمدينة، ومحمد مدني أيضاً غلب على المدينة، ثم قتل في سنة خمس وأربعين ومائة وعمره ثلاث وخمسون سنة. قاله الزبير بن بكار. وقال ابن سعد وغير واحد: قتل وهو ابن خمس وأربعين، وقد أدرك أبا الزناد طويلاً، فيحمل عنعنته على السماع عند جمهور المحدثين. وقيل: إن حديث أبي هريرة مضطرب، فإنه قال بعضهم: إذا سجد أحدكم
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: 220)
907- (14) وعن ابن عباس، قال: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول بين السجدتين: اللهم اغفرلي، وارحمني،
واهدني، وعافني، وارزقني)) .
ــ
فليبدأ بركبتيه قبل يديه. أخرجه بهذا اللفظ ابن أبي شيبة والطحاوي كما تقدم، وهذه الرواية تخالف الرواية التي رواها أبوداود، والنسائي وغيرهما بحيث لا يمكن الجمع بينهما، والاضطراب مورث للضعف. وفيه: أن رواية ابن أبي شيبة، والطحاوي هذه ضعيفة جداً كما عرفت، فلا اضطراب في حديث أبي هريرة، فإن من شرط الاضطراب استواء وجوه الاختلاف، ولا تعل الرواية الصحيحة بالرواية الضعيفة الواهية كما تقرر في موضعه. وقيل: إن في حديث أبي هريرة قلباً من الراوي حيث قال: "وليضع يديه قبل ركبتيه"، وكان أصله وليضع ركبتيه قبل يديه، ويدل عليه أول الحديث، وهو قوله: "فلا يبرك كما يبرك البعير"، فإن المعروف من البروك البعير هو تقديم اليدين على الرجلين، ذكره ابن القيم في زاد المعاد، وقال: ولما علم أصحاب هذا القول ذلك قالوا: ركبتا البعير في يديه لا في رجليه، فهو إذا برك وضع ركبتيه أولاً، فهذا هو المنهى عنه. قال: وهو فاسد من وجوه: حاصلها أن البعير إذا برك يضع يديه، ورجلاه قائمتان، وهذا هو المنهي عنه، وأن القول بأن ركبتي البعير في يديه لا يعرفه أهل اللغة. وأنه لو كان الأمر كما قالوا لقال النبي صلى الله عليه وسلم: فليبرك كما يبرك البعير؛ لأن أول ما يمس الأرض من البعير يداه. وفيه: أن في قوله: "في حديث أبي هريرة قلب من الراوي" نظراً، إذ لو فتح هذا الباب لم يبق اعتماد على رواية راو مع كونها صحيحة، قاله القاري، وأما قوله: "كون ركبتي البعير في يديه لا يعرفه أهل اللغة" ففيه: أنه مبني على عدم اطلاعه؛ لأنه منصوص عليه في لسان العرب (ج1: ص417) وقال صاحب القاموس: "الركبة ـ بالضم ـ موصل ما بين أسافل أطراف الفخذ وأعالي الساق، أو مرفق الذراع من كل شيء، ووقع في حديث هجرة النبي صلى الله عليه وسلم قول سراقة: ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين. رواه البخاري في صحيحه، فهذا نص صريح وبرهان قاطع على أن ركبتي البعير في يديه، وأما قوله: إنه لو كان كما قالوا لقال النبي صلى الله عليه وسلم: "فليبرك كما يبرك البعير" الخ. ففيه: أنه لما ثبت أن ركبتي البعير تكونان في يديه ومعلوم أن ركبتي الإنسان تكونان في رجليه، وقد قال صلى الله عليه وسلم في آخر هذا الحديث: "وليضع يديه قبل ركبتيه"، فكيف يقول في أوله: فليبرك كما يبرك البعير؟ أي فليضع ركبتيه قبل يديه، ذكره شيخنا في شرح الترمذي (ج1: ص230) وفي أبكار المنن (ص223) .
907- قوله: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول بين السجدتين) أي في الفريضة والنافلة. (اللهم اغفرلي) أي ذنوبي، أو تقصيري في طاعتي. (وارحمني) أي من عندك لا بعملي، أو ارحمني بقبول عبادتي. (واهدني) لصالح الأعمال، أو ثبتني على دين الحق. (وعافني) من البلاء في الدارين، أو من الأمراض الظاهرة والباطنة. (وارزقني) رزقا حسناً أو توفيقاً في
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: 221)
رواه أبوداود والترمذي.
908- (15) وعن حذيفة، ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بين السجدتين: رب اغفرلي)) .
ــ
الطاعة، أو درجة عالية في الآخرة. والحديث دليل على مشروعية الدعاء بهذه الكلمات في القعود بين السجدتين، وهو يعم الفرائض والنوافل. قال الترمذي بعد رواية الحديث: وهكذا روي عن علي، وبه يقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، يرون هذا جائزاً في المكتوبة والتطوع- انتهى. وحمله الحنفية على التطوع خاصة لما قيده ابن ماجه في روايته بصلاة الليل. وفيه: أن التقييد بصلاة الليل لا يدل على أن هذا الدعاء مخصوص بصلاة التطوع كما في دعاء الاستفتاح الذي اختاره الحنفية للفرض مع أن الترمذي وأباداود قد رويا عن أبي سعيد الخدري: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل كبر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك- الحديث. فعمم الحنفية هذا الدعاء للفرائض والنوافل مع كونه مقيداً بصلاة الليل في الحديث المذكور. (رواه أبوداود، والترمذي) إلا أنه قال فيه "واجبرني" مكان "عافني". قيل: هو من "جبرت الوهن والكسر" إذا صلحته و"جبرت المصيبة" إذا فعلت مع صاحبها ما ينساها به. وقال الجزري: واجبرني أي أغنني، من "جبر الله مصيبته"، أي رد عليه ما ذهب عنه، أو عوضه عنه. وأصله من " جبر الكسر". والحديث أخرجه أيضاً ابن ماجه، وزاد "وارفعني" ولم يقل "اهدني" ولا "عافني" وأخرجه الحاكم في المستدرك بإسنادين: الأول بلفظ أبي داود، والثاني جمع فيه هذه الألفاظ كلها إلا أنه لم يقل "وعافني". وهذا الاختلاف محمول على أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظه الآخر، والحديث سكت عنه أبوداود، وصححه الحاكم في الموضعين، ووافقه الذهبي. ونقل الحافظ في بلوغ المرام تصحيح الحاكم، وأقره، ولم ينكر عليه، قلت: في سنده أبوالعلاء كامل بن العلاء السعدي، يروي عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، وكامل هذا وثقة يحيى بن معين، وقال ابن عدي: لم أر للمتقدمين فيه كلاماً، وفي بعض رواياته أشياء أنكرتها، ومع هذا أرجو أنه لا بأس به. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال مرة: ليس به بأس. وقال الحافظ في التقريب: صدوق يخطىء، وحبيب بن أبي ثابت ثقة فقيه جليل، لكنه كثير الإرسال والتدليس، وقد روى عند الجميع بالعنعنة، قال في الزوائد: رجاله ثقات، إلا أن حبيب بن أبي ثابت كان يدلس، وقد عنعنة، وأصله في أبي داود، والترمذي- انتهى.
908- قوله: (كان يقول بين السجدتين: رب اغفرلي) أي مكرراً. قال ابن قدامة في المغني: المستحب عند أبي عبد الله أي أحمد، أن يقول بين السجدتين: رب اغفرلي، رب اغفرلي، يكرر ذلك مراراً، والواجب منه مرة، وأدنى الكمال ثلاث، الخ. والحديث يدل على مشروعية طلب المغفرة في الاعتدال بين السجدتين، ولا يختص ذلك بالتطوع كما قيل، بل يعم الفريضة والتطوع، ويحمل هذا الحديث مع حديث ابن عباس السابق على اختلافات الأوقات،
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: 222)
رواه النسائي والدارمي.
{الفصل الثالث}
909- (16) عن عبد الرحمن بن شبل، قال: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نقرة الغراب، وافتراش لسبع،
وأن يوطن الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير)) . رواه أبوداود والنسائي والدارمي.
ــ
فكان صلى الله عليه وسلم يقول في بعض الأحيان ما رواه ابن عباس، وفي بعض الأحيان ما رواه حذيفة. (رواه النسائي) في حديث أطول منه، وأخرجه أيضاً ابن ماجه، ولفظه: كان يقول بين السجدتين: "رب اغفرلي". وهو حديث صحيح، وأصله في مسلم.
909- قوله: (عن عبد الرحمن بن شبل) بكسر الشين المعجمة، وسكون الموحدة، ابن عمرو بن زيد الأنصاري الأوسي، أحد النقباء، المدني، وأحد علماء الصحابة، نزل حمص، له أربعة عشر حديثاً. مات في إمارة معاوية بن أبي سفيان. (عن نقرة الغراب) بفتح النون، أي عن ترك الطمأنينة، وتخفيف السجود بحيث لا يمكث فيه إلا قدر وضع الغراب منقاره فيما يريد الأكل منه. قال الخطابي في المعالم: هي أن لا يتمكن الرجل من السجود فيضع جبهته على الأرض حتى يطمئن ساجداً، فإنما هو أن يمس بجبهته أو بأنفه الأرض كنقرة الطائر ثم يرفعه. (وافتراش السبع) بفتح السين المهملة، وضم الباء الموحدة، والافتراش افتعال من الفرش، أي نهى أن يبسط ذراعيه في السجود، ولا يرفعهما عن الأرض كما يبسط السبع والكلب والذئب ذراعيه. (وأن يوطن) بتشديد الطاء، ويجوز التخفيف، يقال أوطن الأرض ووطنها، واستوطنها، إذا اتخذها وطناً. (الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير) أي أن يتخذ لنفسه من المسجد مكاناً معيناً لا يصلي إلا فيه، كالبعير لا يبرك من عطنه إلا في مبرك قديم. وفي النهاية للجزري: قيل معناه: أن يألف الرجل مكاناً معلوماً من المسجد مخصوصاً به، لا يصلي إلا فيه كالبعير لا يأوي من عطنه إلا إلى مبرك دمث قد أوطنه واتخذه مناخاً، لا يبرك إلا فيه. وقيل معناه: أن يبرك على ركبتيه قيل يديه إذا أراد السجود مثل بروك البعير- انتهى. قلت: وهذا أي المعنى الثاني لا يوافق لفظ الحديث فلا يصح أن يكون مراداً. قال ابن حجر: وحكمة النهي أن ذلك يؤدي إلى الشهرة، والرياء، والسمعة، والتقيد بالعادات، والحظوظ، والشهوات، وكل هذه آفات أي آفات فتعين البعد عما أدى إليها ما أمكن. (رواه أبوداود) وسكت عنه هو المنذري. (والنسائي والدارمي) وأخرجه أيضاً ابن ماجه، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما. والنهي عن نقرة كنقرة الديك، أخرجه أيضاً أحمد بإسناد حسن، وأبويعلي، والطبراني في الأوسط عن أبي هريرة.
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: 223)
910- (17) وعن علي، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا علي! إني أحب لك ما أحب
لنفسي، وأكره لك ما أكره لنفسي، لا تقع بين السجدتين)) .
ــ
910- قوله: (يا علي! إني أحب لك ما أحب لنفسي، وأكره لك ما أكره لنفسي) المقصود إظهار المحبة لوقوع النصيحة، وإلا فهو مع كل مؤمن كذلك. (لا تقع) بضم التاء من الإقعاء. (بين السجدتين) زاد ابن ماجه في رواية له: إقعاء الكلب. وفي حديث أنس عند ابن ماجه مرفوعاً: إذا رفعت رأسك من السجود فلا تقع كما يقعى الكلب- الحديث. وفي حديث أبي هريرة عند أحمد: قال نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثلاث: عن نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، وقد فسر هذا الإقعاء المنهى عنه بنصب الساقين: ووضع الأليتين واليدين على الأرض. وروى مسلم وغيره عن ابن عباس، قال: الإقعاء بين السجدتين هي سنة نبيكم. وعن طاووس، قال: رأيت العبادلة يقعون. قال الحافظ: وأسانيدها صحيحة. وفسر هذا الإقعاء بأن ينصب القدمين، ويجلس عليهما فلا منافاة. قال البيهقي: الإقعاء ضربان: أحدهما أن يضع أليتيه على عقبيه، ويكون ركبتاه في الأرض، وهذا هو الذي رواه ابن عباس، وفعلته العبادلة ونص الشافعي في "البويطي" على استحبابه بين السجدتين، لكن الصحيح أن الافتراش أفضل منه، لكثرة الرواة له، ولأن أعون للمصلي، وأحسن في هيئة الصلاة. والثاني أن يضع أليتيه ويديه على الأرض وينصب ساقيه، وهذا هو الذي وردت الأحاديث بكراهته. وتبع البيهقي على هذا الجمع ابن الصلاح والنووي، وأنكر على من ادعى فيهما النسخ، وقالا: كيف ثبت النسخ مع عدم تعذر الجمع، وعدم العلم بالتاريخ؟ كذا في التلخيص (ص99) . قال الشوكاني: وهذا الجمع لا بد منه، وأحاديث النهي والمعارض لها يرشد لما فيها من التصريح بإقعاء الكلب، ولما في أحاديث العبادلة من التصريح بالإقعاء على القدمين وعلى أطراف الأصابع، وقد روي عن ابن عباس أيضاً أنه قال: من السنة أن تمس عقبيك أليتيك، وهو مفسر للمراد، فالقول بالنسخ غفلة عن ذلك، وعما صرح به الحفاظ من جهل تاريخ هذه الأحاديث، وعن المنع من المصير إلى النسخ مع إمكان الجمع، وقد روي عن جماعة من السلف من الصحابة وغيرهم فعله كما قال النووي. ونص الشافعي في "البويطي" و"الإملاء" على استحبابه- انتهى كلام الشوكاني. قلت: الذي قاله البيهقي، وابن الصلاح، والنووي، ثم الشوكاني، هو الحق والصواب، ويؤيده كتب اللغة. قال ابن دريد في الجمهرة (ج3: ص263) : الإقعاء مصدر "أقعى إقعاء" وهو أن يقعد على عقبيه، وينصب صدور قدميه، ونهى عن الإقعاء في الصلاة وهو أن يقعد على صدور قدميه، ويلقى يديه على الأرض. وفي لسان العرب: أقعى الكلب إذا جلس على إسته مفترشاً رجليه، وناصباً يديه، وقد جاء في الحديث النهي عن الإقعاء في الصلاة، وفي رواية: نهى أن يقعى الرجل في الصلاة، وهو أن يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين. وهذا تفسير الفقهاء. قال الأزهري كما روي عن العبادلة.
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: 224)
رواه الترمذي.
911- (18) وعن طلق بن علي الحنفي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا ينظر الله عز وجل إلى صلاة عبد لا يقيم فيها صلبه بين خشوعها وسجودها)) . رواه أحمد.
ــ
وأما أهل اللغة فالإقعاء عندهم أن يلصق الرجل أليتيه بالأرض، وينصب ساقيه وفخذيه ويضع يديه على الأرض كما يقعى الكلب، وهذا هو صحيح، وهو أشبه بكلام العرب، وليس الإقعاء في السباع إلا كما قلناه- انتهى. والزمخشري حين فسر الحديث في النهي في كتابي "الفائق" و"الأساس" إنما فسر الإقعاء بما فسره به أهل اللغة فقط، واختار الجمع المذكور بعض الأئمة الحنفية أيضاً كابن الهمام وغيره. وأما عامة الحنفية فكرهوا الإقعاء مطلقاً، لكن قالوا: كراهة إقعاء الكلب تحريمية، وكراهة الثاني تنزيهه، وحملوا حديث ابن عباس على العذر، أو بيان الجواز. وفيه: أنه لو كان الإقعاء بالمعنى الثاني مكروهاً لم يقل ابن عباس: هي سنة نبيكم، ولم يفعله العبادلة وغيرهم من الصحابة. (رواه الترمذي) وأخرجه أيضاً ابن ماجه من طريق الحارث بن عبد الله الأعور، وهو ضعيف جداً، رماه الشعبي، وأبوإسحاق، وغيرهما بالكذب، ووثقه ابن معين ولم يتابعه أحد على ذلك بل الجمهور اتفقوا على تضعيفه، وكان عالماً بالفقه، والحساب، والفرائض. وفي الباب عن أنس عند ابن ماجه، وقد ذكرنا لفظه، وفيه العلاء أبومحمد، قال فيه البخاري وغيره: منكر الحديث، وقال ابن المديني: كان يضع الحديث. وعن سمرة، وأبي هريرة عند أحمد، وعن جابر بن سمرة، وأنس عند البيهقي. قال النووي: أسانيدها كلها ضعيفة.
911- قوله: (الحنفي) بفتح النون نسبة إلى بني حنيفة قبيلة. (لا يقيم فيها صلبه) أي في القومة، بيانها. (بين خشوعها) أي ركوعها. (وسجودها) وإنما سمى الركوع خشوعاً، وهو هيئة الخاشع، تنبيهاً على أن القصد الأولى من تلك الهيئة الخشوع والانقياد، قاله الطيبي. قلت: وذكر الهيثمي هذا الحديث في مجمع الزوائد نقلاً عن أحمد، والطبراني بلفظ: لا ينظر الله عزوجل إلى صلاة عبد لا يقيم صلبه فيما بين ركوعها وسجودها. والحديث يدل على وجوب الطمأنينة في الاعتدال من الركوع، وإليه ذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وهو الحق. (رواه أحمد) وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير. قال الهيثمي والمنذري: رجاله ثقات، وفي الباب عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ينظر الله إلى صلاة رجل لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده. أخرجه أحمد بإسناد جيد، قاله المنذري. وقال الهيثمي: رواه أحمد من رواية عبد الله بن زيد الحنفي، عن أبي هريرة، ولم أجد من ترجمه- انتهى. قال الحافظ في تعجيل المنفعة: وهم الهيثمي في تسمية عبد الله بن زيد، وإنه عبد الله بن بدر، وهو معروف موثق، ولكنه قال: إن عبد الله بن بدر لا يروي عن أبي هريرة إلا بواسطة.
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: 225)
912- (19) وعن نافع، أن ابن عمر كان يقول: ((من وضع جبهته بالأرض فليضع كفيه على الذي وضع عليه جبهته، ثم إذا رفع فليرفعهما، فإن اليدين تسجدان
ــ
912- قوله: (من وضع جبهته) أي في السجود. (فليضع كفيه) أيضاً. (على الذي وضع) بصيغة الماضي، وفي الموطأ "يضع" بلفظ المضارع. (عليه جبهته) أي على المكان الذي وضع جبهته عليه. قيل: يعني بقربه. (ثم إذا رفع) أي جبهته. (فليرفعهما) أي الكفين أيضاً. (فإن اليدين) أي الكفين. (تسجدان) تعليل لوضع الكفين على الأرض كما وضع الجبهة عليها. وقيل: تعليل لوضع الكفين والرفع كليهما، وإشارة إلى أن سجدة الوجه كما أنه لا بد لها من رفع الرأس كذلك سجدة الكفين لا بد لهما من رفعهما. واختلف فيمن لم يرفع يديه عن الأرض بين السجدتين، ففي قول للمالكية: يبطل صلاته، قال الزرقاني: لأن رفعهما فرض، إذ لا يعتدل من لم يرفعهما. وقال في شرح الكبير: والمعتمد صحة صلاة من لم يرفع يديه عن الأرض حال الجلوس بين السجدتين حيث اعتدل- انتهى. وفي قول ابن عمر هذا إشارة إلى حديث العباس: إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب: وجهه، وكفاه، وركبتاه، وقدماه. أخرجه الترمذي وأبوداود والنسائي وابن ماجه، وغيرهم. وإلى حديث ابن عباس: أمرت أن أسجد على سبعة أعظم. وفيه أيضاً إشارة إلى أنه يستحب أن يستقبل بأصابعه القبلة. واعلم أنه اختلف في تعيين المقصود من قول ابن عمر هذا، فقيل: أراد بيان وجوب وضع اليدين على الأرض للسجود، وقد تقدم أن القول الراجح هو وجوب وضع الأعضاء السبعة جميعاً، وفيها اليدان فيجب وضعهما. وقيل: أراد بيان موضع اليدين في السجود، وأنهما تكونان قريباً من الوجه، وإلى هذا المعنى أشار محمد في موطئه حيث قال بعد ذكر هذا الأثر: وبهذا نأخذ، ينبغي للرجل إذا وضع جبهته ساجداً أن يضع كفيه بحذاء منكبيه- انتهى. والمسألة مختلفة فيها، فكل من ذهب إلى أن الرفع في افتتاح الصلاة إلى المنكبين، جعل وضع اليدين في السجود حيال المنكبين، ويؤيده ما روى البخاري وغيره عن أبي حميد الساعدي، أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع اليدين حذو المنكبين. ومن ذهب في الرفع في الافتتاح إلى حيال الأذنين جعل وضعهما في السجود حيال الأذنين، وهكذا روي في مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم من فعله. قال ابن الهمام: لو قال قائل: إن السنة أن يفعل أيهما تيسر جمعاً للمرويات، بناء على أنه عليه السلام كان يفعل هذا أحياناً، وهذا أحياناً، إلا أن بين الكفين أفضل؛ لأن فيه تلخيص المفاجأة المسنونة ما ليس في الآخر، كان حسنا. وقيل: أراد بيان كشف اليدين وإبرازهما في السجود، وإليه مال الزرقاني كما يظهر من شرحه، ويؤيد هذا القول ما رواه مالك قبل هذا عن نافع: أن عبد الله بن عمر كان إذا سجد وضع كفيه على الذي يضع عليه وجهه. قال نافع: ولقد رأيته في يوم شديد البرد، وأنه ليخرج كفيه من تحت برنس له حتى يضعهما على الحصباء، ويؤيده أيضاً ما رواه ابن أبي شيبة عن أبي هند، قال: قال ابن عمر: إذا سجد أحدكم فليباشر بكفيه الأرض، وهذه
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: 226)
كما يسجد الوجه)) . رواه مالك.
(15) باب التشهد
{الفصل الأول}
913- (1) عن ابن عمر، قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قعد في التشهد، وضع يده اليسرى على
ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى، وعقد
ــ
المسألة أيضاً مختلفة فيها كما تقدم. قال ابن رشد في البداية: واختلفوا أيضاً هل من شرط السجود أن تكون يد الساجد بارزة وموضوعة على الذي يوضع عليه الوجه، أم ليس ذلك من شرطه؟ فقال مالك: ذلك من شرط السجود، أحسبه شرط تمامه. وقالت جماعة: ليس ذلك من شرط السجود- انتهى. قلت: أقرب الأقوال في بيان الغرض من قول ابن عمر هذا هو القول الأول، ثم الثالث، وأبعدها الثاني، والله أعلم. (كما يسجد الوجه) أي الجبهة والأنف. (رواه مالك) عن نافع، عن ابن عمر موقوفاً عليه من قوله. ورواه أحمد (ج2: ص6) وأبوداود، والنسائي والحاكم، وصححه من طريق ابن علية، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال: إن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه، فإذا وضع أحدكم وجهه فليضع يديه، وإذا رفعه فليرفعهما.
(باب التشهد) قال القاضي: سمي الذكر المخصوص تشهداً لاشتماله على كلمتي الشهادة، تغليباً لها على بقية أذكاره لشرفها.
913- قوله: (إذا قعد في التشهد) أي لأجله، وهو أعم من الأول والثاني. (وضع يده اليسرى) أي بطن كفها باسطا لأصابعها مستقبلاً بها القبلة كما يأتي. (على ركبته اليسرى) أي على قربها فوق فخذه اليسرى جمعاً بين الأحاديث. (ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى) وضع اليدين على الركبتين في التشهد مجمع على استحبابه، ولعل حكمة وضعهما على الركبتين المحافظة من العبث والمراعاة للأدب. (وعقد) أي اليمنى. وهذا بظاهره يدل على أن العقد من أول القعود كما هو مذهب الشافعية لا عند الإشارة، أي رفع المسبحة عند قوله: لا إله إلا الله، كما هو مختار الحنفية. قال القاري في تزيين العبارة: المعتمد عندنا لا يقعد إلا عند الإشارة، لاختلاف ألفاظ الحديث، وبما اخترنا يحصل الجمع بين الأدلة، فإن بعضها يدل على أن العقد من أول القعود، وبعضها يشير إلى أنه لا عقد أصلاً مع الاتفاق على تحقيق الإشارة- انتهى. قلت: لا اختلاف بين ألفاظ الحديث أصلاً، فإن الروايات التي فيها ذكر القبض أو العقد كلها ظاهرة في أن القبض من ابتداء الجلوس لا عند الإشارة، وأما الاقتصار في بعض الروايات على مجرد الوضع والإشارة
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: 227)
ثلاثة وخمسين،
ــ
بدون ذكر القبض فليس فيها أدنى إشارة إلى عدم القبض، فإنها مطلقة تحمل على الروايات التي فيها التنصيص بذكر القبض، حمل المطلق على المقيد. وأما قول ابن الهمام: إن وضع الكف مع قبض الأصابع لا يتحقق حقيقة، فالمراد وضع الكف ثم قبض الأصابع بعد ذلك للإشارة، ففيه أن ذلك إنما يتم لو كان المراد بوضع الكف اليمنى بسطها، ولا دليل على ذلك، بل في قوله: "ويده اليسرى على ركبته باسطها عليها" إشعار ظاهر بقبض اليمنى من أول القعود، وإشارة بينة إلى أنه لم يبسط اليمنى مطلقاً، بل كان وضعها مع عقد الأصابع وقبضها. والحاصل أن الروايات بظاهرها تدل على المعية لا البعدية. ولو سلم أن القبض كان عند الإشارة فلا يضرنا ذلك بل يوافقنا؛ لأن ظاهر الأحاديث يدل على أن الإشارة من ابتداء الجلوس، ولم أر حديثاً صحيحاً يدل عل كون الإشارة عند قوله "لا إله إلا الله" خاصة. وأما ما ورد في بعض الروايات عند أحمد، والبيهقي من قول الصحابي في بيان فعله صلى الله عليه وسلم "ولكنه التوحيد" أو "إنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك يوحد بها ربه عزوجل" أو "يشير بها إلى التوحيد" فليس فيه دليل على كون الإشارة أي رفع المسبحة عند قوله: لا إله إلا الله، بل فيه بيان حكمة الإشارة، يعني أنها للتوحيد، فإذا ثبت أن الإشارة من أول القعود وقد قالوا: إن القبض كان للإشارة ثبت أن القبض كان من ابتداء القعود وأوله، لا عند قوله: لا إله إلا الله. (ثلاثة وخمسين) وهو أن يعقد الخنصر والبنصر والوسطى، ويرسل المسبحة، ويضم الإبهام إلى أصل المسبحة مرسلة. قال الحافظ في التلخيص بعد ذكر هذا الحديث: وصورتها أن يجعل الإبهام معترضة تحت المسبحة- انتهى. وهذه هي إحدى الهيئات الواردة في وضع اليد اليمنى على الركبة اليمنى حال التشهد. والثانية: أن يقبض الأصابع كلها على الراحة، ويشير بالمسبحة، ففي رواية لمسلم من حديث ابن عمر مرفوعاً: كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام. والثالثة: أن يعقد الحنصر والبنصر، ويرسل المسبحة ويحلق الإبهام والوسطى كما هو منصوص في حديث وائل ابن حجر الآتي. والرابعة: أن يضع اليد اليمنى على الفخذ اليمنى ويشير بالسبابة، ويضع إبهامه على إصبعه الوسطى كما في حديث ابن زبير الآتي، ولا منافاة بين هذه الأحاديث لجواز وقوع الكل في الأوقات المتعددة، فيكون الكل جائزاً. قال الرافعي: الأخبار وردت بها جميعاً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع مرة هكذا، ومرة هكذا. وقال الأمير اليماني: الظاهر أنه مخير بين هذه الهيئات- انتهى. والمختار الأحسن عند الحنفية والحنابلة هو التحليق. وقال البيهقي بعد رواية حديث وائل: ونحن نجيزه ونختار ما روينا في حديث ابن عمر، ثم ما روينا في حديث ابن الزبير لثبوت خبرهما، وقوة سندهما- انتهى. وقد رام بعضهم الجمع بين حديث ابن الزبير، ورواية العقد ثلاثة وخمسين، بأن يكون المراد بقوله: "على إصبعه الوسطى" أي وضعها قريباً من أسفل الوسطى، وحينئذٍ يكون بمعنى العقد ثلاثة وخمسين، وتكون الهيئات ثلاثة لا أربعة، وهذا هو الظاهر. وأما ما ورد في الرواية الآتية من حديث ابن عمر، وبعض روايات ابن الزبير من ذكر وضع
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: 228)
وأشار بالسبابة. وفي رواية: ((كان إذا جلس في الصلاة، وضع يديه على ركبتيه، ورفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام، يدعوا بها، ويده اليسرى على ركبته، باسطها عليها)) . رواه مسلم.
914- (2) وعن عبد الله بن الزبير، قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
ــ
اليدين على الركبتين، والإشارة بالمسبحة بدون ذكر القبض، فليس ذلك دليلاً على هيئة أخرى غير ما تقدم، فإنها مطلقة فتحمل بعض الروايات التي وردت مقيدة بذكر القبض، والله أعلم. (وأشار بالسبابة) قال الطيبي: أي رفعها عند قول "إلا الله" ليطابق القول الفعل على التوحيد. وقال القاري: وعندنا يرفعها عند "لا إله" ويضعها عند "إلا الله" لمناسبة الرفع للنفي، وملائمة الوضع للإثبات، ومطابقة بين القول والفعل حقيقة. وقال الأمير اليماني: موضع الإشارة عند قوله "لا إله إلا الله" لما رواه البيهقي من فعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ وينوي بالإشارة التوحيد، والإخلاص فيه، فيكون جامعاً في التوحيد بين الفعل، والقول، والاعتقاد. قلت: حاصل ما رواه البيهقي وغيره في ذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان يشير بالمسبحة إلى التوحيد، أو يريد بها التوحيد، أو يوحد بها ربه عز وجل، وليس فيه كما ترى تصريح بالإشارة عند قوله "لا إله إلا الله" خاصة. ولا نفي الإشارة قبل ذلك من ابتداء الجلوس. ومقصود الصحابي منه إنما هو بيان حكمة الإشارة ونكتتها، لا بيان محل الإشارة ووقتها. وظاهر الأحاديث الواردة في هذه المسئلة يدل على الإشارة من ابتداء الجلوس، فالراجح عندنا أن يعقد من أول القعود مشيراً بالمسبحة، مستمراً على ذلك إلى أن يسلم، والله أعلم. قال العلماء: خصت السبابة بالإشارة لاتصالها بنياط القلب، فتحريكها سبب لحضوره. (وفي رواية: كان إذا جلس في الصلاة) أي للتشهد كما بينته الرواية الأولى. (وضع يديه على ركبتيه) لكن مع اختلاف الهيئة كما علم من الروايات السابقة والآتية. (ورفع إصبعه) ظاهره أن رفع الإصبع، أي الإشارة بها كان في ابتداء الجلوس. (اليمنى التي تلي الإبهام) وهي المسبحة. (يدعو بها) وفي مسلم "فدعا بها" أي أشار بها. قال الطيبي: إما أن يضمن "يدعو" معنى "يشير" أي يشير بها داعياً إلى وحدانية الله بالإلهية، وإما أن يكون حالاً، أي يدعو مشيراً بها. قال ابن حجر: يدعو بها، أي يتشهد بها، وإنما سمى التشهد دعاء لاشتماله عليه، إذ من جملته "السلام عليك أيها النبي" إلى "الصالحين"، وهذا كله دعاء، وإنما عبر عنه بلفظ الإخبار لمزيد التوكيد. (ويده اليسرى) قال القاري: بالنصب في النسخ المصححة، وفي نسخة بالرفع، وهو الظاهر. (باسطها) بالنصب على الحال ويجوز الرفع. (عليها) أي حال كونه باسطاً يده على الركبة من غير رفع إصبع، وفيه إشعار بكون اليمنى مقبوضة. (رواه مسلم) الرواية الثانية أخرجها أيضاً أحمد والترمذي والنسائي.
914- قوله: (وعن عبد الله بن الزبير) بن العوام القرشي الأسدي يكنى أبابكر المكي ثم المدني، وهو أول مولود في الإسلام للمهاجرين بالمدينة، هاجرت به أمه أسماء بنت أبي بكر إلى المدينة وهي حامل، فولد بعد الهجرة في السنة الأولى
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: 229)
إذا قعد يدعوا وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بإصبعه السبابة، ووضع إبهامه على إصبعه الوسطى، ويلقم كفه اليسرى ركبته)) .
ــ
وأذن أبوبكر في أذنه، ولدته أمه بقباء، وأتت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوضعته في حجره، فدعا بتمرة فمضغها، ثم تفل في فيه وحنكه، فكان أول شيء دخل في جوفه ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دعا له وبرك عليه، وكان كثير الصيام والصلاة شهيما ذا أنفة، شديد البأس فصيحا لسنا، قابلا للحق، وصولا للرحم، اجتمع له ما لم يجتمع لغيره. أبوه الزبير حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمه أسماء بنت الصديق، وجده لأمه الصديق، وجدته صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخالته عائشة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم. بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان سنين وحضر وقعة اليرموك. وشهد خطبة عمر بالجابية وبويع له بالخلافة عقيب موت يزيد بن معاوية سنة. (64) وغلب على الحجاز والعراقيين واليمن ومصر، وأكثر الشام. وكانت ولايته تسع سنين. وقتله حجاج بن يوسف بمكة، وصلبه يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من جمادي الأخرى سنة. (73) وحج بالناس ثماني حجج. ومات النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن تسع سنين. ومناقبه وأخباره كثيرة جداً، وخلافته صحيحة خرج عليه مروان بعد أن بويع له بالآفاق كلها إلا بعض قرى الشام. فغلب مروان على دمشق، ثم غزا مصر فملكها. ومات بعد ذلك، فغزا بعد مدة عبد الملك بن مروان العراق، فقتل مصعب بن الزبير ثم أغزى الحجاج مكة فقتل عبد الله. وقد كان عبد الله أولاً امتنع من بيعة يزيد بن معاوية، وسمى نفسه عائذ البيت، وامتنع بالكعبة، فأغزى يزيد جيشا عظيما فعلوا بالمدينة في وقعة الحرة ما اشتهر، ثم ساروا من المدينة إلى مكة، فحاصروا ابن الزبير، ورموا البيت بالمنجنيق، وأحرقوه، فجاءهم نعى يزيد بن معاوية وهم على ذلك، فرجعوا إلى الشام، فلما غزى الحجاج مكة كما فعل أسلافه، ورمى البيت بالمنجنيق، وارتكب أمرا عظيما، وظهرت حينئذٍ شجاعة ابن الزبير فحمى المسجد وحده، وهو في عشر الثمانين بعد أن خذله عامة أصحابه حتى قتل صابرا، محتسبا، مقبلا، غير مدبر، رضي الله عنه. له ثلاثة وثلاثون حديثا، اتفقا على حديث، وانفرد البخاري بستة، وانفرد مسلم بحديثين. روى عنه خلق كثير. (إذا قعد يدعو) أي يتشهد. قال الطيبي: سمى التشهد دعاء لاشتماله عليه، فإن قوله: سلام عليك، وسلام علينا، دعاء. (وأشار بإصبعه السبابة) أي من ابتداء القعود للتشهد. (ووضع إبهامه) أي من أول جلوسه للتشهد. (على إصبعه الوسطى) تقدم الكلام عليه. (ويلقم) من الإلقام أي أحياناً. (كفه اليسرى ركبته) أي اليسرى، أي يعطف أصابعها على الركبة. يقال: ألقمت الطعام، إذا أدخلته في فيك. أي يدخل ركبته في راحة فه اليسرى حتى صارت ركبته كاللقمة في كفه. قال ابن حجر: ولا ينافي هذا ما مر من أن السنة وضع بطن كفيه على فخذيه قريباً من ركبتيه، بحيث تسامتها رؤس الأصابع؛ لأن ذاك بيان لكمال السنة. وهذا بيان لأصل السنة- انتهى. وقال النووي: قد أجمع العلماء على استحباب وضع اليد اليسرى عند الركبة، أو على الركبة.
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: 230)
رواه مسلم.
915- (3) وعن عبد الله بن مسعود، قال: ((كنا إذا صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم قلنا: السلام على الله قبل عباده، السلام على جبريل، السلام على ميكائيل، السلام على فلان. فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم، أقبل علينا بوجهه، قال: لا تقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام، فإذا جلس أحدكم في الصلاة، فليقل:
ــ
وبعضهم يقول بعطف أصابعها على الركبة، وهو معنى قوله: ويلقم كفه اليسرى ركبته- انتهى. (رواه مسلم) وأخرجه أيضاً الدارقطني.
915- قوله: (قلنا) أي في قعود التشهد قبل مشروعيته. (السلام على الله قبل عباده) في المجمع: أي قلنا هذا اللفظ قبل "السلام على عباده"- انتهى. فجعل الظرف متعلقاً بالقول، والظاهر أنه من جملة المقول، وكأنهم رأوا "السلام" من قبيل الحمد والشكر فجوزوا ثبوته لله تعالى أيضاً. (السلام على فلان) وفي رواية "السلام على فلان وفلان" مكرراً. زاد في رواية ابن ماجه "يعنون الملائكة"، وللسراج: فنعد من الملائكة ما شاء الله. والأظهر أنه عليه السلام لم يسمعه إلا حين أنكره عليهم. وقوله "كنا" ليس من قبيل المرفوع حتى يكون منسوخاً بقوله "إن الله هو السلام"؛ لأن النسخ إنما يكون فيما يصح معناه، وليس تكرر ذلك منهم مظنة سماعة له منهم؛ لأنه في التشهد، والتشهد سر. (فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم) أي فرغ من صلاته. (أقبل علينا بوجهه) يعني لا بمجرد الكلام، وقيل: إنه تأكيد، والجملة بدل من "انصرف" وجواب "لما" قوله. (قال: لا تقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام) أي هو مالك السلامة ومعطيها، فلا يحتاج إلى أن يدعى له بالسلامة، كيف وهو المرجوع إليه بالمسائل والمدعو على الحالات، أو أنه تعالى هو السالم عن الآفات التي لأجلها يطلب السلام عليه، ولا يطلب السلام إلا على من يمكن له عروض الآفات، فلا يناسب السلام عليه تعالى. (فليقل) فيه دليل على وجوب قراءة التشهد في القعدة الأولى والثانية، وإليه ذهب أحمد وإسحاق، لكن عدا الحنابلة التشهد الأول واجباً، والثاني ركناً، وقريب منه مذهب الشافعية، فإنهم جعلوا الأول من الأبعاض والسنن التي تنجبر بالسجود، وجعلوا الآخر من الأركان. وعند الحنفية التشهد الثاني واجب، وأما الأول فقيل: واجب، وهو ظاهر الرواية، وقيل: سنة. وأما مالك فقال: بسنية التشهد مطلقاً كما قال الزرقاني. ويدل على الوجوب أيضاً قول ابن مسعود عند النسائي والدارقطني والبيهقي بإسناد صحيح: كنا نقول في الصلاة قبل أن يفرض علينا التشهد. فإن ظاهره أن التشهد في محله فرض ولذلك بوب النسائي عليه بلفظ "باب إيجاد التشهد". وقيل: يحتمل أن المراد قبل أن يشرع التشهد، واستدل على الوجوب أيضاً بما في رواية لأحمد: وأمره أن يعلمه الناس. وبما روي عن عمر، أنه قال: لا تجزيء صلاة إلا بتشهد.
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: 231)
التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي
ــ
أخرجه سعيد بن منصور في سننه، والبخاري في تاريخه. (التحيات) جميع تحية، ومعناها: السلام، وقيل: البقاء. وقيل: العظمة. وقيل: السلامة من الآفات والنقص. وقيل: الملك. وقال المحب الطبري: يحتمل أن يكون لفظ التحية مشتركاً بين هذه المعاني وكونها بمعنى السلام أنسب هنا. وقال الخطابي والبغوي: لم يكن في تحياتهم شيء يصلح للثناء على الله، فلهذا أبهمت ألفاظها، واستعمل منها معنى التعظيم، فقال، قولوا: التحيات لله، أي أنواع التعظيم له. وقال ابن قتيبة: لم يكن يحيى إلا الملك خاصة، وكان لكل ملك تحية تخصه، فلهذا جمعت، فكأن المعنى: التحيات التي كانوا يسلمون بها على الملوك كلها مستحقة لله. (والصلوات) قيل: الخمس، أو ما هو أعم من ذلك من الفرائض والنوافل في كل شريعة. وقيل: المراد العبادات كلها. وقيل: الدعوات. وقيل: المراد الرحمة. وقيل، التحيات: العبادات القولية، والصلوات: العبادات الفعلية، والطيبات: الصدقات المالية. (والطيبات) أي ما طاب من الكلام وحسن أن يثنى به على الله دون ما لا يليق بصفاته مما كان الملوك يحيون به. وقيل الطيبات ذكر الله. وقيل: الأقوال الصالحة كالدعاء والثناء. وقيل: الأعمال الصالحة، وهو أعم من القول والفعل. قال ابن دقيق العيد: إذا حمل التحية على السلام فيكون التقدير: التحيات التي تعظم بها الملوك مثلاً مستحقة لله. وإذا حمل على البقاء فلا شك في اختصاص الله به. وكذلك الملك الحقيقي والعظمة التامة، وإذا حملت الصلاة على العهد أو الجنس كان التقدير: إنها لله واجبة لا يقصد بها غيره. وإذا حملت على الرحمة فيكون معنى قوله "لله" أنه المتفضل بها؛ لأن الرحمة التامة لله يؤتيها من يشاء، وإذا حملت على الدعاء فظاهر. وأما الطيبات فقد فسرت بالأقوال، ولعل تفسيرها بما هو أعم أولى فتشمل الأقوال، والأفعال، والأوصاف، وطيب الأوصاف كونها بصيغة الكمال، وخلوصها عن شوائب النقص-انتهى. قال البيضاوي: يحتمل أن يكون الصلوات، والطيبات معطوفتين على "التحيات"، ويحتمل أن يكون "الصلوات" مبتدأ وخبرها محذوف، و"الطيبات" معطوفة عليها. والواو الأولى لعطف الجملة على الجملة التي قبلها، والثانية لعطف المفرد على الجملة. وقال العيني: كل واحد من "الصلوات والطيبات" مبتدأ حذف خبره، أي الصلوات لله، والطيبات لله، فالجملتان معطوفتان على الأولى وهي "التحيات لله". (السلام) التعريف إما للعهد التقديري، أي ذاك السلام الذي وجه إلى الرسل والأنبياء عليك، أو للجنس، والمعنى أن حقيقة السلام الذي يعرفه كل واحد، ويجوز أن يكون للعهد الخارجي إشارة إلى قوله: {وسلام على عباده الذين اصطفى} وقيل: معنى "السلام عليك" الدعاء، أي سلمت من المكارة، وقيل معناه اسم السلام عليك، كأنه برك عليه باسم الله عزوجل. (عليك) أمرهم أن يفردوه بالسلام عليه لشرفه، ومزيد حقه عليهم، ثم أمرهم أن يخصصوا أنفسهم أولاً؛ لأن الاهتمام بها أهم، ثم أمرهم بتعميم السلام على الصالحين، إعلاماً منه بأن الدعاء للمؤمنين ينبغي أن يكون شاملاً لهم. (أيها النبي) قيل: الحكمة في العدول عن الوصف بالرسالة مع أن الوصف بها أعم في حق البشر وأشرف أن يجمع له الوصفين،
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: 232)
لكونه وصفه بالرسالة في آخر التشهد وإن كان الرسول البشري يستلزم النبوة، لكن التصريح بهما أبلغ. والحكمة في تقديم الوصف بالنبوة أنها كذلك وجدت في الخارج لنزول قوله: {اقرأ باسم ربك} [96: 1] قبل قوله {يا أيها المدثر قم فأنذر} [74: 1، 2] . واعلم أن الأحاديث المرفوعة كلها متفقة على قوله في التشهد "السلام عليك أيها النبي" أي على لفظ الخطاب وحرف النداء، نعم ترك بعض الصحابة كابن مسعود وغيره الخطاب بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، ففرقوا بين حياته عليه السلام ووفاته، وقالوا "السلام على النبي" كما عند البخاري في الإستيذان، وأبي عوانة في صحيحه، والسراج والجوزقي وأبي نعيم الأصبهاني والبيهقي وعبد الرزاق، لكن جمهور الصحابة والتابعين وغيرهم من المحدثين والفقهاء مطبقون على التشهد المرفوع المروى بصيغة الخطاب والنداء، أي على عدم المغايرة بين زمانه صلى الله عليه وسلم وما بعده، وعلى هذا فلا بد من بيان توجيه الخطاب؛ لأنه يرد عليه أنه كيف شرع هذا اللفظ وهو خطاب بشر مع كونه منهياً عنه في الصلاة؟ والجواب أن ذلك من خصائصه عليه السلام، فإن قيل: ما الحكمة في العدول عن الغيبة إلى الخطاب مع أن لفظ الغيبة هو الذي يقتضيه السياق؟ كأن يقول "السلام على النبي" فينتقل من تحية الله إلى تحية النبي، ثم إلى تحية النفس، ثم إلى تحية الصالحين. أجاب الطيبي مما محصله: نحن نتبع لفظ الرسول بعينه الذي كان علمه الصحابة. وقال ابن الملك: روى أنه صلى الله عليه وسلم لما عرج به أثنى على الله تعالى بهذه الكلمات، فقال الله تعالى: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فقال عليه السلام: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فقال جبريل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله-انتهى. قال القاري: وبه يظهر وجه الخطاب، وأنه على حكاية معراجه – عليه السلام – في آخر الصلاة التي هي معراج المؤمنين – انتهى. وقال في "مسك الختام" في شرح " بلوغ المرام" بالفارسية ما معربه: ووجه الخطاب إبقاء هذا الكلام على ما كان في الأصل، فإن ليلة المعراج قد خاطب الله تعالى رسوله بالسلام، فأبقاه النبي صلى الله عليه وسلم وقت تعليم الأمة على ذلك الأصل، ليكون ذك مذكراً لتلك الحال-انتهى. وتمام بيان القصة مع شرح ألفاظ التشهد في الإمداد كذا في رد المختار. وهذا المروي لم أقف على سنده، فإن كان ثابتاً فنعم التوجيه هذا، لكن يقصد على هذا التوجيه بألفاظ التشهد معانيها مرادة له على وجه الإنشاء كأنه يحيى الله تعالى ويسلم على نبيه صلى الله عليه وسلم، وعلى نفسه، وأولياءه، ولا يقصد مجرد الإخبار والحكاية عما وقع في المعراج عنه صلى الله عليه وسلم. وقد ظهر بما ذكرنا عدم صحة استدلال القبوريين بصورة النداء والخطاب في التشهد على حضوره صلى الله عليه وسلم في كل موضع، وعلى جواز ندائه في غير التشهد، وهذا لأن كون النداء فيه نداء حقيقياً ممنوع، فإنه ليس فيه طلب شئ، بل هو نداء مجازي يطلب به استحضار المنادي في القلب فيخاطب المشهود بالقلب. قال الإمام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم: وقوله: يا محمد! يا نبي الله! هذا وأمثاله نداء يطلب به استحضار المنادى في القلب فيخاطب المشهود بالقلب كما يقول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته،
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: 233)
ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عبد الله الصالحين – فانه إذا قال ذلك أصاب كل عبد صالح
ــ
والإنسان يفعل مثل هذا كثيراً يخاطب من يتصوره في نفسه وإن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب-انتهى. وعلى هذا فليس هذا النداء مما يدعيه هؤلاء القبوريون. وقال بعض شيوخ مشائخنا ما حاصله: أن تشهده صلى الله عليه وسلم كان مثل ما علم الأمة، فكان عليه السلام يقول في التشهد "السلام عليك أيها النبي" كما أمر به الأمة، كما هو مصرح في حديث عبد الله بن الزبير عند الطحاوي، والبزار، والطبراني، وفي حديث ابن مسعود عند أحمد والطبراني. قال الزرقاني في شرح المواهب نقلاً عن النووي بعد ذكر ألفاظ التشهد ما نصه: وفي هذا فائدة حسنة، وهي أن تشهده عليه السلام بلفظ تشهدنا- انتهى. ومن المعلوم أن التشهد المروي في الأحاديث عام للحاضرين من الصحابة، وللغائبين والموجودين في زمنه صلى الله عليه وسلم، ولمن جاء بعده، إذا الخطاب في قوله: "إذا صلى أحدكم" وقوله: "ولكن قولوا" يشمل الحاضرين والغائبين، والموجودين، والمعدومين الكائنين إلى يوم القيامة مثل سائر الخطابات الواردة في الوضوء، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، وغير ذلك، وليس هناك حديث يدل على أن للغائبين والمعدومين تشهداً آخر غير هذا التشهد، وأيضاً علمهم النبي صلى الله عليه وسلم التشهد هكذا بلفظ الخطاب والنداء بدون التفريق بين الحاضرين منهم والغائبين عنه مع أن الصحابة كانوا يغيبون عنه صلى الله عليه وسلم في الغزوات، والسرايا، وغير ذلك من الأسفار، ولا يغايرون بين الحضور عنده والغيبة عنه، ولم يثبت ما تقدم من حكاية المعراج، فهذا كله يدل على أن ذلك مما لم نؤت علمه فينبغي لنا أن لا نبحث فيه، ونكل أمره إلى الله، قال الله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} [17: 36] ، وإذا يكون هذا الخطاب معدولاً عن العقل والقياس، فيكون مقصوراً على مورده، فلا يقتضى هذا الخطاب جواز خطابه صلى الله عليه وسلم ونداءه في غير تشهد الصلاة- انتهى. (ورحمة الله) أي إحسانه. (وبركاته) جمع بركة، أي زيادة من كل خير. (السلام) أي الذي وجه إلى الأمم السالفة من الصلحاء. (علينا) أي محشر الحاضرين، يريد به نفسه، والحاضرين من الإمام، والمأمومين، والملائكة، والجن، وفيه استحباب البداءة بالنفس في الدعاء، وفي الترمذي مصححاً عن أبيّ كعب: أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر أحداً فدعا له بدأ بنفسه، وأصله في صحيح مسلم. (وعلى عباد الله الصالحين) الأشهر في تفسير الصالح أنه القائم بما يجب عليه من حقوق الله، وحقوق عباده، وتتفاوت درجاته. قال الحكيم الترمذي: من أراد أن يحظى بهذا السلام الذي يسلمه الخلق في الصلاة فليكن عبداً صالحاً، وإلا حرم هذا الفضل العظيم. (فإنه) أي الشأن أو المصلي. (إذا قال ذلك) أي قوله "وعلى عباد الله الصالحين" وهو كلام معترض بين قوله "الصالحين" وبين قوله "أشهد" إلى آخره. وإنما قدمت للاهتمام بها لكونه أنكر عليهم عد الملائكة واحداً واحداً، ولا يمكن استيعابهم لهم مع ذلك فعلمهم لفظاً يشمل الجميع مع غير الملائكة من النبيين، والمرسلين، والصديقين، وغيرهم بغير مشقة، وهذا من جوامع الكلم التي أوتيها صلى الله عليه وسلم، وقد ورد في بعض طرقه سياق التشهد متوالياً، وتأخير الكلام المذكور بعد، وهو من تصرف الرواة. (أصاب) فاعله ضمير ذلك. (كل عبد صالح) قيد به؛ لأن التسليم لا يصلح للمفسد.
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: 234)
في السماء والأرض - أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه، فيدعوه)) . متفق عليه.
ــ
(أشهد أن لا إله إلا الله) زاد ابن أبي شيبة "وحده لا شريك له" وسنده ضعيف، لكن ثبتت هذه الزيادة في حديث أبي موسى عند مسلم، وفي حديث عائشة الموقوف في الموطأ. (ثم ليتخير) أي ليختر. (من الدعاء أعجبه إليه) أي أحب الدعاء وأرضاه من الدين، والدنيا، والآخرة. (فيدعوه) أي فيقرأ الدعاء الأعجب. وقيل التقدير: فيدعوا به. كما في رواية أبي داود، فهو من باب الحذف والإيصال. وقيل التقدير: فيدعوا الله به. فحذف المفعول الثاني للعلم به. وفيه دليل على مشروعية الدعاء في الصلاة قبل السلام من أمور الدنيا والآخرة ما لم يكن إثماً؛ لأن ظاهر قوله "ليتخير من الدعاء أعجبه إليه" شامل لكل دعاء مأثور وغيره مما يتعلق بالآخرة كقوله "اللهم أدخلني الجنة". أو الدنيا مما يشبه كلام الناس كقوله "اللهم ارزقني زوجة جميلة، ودراهم جزيلة". وبذلك أخذ الشافعية، والمالكية ما لم يكن إثماً. وقصر الحنفية على ما يناسب المأثور فقط مما لا يشبه كلام الناس محتجين بقوله عليه السلام: "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس". واحتج الأولون بظاهر حديث ابن مسعود، بقوله عليه السلام: سلوا الله حوائجكم حتى الشسع لنعالكم، والملح لقدوركم. واستثنى بعض الشافعية من مصالح الدنيا ما فيه سوء أدب كقوله: "اللهم أعطني امرأة جميلة" ثم يذكر أوصاف أعضائها. وقال ابن المنير: الدعاء بأمور الدنيا في الصلاة حظر، وذلك أنه قد تلتبس عليه الدنيا الجائزة بالمحظورة، فيدعوا بالمحظورة فيكون عاصياً متكلماً في الصلاة، فتبطل صلاته وهو لا يشعر، ألا ترى أن العامة يلتبس عليها الحق بالباطل، فلو حكم حاكم على عامي بحق فظنه باطلاً، فدعا على الحاكم باطلا بطلت صلاته، وتمييز الحظوظ الجائزة من المحرمة عسير جداً، فالصواب أن لا يدعوا بدنياه إلا على تثبت من الجواز- انتهى. ثم ظاهر اللفظ يدل على وجوب الدعاء قبل السلام بعد التشهد؛ لأن التخيير في آحاد الشيء لا يدل على عدم وجوبه كما قال ابن رشد، وهو المتقرر في الأصول، وقد ذهب إلى الوجوب أهل الظاهر، وروي عن أبي هريرة، وادعى بعض العلماء الإجماع على عدم الوجوب. (متفق عليه) وأخرجه أيضاً أحمد، والترمذي، وأبوداود، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم. واعلم أن حديث التشهد قد رواه أربعة وعشرون صحابياً، ذكر الحافظ في التلخيص (ص 102، 103) أسماءهم مع تخريج أحاديثهم، وبيان اختلاف ألفاظهم، واقتصر المصنف على إيراد أحاديث ثلاثة منهم: ابن مسعود، وابن عباس، وجابر. والروايات في ألفاظ التشهد مختلفة جداً، ولذلك اختلف الأئمة في اختيار بعضها دون بعض، وترجيح بعضها على بعض مع القول بجواز كل ما ثبت وصح، فاختار مالك تشهد عمر الموقوف عليه، ولفظه نحو حديث ابن عباس التالي إلا أنه قال "الزاكيات" بدل "المباركات"، وإنما رجح مالك تشهد عمر؛ لأنه علمه الناس على المنبر، ولم ينازعه أحد، فكان إجماعاً،
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: 235)
ودل على تفضيله. وفيه: أن عدم إنكار الصحابة على عمر إنما يدل على جواز تشهده وإجزائه، لا على كونه أفضل التشهدات لاختيار أكثر الصحابة غير تشهده كما تدل عليه الروايات، ولم يكونوا ينكرون على أحد في الأمور المباحة، على أن تشهد عمر موقوف عليه. قال الدارقطني: لم يختلفوا في أنه موقوف عليه. وقال ابن عبد البر: ليس عند مالك في التشهد شيء مرفوع وإن كان غيره قد رفع ذلك، ومعلوم أنه لا يقال بالرأي. ولما علم مالك أن التشهد لم يكن إلا توقيفاً اختار تشهد عمر؛ لأنه كان يعلمه الناس، وهو على المنبر من غير نكير. قال: وتسليم الصحابة لعمر ذلك مع اختلاف رواياتهم دليل الإباحة والتوسعة. وقال ابن قدامة في المغني: أما حديث عمر فلم يروه عن النبي صلى الله عليه وسلم، إنما هو من قوله، وأكثر أهل العلم من الصحابة على خلافه، فكيف يكون إجماعاً على أنه ليس الخلاف في إجزائه في الصلاة، إنما الخلاف في الأولى والأحسن، والأحسن تشهد النبي صلى الله عليه وسلم الذي علمه أصحابه. وأخذوا به- انتهى. ولو سلم أن سكوت الصحابة وعدم إنكارهم على عمر دليل على إجماعهم فقد وقع إجماعهم على تشهد ابن مسعود قبل ذلك، فروى ابن أبي شيبة في مصنفه بسنده عن ابن عمر: أن أبابكر كان يعلمهم التشهد على المنبر كما يعلم الصبيان في المكتب: التحيات لله، والصلوات، والطيبات. فذكر مثل حديث ابن مسعود. قال الحافظ: ورواه أبوبكر بن مردويه في كتاب التشهد له من رواية أبي بكر مرفوعاً، وإسناده حسن. واختار الشافعي تشهد ابن عباس الآتي، وقال هو أفضل التشهد. واختار أحمد، وأبوحنفية، وجمهور الفقهاء، وأهل الحديث تشهد ابن مسعود، قال الترمذي: وعليه العمل عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم من التابعين، وهو قول الثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق-انتهى. وقال الحافظ: وذهب جماعة من محدثي الشافعية كابن المنذر إلى اختيار تشهد ابن مسعود-انتهى. وذكروا لترجيحه وجوهاً كثيرة، منها: أن الأئمة الستة اتفقوا على تخريج حديثه لفظاً ومعنى، وذلك نادر، وأعلى درجات الصحة عند المحدثين ما اتفق عليه الشيخان فكيف إذا اتفق عليه الستة لفظاً ومعنى. ومنها: أنه أجمع العلماء على أن حديثه أصح ما روي في التشهد. قال الترمذي: هو أصح حديث روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد. وقال البزار لما سئل عن أصح حديث في التشهد قال: هو عندي حديث ابن مسعود، وروي من نيف وعشرين طريقاً، ثم سرد أكثرها وقال: لا أعلم في التشهد أثبت منه، ولا أصح أسانيد، ولا أشهر رجالاً، ولا أشد تظافراً بكثرة الأسانيد والطرق، ذكره الحافظ في التلخيص، وقال بعد ذكره في الفتح: ولا اختلاف بين أهل الحديث في ذلك، وممن جزم بذلك البغوي في شرح السنة، وقال محمد بن يحيى الذهلي: حديث ابن مسعود أصح ما روي في التشهد. وقال بريدة بن الحصيب: ما سمعت في التشهد أحسن من حديث ابن مسعود، رواه الطبراني، وقال النووي: أشدها صحة باتفاق المحدثين حديث ابن مسعود، ثم حديث ابن عباس. ومنها: أن الرواة عن ابن مسعود من الثقات لم يختلفوا في ألفاظه بخلاف غيره، قال مسلم: إنما اجتمع
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: 236)
916- (4) وعن عبد الله بن عباس، قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن،
ــ
الناس على تشهد ابن مسعود؛ لأن أصحابه لا يخالف بعضهم بعضاً، وغيره قد اختلف أصحابه، ذكره الحافظ في الفتح. ومنها: أنه تلقاه عن النبي صلى الله عليه وسلم تلقيناً؛ فروى الطحاوي من طريق الأسود بن يزيد عنه، قال: أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقننيه كلمة كلمة. ومنها: أن فيه تأكيد التعليم ما ليس في غيره؛ ففي البخاري في الاستئذان: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد وكفى بين كفيه، كما يعلمني السورة من القرآن. وفي أبي داود بسنده إلى القاسم قال: أخذ علقمة بيدي فحدثني أن عبد الله بن مسعود أخذ بيده، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده، فعلمه التشهد في الصلاة. ومثل هذا لا يوجد في غيره. ومنها: أن أبا بكر علمه الناس على المنبر كما تقدم. ومنها: أن رواته لم يختلفوا في حرف منه بل نقلوه مرفوعاً على صفة واحدة بخلاف غيره. ومنها: أنه ورد بصيغة الأمر مثل قوله "فليقل" وقوله "قولوا" ونحو ذلك، وأقله الندب والاستحباب بخلاف غيره، فإنه مجرد حكاية. ومنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم ابن مسعود التشهد وأمره أن يعلمه الناس، أخرجه أحمد. قال الحافظ بعد ذكره: ولم ينقل ذلك لغيره، ففيه دليل على مزيته. ومنها: أنه اتفق على روايته جماعة من الصحابة مثل أبي بكر، ومعاوية، وسلمان، وغيرهم. قال ابن قدامة في المغني (ج1: ص578) : وقد رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم معه ابن عمر، وجابر، وأبو موسى، وعائشة. وقال أيضاً (ج1: ص579) : وقد اتفق على روايته جماعة من الصحابة فيكون أولى. ومنها: أنه أخذ به جمهور الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم من الفقهاء، وأهل الحديث بخلاف تشهد غيره. ومنها: ما ذكره في المغني: قال عبد الرحمن بن الأسود: عن أبيه، قال: حدثنا عبد الله بن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه التشهد في الصلاة، قال: وكنا نتحفظه عن عبد الله كما نتحفظ حروف القرآن: الواو، والألف. (أخرجه البزار، ورجاله رجال الصحيح) قال ابن قدامة: وهذا يدل على ضبطه، فكان أولى. ومنها: ما قال الحافظ في الفتح: ورجح أيضاً بثبوت الواو في الصلوات والطيبات، وهي تقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، فيكون كل جملة ثناء مستقلاً، بخلاف ما إذا حذفت، فإنها تكون صفة لما قبلها، وتعدد الثناء في الأول صريح فيكون أولى، ولو قيل: إن الواو مقدرة في الثاني- انتهى. وقد ذكروا لترجيح تشهد ابن مسعود وجوهاً أخرى وفيما ذكرناه كفاية لمن له بصيرة، فلا يشك في أن حديث ابن مسعود أرجح من جميع الأحاديث المروية في التشهد فالأخذ به أولى وأحسن، والله اعلم.
916- قوله: (يعلمنا التشهد) سمى باسم جزءه الأشرف كما هو القاعدة عند البلغاء في تسمية الكل باسم البعض. (كما يعلمنا السورة من القرآن) أي بكمال الاهتمام لتوقف الصلاة عليه إجزاء، ففيه دلالة ظاهرة على اهتمامه
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: 237)
فكان يقول: التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله)) . رواه مسلم.
ــ
وإشارة إلى وجوبه. (التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله) المباركات جمع مباركة، وهي كثيرة الخير، وقيل: النامية، قال النووي: تقديره "والمباركات، والصلوات، والطيبات" كما في حديث ابن مسعود وغيره، لكن حذفت الواو اختصاراً، وهو جائز معروف في اللغة- انتهى. قلت: حذف واو العاطف ولو كان جائزاً لكن التقدير خلاف الظاهر؛ لأن المعنى صحيح بدون تقديرها، فيكون جملة واحدة في الثناء، ولو سلم حذف الواو ههنا فتعدد الثناء صريح في تشهد ابن مسعود لذكر الواو فيه فيكون أولى من هذا. (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا) كذا رواه مسلم وأبوداود وابن ماجه، وأحمد في رواية له بتعريف السلام في الموضعين. ورواه الترمذي والنسائي والشافعي وأحمد في طريق أخرى بتنكير السلام فيهما. قال النووي: يجوز فيهما حذف اللام وإثباتها، والإثبات أفضل، وهو الموجود في روايات الصحيحين. قال الحافظ: لم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود بحذف اللام، وإنما اختلف ذلك في حديث ابن عباس، وهو من أفراد مسلم- انتهى. (وأشهد أن محمداً رسول الله) انفرد ابن عباس بهذا اللفظ، إذ في سائر التشهدات الواردة عن عمر، وابن مسعود، وجابر، وأبي موسى، وعبد الله بن الزبير كلها بلفظ "وأشهد أن محمداً عبده ورسوله". وأما قول الرافعي المنقول أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول في تشهده "وأشهد أني رسول الله" فمردود بأنه لا أصل له، قاله القاري. قلت: روى النسائي وابن ماجه حديث ابن عباس هذا بلفظ: وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. هذا، وقد تقدم أن الشافعي اختار تشهد ابن عباس. قال الحافظ في الفتح: قال الشافعي بعد أن أخرج حديث ابن عباس: رويت أحاديث في التشهد مختلفة، وكان أحب إلىّ؛ لأنه أكملها. وقال في موضع آخر، وقد سئل عن اختياره تشهد ابن عباس: لما رأيته واسعاً، وسمعته عن ابن عباس صحيحا، كان عندي أجمع وأكثر لفظاً من غيره، وأخذت به غير معنف لمن يأخذ بغيره مما صح، ورجحه بعضهم لكونه مناسباً للفظ القرآن في قوله تعالى: {تحية من عند الله مباركة طيبة} [24: 61] ، وأما من رجحه بكون ابن عباس من أحداث الصحابة فيكون أضبط لما روى، أو بأنه أفقه من رواه، أو يكون إسناد حديثه حجازياً، وإسناد ابن مسعود كوفياً، وهو مما يرجح به، فلا طائل فيه لمن أنصف-انتهى. (رواه مسلم) قال المجد بن تيمية في المنتقى بعد ذكر الحديث بلفظ المصنف: رواه مسلم، وأبوداود بهذا اللفظ، ورواه الترمذي وصححه كذلك، لكنه ذكر السلام منكراً، ورواه ابن ماجه كمسلم، لكنه قال: وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ورواه الشافعي وأحمد بتنكير السلام، وقالا فيه "وأن محمداً" ولم يذكرا "أشهد" والباقي كمسلم. ورواه أحمد من طريق آخر كذلك لكن بتعريف السلام، ورواه النسائي كمسلم، لكنه نكر السلام، وقال: وأشهد أن محمداً عبده ورسوله- انتهى. والحديث
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: 238)
ولم أجد في "الصحيحين" ولا في الجمع بين الصحيحين "سلام عليك" و"سلام علينا" بغير ألف ولام، ولكن رواه صاحب "الجامع" عن الترمذي.
{الفصل الثاني}
917- (5) عن وائل بن حجر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ثم جلس فافترش رجله اليسرى، ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى،
ــ
أخرجه أيضاً الدارقطني في إحدى روايتيه بتعريف السلام فيهما. وأخرجه ابن حبان في صحيحه بتعريف السلام الأول وتنكير الثاني. وأخرجه الطبراني بتنكير الأول وتعريف الثاني. (ولا في الجمع) أي للحميدي. (بين الصحيحين) وكأنه لم يقل بينهما؛ لأنه علم، والعلم لا يتغير. ("سلام عليك" و"سلام علينا" بغير ألف ولام) قيل: أصل "سلام عليك" سلمت سلاماً عليك، ثم حذفت الفعل وأقيم المصدر مقامه، وعدل عن النصب إلى الرفع على الابتداء لإفادة الثبوت والدوام، ثم زيدت "ال" للعهد الذهني، وقد تقدم توجيهه. (ولكن رواه) ابن الأثير (صاحب الجامع) أي للأصول الست. (عن الترمذي) وقد تقدم أن النسائي أيضاً رواه منكراً، وكذا الشافعي وأحمد والدارقطني في إحدى روايتيهما. ومقصود المصنف أن ذكر البغوي حديث ابن عباس بتنكير السلام في الموضعين في الصحاح مخالف لما في صحيح مسلم، ثم لا يخفى ما في قول المصنف "رواه صاحب الجامع" من التسامح، فإن الصحيح أن يقول: ذكره أو أورده صاحب الجامع؛ لأن ابن الأثير ليس من الرواة.
917- قوله: (عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي مرفوعاً في كيفية جلسته للتشهد، والأظهر أن يقول المصنف: عن وائل بن حجر أنه قال في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثم جلس، الخ. (قال) أي وائل بن حجر. (ثم جلس) أي النبي صلى الله عليه وسلم وهذا عطف على ما ترك ذكره في الكتاب من صدر الحديث، وهو أن وائل بن حجر قال، قلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يصلي، قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستقبل القبلة، فكبر، فرفع يديه حتى حاذتا بأذنيه، ثم أخذ شماله بيمينه، فلما أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك، قال: ثم جلس. (فافترش رجله اليسرى) أي وجلس على باطنها، ونصب اليمنى، ففي رواية الطحاوي، وسعيد بن منصور: فرش قدمه اليسرى على الأرض، وجلس عليها. واستدل به الحنفية على تفضيل الافتراش في التشهدين، وأجيب بأن هذا الحديث محمول على التشهد الأول لحديث أبي حميد المتقدم في صفة الصلاة، ولما رواه النسائي في "باب موضع اليدين عند الجلوس للتشهد الأول " عن وائل بن حجر، قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيته يرفع يديه إذا افتتح الصلاة- الحديث. وفيه "وإذا جلس في الركعتين أضجع اليسرى، ونصب اليمنى" الخ. (ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى) أي ممدودة غير مقبوضة. وفي رواية للنسائي: وضع كفه اليسرى
(খণ্ড: ٣) (পৃষ্ঠা: 239)