Arabic source text

📘 আল মুনাজারাতুল আকিদিয়্যাহ লি শাইখিল ইসলাম ইবনে তাইমিয়্যাহ (হায়সাম আল-হামরি)

📘 المناظرات العقدية لشيخ الإسلام ابن تيمية (هيثم الحمري)

📘 আল মুনাজারাতুল আকিদিয়্যাহ লি শাইখিল ইসলাম ইবনে তাইমিয়্যাহ (হায়সাম আল-হামরি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
الكذب، بل التبس عليهم ما ابتدعوه من الهذيان»(1).

‌‌ثانياً: أن أدلتهم التي يقررون بها أصولهم ومسائلهم أدلة محدثة مبتدعة:
فمثل ما قيل في ابتداعهم لكثير من المسائل المحدثة، فكذلك القول فيما اخترعوه من أدلة وسلكوه من طرق لتقرير المسائل الشرعية والأصول العقدية قال شيخ الإسلام رحمه الله: «والمقصود هنا أن هذه هي أعظم القواطع العقلية التي يعارضون بها الكتب الإلهية، والنصوص النبوية، وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها.
فيقال لهم: أنتم وكل مسلم عالم تعلمون بالاضطرار أن إيمان السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان لم يكن مبنياً على هذه الحجج المبنية على الجسم، ولا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أحداً أن يستدل بذلك على إثبات الصانع، ولا ذكر الله تعالى في كتابه وفي آياته الدالة عليه وعلى وحدانيته شيئاً من هذه الحجج المبنية على الجسم والعرض، وتركيب الجسم وحدوثه وما يتبع ذلك.
فمن قال: إن الإيمان بالله ورسوله لا يحصل إلا بهذه الطريق كان قوله معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام.
ومن قال: إن سلوك هذه الطريق واجب في معرفة الصانع تعالى كان قوله من البدع الباطلة المخالفة لما علم بالاضطرار من دين الإسلام.
ولهذا كان عامة أهل العلم يعترفون بهذا: وبأن سلوك هذه الطريق ليس بواجب، بل قد ذكر أبو الحسن الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر أن سلوك هذه الطريق بدعة محرمة في دين الرسل، لم يدع إليها أحد من الأنبياء ولا من أتباعهم(2).
ثم القائلون بأن هذه الطريق ليست واجبة قد يقولون: إنها في نفسها صحيحة،--------------------------------------------
(1) المصدر السابق (5/ 203).
(2) انظر: رسالة إل أهل الثغر (105 - 116).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 640)

بل ينهى عن سلوكها لما فيها من الأخطار، كما يذكر ذلك طائفة منهم: الأشعري، والخطابي، وغيرهما.
وأما السلف والأئمة فينكرون صحتها في نفسها، ويعيبونها لاشتمالها على كلام باطل، ولهذا تكلموا في ذم هذا الكلام؛ لأنه باطل في نفسه، لا يوصل إلى الحق، بل إلى باطل، كقول من قال: (الكلام الباطل لا يدل إلا على باطل)(1)، وقول من قال: (لو أوصى بكتب العلم لم يدخل فيها كتب علم الكلام)(2)، وقول من قال: (من طلب الدين بالكلام تزندق)(3) ونحو ذلك.
ونحن الآن في هذا المقام نذكر ما لا يمكن مسلماً أن ينازع فيه، وهو أنا نعلم بالضرورة أن هذه الطريق لم يذكرها الله تعالى في كتابه، ولا أمر بها رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا جعل إيمان المتبعين له موقوفاً عليها، فلو كان الإيمان بالله لا يحصل إلا بها لكان بيان ذلك من أهم مهمات الدين، بل كان ذلك أصل أصول الدين، لا سيما وكان يكون فيها أصلان عظيمان: إثبات الصانع، وتنزيهه عن صفات الأجسام، كما يجعلون هم ذلك أصل دينهم، فلما لم يكن الأمر كذلك عُلم أن الإيمان يحصل بدونها، بل إيمان أفضل هذه الأمة وأعلمهم بالله كان حاصلاً بدونها.--------------------------------------------
(1) روى أبو إسماعيل الهروي بسنده إلى الإمام مالك رحمه الله قال: لعن الله عمرًا فإنه ابتدع هذه البدع من الكلام ولوكان الكلام علمًا لتكلم فيه الصحابة والتابعون كما تكلموا في الأحكام والشرائع ولكنه باطل يدل على باطل. ذم الكلام (72 - 73/ 5).
(2) رواه أبو الفضل المقرئ في أحاديث في ذم الكلام وأهله (ص:90) من قول الإمام الشافعي رحمه الله، وانظر: شرح السنة للبغوي (1/ 218)، والسير (10/ 30). وانظر شيئاً من أقوال الشافعي ومواقفه في الكلام وأهل الكلام في "آداب الشافعي ومناقبه" لأبن أبي حاتم (ص:137 - 145)
(3) رواه أبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام وأهله (5/ 71:85) من قول مالك بن أنس رحمه الله، ورواه أبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام وأهله (5/ 202:998). والخطيب في الكفاية (ص:142) وشرف أصحاب الحديث (ص:5) والسمعاني في أدب الإملاء والاستملاء (ص:85) وابن عدي في الكامل (1/ 111) كلهم من قول القاضي أبي يوسف رحمه الله.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 641)

فمن قال بعد هذا: إن العلم بصحة الشرع لا يحصل إلا بهذا الطريق ونحوها من الطرق المحدثة؛ كان قوله معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام، وعلم أن القدح في مدلول هذه الطرق ومقتضاها، وأن تقديم الشرع المعارض لها، لا يكون قدحاً في العقليات، التي هي أصل الشرع، بل يكون قدحاً في أمور لا يفتقر الشرع إليها، ولا يتوقف عليها، وهو المطلوب»(1).

‌‌ثالثاً: أن إحداث مسائل جديدة في أصول الدين يعتبر طعناً في الشرع وقدحاً في النبوة:
بين شيخ الإسلام رحمه الله أن إحداث مسائل جديدة في أصول الدين هو في الحقيقة طعن في الشرع ومن جاء به، واتهام للنبي صلى الله عليه وسلم إما بالكتم والخيانة، وإما بالتفريط والتقصير، وهو أيضاً اتهام لخير القرون -الصحابة فمن بعدهم- بذلك؛ فإن عدم بيان أصول الدين -وهي أهم ما يحتاج له المسلمون- لا يخلو سببه من أحد هذين الأمرين، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «ثم نفي نقل الكلام فيها عن الرسول يوجب أحد أمرين:
إما أن الرسول أهمل الأمور المهمة التي يحتاج الدين إليها فلم يبينها، أو أنه بينها فلم تنقلها الأمة، وكلا هذين باطل قطعاً. وهو من أعظم مطاعن المنافقين في الدين؛ وإنما يظن هذا وأمثاله من هو جاهل بحقائق ما جاء به الرسول أو جاهل بما يعقله الناس بقلوبهم أو جاهل بهما جميعاً.
فإن جهله بالأول: يوجب عدم علمه بما اشتمل عليه ذلك من أصول الدين وفروعه.
وجهله بالثاني: يوجب أن يدخل في الحقائق المعقولة ما يسميه هو وأشكاله عقليات؛ وإنما هي جهليات.
وجهله بالأمرين: يوجب أن يظن من أصول الدين ما ليس منها من المسائل--------------------------------------------
(1) درء تعارض العقل والنقل (1/ 308 - 311).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 642)

والوسائل الباطلة، وأن يظن عدم بيان الرسول لما ينبغي أن يعتقد في ذلك، كما هو الواقع لطوائف من أصناف الناس حذاقهم فضلا عن عامتهم»(1).

‌‌رابعاً: إحداثهم لهذه المسائل إنما جاء بناء على جهلهم بما جاءت به الشريعة من الأدلة والبراهين:
وذلك أنهم ظنوا أن الشرع لم يأت بالأدلة العقلية، وإنما جاء بالأدلة الشرعية الخبرية ولذلك قاموا بمحاولة نصب الأدلة العقلية والفلسفية والمنطقية للدلالة على هذه المسائل، فأتوا من المحالات والتناقضات والاضطرابات شيئاً كثيراً عجيباً؟!
والحق أن الله سبحانه وتعالى بين من أنواع الأدلة العقلية في تقرير العقائد الشرعية ما لا يقدر أحد من هؤلاء قدره، ولا يقدرون على الإتيان بمثله، وما فيه الكفاية والغنية وما من دليل صحيح نصبوه إلا وقد جاء القرآن بخلاصته على أحسن الوجوه، قال سبحانه: {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان:33]، ومن أوضح ما يبين ذلك أنواع الأمثلة التي ضربها الله في كتابه {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ} [الروم:58]، وما هذه الأمثلة المضروبة على كثرتها إلا نوع من الأقيسة الذهنية والبراهين العقلية التي جاءت بها الشريعة المحمدية، وأنواع أدلتها العقلية أكثر من هذا بكثير(2).
خامساً: واقع المتكلمين يدل على ضعف وبطلان ما أحدثوه من مسائل ودلائل، وذلك من وجوه:
الوجه الأول: أنك تجد أهل الكلام أعظم الناس شكاً واضطراباً، وأضعف الناس علماً ويقيناً، وهذا أمر يجدونه في أنفسهم، ويشهده الناس منهم، وشواهد ذلك أعظم من أن تذكر، وإنما نتج هذا الشك والاضطراب بسبب مسائلهم--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (3/ 294 - 295).
(2) انظر: درء التعارض (1/ 29).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 643)

ودلائلهم التي لا تقوم على حجة صحيحة ولا نقل مستقيم(1).
الوجه الثاني: أنك تجد غالب حججهم تتكافأ وكل منهم يقدح في أدلة الآخر، قال شيخ الإسلام: «ومما يوضح الأمر في ذلك أن النفاة ليس لهم دليل واحد اتفقوا على مقدماته؛ بل كل طائفة تقدح في دليل الأخرى؛ فالفلاسفة تقدح في دليل المعتزلة على نفي الصفات؛ بل على نفي الجسم والتحيز ونحو ذلك؛ لأن دليل المعتزلة مبني على أن القديم لا يكون محلاً للصفات والحركات، فلا يكون جسماً ولا متحيزاً؛ لأن الصفات أعراض، وهم يستدلون على حدوث الجسم بحدوث الأعراض والحركات، وأن الجسم لا يخلو منها وما لم يخل من الحوادث فهو حادث. بل الأشعري نفسه ذكر في رسالته إلى أهل الثغر(2): أن هذا الدليل الذي استدلوا به على حدوث العالم -وهو الاستدلال على حدوث الأجسام بحدوث أعراضها- هو دليل محرم في شرائع الأنبياء لم يستدل به أحد من الرسل وأتباعهم، وذكر -في مصنف له آخر- بيان عجز المعتزلة عن إقامة الدليل على نفي أنه جسم، وأبو حامد الغزالي، وغيره من أئمة النظر بينوا فساد طريق الفلاسفة التي نفوا بها الصفات، وبينوا عجزهم عن إقامة دليل على نفي أنه جسم، بل وعجزهم عن إقامة دليل على التوحيد وأنه لا يمكن نفي الجسم إلا بالطريق الأول الذي هو طريق المعتزلة الذي ذكر فيه الأشعري ما ذكر.
فإذا كان كل من أذكياء النظار وفضلائهم يقدح في مقدمات دليل الفريق الآخر الذي يزعم أنه بني عليه النفي، كان في هذا دليل على أن تلك المقدمات ليست ضرورية؛ إذ الضروريات لا يمكن القدح فيها»(3)
الوجه الثالث: أن المطلع على حال أهل الكلام يجدهم أكثر الناس انتقالاً من قول إلى قول، وجزماً بالقول في موضع وجزماً بنقيضه وتكفير قائله في موضع--------------------------------------------
(1) انظر: مجموع الفتاوى (4/ 27).
(2) انظر: رسالة إلى أهل الثغر (ص: 105 - 116).
(3) مجموع الفتاوى (5/ 289 - 290)، انظر: المصدر السابق (4/ 28).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 644)

آخر، وهذا بخلاف ما عليه أهل السنة والجماعة، فإنهم كما أخبر شيخ الإسلام «ما يعلم أحد من علمائهم ولا صالح عامتهم رجع قط عن قوله واعتقاده بل هم أعظم الناس صبرا على ذلك وإن امتحنوا بأنواع المحن وفتنوا بأنواع الفتن»(1).
الوجه الرابع: ومما يدل على هذا أيضاً: ما هو معلوم من رجوع أكثر أئمتهم إلى مذهب عموم أهل السنة وعجائزهم، بينما تجد أئمة السنة والحديث لا يرجع منهم أحد؛ لأن الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد، وقد ضرب شيخ الإسلام في مختلف كتبه ومصنفاته أمثله كثيرة جداً على تراجع صناديد علم الكلام وأئمته عن مذاهبهم ومعتقداتهم، ومن أجمع هذه المواضع ما ذكره رحمه الله في مجموع الفتاوى، حيث قال: «وتجد عامة هؤلاء الخارجين عن منهاج السلف من المتكلمة والمتصوفة يعترف بذلك: إما عند الموت، وإما قبل الموت والحكايات في هذا كثيرة معروفة:
-هذا أبو الحسن الأشعري: نشأ في الاعتزال أربعين عاماً يناظر عليه ثم رجع عن ذلك وصرح بتضليل المعتزلة وبالغ في الرد عليهم(2).
-وهذا أبو حامد الغزالي: مع فرط ذكائه، وتألهه ومعرفته بالكلام والفلسفة وسلوكه طريق الزهد والرياضة والتصوف ينتهي في هذه المسائل إلى الوقف والحيرة، ويحيل في آخر أمره على طريقة أهل الكشف، وإن كان بعد ذلك رجع--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (4/ 50).
(2) روى قصة رجوعه وتوبته من الاعتزال ابن عساكر في (تبيين كذب المفتري) (ص:38 - 39) وجاء في آخرها: «قام على مذاهب المعتزلة أربعين سنة، وكان لهم إماماً، ثم غاب عن الناس في بيته خمسة عشر يوماً، فبعد ذلك خرج إلى الجامع فصعد المنبر وقال: معاشر الناس إني إنما تغيبت عنكم في هذه المدة؛ لأني نظرت فتكافأت عندي الأدلة، ولم يترجح عندي حق على باطل، ولا باطل على حق فاستهديت الله تبارك وتعالى فهداني إلى اعتقاد ما أودعته في كتبي هذه، وانخلعت من جميع ما كنت أعتقده كما انخلعت من ثوبي هذا، وانخلع من ثوب كان عليه ورمى به ودفع الكتب إلى الناس: فمنها كتاب (اللمع)، وكتاب أظهر فيه عوار المعتزلة سماه بكتاب (كشف الأسرار وهتك الأستار)، وغيرهما»

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 645)

إلى طريقة أهل الحديث وصنف (إلجام العوام عن علم الكلام)(1).
-وكذلك أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي: قال في كتابه الذي صنفه في أقسام اللذات(2): «لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن: أقرأ في الإثبات {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه:5] {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر:10]، وأقرأ في النفي {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11]، {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه:110] {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم:65]، ثم قال: ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي» وكان يتمثل كثيراً:
نهاية إقدام العقول عقالُ … وأكثر سعي العالمين ضلالُ
وأرواحنا في وحشة من جسومنا … وحاصل دنيانا أذىً ووبالُ--------------------------------------------
(1) "إلجام العوام عن علم الكلام" المسمى بـ "رسالة في مذهب أهل السلف" هو آخر ما كتب أبو حامد الغزالي، كتبه في أوائل جمادي الآخرة سنة 505 هـ أي: قبيل وفاته بزمن قصير جداً، أقلّ من أسبوعين، حيث توفي رحمه الله يوم الاثنين 14 جمادي الآخرة عام 505 هـ. وكان مما قال فيه الغزالي: «اعلم: أن الحق الصريح الذي لا مراء فيه عند أهل البصائر هو مذهب السلف -أعني مذهب الصحابة والتابعين-، وها أنا أورد بيانه وبيان برهانه. فأقول: حقيقة مذهب السلف، وهو الحق عندنا؛ أن كل من بلغه حديث من هذه الأحاديث من عوام الخلق يجب عليه فيه سبعة امور: التقديس، ثم التصديق، ثم الاعتراف بالعجز، ثم السكوت، ثم الإمساك، ثم الكف، ثم التسليم لأهل المعرفة». ثم يجعل من قول الإمام مالك -رضي الله تعالى عنه- مقدمة مهمة جداً في هذا الموضوع، يأخذ به ويكرره في عدة مواضع، حيث يقول الإمام مالك رضي الله عنه عندما سُئل عن الإستواء: (الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة). ويعقد الإمام الغزالي فصلاً في أن الجواب الحق عن هذه المسائل هو جواب الإمام مالك -رضي الله تعالى عنه-، وهذا الكتاب من أصحِّ الكتب نسبة إليه. وطبع الكتاب في بيروت، دار الكتب العلمية ضمن (مجموعة رسائل الإمام الغزالي) 1414 هـ/1994 م. نقلاً عن "كتب الإمام الغزالي الثابت منها والمتحول" للدكتور مشهد العلاف.
(2) رسالة (أقسام اللذات) أو (ذم لذات الدنيا) للفخر الرازي (ص:262). وانظر: وفيات الأعيان (4/ 250) وطبقات الشافعية (5/ 40).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 646)

ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا … سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا(1)
-وهذا إمام الحرمين: ترك ما كان ينتحله ويقرره واختار مذهب السلف. وكان يقول: «يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام؛ فلو أني عرفت أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به»(2) وقال عند موته: «قد خضت البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت فيما نهوني عنه. والآن: إن لم يتداركني ربي برحمته، فالويل لابن الجويني، وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي -أو قال-: عقيدة عجائز نيسابور»(3).
-وكذلك قال أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، أخبر أنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم، وكان ينشد:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها … وسيرت طرفي بين تلك المعالمِ
فلم أر إلا واضعاً كف حائرٍ … على ذقن أو قارعا سن نادمِ(4)
-وابن الفارض(5): من متأخري الاتحادية … لما حضرته الوفاة أنشد:
إن كان منزلتي في الحب عندكمُ … ما قد لقيت فقد ضيعت أيامي--------------------------------------------
(1) رواها لسان الدين ابن الخطيب بإسناده للرازي في "الإحاطة في أخبار غرناطة" (2/ 222). وانظر: وفيات الأعيان (4/ 250) وطبقات الشافعية (5/ 40).
(2) رواه أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده إلى الجويني في "المنثور من الحكايات والسؤالات" (1/ 51) (63) وعنه ابن الجوزي في المنتظم (9/ 19).
(3) نقل شيخ الإسلام هذا الكلام في غير موضع، وذكره السبكي في طبقات الشافعية (3/ 260)، والذهبي في السير (18/ 471).
(4) هذين البيتين ذكرهما في مقدمة، (نهاية الإقدام في علم الكلام) (ص:7)
(5) هو أبو حفص وأبو القاسم، عمر بن علي بن مرشد بن علي الحموي الأصل، المصري المولد والدار والوفاة، شرف الدين ابن الفارض، أشعر المتصوفين، لقب بسلطان العاشقين، اتحادي ضال. له ديوان مطبوع، (ت:632 هـ). انظر: ميزان الاعتدال (3/ 214)، (تاريخ الإسلام (14/ 76)، الأعلام للزركلي (5/ 55).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 647)

أمنية ظفرت نفسي بها زمناً … واليوم أحسبها أضغاث أحلامِ(1)»(2)
ويتلخص لنا من هذه الوجوه كلها، ضعف مذهب القوم وبطلان ما أحدثوه من مسائل ودلائل، لم تأت في كتاب ولا سنة، ولا عن أحد من سلف هذه الأمة، وأن مآل من اعتقد هذه المسائل والدلائل وانتصر لها هو الحيرة والتناقض، وأن العباد إنما كلفوا بما جاءت به الشريعة من مسائل في أصول الدين الاعتقاد، وأن فيما جاءت به الشريعة من أدلة على أصول الدين الغُنية والكفاية عن أي دليل يُنصب أو حجة تُجتلب، والله أعلم.--------------------------------------------
(1) ديوان ابن الفارض (ص:207) وذكر الذهبي -أيضاً- أن ابن الفارض أنشد هذين البيتين عند موته. انظر: تاريخ الإسلام (14/ 76).
(2) مجموع الفتاوى (4/ 72 - 75).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 648)

‌‌المبحث السابع: مناظرته مع بعض منكري العلو: واشتمل على مطلبين:
‌‌المطلب الأول: عرض المناظرة:
•‌‌ تمهيد:
ذكر شيخ الإسلام رحمه الله هذه المناظرة في معرض بيانه لزيف ما ادعاه الرازي في كتابه الأربعين من بطلان كون علو الله عز وجل أمراً ضرورياً فطرياً لا يمكن إنكاره ولا جحده، فبين رحمه الله زيف وبطلان الشبه التي احتج بها الرازي، وأن ما ادعاه من إنكار لعلو الله على خلقه واعتقادٍ بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا محايث له ولا مباين عنه(1)، مما يتصادم مع الفطر السليمة والعقول المستقيمة التي توجب كون الله عالياً على مخلوقاته فوق أرضه وسماواته، وهذا مما يجده كل أحد من نفسه، حتى المنكر المخالف، فلا بد وأن يجد هذا الشعور في داخله خصوصاً عند نزول الملمات وحلول الكربات، التي لا يجد منها مفزعاً إلا اللجوء إلى رب الأرض والسماوات، متجهاً له بقلبه، رافعاً إليه يده، شاخصاً إلى السماء ببصره منتظراً لفرجه ولطيف أمره.--------------------------------------------
(1) انظر: الأربعين في أصول الدين (152).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 649)

•‌‌ نص المناظرة:
قال شيخ الإسلام في معرض كلامه عن دلالة الفطرة على علو الله سبحانه وتعالى: «ولهذا كان جميع العقلاء السالمي الفطرة يحكمون بموجب هذه القضية الضرورية قبل أن يعلموا أن في الوجود من ينكرها ويخالفها، وأكثر الفطر السليمة إذا ذكر لهم قول النفاة بادروا إلى تجهيلهم وتكفيرهم، ومنهم من لا يصدق أن عاقلاً يقول ذلك، لظهور هذه القضية عندهم، واستقرارها في أنفسهم، فينسبون من خالفها إلى الجنون، حتى يروا ذلك في كتبهم أو يسمعوه من أحدهم.
ولهذا تجد المنكر لهذه القضية يقر بها عند الضرورة، ولا يلتفت إلى ما اعتقده من المعارض لها؛ فالنفاة لعلو الله إذا حزبَ أحدهم شدة وَجَّهَ قلبه إلى العلو يدعو الله.
ولقد كان عندي من هؤلاء النافين لهذا من هو من مشايخهم، وهو يطلب مني حاجة، وأنا أخاطبه في هذا المذهب كأني غير منكر له، وأخرت قضاء حاجته حتى ضاق صدره، فرفع طرفه ورأسه إلى السماء وقال: يا الله.
فقلت له: أنت محقق! لمن ترفع طرفك ورأسك؟! وهل فوق عندك أحد؟!
فقال: استغفر الله. ورجع عن ذلك لما تبين له أن اعتقاده يخالف فطرته، ثم بينت له فساد هذا القول، فتاب من ذلك ورجع إلى قول المسلمين المستقر في فطرهم»(1).

‌‌المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية في المناظرة:
•‌‌ تمهيد:
استطاع شيخ الإسلام رحمه الله أن يستدرج خصمه ويرجعه إلى أصل فطرته التي تناقض اعتقاده ومذهبه، ويثبت له من نفسه صحة دلالة الفطرة على علو ربه سبحانه وتعالى،--------------------------------------------
(1) درء التعارض (6/ 343).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 650)

هذا الأمر الذي أنكر الجهمية ومتأخرو الأشاعرة وعلى رأسهم الفخر الرازي أن تكون الفطرة دالة عليه، منتصرين لقولهم بظنون وأوهام زعموا أنها براهين وحقائق، ومناقشة الشبهة التي ذكروها في إنكار دلالة الفطرة على علو الباري -جل شأنه- على مخلوقاته، ستكون من وجهين:

‌‌الوجه الأول: بيان شبهتهم في إنكار دلالة الفطرة على مسألة العلو:
ساق شيخ الإسلام هذه المناظرة في كتابه العظيم درء التعارض في معرض رده على الرازي في إنكاره كون علو الخالق -جل شأنه- أمراً مستقراً في الفطر ومعلوماً بالاضطرار، وقد اعترض الرازي على ما يستدل به جمهور الناس على علو الله تعالى من الضرورة الفطرية، التي تقضي بأن كل موجودين: إما ان يكون أحدهما سارياً في الآخر، أو مبايناً له، والله منزه عن الأول، فيثبت له العلو على خلقه مع مباينته لهم -جل وعلا-.
وتتلخص الوجوه التي انتقد بها الرازي دلالة الفطرة في وجهين اثنين:
الأول: أن هذا الأمر لو كان بديهياً لامتنع إطباق الجمع العظيم على إنكاره، وهم من سوى الحنابلة والكرامية، إذ العلوم البديهية لا يجوز وقوع الاختلاف فيها للجمع العظيم.
الثاني: عدم التسليم بأن كل موجودين: إما ان يكون أحدهما سارياً في الآخر، أو مبايناً له؛ وذلك أن العقل لا يمنع وجود قسم ثالث: وهو أن يكون هناك موجودان، لا يكون أحدهما سارياً في الآخر، ولا يكون مبايناً له.
وضرب الرازي على ذلك بعض الأمثلة من القضايا الذهنية والكليات المطلقة: كمسمى الإنسان، وكالأعداد، والنفي والإثبات، وغيرها من الأمور التي يمكن أن يتصورها العقل بغير جهة ولا حيز ولا مكان ولا سريان ولا مباينة ولا صورة ولا شكل(1).--------------------------------------------
(1) انظر: الأربعين في أصول الدين للرازي (1/ 152 - 156) ودرء التعارض (6/ 340 - 344).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 651)

‌‌الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:
إن الأمور المستقرة في الفطر، والمغروسة في النفوس، لهي أوضح وأظهر من أن تحتاج إلى دليل أو برهان أو حجة أو بيان، وما هي إلا كما قال الشاعر:
وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل(1)
ولكن البدعة إذا استحكمت في قلب امرئ ما، وتوغلت في أحشائه، جعلتهُ عبداً لها، وأسرتهُ في هواها، وطمست على بصيرته؛ حتى لا يرى حقاً سواها، فتراه يرد الآيات الواضحات والسنن الثابتات، وما حكى الأئمة من نقول وإجماعات، نصرة لبدعته وهواه، بل إن الحال يصل به إلى إنكار الضروريات ومصارعة الفطرة التي خُلق بها، وجبل عليها، ومكابرتها وجحدها، لا لشيء إلا انتصاراً لهواه وبدعته، أو تقليداً لشيخه، أو تعصباً لمذهبه ونحلته.
وما منكرو علو الباري -جلا وعلا- إلا صنف من هذه الأصناف، التي حاربت فطرتها نصرة لمذهبها، ولولا وجود من ينكر علو الباري سبحانه وتعالى، وتلبيسهم على الناس بأنواع الشبه لتقرير باطلهم ونصرة مذهبهم، وجحدهم لدليل الفطرة وقدحهم في دلالتها على علو ربهم وخالقهم، لما نازع في ذلك أحد، ولما احتيج مع ذلك لكتاب أو رد، ولكن لما قام سوقهم وانتشرت بدعتهم قام الأئمة الأعلام بالرد عليهم وفضحهم، وبيان مخالفتهم للنصوص والعقول والفطر، وقد كان شيخ الإسلام من أعظم من قام بهذا الأمر حق قيام، فسطر الرسائل والمجلدات، في إبطال هذه السفسطات، التي عارض بها القوم الفطر والضروريات.
وقد أطال شيخ الإسلام وأسهب في بيان ضعف هذا المذهب، ولا يمكن حصر جميع ما ذكره الشيخ رحمه الله في مثل هذا الموضع، ولكن يكفي من ذلك بيان أهم الأدلة التي أوردها والطرق التي سلكها في الرد عليهم وإبطال شبهتهم، ويمكن إجمال طرق رده عليهم في ثلاث مسالك:--------------------------------------------
(1) البيت لأبي الطيب المتنبي. ديوان المتنبي (ص:343).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 652)

‌‌المسلك الأول: تقرير دلالة الفطرة على علو الله سبحانه وتعالى:
قرر شيخ الإسلام رحمه الله دلالة الفطرة على علو الله عز وجل من وجوه كثيرة كلها تدل على أن العلم بعلوه جل وعلا أمر بديهي فطري مستقر في النفوس والأفئدة، ويمكن إجمال الوجوه الدالة على ذلك بما يلي:
1) أن الخلق كلهم إذا حزبهم أمر، ووقعت بهم شدة، توجهت قلوبهم لانتظار نزول الفرج من السماء، وذلك لما استقر في أفئدتهم من أن خالقهم -جلا وعلا- فوق خلقه عال على عرشه، منه تتنزل الرحمات، ومن عنده تكشف الكربات، وهذا أمر محسوس معلوم لا ينكره أحد حتى النفاة، فإنهم يجدون ذلك من ضرورة أنفسهم. قال شيخ الإسلام: «وعامة هؤلاء إذا أصابت أحداً منهم ضرورة تلجئه إلى دعاء الله وجد في قلبه معنى يطلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، ففطرته وضرورته تقر بالعلو، وينكر وجود موجود لا محايث ولا مباين، وعقيدته التي اعتقدها تقليداً أو عادةً أو شبهةً تناقض فطرته وضرورته»(1).
قال ابن عبد البر-رحمه الله: «ومن الحجة أيضاً في أنه عز وجل على العرش فوق السموات السبع أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر أو نزلت بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء يستغيثون ربهم تبارك وتعالى، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته؛ لأنه اضطرار لم يؤنبهم عليه أحد ولا أنكره عليهم مسلم»(2).
ومما يوضح ذلك ويبينه تلك القصة التي حكاها شيخ الإسلام في كتبه غير ما مرة(3) عن أبي جعفر بن أبي علي الحافظ(4) قال:--------------------------------------------
(1) درء تعارض العقل والنقل (6/ 272)
(2) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (7/ 134)
(3) انظر: الاستقامة (1/ 167) وبيان تلبيس الجهمية (1/ 52) ومجموع الفتاوى (3/ 220) (4/ 44) ومنهاج السنة (2/ 642 - 643).
(4) أبو جعفر الهمذاني محمد بن أبي علي الحسن بن محمد الحافظ الصدوق، شيخ، صالح، ثقة مأمون، معمر قال ابن السمعاني: ما أعرف أن في عصره أحداً سمع أكثر منه، (ت:531 هـ). انظر: تاريخ الإسلام (11/ 554) وشذرات الذهب (4/ 97).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 653)

سمعت أبا المعالي الجويني وقد سئل عن قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5)} [طه:5]؟
فقال: كان الله ولا عرش -وجعل يتخبط في الكلام-.
فقلت: قد علمنا ما أشرت إليه، فهل عندك للضرورات من حيلة؟!
فقال: ما تريد بهذا القول، وما تعني بهذه الإشارة؟
فقلت: ما قال عارف قط يا رباه إلا قبل أن يتحرك لسانه، قام من باطنه قصد لا يلتفت يمنة ولا يسرة يقصد الفوق، فهل لهذا القصد الضروري عندك من حيلة، فنبئنا نتخلص من الفوق والتحت؟! وبكيت وبكى الخلق.
فضرب الأستاذ بكمه على السرير وصاح: يا للحيرة! وخرق ما كان عليه وانخلع، وصارت قيامة في المسجد، ونزل، ولم يجبني إلا: يا حبيبي الحيرة الحيرة، والدهشة الدهشة!
فسمعت بعد ذلك أصحابه يقولون: سمعناه يقول: حيرني الهمداني(1).
2) أن ما تجده النفوس من علو ربها جل جلاله أمر متفق عليه بين أمم الأرض باختلاف أجناسها وأعمارها وأديانها، من مسلمين ويهود ونصارى ومشركين، وعجائز وصبيان، وعربٍ وعجم(2).
3) أن العلم بعلو الله مما جبل وفطر عليه الناس، واشترك في العلم به الجاهل والعالم، وهو مستقر عند العامي الذي لا يقرأ ولا يكتب كما هو مستقر عند العالم القارئ الكاتب(3).--------------------------------------------
(1) العلو للعلي الغفار (ص:259) قال الشيخ الألباني رحمه الله: وإسناد هذه القصة صحيح مسلسل بالحفاظ. مختصر العلو (ص:277).
(2) انظر درء تعارض العقل والنقل (6/ 12)
(3) انظر: المصدر السابق (6/ 12)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 654)

4) أن دعوى الضرورة لا يمكن إبطالها إلا بتكذيب المدعي أو بيان خطئه، والمدعون لذلك أمم كثيرة منتشرة يُعلم بالضرورة استحالة تواطئهم على الكذب، فالقدح في ذلك كالقدح في سائر الأخبار المتواترة، فلا يجوز أن يقال: إنهم كذبوا فيما أخبروا به عن أنفسهم من العلم الضروري(1).
قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وكما يمتنع اتفاق الطوائف الكثيرة التي لم تتواطأ على دعوى الكذب في مثل ذلك، يمتنع اتفاقهم على الخطأ في مثل ذلك، ولو جاز الخطأ في مثل ذلك، لم يكن الجزم بما يخبر به الناس عما عرفوه بالحس، أو الضرورة لإمكان غلطهم في ذلك، فإن غلط الحس الظاهر أو الباطن أو العقل يقع لآحاد الناس، ولطائفة حصل بينها مواطأة، وتلقي بعضها عن بعض، كالمذاهب الموروثة، وكقول التابعين، لكون هذا معلوماً بالضرورة؛ فإنهم أهل مذهب تلقاه بعضهم عن بعض.
وأما الجازمون بالضرورة في أن الله فوق العالم، أو أنه لا يعقل موجود قائم بنفسه لا يشار إليه، ولا يعقل موجودان ليس أحدهما محايثاً للآخر ولا مبايناً له، وأن مثل هذا ممتنع بالضرورة التي يجدونها في أنفسهم، كسائر العلوم الضرورية، فهؤلاء أمم كثيرة لم يتواطأوا ولم يتفقوا على مذهب معين»(2).
5) أن الداعي إذا أراد أن يدعو ربه، فإنما يرفع يديه إلى السماء، وهذا أمر يفعله جميع أرباب النحل، فدل على أن من المتقرر في فطر وعقول جميع الخلق أن إلههم فوق و"هذا الرفع يُستدل به من وجوه:
أحدها: أن العبد الباقي على فطرته يجد في قلبه أمراً ضرورياً إذا دعا الله دعاء المضطر أنه يقصد بقلبه الله الذي هو عالٍ وهو فوق.
الثاني: أنه يجد حركة عينيه، ويديه بالإشارة إلى فوق، تتبع إشارة قلبه إلى--------------------------------------------
(1) انظر: المصدر السابق (6/ 341)
(2) درء تعارض العقل والنقل (6/ 341 - 342).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 655)

فوق، وهو يجد ذلك أيضاً ضرورة.
الثالث: أن الأمم المختلفة متفقة على ذلك من غير مواطأة.
الرابع: أنهم يقولون بألسنتهم إنا نرفع أيدينا إلى الله ويخبرون عن أنفسهم أنهم يجدون في قلوبهم اضطرارً إلى قصد العلو، فالحجة تارة بما يجده الإنسان من العلم الضروري في نفسه، وتارة بما يخبر به الناس عن أنفسهم من العلم الضروري، وتارة بما يدل على العلم الضروري في حق الناس، وتارة بأن الناس لا يتفقون على ضلالة؛ فإنه إذا كان إجماع المسلمين وحدهم لا يكون إلا حقاً، فإجماع جميع الخلق الذين منهم المسلمون أولى أن لا يكون إلا حقاً"(1).

‌‌المسلك الثاني: الأجوبة الإجمالية على حجج القوم واعتراضاتهم على دليل الفطرة:
1) بين شيخ الإسلام أن النفاة لا يستطيعون إنكار علو الله عز وجل، وإثبات ما ادعوه مما يناقض صريح الفطرة: من كون الله عز وجل لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته ولا سارياً فيه ولا مبايناً له، لا يمكنهم تقرير قولهم هذا حتى يثبتوا مقدمات ثلاث:
أولها: أن يثبتوا أن قولهم هذا غير معارض للفطرة والعلوم البديهية وغير ممتنع فيها.
ثانيها: أن يبينوا ثبوت قولهم هذا -الذي قرروا إمكانه- في الخارج؛ فإن العلم بإمكانه لا يقتضي ثبوته ووجوده.
ثالثها: إذا ثبت وجوده فيجب عليهم أن يثبتوا معارضته لما جاءت به النصوص من علو الله سبحانه وترجيحه عليها.
وبغير إثبات هذه المقدمات الثلاث لا يمكنهم أن يثبتوا قولهم ويُسلم لهم به،--------------------------------------------
(1) بيان تلبيس الجهمية (4/ 521).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 656)

بل لا بد أن يثبتوا عدم امتناعه فطرة، ثم إذا ثبت عدم امتناعه فلا بد أن يثبتوا وجوده أيضاً، ثم إن ثبت الأمران فبقي لهم أن يثبتوا معارضته لما جاءت به النصوص من علو الله سبحانه.
فإن ثبت امتناعه بالفطرة فهذا كاف في بيان فساده، ثم إن ثبت عدم إمكان وجوده وثبوته فلا فائدة منه حينئذ، ثم لو فرض عدم امتناعه ووجوده في الخارج، فإنه مع ذلك لا يتعارض مع كون الله عز وجل في العلو، فحينئذ لا يكون هناك تعارض بين النصوص الشرعية وما ذكروه من أمور عقلية.
وإذا ثبت فساد مقدمة من هذه المقدمات فقد فسد قولهم، فكيف إذا ثبت فسادها جميعها وهو الواقع؟!
فتبين أن قولهم في غاية البعد وغاية الفساد، وأن بينهم وبين تقريره خرط القتاد!(1)
2) أن الحجج التي اعترض بها الرازي وأشباهه من نفاة العلو، ما هي إلا حجج نظرية عقلية والإقرار بعلو الخالق -جل وعلا- ضروري بديهي فطري، والضروريات لا يمكن القدح فيها بالنظريات، وكل نظرية تعارض أمراً بديهياً، فإنما هي سفسطة لا غير(2)، وأيضاً فإن القدح في البديهيات قدح في النظريات؛ لأن النظريات لا تصح إلا بصحة البديهيات، فيلزم من فساد البديهيات فساد النظريات من باب أولى(3).
3) أن ما عارضوا به دليل الفطرة ما هو في الحقيقية إلا من باب الوهم والخيال الباطل؛ فإن من اعتقد أن الكليات الذهنية الثابتة في العقل موجودة في الخارج، فقد توهم وتخيل ما لا حقيقة له في الواقع، ثم عارض الحقائق البديهية الفطرية بهذا الخيال المتوهم، فكيف تكون القضايا التخيلية الوهمية قادحةً في القضايا--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (6/ 11 - 12).
(2) انظر: درء تعارض العقل والنقل (6/ 14، 18).
(3) انظر: المصدر السابق (6/ 122).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 657)

البديهية والعلوم الفطرية الضرورية؟!(1).
4) أنه قد عُلم بالضرورة أن ما يخلو من وصفين متقابلين -يمتنع خلو الموجود عن أحدهما-، فإنما هو في الحقيقة ممتنع معدوم، فوصف الله سبحانه بأنه غير مباين للعالم ولا محايث له ولا داخله ولا خارجه، إنما هو من صفة المعدوم والممتنع الذي لا وجود له ولا حقيقة(2).
5) أن الفطر قد جبلت على تعظيم الله ووصفه بصفات الكمال والجلال، وقولهم هذا ليس فيه أي إثبات أو تعظيم أو كمال، وهذا -ولا شك- منافٍ لما جبلت عليه الفطر من تعظيم الخالق -جل وعلا-، بل إنه في الحقيقة من تشبيهه عز وجل بالمعدومات والممتنعات، وفي ذلك من عظيم التنقص ما فيه(3).
6) أن من لازم قولهم في تجويز إثبات موجود لا داخل العالم ولا خارجه ولا مباين للعالم ولا محايث له، تجويز قول الحلولية والاتحادية الذين يقولون بأن الله في كل مكان بلا حلول ولا مماسة ولا مباينة، وليس مع ذلك كالجسم مع الجسم ولا كالعرض مع العرض، فليس تناقض هؤلاء ببعيد عن تناقض أولئك، ولذلك قال شيخ الإسلام: «لا تكاد تجد أحداً من نفاة المباينة والمداخلة جميعاً، أو من الواقفة في المباينة يمكنه مناقضه الحلولية والاتحادية مناقضة يبطل بها قولهم، بل أي حجة احتج بها عليهم عارضوه بمثلها، وكانت حجتهم أقوى من حجته»(4).
بل إن قول النفاة أشد بطلاناً وأبعد عن العقل السليم والفطرة المستقيمة من قول الحلولية؛ لأن الوصف بما هو أقرب للموجودات أولى من الوصف بالممتنعات والمعدومات(5).--------------------------------------------
(1) انظر: المصدر السابق (6/ 18).
(2) انظر: المصدر السابق (6/ 133، 134).
(3) انظر المصدر السابق (6/ 178)
(4) درء التعارض (6/ 159) وانظر: المصدر نفسه (6/ 144، 145، 156، 176)
(5) انظر المصدر السابق (6/ 176).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 658)

‌‌المسلك الثالث: الأجوبة التفصيلية عن أهم شبههم:
كان أهم ما اعترض به الرازي على دلالة الفطرة على العلو: شبهتان اثنتان سبق ذكرهما، وقد تبين فيما سبق الرد الإجمالي عليهما، ونذكر هنا أهم الردود التفصيلية التي رد بها شيخ الإسلام على هاتين الشبهتين الفاسدتين:
الجواب على الشبهة الأولى: وهي احتجاجهم بأن الجمع العظيم قد اتفقوا على إنكار العلو فكيف يكون مع هذا أمرا بديهياً، وإنما هو قول الكرامية والحنابلة فحسب:
1) أن هذا الكلام باطل وعكسه هو الصحيح، فجماهير الخلائق يخالفون هؤلاء، ولم يعرف هذا القول إلا عن الجهمية كالمعتزلة ومتأخري الأشاعرة ونحوهم، ومن وافقهم من بعض الفلاسفة، وأما المنقول عن أكثر الفلاسفة فهو قول أهل الإثبات كما نقله ابن رشد الحفيد(1) عنهم، وهو من أعظم الناس معرفة بأقوالهم وانتصارا لهم(2).
2) إن من أعظم ما يبطل هذا الكلام أن متقدمي أهل الكلام وأئمتهم الذين تلقى نفاة العلو مذهبهم عنهم، هم أنفسهم على نقيض أقوال النفاة، فيصرحون بعلو الله على خلقه، بل ويحكون الإجماع على ذلك، ويردون مقالة نفاة العلو كما فعل ذلك أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب وأبو الحسن الأشعري وأئمة أصحابه، وقد نقل أقوالهم كلها شيخ الإسلام في معرض رده على الرازي في كتابه العظيم "درء تعارض العقل والنقل" بل حتى الفلاسفة الذين بنى أهل الكلام--------------------------------------------
(1) هو محمد بن أحمد بن محمد القرطبي، ابن رشد الحفيد، فيلسوف الوقت، كان متقدِّمًا في علوم الفلسفة والطبِّ، وله باع في الفقه، وأغرق في الفلسفة فضاع، مما قيل عنه: إنه ما ترك الاشتغال مذ عقل سوى ليلتين: ليلة موت أبيه، وليلة عرسه، له مصنفات منها: كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد، وكتاب الكليات في الطب، (ت:595 هـ). انظر: السير (21/ 307)، الديباج المذهب (2/ 259).
(2) انظر: درء تعارض العقل والنقل (6/ 266، 113).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 659)