Arabic source text

📘 আল মুনাজারাতুল আকিদিয়্যাহ লি শাইখিল ইসলাম ইবনে তাইমিয়্যাহ (হায়সাম আল-হামরি)

📘 المناظرات العقدية لشيخ الإسلام ابن تيمية (هيثم الحمري)

📘 আল মুনাজারাতুল আকিদিয়্যাহ লি শাইখিল ইসলাম ইবনে তাইমিয়্যাহ (হায়সাম আল-হামরি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
ولا يحتاج معه إلى تأويلات خفية، وخصوصاً أشرف النصوص وأجلها: وهي النصوص اامُعرفة بأشرف المعارف سبحانه، والمخبرة بأسمائه وصفاته ونعوت جلاله وكماله. ومن ثم فلا يجوز أن يتكلم النبي صلى الله عليه وسلم وهؤلاء بكلام يريدون به خلاف ظاهره، إلا وقد نصبوا دليلاً يمنع من حمله على ظاهره.
هذه هي خطوات المنهج الذي سلكه شيخ الإسلام في إثبات صفات الخالق جل وعلا، وهو المنهج الذي عالج فيه قضية التأويل وبين من خلاله بطلان تأويلات المتكلمين، ومعارضتها للحقيقة السمعية والعقلية، وما اشتملت عليه من ضلال وتحريف وبهتان يؤدي لرد الدين وهدم الرسالات؛ فكل باطل دخل الشريعة كان عن طريق التأويل، وظهر جلياً أن نصوص الصفات من النصوص التي لا يدخلها التأويل المحدث، وإنما يدخلها التأويل الشرعي الذي هو بمعنى التفسير، أو بمعنى الوجود في الخارج، والله أعلم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 600)

‌‌المبحث الثالث: مناظرته مع ابن المرحل في تعلق الصفات وهل الحب والبغض ونحوها من الصفات وجودية أم عدمية:
واشتمل على مطلبين:

‌‌المطلب الأول: عرض المناظرة:
•‌‌ تمهيد:
لقد ناظر شيخ الإسلام كبار علماء دمشق، وكانت له مساجلات مع عدة من قضاتها وعلمائها، ويعتبر الشيخ زين الدين ابن المرحل والمشهور بـ (ابن الوكيل)(1) من أكثرهم معارضةً لشيخ الإسلام ومناظرة له، قال ابن كثير رحمه الله: «وكان [أي ابن المرحل] ينصب العداوة للشيخ ابن تيمية(2)، ويناظره في كثير--------------------------------------------
(1) محمد بن عمر بن مكي، أبو عبد الله صدر الدين (ابن المرحل) المعروف بابن الوكيل، من كبار فقهاء الشافعية في عصره، وكان من الشعراء الأذكياء المشهود لهم بقوة الذاكرة وسعة الحفظ، ومع ذلك فقد ذكر العلماء في ترجمته من القبائح والشنائع والأمور السيئة ما يستبعده القارئ لأول وهله، إلا أن كثرة القائل تُريب العاقل، كما قاله السبكي، (ت: 716 هـ). انظر: البداية والنهاية (14/ 80)، فوات الوفيات (4/ 13 - 26)، طبقات الشافعية للسبكي (8/ 342 - 267)، الدرر الكامنة (5/ 374 - 382).
(2) ومن ذلك أنه نظم قصيدة في هجاء شيخ الإسلام رحمه الله عندما خرج من دمشق في محنته الأولى، وذكر فيها أن سماء دمشق أمطرت فرحًا لخروج شيخ الإسلام منها، وقد رد عليه الإمام نجم الدين إسحق بن ألمى التركي بأبيات قال في مطلعها:
من مبلغ عني الخبيث مقالة … كالسيف أقصم ظهره بفرنده
أزعمت إذ غاب الإمام همى الغما … م كذبت بل بكت السماء لفقده
انظر: العقود الدرية (ص:440).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 601)

من المحافل والمجالس، وكان يعترف للشيخ تقي الدين بالعلوم الباهرة ويثني عليه، ولكنه كان يجاحف عن مذهبه وناحيته وهواه، وينافح عن طائفته»(1). وقال ابن حجر-رحمه الله في ترجمته له: «وكان لا يقوم بمناظرة ابن تيمية أحد سواه»(2).
وقد دون بعض طلاب شيخ الإسلام رحمه الله ثلاث مناظرات جرت بينهما، وقام بتلخيص مباحثها، ونقل لنا الإمام ابن عبد الهادي رحمه الله في العقود الدرية هذه المباحث الثلاثة التي جرت لشيخ الإسلام ابن تيمية مع ابن المرحل الشافعي، فقال: «وَقد رَأَيْت بِخَط بعض أَصْحَابه مَا صورته»(3)، ثم ساق المباحث الثلاثة، الأول والثاني لهما تعلق بالاعتقاد، وهذا المبحث الذي بين أيدينا هو المبحث الثاني منها، وسيأتي ذكر المبحث الأول منهما "في فصل: مناظرته مع المرجئة"(4)؛ لكونه هو الموضع المناسب له.
ويظهر أن هذه المناظرة التي بين أيدينا قد وقعت قبل مناظرة الواسطية والرفاعية بسنوات كثيرة؛ وذلك لأن الإمام زين الدين بن المنجى الحنبلي(5) كان--------------------------------------------
(1) البداية والنهاية (14/ 80).
(2) الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة (5/ 374)، وانظر: فوات الوفيات (4/ 14) وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي (9/ 253).
(3) العقود الدرية (ص: 111). ولم أقف على الشخص المذكور.
(4) ص:665) من هذه الرسالة.
(5) هو زين الدين المنجّى بن عثمان بن أسعد بن المنجّى التنوخي الدمشقيّ الحنبلي، الإمام العلامة مفتي المسلمين، انتهت إليه رئاسة المذهب في دمشق، وهو أحد شيوخ شيخ الإسلام ابن تيمية، وذكر مترجموه من علمه وفضائله الشيء الكثير، ولد عام (631 هـ) وتوفي عام (695 هـ) ومن تصانيفه (الممتع شرح المقنع) و (تفسير القرآن الكريم). انظر: تاريخ الإسلام (52/ 278 - 280) و البداية والنهاية (13/ 407) الوافي بالوفيات (26/ 10 - 12) ذيل طبقات الحنابلة (4/ 271 - 274).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 602)

من الحاضرين فيها، وهو قد توفي رحمه الله سنة (695 هـ) ـ، ومناظرتا الواسطية والرفاعية إنما كانتا في سنة (705 هـ) ـ أي بعد وفاة ابن المنجى بعشر سنين، مما يفيدنا أن هذه المناظرة قد وقعت بلا شك قبل سنة خمسٍ وتسعين وستمائة من الهجرة، والله أعلم.

•‌‌ نص المناظرة:
قال ابن عبد الهادي رحمه الله:
«بحثٌ ثانٍ جرى: أن الحمد والشكر بينهما عموم وخصوص؛ فالحمد أعم من جهة أسبابه التي يقع عليها؛ فإنه يكون على جميع الصفات، والشكر لا يكون إلا على الإحسان(1)، والشكر أعم من جهة ما به يقع؛ فإنه يكون بالاعتقاد والقول والفعل، والحمد يكون بالفعل(2) أو بالقول أو بالاعتقاد.
أورد الشيخ الإمام زين الدين بن المنجى الحنبلي: أن هذا الفرق إنما هو من جهة متعلق الحمد والشكر؛ لأن كونه يقع على كذا، ويقع بكذا خارج عن ذاته،--------------------------------------------
(1) قال شيخ الإسلام: «الحمد يتضمن: المدح، والثناء على المحمود بذكر محاسنه، سواء كان الإحسان إلى الحامد أو لم يكن، والشكر لا يكون إلا على إحسان المشكور إلى الشاكر، فمن هذا الوجه: الحمد أعم من الشكر؛ لأنه يكون على المحاسن والإحسان» مسألة (حقيقة الحمد والشكر) ضمن الفتاوى الكبرى (2/ 379 - 380).
(2) إضافة "بالفعل" هنا مُشكل؛ فلا يكون حينئذٍ هناك فرق بين الحمد والشكر من جهة ما يقع به، وهذا خلاف ما تم تقريره في أول الكلام، ومخالف -أيضاً- لما نص عليه شيخ الإسلام من أن الحمد إنما يكون بالقول والاعتقاد، والشكر يكون بهما ومع الفعل أيضاً، قال شيخ الإسلام: «الشكر … يكون بالقلب واليد واللسان، كما قيل:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة … يدي ولساني والضمير المحجبا
ولهذا قال تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا} [سبأ:13]. والحمد إنما يكون بالقلب واللسان، فمن هذا الوجه الشكر أعم من جهة أنواعه». مسألة "حقيقة الحمد والشكر" ضمن الفتاوى الكبرى (2/ 379 - 380). ولعل هذه الكلمة أعني "بالفعل" سبقُ قلم من كاتب المناظرة أو خطأ من قبل النساخ، وقد أثبتها محقق كتاب العقود الدرية، وأشار بالهامش إلى عدم وجودها في نسخة (ف). انظر: العقود الدرية (ص:157) وهو الأقرب للصواب والله أعلم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 603)

فلا يكون فرقاً في الحقيقة، والحدود إنما يتعرض فيها لصفات الذات لا لما خرج عنها.
فقال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية: المعاني على قسمين: مفردة ومضافة.
فالمعاني المفردة: حدودها لا تؤخذ عنها متعلقاتها.
وأما المعاني الإضافية: فلا بد أن يوجد في حدودها تلك الإضافات؛ فإنها داخلة في حقيقتها، ولا يمكن تصورها إلا بتصور تلك المتعلَّقات، فتكون المتعلَّقات جزءاً من حقيقتها، فتعين ذكرها في الحدود.
والحمد والشكر معنيان متعلِّقان بالمحمود عليه والمشكور عليه، فلا يتم ذكر حقيقتهما إلا بذكر متعلَّقِهما، فيكون متعلَّقُهما داخلاً في حقيقتهما.
فاعترض الصدر ابن المرحل: بأنه ليس للمتعلِّق من المتعلَّق صفة ثبوتية، فلا يكون للحمد والشكر من متعلَّقِهما صفة ثبوتية؛ فإن التعلق(1) صفة نسبية(2)، والنسب أمور عدمية، وإذا لم تكن صفة ثبوتية لم تكن داخلة في الحقيقة؛ لأن العدم لا يكون جزءاً من الوجود.
فقال الشيخ تقي الدين: قولك: (ليس للمتعلِّق من المتعلَّق صفة ثبوتية)، ليس على العموم؛ بل قد يكون للمتعلِّق من المتعلَّق صفة ثبوتية، وقد لا يكون، وإنما الذي يقوله أكثر المتكلمين: (ليس لمتعلَّق القول من القول صفة ثبوتية)(3). ثم--------------------------------------------
(1) التعلق عند المتكلمين: هو طلب الصفة أمراً زائداً على قيامها بالذات، كاقتضاء العلم معلوماً ينكشف به، واقتضاء الإرادة مراداً يتخصص بها. انظر: حقيقة التوحيد بين أهل السنة والمتكلمين (ص:307)، والتحف الربانية (ص:98).
(2) أمر نسبي: أي أمرٌ مقيد بغيره مرتبط به غير مطلق. انظر: معجم اللغة العربية (3/ 2200).
(3) انظر: هذه العبارة في المحصول للفخر الرازي (1/ 91)، وانظر: تعقيب القرافي عليها في نفائس الأصول في شرح المحصول (1/ 219)، وقال شيخ الإسلام رحمه الله: «والتحقيق أن متعلق القول قد يكون له منه صفة وجودية، كمتعلق التكوين والتحريم والإيجاب، وقد لا يكون، كمتعلق الإخبار» درء تعارض العقل والنقل (1/ 349).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 604)

الصفات المتعلقة نوعان:
أحدهما: إضافة محضة، مثل: الأبوة والبنوة والفوقية والتحتية ونحوها، فهذه الصفة التي يقال فيها: هي مجرد نسبة وإضافة، والنسب أمور عدمية.
والثاني: صفة ثبوتية مضافة إلى غيرها: كالحب والبغض والإرادة والكراهة والقدرة وغير ذلك من الصفات؛ فإن الحب صفة ثبوتية متعلِّقة بالمحبوب، فالحب معروض للإضافة بمعنى أن الإضافة صفة عرضت له؛ لا أن نفس الحب هو الإضافة، ففرق بين ما هو إضافة، وبين ما هو صفة مضافة. فالإضافة يقال فيها: إنها عدمية، وأما الصفة المضافة فقد تكون ثبوتية كالحب.
قال ابن المرحل: الحب أمر عدمي؛ لأن الحب نسبة والنسب عدمية.
قال الشيخ تقي الدين: كون الحب والبغض والإرادة والكراهة أمراً عدمياً باطلٌ بالضرورة، وهو خلاف إجماع العقلاء، ثم هو مذهب بعض المعتزلة في إرادة الله؛ فإنه زعم أنها صفة سلبية؛ بمعنى أنه غير مغلوب ولا مستكره، وأطبق الناس على بطلان هذا القول.
وأما إرادة المخلوق وحبه وبغضه فلم نعلم أحداً من العقلاء قال: إنهُ أمرٌ عدمي.
فأصر ابن المرحل: على أن الحب -الذي هو ميل القلب إلى المحبوب- أمرٌ عدمي، وقال: المحبة: أمر وجودي.
قال الشيخ تقي الدين: المحبة هي الحب، فإنه يقال: أحبه وحبه حباً ومحبةً، ولا فرق، وكلاهما مصدر.
قال ابن المرحل: وأنا أقول: إنهما إذا كانا مصدرين فهما أمر عدمي.
قال له الشيخ تقي الدين: الكلام إذا انتهى إلى المقدمات الضرورية فقد انتهى وتم، وكون الحب والبغض أمراً وجودياً معلوم بالاضطرار؛ فإن كل أحد يعلم أن الحي إن كان خالياً عن الحب كان هذا الخلو صفة عدمية، فإذا صار محباً فقد تغير الموصوف، وصار له صفة ثبوتية زائدة على ما كان قبل أن يقوم به الحب، وهو

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 605)

يحس ذلك من نفسه، يجده كما يجد شهوته ونفرته ورضاه وغضبه ولذته وألمه؛ ودليل ذلك: أنك تقول: أحب يحب محبة، ونقيض أحب: لم يحب، ولم يحب صفة عدمية، ونقيض العدم الإثبات.
قال ابن المرحل: هذا ينتقض بقولهم: امتنع يمتنع؛ فإن نقيض الامتناع: لا امتناع، والامتناع صفة عدمية.
قال الشيخ تقي الدين: الامتناع أمر اعتباري عقلي؛ فإن الممتنع ليس له وجود خارجي، حتى تقوم به صفة، وإنما هو معلوم بالعقل باعتبار كونه معلوماً له ثبوت علمي. وسلب هذا الثبوت العلمي: عدم هذا الثبوت؛ فلم ينقض هذا قولنا: نقيض العدم ثبوت.
وأما الحب فإنه صفة قائمة بالمحب؛ فإنك تشير إلى عين خارجة وتقول: هذا الحي صار محباً بعد أن لم يكن محباً، فتخبر عن الوجود الخارجي بصفة، فإذا كان نقيضها عدماً خارجياً كانت وجودًا خارجيًا.
وفي الجملة: فكون الحب والبغض صفة ثبوتية وجودية معلوم بالضرورة، فلا يقبل فيه نزاع ولا يُناظرُ صاحبهُ إلا مناظرة السوفسطائية.
قلت: وإذا كان الحب والبغض ونحوهما من الصفات المضافة المتعلِّقة بالغير: صفات وجودية، ظهر الفرق بين الصفات التي هي إضافة ونسبة، وبين الصفات التي هي مضافة منسوبة، فالحمد والشكر من القسم الثاني؛ فإن الحمد أمر وجودي متعلِّق بالمحمود عليه، وكذلك الشكر أمر وجودي متعلِّق بالمشكور عليه، فلا يتم فهم حقيقتهما إلا بفهم الصفة الثبوتية لهما التي هي متعلِّقة بالغير، وتلك الصفة داخلة في حقيقتهما، فإذا كان متعلق أحدهما أكبر من متعلق الآخر، وذلك التعلق إنما هو عارض لصفة ثبوتية لهما، وجب ذكر تلك الصفة الثبوتية في ذكر حقيقتهما، والدليل على هذا: أن من لم يفهم الإحسان امتنع أن يفهم الشكر فَعُلِم أن تصور متعلَّق الشكر داخل في تصور الشكر.
قلت: ولو قيل: إنه ليس هذا إلا أمراً عدمياً، فالحقيقة إن كانت مركبة من

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 606)

وجود وعدم وجب ذكرهما في تعريف الحقيقة، كما أن من عرف الأب من حيث هو أب، فإن تصوره موقوف على تصور الأبوة التي هي نسبة وإضافة، وإن كان الأب أمراً وجوديًا، فالحمد والشكر متعلقان بالمحمود عليه والمشكور عليه، وإن لم يكن هذا التعلق عارضاً لصفة ثبوتية، فلا يُفهم الحمد والشكر إلا بفهم هذا التعلق، كما لا يفهم معنى الأب إلا بفهم معنى الأبوة الذي هو التعلق، وكذلك الحمد والشكر أمران متعلِّقان بالمحمود عليه والمشكور عليه، وهذا التعلق جزء من هذا المسمى؛ بدليل أن من لم يفهم الصفات الجميلة لم يفهم الحمد، ومن لم يفهم الإحسان لم يفهم الشكر، فإذا كان فهمها موقوفاً على فهم متعلَّقِهما، فوقوفه على فهم التعلق أولى؛ فإن التعلق فرع على المتعلَّقِ وتبع له، فإذا توقف فهمهما على فهم المتعلَّقِ الذي هو أبعد عنهما من التعلق، فتوقفه على فهم التعلق أولى، وإن كان التعلق أمراً عدمياً. والله أعلم»(1).

‌‌المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية:
•‌‌ تمهيد:
بين شيخ الإسلام ابن تيمية لابن المرحل أن الحمد والشكر بينهما عموم وخصوص، فالحمد أعم من جهة أسبابه؛ فإنه يكون على الصفات الذاتية وعلى المتعدية، بينما الشكر لا يكون إلا على المتعدية منها، والشكر أعم من جهة أنواعه؛ فإنه يكون بالقلب واللسان والجوارح، بينما الحمد لا يكون إلا بالقلب واللسان، فاعتُرض عليه أن ما ذكره ليس فرقاً على الحقيقة؛ وإنما هو من جهة متعلق الحمد والشكر، لا من جهة معنى الحمد والشكر مجرداً عن متعلقاته.
وعليه فلا حقيقة للمعاني التي تساق من هذا الباب، كالمحبة والبغض والإرادة والكراهة؛ إذ هي معانٍ عدمية، ومن هذا المنطلق عطلوا صفات الله تعالى عما تدل عليه من معانٍ وجعلوها معانٍ عدمية لا حقيقة لها.--------------------------------------------
(1) العقود الدرية (ص 123 - 128). مجموع الفتاوى (11/ 146 - 155).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 607)

‌‌مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة: وذلك من وجهين:
‌‌الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:
يرى ابن المرحل أن الحب والبغض والإرادة ونحوها من الصفات ليست صفات ثبوتية، وإنما هي صفات عدمية، وإضافتها للموصوف إنما هي من باب النسب والإضافات، وكل ذلك لا يتضمن قيام أي معنى بالموصوف: فالمحبة مثلاً ليست صفة لله تعالى، وإنما تنسب إلى الله وتضاف إضافة محضة، لا يترتب عليها وصف يقوم بالله، ولا فعل يقوم به، وهكذا بقية الصفات من باب النسب والإضافات المحضة(1).
قال شيخ الإسلام: «ولهذا يقول كثير منهم: إن هذه آيات الإضافات وأحاديث الإضافات وينكرون على من يقول آيات الصفات وأحاديث الصفات»(2).
والإضافة كما عرفها ابن سينا: هي المعنى الذي وجوده بالقياس إلى شيء آخر، وليس له وجود غيره، مثل الأبوة بالقياس إلى البنوة(3).
ومما يُمثل به لتوضيح معنى النسب والإضافات: لو أن شخصاً جلس يمين زيد، ثم جلس عن يساره، فقد كان في الأول يميناً، ثم صار يساراً له من غير أن يقع تغير لذات زيد ولا صفة حقيقية له، بل تلك إضافة محضة(4).--------------------------------------------
(1) انظر: مجموع الفتاوى (6/ 149).
(2) مجموع الفتاوى (5/ 412).
(3) انظر: الملل والنحل (3/ 15). ومثله تعريف يعقوب بن إسحاق الكندي حيث قال: «المضاف: ما ثبت بثبوته آخر» وفخر الدين الرازي حيث قال: «المضاف: هو الذي تكون ماهيّته مقولة بالقياس إلى غيره» وقال: «أمّا المضاف: فهو طبيعة غير مستقلّة بنفسها بل هي تابعة لغيرها». انظر: موسوعة مصطلحات الفلسفة (ص:801، 803). وانظر: كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم (1/ 468).
(4) انظر: الجديد في الحكمة لابن كمونه (ص:558).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 608)

وهذه الشبهة هي أحد الشبه التي يحتج بها أهل الفلسفة والكلام على تعطيل الصفات وتحريفها عن معانيها.
وكلام ابن المرحل هنا وإن كان في صفة الحب والبغض والإرادة ونحوها عموماً دون النظر للمتصف بها، إلا أن أول ما يدخل فيها هو ما جاء من وصف الباري سبحانه بهذه الصفات، بل إن الداعي لهم لجعل هذه الصفات من باب النسب والإضافات إنما هو نصرة مذهبهم في نفي صفات الباري عز وجل بحجة تنزيهه سبحانه عن مشابهة مخلوقاته.
فما يرد على الذهن من معان عند إطلاق أسماء الله وصفاته فإنما هي معان موجودة في العقل، وأما في الخارج فلا وجود لتلك المعاني (الصفات) في ذات الله إطلاقاً، فإنما هي نسب وإضافات يمتنع وجودها في الخارج على سبيل المعاني الثبوتية القائمة بالذات.

‌‌الوجه الثاني: الجواب عن هذه الشبهة:
وقد أجاب شيخ الإسلام عن هذه الشبهة بما يلي:
أولاً: أن معاني الأشياء على قسمين(1):
القسم الأول: معانٍ مفردة: وهي التي تُعرف حدودها دون ما نظرٍ أو حاجة لمتعلقاتها.
القسم الثاني: معانٍ مضافة: وهي التي لا يمكن تصورها إلا بتصور متعلقاتها؛ فتكون المتعلقات جزءاً من حقيقتها، فتعين ذكرها في الحدود.
وهذا النوع من المعاني والصفات المتعلقة على نوعين:
1. صفات (نسبية) إضافتها إضافة محضة؛ مثل الأبوة والبنوة والفوقية والتحتية ونحوها، فهي مجرد نسبة وإضافة، والنسب أمور عدمية، وهذه تعلقها تعلق عدمي.--------------------------------------------
(1) انظر: مجموع الفتاوى (11/ 146 - 147)، العقود الدرية (ص:123 - 124).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 609)

2. صفات (ثبوتية) مضافة إلى غيرها فإضافتها إضافة عرضية، وليست إضافة محضة، فالإضافة عرضت للصفة الثبوتية، لا أن نفس الصفة هي الإضافة، كالحب عرض للمحبوب، والشكر والحمد أضيف وتعلق بالمشكور والمحمود، وهذه تعلقها تعلق ثبوتي وليس عدمي.
فلا يتم فهمُ حقيقة مثل هذه المعاني إلا بفهم متعلقاتها، وتلك المتعلفات جزء من حقيقتها، ومن هذا النوع صفات الله كالحب والبغض والرضا ونحوها.
فتبين أن هنا فرقاً بين الصفات التي هي بنفسها (إضافة ونسبة) وهي النوع الأول، وبين الصفات التي هي: (مضافة منسوبة) ومنها النوع الثاني.
وتبين أن الحقائق والصفات المضافة على نوعين:
الصفات التي هي إضافة ونسبة: كالأبوة التي هي حقيقة مركبة من وجود وعدم، فتصور الأب موقوف على تصور الأبوة التي هي نسبة وإضافة، وإن كان الأب أمراً وجوديًا.
الصفات التي هي مضافة منسوبة: كالحمد والشكر؛ فإن الحمد أمر وجودي متعلق بالمحمود عليه، وكذلك الشكر أمر وجودي متعلق بالمشكور عليه، فلا يتم فهم حقيقتهما إلا بفهم متعلقهما، وذلك المتعلق داخل في حقيقتهما(1).
ثانياً: أن دعوى عدمية معنى المحبة والبغض والإرادة والكراهة والشكر دعوى باطلة بالضرورة، أطبق الناس على بطلانها، بل هي مخالفة لإجماع--------------------------------------------
(1) قال ابن رشد: «إن المضاف صنفان:
أحدهما: المضاف بذاته: وهو الذي يكون وجود كل واحد منهما في الإضافة،
والصنف الثاني: المضاف من قبل غيره: أعني من قبل أن غيره أضيف إليه مثل المحسوس والمعقول، فإن المعقول والمحسوس إنما صارا من المضاف؛ لأن العقل والحسّ اللذين هما مضافان بذاتهما أضيفا إليهما لا أنهما من المضاف بذاته» تفسير ما بعد الطبيعة (ص:1345) نقلاً عن موسوعة مصطلحات الفلسفة (ص:815). وانظر: درء تعارض العقل والنقل (1/ 349).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 610)

العقلاء، وكون هذه الصفات ثبوتية وجودية معلوم بالضرورة، فلا يقبل فيه نزاع ولا يناظر صاحبه إلا مناظرة السوفسطائية(1).
ثالثاً: مما يوضح كونها صفات وجودية ثبوتية: أن كل أحد يعلم أن الحي إن كان خالياً عن الحب كان هذا الخلو صفة عدمية، فإذا صار محباً فقد تغير الموصوف، وصار له صفة ثبوتية زائدة على ما كان قبل أن يقوم به الحب(2).
رابعاً: أن الشيء يعرف بضده، وكما قيل: وبضدها تتميز الأشياء. ومن المعلوم "أنك تقول: أحب يحب محبة، ونقيض أحب: لم يحب، ولم يحب صفة عدمية، ونقيض العدم الإثبات"(3) فإذا كان عدم المحبة وصف عدمي، فإن المحبة وصف وجودي ثبوتي بغير شك.
خامساً: أن ابن المرحل أطلق القول بعدمية هذه الصفات والمعاني في الخالق والمخلوق، وهذا التعميم والإطلاق لا يُعلم له قائل، ولم يسبقه إليه أحد وإنما وقع الخلاف فيما اتصف به الخالق سبحانه من هذه الصفات، قال شيخ الإسلام: «وأما إرادة المخلوق وحبه وبغضه فلم نعلم أحداً من العقلاء قال: إنه أمر عدمي»(4).
سادساً: قال شيخ الإسلام: «التشريف بالنسبة إذا تجردت عن إضافة إلى صفة، اقتضى مجرد التشريف.
فأما النسبة إذا اقترنت بذكر صفة، أوجب ذلك إثبات الصفة، التي لولاها ما تمت النسبة، فإن قولنا: خلق الله الخلق بقدرته. لما نُسب الفعل إلى تعلقه بصفة الله، اقتضى ذلك إثبات إحاطة بصفة هي القدرة، ولا يكون مجرد النسبة واجب منها الصفة، فكذلك هاهنا لما كان ذكر التخصيص، مضافًا إلى صفة وجب إثبات--------------------------------------------
(1) انظر: مجموع الفتاوى (11/ 148) العقود الدرية (ص:125).
(2) العقود الدرية (ص:126) مجموع الفتاوى (11/ 149).
(3) مجموع الفتاوى (11/ 149) العقود الدرية (ص:126).
(4) مجموع الفتاوى (11/ 148) العقود الدرية (ص:125).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 611)

تلك الصفة(1). وهذا لا شك فيه ولا مرية، وبهذا يبعد عما ذكروه»(2).
ويتلخص لنا من هذه الأوجه بطلان ما ذكره ابن المرحل من عدمية صفات الباري سبحانه، وجعلها صفات سلب وإضافة، وأن الحق الذي لا شك فيه أنها صفات ثبوتية وجودية لها معانٍ حقيقية قائمة بذات الله سبحانه، وإن أضيفت لما تتعلق به فهي من باب الصفة المضافة، لا من باب الإضافة. والله أعلم.--------------------------------------------
(1) يعني في قوله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص:75]. انظر: بيان تلبيس الجهمية (1/ 266).
(2) بيان تلبيس الجهمية (1/ 267).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 612)

‌‌المبحث الرابع: مناظرته مع غير واحد من نفاة الصفات في مسألة الرؤية.
واشتمل على مطلبين:

‌‌المطلب الأول: عرض المناظرة:
‌‌تمهيد:
إن من أعظم المسائل والعقائد التي وردت في الكتاب والسنة وأجمع عليها علماء أهل السنة خلفاً عن سلف، كابراً عن كابر، وأنكرها أهل الزيغ والافتراء وذوو البدع والأهواء: عقيدة رؤية المؤمنين لله عز وجل في الآخرة، تلك الرؤية التي "هي الغاية التي شمر إليها المشمرون، وتنافس فيها المتنافسون، وتسابق إليها المتسابقون، ولمثلها فليعمل العاملون، إذا نالها أهل الجنة نسوا ما هم فيه من النعيم، وحرمانه والحجاب عنه لأهل الجحيم أشد عليهم من عذاب الجحيم؛ اتفق عليها الأنبياء والمرسلون وجميع الصحابة والتابعون، وأئمة الإسلام على تتابع القرون، وأنكرها أهل البدع المارقون، والجهمية المتهوكون، والفرعونية المعطلون، والباطنية الذين هم من جميع الأديان منسلخون، والرافضة الذين هم بحبائل الشيطان متمسكون، ومن حبل الله منقطعون، وعلى مسبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عاكفون، وللسنة وأهلها محاربون، ولكل عدو لله ورسوله ودينه مسالمون، وكل هؤلاء عن ربهم محجوبون، وعن بابه مطرودون"(1).--------------------------------------------
(1) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (ص: 285).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 613)

وقد تصدى شيخ الإسلام لكل من شكك في هذه العقيدة بالرد والبيان والحجة والبرهان، بشتى الطرق ومختلف السبل، خطبةً وتصنيفاً، ومناظرةً وتأليفاً، ورداً وتقريراً، دفاعاً عن هذه العقيدة العظيمة الشريفة الجليلة؛ وقد ذكر رحمه الله أنه ناظر في هذه المسألة غير واحد من نفاة الرؤية ومحرفي معناها من مختلف الفرق الزائغة من معتزلة ومتكلمة ورافضة، وبين أن كل شبههم إنما تعود إلى لوازم التزموها، ومقدمات قرروها، خلطوا فيها حقاً بباطل؛ ليصلوا إلى بغيتهم من نفي رؤية المؤمنين لربهم.

•‌‌ نص المناظرة:
قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وقد ناظرت غير واحد من هؤلاء من نفاة الرؤية ومحرفيها: من شيعي، ومعتزلي، وغيرهما. وذكرت لهم الشبهة التي تذكرها نفاة الرؤية. فقلت: هي كلها مبنية على مقدمتين:
إحداهما: أن الرؤية تستلزم كذا وكذا كالمقابلة والتحيز وغيرهما.
والثاني: أن هذه اللوازم منتفية عن الله تعالى.
فكل ما يذكره هؤلاء فأحد الأمرين فيه لازم:
1. إما أن لا يكون لازماً بل يمكن الرؤية مع عدمه: وهذا المسلك سلكه الأشعري وطوائف كالقاضي(1)، أحياناً وابن عقيل(2) وغيرهم، لكن أكثر العقلاء يقولون: إن من ذلك ما هو معلوم الفساد بالضرورة.
2. وإما أن يكون لازمًا فلا يكون مُحالاً: فليس في العقل ولا في السمع ما يحيله، بل إذا قُدِّر أنه لازم للرؤية فهو حق؛ لأن الرؤية حق، قد عَلِمَ ذلك بالاضطرار عن خير البرية أهل العلم بالأخبار النبوية»(3).--------------------------------------------
(1) يعني القاضي أبا يعلى الفَرَّاء وقد سبقت ترجمته.
(2) يعني أبو الوفاء علي بن عقيل من متكلمي الحنابلة، وقد سبقت ترجمته.
(3) بغية المرتاد (ص: 476).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 614)

وقال شيخ الإسلام رحمه الله: «فيقال: لهذا المنكر للرؤية المستدل على نفيها بانتفاء لازمها وهو الجهة: قولك ليس في جهة، وكل ما ليس في جهة لا يرى، فهو لا يرى، وهكذا جميع نفاة الحق ينفونه لانتفاء لازمه في ظنهم، فيقولون لو رُئي للزم كذا، واللازم منتف فينتفي الملزوم.
والجواب العام لمثل هذه الحجج الفاسدة بمنع إحدى المقدمتين إما معينة وإما غير معينة؛ فإنه لا بد أن تكون إحداهما باطلة، أو كلتاهما باطلة، وكثيراً ما يكون اللفظ فيهما مجملاً يصح باعتبار ويفسد باعتبار، وقد جعلوا الدليل هو ذلك اللفظ المجمل، ويسميه المنطقيون الحد الأوسط(1)، فيصح في مقدمة بمعنى، ويصح في الأخرى بمعنى آخر، ولكن اللفظ مجمل، فيظن الظان لما في اللفظ من الإجمال وفي المعنى من الاشتباه أن المعنى المذكور في هذه المقدمة هو المعنى المذكور في المقدمة الأخرى، ولا يكون الأمر كذلك.
مثال ذلك في مسألة الرؤية أن يقال: له: أتريد بالجهة أمراً وجودياً أو أمراً عدمياً؟
فإذا أردت به أمراً وجودياً كان التقدير: كل ما ليس في شيء موجود لا يرى. وهذه المقدمة ممنوعة، ولا دليل على إثباتها، بل هي باطلة؛ فإن سطح العالم--------------------------------------------
(1) الحد الأوسط عند المنطقيين: هو الرابط بين الحدين الأصغر والأكبر، ومَثَّلَ له شيخ الإسلام بقولك: «كل نبيذ مسكر، وكل مسكر حرام، فكل نبيذ حرام»، فهذه الجملة مكونة من مقدمتين ونتيجة. وكل مقدمة مكونه من محمول وموضوع فالمقدمة الأولى: "كل نبيذ مسكر" موضوعها: النبيذ. ومحمولها: مسكر. ويسمى الموضوع (حداً أصغر) والمحمول (حداً أكبر) وهكذا في المقدمة الثانية موضوعها (الحد الأصغر) هو المسكر، ومحمولها (الحد الأكبر) هو حرام، ثم في النتيجة يظهر (الحد الأوسط)، والنتيجة هنا هي أن"كل نبيذ حرام" فالنبيذ هو موضوعها وهو (الحد الأصغر) والحرام محمولها وهو (الحد الأكبر)، والمسكر هو المتوسط بين الموضوع والمحمول وهو (الحد الأوسط)، الذي يمثل العلاقة بين الطرفين وعلة ارتباطهما، وهو الذي يكون محمولاً في المقدمة الأولى وموضوعاً في المقدمة الثانية. انظر: الرد على المنطقيين (ص:211)، والمعجم الفلسفي (1/ 449).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 615)

يمكن أن يرى، وليس العالم في عالم آخر.
وإن أردت بالجهة أمراً عدمياً؛ كانت المقدمة الثانية ممنوعة، فلا نسلم أنه ليس بجهة بهذا التفسير.
وهذا مما خاطبت به غير واحد من الشيعة والمعتزلة فنفعه الله به، وانكشف بسبب هذا التفصيل ما وقع في هذا المقام من الاشتباه والتعطيل. وكانوا يعتقدون أن ما معهم من العقليات النافية للرؤية قطعية لا يقبل في نقيضها نص الرسل، فلما تبين لهم أنها شبهات مبنية على ألفاظ مجملة ومعان مشتبهة، تبين أن الذي ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الحق المقبول، ولكن ليس هذا المكان موضع بسط هذا، فإن هذا النافي إنما أشار إلى قولهم إشارة»(1).

‌‌المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.
•‌‌ تمهيد:
بين شيخ الإسلام رحمه الله لمن ناقشه وناظره من نفاة الصفات مبنى الشبه التي استندوا عليها وابتدأ بإبطالها ونقض الأصول الفاسدة التي قامت عليها، ثم بعد ذلك قرر لهم الحق الذي يجب الصيرورة إليه في هذه المسألة، وهذا من بديع صنع شيخ الإسلام رحمه الله، كما علل رحمه الله سلوكه هذا المسلك بقوله: «فإن المبتدع الذي بنى مذهبه على أصل فاسد، متى ذكرت له الحق الذي عندك ابتداء أخذ يعارضك فيه، لما قام في نفسه من الشبهة، فينبغي إذا كان المناظر مدعياً أن الحق معه أن يبدأ بهدم ما عنده، فإذا انكسر وطلب الحق فأعطه إياه»(2).--------------------------------------------
(1) منهاج السنة النبوية (2/ 348 - 349).
(2) مجموع الفتاوى (17/ 159).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 616)

‌‌مناقشة شبهة نفاة الرؤية: وذلك من وجهين:
‌‌الوجه الأول: بيان أصل شبهتهم:
بين شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- أن أصل شبهة جميع نفاة الرؤية -على اختلاف طوائفهم- مبناها على مقدمتين:
المقدمة الأولى: أن إثبات الرؤية يستلزم منه كذا وكذا من الأمور: كالجهة، والمعاينة، والجسمية، والتحيز، والتركيب، وغيرها من الأمور التي ذكروها.
المقدمة الثانية: أن هذه اللوازم منتفية في حق الله سبحانه(1).
وقرر هذا الأمر في غير موضع من كتبه(2).
وكل من نفى رؤية الله عز وجل فقد بنى نفيه على هذه المقدمات، ومثال ذلك -وهي أكبر شبهة يحتج بها النفاة على منع الرؤية- قولهم: إن رؤية الشيء يلزم منها أن يكون المرئي في جهة تقابل الرائي، وهذه هي المقدمة الأولى التي أشار إليها شيخ الإسلام رحمه الله. قالوا وهذا الأمر منتف في حق الله ولا يصح وصف الله به؛ لأن هذه هي صفة الأجسام، والله منزه عن ذلك، وهذه هي المقدمة الثانية؛ ثم ينتج عن المقدمتين إثبات عقيدتهم التي اعتقدوها وهي نفي رؤية الله رب العالمين للهروب من الالتزام بمثل هذا اللازم.
فهذا هو أصل جميع شبه القوم وأساسها.

‌‌الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:
بين شيخ الإسلام رحمه الله أن بطلان مثل هذه الشبهة يكون: إما بإبطال المقدمة الأولى أو إبطال الأخرى؛ فإما أن يكون اللازم الذي ذكروه للرؤية باطلاً وليس بلازم--------------------------------------------
(1) انظر: شرح الأصول الخمسة (ص:238) غاية المرام (ص:166) المواقف (ص:299 - 300).
(2) انظر: درء تعارض العقل والنقل (1/ 250)، منهاج السنة (2/ 349).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 617)

في الحقيقة، وإما أن يكون اللازم صحيحاً، ولكنه غير منتف في حق الله سبحانه.
فمن الطريقة الأولى وهي إبطال اللازم:
إبطال قولهم: إن كل مرئي يلزم أن يكون مركباً من أجزاء، أو مجتمعاً بعد تفرق، فهذا في الحقيقة ليس لازماً من لوازم الرؤية، ولا يصح أن يكون كذلك، وذلك من وجهين:
الأول: أن يقال ما مرادك بالتركيب والاجتماع اللازم للرؤية؟
إن كان المراد: أن من لازم ما تصح رؤيته أن يكون مركباً من أجزاء يجوز تفرقها، فهذا باطل وليس بلازم؛ وذلك لأن ليس كل ما نشاهده يكون كذلك.
وأبسط مثال على ذلك هذه السماوات مرئية مشهودة ولا نعلم أنها كانت متفرقة فاجتمعت، وكذلك الشمس والقمر هي شيء واحد لا نعلم -لا بحس ولا ضرورة- أنها مركبة من الأجزاء المفردة، ومع ذلك فهي مرئية مشاهده!
وإن كان المراد بالمركب: أن منه شيئاً ليس هو الشيء الآخر، فنحن نقول كل ما يرى في الشاهد والغائب لابد وأن يكون كذلك(1).
الثاني: أن يقال: إذا جاز أن نرى ما هو مجتمع ويقبل التفريق والتقسيم، فرؤية ما لا يقبله أولى وأجدر؛ فكلما كان وجود الشيء أكمل كلما كانت رؤيته أجوز وأمكن(2).
فتبين بهذا بطلان أن يكون التركيب من لوازم الرؤية، وهذه هي المقدمة الأولى؛ وإذا بطلت أولى المقدمتين بطلت الأخرى، وبطلت النتيجة المترتبة عليهما.
ومن إبطال المقدمة الثانية:
إبطال قولهم: بأن من لازم الرؤية المعاينة، وكون المرئي في جهة.--------------------------------------------
(1) انظر: بيان تلبيس الجهمية (4/ 479 - 480).
(2) انظر: درء تعارض العقل والنقل (1/ 251)، بيان تلبيس الجهمية (4/ 480).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 618)

قالوا: وهذا منفي عن الله عز وجل؛ فلا يجوز أن نثبت الرؤية له سبحانه.
وبهذه الحجة احتجت المعتزلة على نفي رؤية الله عز وجل، وإبطال هذا الشبهة إنما يكون بإبطال المقدمة الثانية من المقدمتين؛ إذ إن المقدمة الأولى مقدمة صحيحة، واللوازم التي ذكروها للرؤية لوازم صحيحة لا يصح إنكارها.
وقد وقع متأخرو الأشاعرة -بسبب إثباتهم للرؤية مع نفيهم لعلو الله عز وجل على خلقه- في قول هو في غاية التناقض، خرجوا به عن ضرورات العقل، وخالفوا فيه ما اتفق عليه عقلاء بني آدم من جميع الطوائف؛ حيث قاموا بإنكار هذه اللوازم الصحيحة للرؤية وقالوا: إن الله يُرى ولكن بلا جهة ولا مقابلة ولا معاينة؛ فإنه يمكن أن يرى لا فوق الرائي ولا تحته ولا عن يمينه ولا عن شماله ولا في شيء من جهاته. فأنكروا المقدمة الأولى وجحدوا الضروريات، وكابروا في المعقولات(1).
ورحم الله ابن القيم حيث قال(2):
فسل المعطل هل يُرى من تحتنا … أم عن شمائلنا وعن أيمان
أم خلفنا وأمامنا سبحانه … أم هل يُرى من فوقنا ببيان
يا قوم ما في الأمر شيء غير ذا … أو أن رؤيته بلا إمكان
إذ رؤيةٌ لا في مقابلةٍ من الر … ائي مُحالٌ ليس في الإمكان
ومن ادعى شيئاً سوى ذا كان دعـ … واه مكابرة على الأذهان
وأما أهل السنة فهم يثبتون الرؤية وكل ما كان لازما لها، فإذا كانت المقابلة والجهة والمعاينة لازمة للرؤية فهي حق، وما كان حقاً وصواباً فلازمه كذلك، فـ"من ادّعى ثبوت الشيء؛ فقد ادّعى ثبوت لوازمه، ولوازم لوازمه، وهلم جرّاً ضرورة عدم الانفكاك عنه"(3).--------------------------------------------
(1) انظر: بيان تلبيس الجهمية (2/ 432 - 435).
(2) نونية ابن القيم (ص: 82).
(3) تنبيه الرجل العاقل (1/ 63).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 619)