المناظرات مع الطوائف المنتسبة للإسلام. وتحت كل قسم عدد من الطوائف والفرق، وذكرت تحت كل طائفة المناظرات التي جرت معها مقسمة على شكل مباحث، وتحت كل مبحث مطلبان: أحدهما في عرض المناظرة، والآخر في دراستها.
3) قمت في كل مبحث بعرض نص المناظرة كاملاً، ثم دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في المناظرة وذلك من خلال الاعتناء بتقريرات شيخ الإسلام في المسألة المراد دراستها وذلك من مختلف كتبه ورسائله، واعتني في دراستي بذكر أصل الشبهة عند المخالف -إن وجدت- والجواب عليها، وعند تكرر بعض المسائل فإني أشير إلى أنه قد تم دراستها في ما سبق.
4) عزوت الآيات إلى سورها بذكر السورة ورقم الآية.
5) عزوت الأحاديث إلى مظانها من كتب السنة، فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بعزوه إليهما وإن كان في غيرهما عزوته إلى مصادره مع نقل حكم العلماء فيه.
6) وثقت النقول من مصادرها الأصلية.
7) قمت بالتعريف بالأعلام والفرق والملل والطوائف والأمكنة غير المشتهر منها.
8) قمت بخدمة البحث بفهارس علمية تيسر للباحث الوصول إلى الفائدة المرادة.
كلمة الشكرأحمد ربي -جل وعلا- وأشكره، فله الحمد كله وله الشكر كله، ومنه الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، لولاه ما كتبنا ولا قرأنا، ولا علمنا ولا تعلمنا، فكل فضل فهو منه، وكل منة فهي راجعة إليه، ولا حول ولا قوة لنا إلا به.
فله الحمد والشكر أولاً وآخراً ظاهراً وباطناً، له الحمد حتى يرضى وله الحمد إذا رضي وله الحمد بعد الرضا، له الحمد عدد كل شيء، وملء كل شيء، ووزن كل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
شيء، وعدل كل شيء، لا نحصي ثناء عليه، ولا نبلغ حمده، ولا ندرك فضله.
سُبْحَانَ مَنْ لَوْ سَجَدْنَا بِالْعُيُونِ لَهُ … عَلَى حمى الشَّوْكِ وَالْمَحْمِيِ مِنَ الْإِبَرِ
لَمْ نَبْلُغِ الْعُشُرَ مِنْ مِعْشَارِ نعمته … وَلا الْعُشَيْرَ وَلا عُشُرًا مِنَ الْعُشُرِ
ثم إني أتقدم بالشكر لوالديّ وقرة عينيّ اللذين كانا سبباً في وجودي، وعوناً في هدايتي واستقامتي، وسنداً لي في جميع أمور حياتي.
ولا أنسى أن أشكر الجامعة التي احتضنتنا، ومن معينها الصافي نهلنا، وفيها تعلمنا ومنها تخرجنا ألا وهي الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية حرسها الله.
والشكر موصول للشيخ الدكتور/ عبد العزيز الطويان على تفضله بالإشراف على رسالتي، وما قدمه لي من توجيه وإرشاد.
وللشيخين الفاضلين / الشيخ الدكتور صالح السندي، والشيخ الدكتور عبد الله الغفيلي على تفضلهما بمناقشة رسالتي، وإرشادي وإفادتي.
والشكر كذلك لكل من ساعدني وساندني بكلمة أو مشورة أو نصيحة أو معلومة.
فجزى الله الجميع خيراً، وأجزل لهم الأجر والمثوبة.
كتبه
أبو عبد العزيز هيثم بن قاسم الحمري
مملكة البحرين -حرسها الله-
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
التمهيد:
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول:
تعريف المناظرة وأحكامها
المبحث الثاني:
التعريف بشيخ الإسلام ومنهجه في المناظرات
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
المبحث الأول: تعريف المناظرة وأحكامها:
ويشتمل على:
المطلب الأول: تعريف المناظرة لغة واصطلاحاً.
المطلب الثاني: أركان المناظرة.
المطلب الثالث: حكم المناظرات
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
المبحث الأول: تعريف المناظرة وأحكامها، ويشتمل على ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف المناظرة لغة واصطلاحاً:
تعريف المناظرة لغة:
المناظرة مشتقة في اللغة من (النظر)، و (النظر) يدور في اللغة على معنين اثنين:
1 - المعنى الأول: النظر الذي هو حس البصر ورؤيته، ومنه قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة:23 - 24].
2 - المعنى الثاني: النظر بمعنى التفكر والتأمل، ومنه قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف:185].
قال ابن فارس(1) رحمه الله: «النون والظاء والراء أصل صحيح يرجع فروعه إلى معنى واحد وهو تأمل الشيء ومعاينته، ثم يستعار ويتسع فيه. فيقال: نظرت إلى الشيء أنظر إليه، إذا عاينته. وحَيٌّ حِلَالٌ نَظَرٌ: متجاورون ينظر بعضهم إلى بعض»(2).--------------------------------------------
(1) أحمد بن فارس بن زكريا بن حبيب أبو الحسين القزويني، من أئمة اللغة والأدب، من مصنفاته: مقاييس اللغة، والمجمل، (ت:395 هـ). انظر: البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة (1/ 7)، السير (17/ 103)، والبداية والنهاية (11/ 335).
(2) مقاييس اللغة (5/ 444).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
فبين رحمه الله أن مادة نظر ترجع إما إلى تأمل الشيء وهو النظر الذي بمعنى التفكر والتأمل، وإما إلى معاينة الشيء وهو النظر الذي بمعنى حس البصر ورؤيته.
وقد جعل بعض الباحثين أصلاً ثالثاً ترجع إليه مادة (نظر): وهو النظر بمعنى الانتظار، والصواب أن هذا المعنى يرجع أيضاً إلى معنى النظر بعين البصر أو البصيرة، فما هو إلا فرع مقيس على الأصلين المذكورين كما بين ذلك ابن فارس رحمه الله فقال: «ويقولون: نظرته، أي: انتظرته. وهو ذلك القياس، كأنه ينظر إلى الوقت الذي يأتي فيه»(1)، وقال: «ومن باب المجاز والاتساع قولهم: نَظَرَتِ الأرضُ: أَرَتْ نَبَاتَهَا. وهذا هو القياس. ويقولون: نَظَرَتْ بِعَيْنٍ. ومنه نَظَرَ الدهر إلى بني فلان فأهلكهم. وهذا نظير هذا، من هذا القياس; أي أنه إذا نظر إليه وإلى نظيره كانا سواء. وبه نَظْرَةٌ، أي شحوب، كأنه شَيْءٌ نُظِرَ إِلَيْهِ فشحب لونهُ، والله أعلم بالصواب»(2)، وعليه فكل استعمال غير هذين الاستعمالين -كالانتظار وغيره- إنما هو مستعار منهما ومقيس عليهما.
وقال الراغب الأصفهاني(3) رحمه الله: «النظر: تقليب البصر والبصيرة لإدراك الشيء ورؤيته»(4).
وقال أبو هلال العسكري رحمه الله(5): «وحد النظر طلب إدراك الشيء من جهة--------------------------------------------
(1) مقاييس اللغة (5/ 444).
(2) المصدر السابق (5/ 444).
(3) هو أبو القاسم، الحسين بن محمد بن المفضل الاصبهاني، الملقب بالراغب، من كتبه المفردات في غريب القرآن، والذريعة في مكارم الشريعة، اختلف في سنة وفاته وأكثر المترجمين على أنه توفي في أوائل المئة الخامسة، وذهب بعضهم إلى أنه توفي في نصف المئة الرابعة. انظر: السير (18/ 120)، الأعلام للزركلي (2/ 255).
(4) المفردات (ص: 518).
(5) هو الحسن بن عبد الله بن سهل أبو هلال العسكري، لغوي أديب شاعر، من مصنفاته: "الفروق في اللغة" و"التلخيص في اللغة" توفي بعد: (395 هـ). انظر: البلغة (1/ص 16). الوافي بالوفيات (12/ 51).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
البصر أو الفكر ويحتاج في إدراك المعنى إلى الأمرين جميعاً … ، وأصل النظر المقابلة فالنظر بالبصر الإقبال نحو ..(1)، والنظر بالقلب الإقبال بالفكر نحو المفكر فيه»(2).
ويؤخذ من كلام ابن فارس والراغب الأصفهاني وأبي هلال العسكري أن النظر يقع على المحسوسات وعلى المعاني، فما كان من المحسوسات فالنظر إليه بالبصر وما كان من المعاني فالنظر فيه بالبصيرة والعقل.
فمن النظر بالبصر قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة:23 - 24]، ومن النظر بالبصيرة وهو التفكر والتدبر قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف:185] {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [يونس:101]
والمناظرة التي نحن بصدد تعريفها ترجع إلى هذين الأصلين فهي مأخوذة من نظر الحس وبصره، حيث ينظر كل منهما إلى صاحبه بعين البصر، ومأخوذة من نظر التفكر والتأمل فينظر كل منها في إلى الأدلة والحجج والأقوال بعين البصيرة، والملاحظ أن المعنى الأخير هو الجانب الأكبر في المناظرة، حيث لا تخلو منه المناظرة ولا تصح دونه بحال؛ ولذلك نجد أن أهل اللغة قد ركزوا في تعريفهم للمناظرة على هذا الجانب، فقال الخليل بن أحمد الفراهيدي(3) رحمه الله في تعريفه للمناظرة: «أن تناظر أخاك في أمر إذا نظرتما فيه كيف تأتيانه»(4). وتبعه على هذا الأزهري(5) في--------------------------------------------
(1) هكذا في المطبوع، ويبدو أن هناك سقطاً في الكلام، ولعله "الإقبال بالنظر نحو المُبَّصر".
(2) الفروق اللغوية للعسكري (ص: 74).
(3) هو أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمر بن تميم الفَرَاهِيدِي، صاحب العربية ومنشئ علم العروض، صنف كتاب الجمل وكتاب الشواهد وكتاب العروض وكتاب العين وكتاب الإيقاع وكتاب النقط والشكل وغير ذلك، (ت: 160 هـ). انظر: معجم الأدباء (11/ 72)، السير (7/ 429)، وفيات الأعيان (2/ 244).
(4) العين (8/ 156).
(5) هو أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهر بن طلحة الأزهري الهروي اللغوي الشافعي، اعتنى بالفقه أولاً ثم غلب عليه التفقه في اللغة، له تهذيب اللغة، وغريب الألفاظ، (ت:370 هـ). انظر: الوافي بالوفيات (2/ 34)، البلغة (1/ 59).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
تهذيب اللغة(1)، والزبيدي(2) في تاج العروس(3)، وغيرهم من أهل اللغة.
ونجد الراغب الأصفهاني رحمه الله يركز أيضاً على هذا الجانب في تعريفه للمناظرة فيقول: «والمناظرة المباحثة والمباراة في النظر واسْتِحْضَارُ كُلِّ ما يَرَاهُ ببصيرته»(4).
وجمع الشيخ محمد الأمين الشنقيطي(5)، في تعريفه للمناظرة بين المعنيين المذكورين فقال: «فالمناظرة في اللغة: المقابلة بين اثنين كل منهما ينظر إلى الآخر، أو كل منهما ينظر بمعنى يفكر»(6).
تعريف المناظرة اصطلاحاً:
عرف الجرجاني(7) رحمه الله المناظرة في الاصطلاح بأنها: «النظر بالبصيرة من--------------------------------------------
(1) /40).
(2) هو محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق الحسيني الزبيدي، أبو الفيض، الملقب بمرتضى: له اطلاع واسع في اللغة والحديث والرجال والأنساب، أصله من العراق ومولده بالهند ونشأته في اليمن ووفاته بمصر، من مصنفاته "تاج العروس" و"إتحاف السادة المتقين" (ت:1205 هـ). انظر: الأعلام للزركلي (7/ 70) ومعجم المؤلفين (11/ 282).
(3) /254).
(4) المفردات (ص: 518).
(5) هو محمد الأمين بن محمد بن المختار الجنكي الشنقيطي، المدرس بالمسجد النبوي وأصله من بلاد موريتانيا، وله عدة مصنفات، من أشهرها: " أضواء البيان في تفسر القرآن" و"آداب البحث والمناظرة" (ت:1393 هـ)، ودفن في مكة المكرمة. انظر جهود الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (1/ 29 - 84). ومجالس مع فضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ص:10 - 15).
(6) آداب البحث والمناظرة (ص:139).
(7) هو علي بن محمد بن علي، المعروف بالشريف الجرجاني: متكلم، من كبار علماء العربية، له مصنفات، منها: التعريفات، وشرح المواقف، (ت:816 هـ). انظر: الوافي بالوفيات (22/ 56)، بغية الوعاة (2/ 196).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
الجانبين في النسبة بين الشيئين إظهارا للصواب»(1).
وتابعه على هذا التعريف المناوي(2) في "التوقيف على مهمات التعريف"(3)، وأبو البقاء الحنفي(4) في "الكليات"(5)، ومن الفقهاء صاحب(6) "حاشية الجمل على شرح المنهج"(7)، والبيجرمي(8) في "حاشيته على المنهج"(9).
وعرفها عبد الوهاب الآمدي(10) رحمه الله بأنها: «تردد الكلام بين شخصين يقصد كل منهما تصحيح قوله وإبطال قول صاحبه مع رغبة كل منهما في ظهور الحق»(11).--------------------------------------------
(1) التعريفات (ص 298).
(2) هو محمد عبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري، زين الدين، له مصنفات وتآليف كثيرة، منها: التوقيف على مهمات التعريف، كنوز الحقائق وغيرها، (ت:1031 هـ). انظر: الأعلام للزركلي (6/ 204)، معجم المؤلفين (10/ 166).
(3) ص:316).
(4) هو أيوب بن موسى الحسيني القريمي الكفوي، أبو البقاء الحنفي، كان من قضاة الأحناف، توفي في تركيا. من مصنفاته "الكليات" (1094 هـ). انظر الأعلام للزركلي (2/ 39) معجم المؤلفين (3/ 31).
(5) الكليات (1/ 1369).
(6) هو سليمان بن عمر بن منصور العجيلي الأزهري، المعروف بالجمل، مفسر فقيه، له مؤلفات منها: الفتوحات الإلهية، والمواهب المحمدية بشرح الشمائل الترمذية وغيرها، (ت: 1204 هـ). انظر: الأعلام للزركلي (3/ 131)، معجم المؤلفين (4/ 271).
(7) حاشية الجمل على شرح المنهج (1/ 4).
(8) هو سليمان بن محمد بن عمر البجيرمي، فقيه مصري، ولد في بجيرم (من قرى الغربية بمصر)، من مصنفاته: التجريد، وتحفة الحبيب وغيرها، (ت:1221 هـ). انظر الأعلام للزركلي (3/ 133)، معجم المؤلفين (4/ 275).
(9) حاشية البجيرمي على شرح المنهج (1/ 4).
(10) هو السيد عبد الوهاب بن حسين بن ولي الدين الآمدي الجرمكي، نحوي منطقي بياني، أصله من تركيا، وله شرح الرسالة الولدية في آداب البحث والمناظرة، (ت: 1190 هـ). انظر: هدية العارفين (1/ 643)، معجم المطبوعات العربية (2/ 995).
(11) شرح الولدية في آداب البحث والمناظرة (ص: 57).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله-في تعريفه للمناظرة اصطلاحاً: «وهي في الاصطلاح: المحاورة في الكلام بين شخصين مختلفين يقصد كل واحد منهما تصحيح قوله وإبطال قول الآخر مع رغبة كل منهما في ظهور الحق، فكأنها بالمعنى الاصطلاحي مشاركتهما في النظر الذي هو النظر المؤدي إلى علم أو غلبة ظن ليظهر الصواب»(1).
وقال طاش كُبري زاده(2):
هي النظر من جانبي خصمين … معلل وسائل اثنين
في نسبة بينهما حكميه … ليظهر الصواب والخفية(3)
وبالجمع بين هذه التعاريف جميعها يتلخص لنا أن المناظرة لا تسمى مناظرة حتى تجمع الأمور التالية:
أولاً: أن تكون المناظرة بين شخصين أو جانبين مختلفين، وتعبير الجرجاني رحمه الله بـ"الجانبين" أدق من تعبير غيره بـ"شخصين"؛ لأن المناظرة قد تكون بين شخصين وقد تكون بين أكثر من ذلك، فلا بد أن يكون فيها جانبان متناظران بغض النظر عن عدد كل جانب، والآمدي في تعريفه للمناظرة إنما نظر إلى أقل ما يتحقق به اسم المناظرة وهو وجود شخصين.
ثانياً: أن تكون بحضور الجانبين ومحاورتهما لبعضهما عن طريق الكلام، فيخرج بذلك ما قد يطلق عليه مناظرةً على سبيل التجوز كالردود الكتابية ونحوها.
ثالثاً: أن يكون الهدف منها إظهار الحق والصواب، وتعبير الجرجاني بقوله: «إظهاراً للصواب» أدق من تعبير الآمدي وغيره بقولهم: «مع رغبة كل منهما في--------------------------------------------
(1) آداب البحث والمناظرة (ص:139).
(2) هو أبو الخير، أحمد بن مصطفى بن خليل: عصام الدين طاش كبري زاده: مؤرخ تركي الأصل، مستعرب، ومن مؤلفاته: الشقائق النعمانية، ومفتاح السعادة، (ت:968 هـ). انظر: الأعلام للزركلي (1/ 257)، معجم المؤلفين (2/ 177).
(3) منظومة طاش كبري زاده ضمن مجموع المتون الكبير (ص:548).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
ظهور الحق»؛ وذلك لأن المراد بالمناظرة إظهار الحق مطلقاً سواء لهما أو لأحدهما أو لغيرهما ممن حضر مناظرتهما أو سمعها، فالمقصود إظهار الصواب والحق، وهذا الشرط إنما جعل احترازاً من الجدال الذي لا يراد منه التوصل إلى الحق، وإنما يراد إفحام الخصم وإسكاته، سواء كان حقاً أو باطلاً.
وبتعداد هذه الأمور التي نص عليها أهل الفن مما يجب توافره في المناظرة، يتضح لك أن التعريفات السابقة وإن كانت وافية بغالب المقصود إلا أنه لم يخل شيء منها من قصور في ناحية من النواحي؛ ولذلك فإن التعريف المختار للمناظرة اصطلاحاً هو: المحاورة في الكلام بين جانبين مختلفين، في قضية ما، إظهاراً للحق والصواب.
المطلب الثاني: أركان المناظرة:
يظهر بوضوح مما ذكره أهل العلم في تعريف المناظرة وحدِّها، أن للمناظرة ثلاثة أركان رئيسة لا تقوم إلا بها، وهذه الأركان هي:
الركن الأول: موضوع مختلف فيه، تجري فيه المناظرة.
الركن الثاني والثالث: طرفان متناظران.
أحدهما: مُدع، أو ناقل خبر: ويسمى في علم المناظرة (مانعاً) أو (معللاً).
والآخر: معترض عليه: ويسمى في علم المناظرة (مستدلاً) أو (سائلاً)(1).--------------------------------------------
(1) فإن كان الموضوع (تعريفاً أو تقسيماً) سُمي المعترِض عليه (مُستدلاً)، وسمي صاحب التعريف أو التقسيم (مانعًا). وإن كان الموضوع (تصْديقاً) - أي قضية منطقية سواء أكانت مصرَّحا بها أو مفهومة من ضمن الكلام- فالمعترِض عليه يسمى (سائلاً)، وصاحب التصديق ومقدِّمه يسمى (مُعلِّلا).
وإنما سمي من يعترض على التعريف (مستدلاً) والآخر (مانعاً)؛ لأن الاعتراض على التعريف لا يتم بالدعوى مجردة، بل لابد لمدعى فساد التعريف من إقامة الدليل على دعواه اختلال شرط من شروط صحته مثلا وبذلك يتجه كونه مستدلا، ويقصدون بتسمية الآخر مانعاً أن جوابه عن الاعتراض على تعريفه يكفي أن يكون بمنع مقدمة من مقدمات دليل البطلان سواء ذكر سنداً لمنعه أو لم يذكره، وبذلك يتجه كونه مانعاً. انظر: ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة (ص:376)، وآداب البحث والمناظرة (ص:139).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
والأصل أن الأول (المعلل أو المانع) هو الذي يبدأ بالكلام وطرح الموضوع أو المسألة، ثم يوجه (السائل أو المستدل) عليه اعتراضه ويناقشه ويحاوره فيما طرح، وقد ينعكس الحال أثناء المناظرة، فينقلب السائل معللا والمعلل سائلاً، وذلك بحسب ما يتجدد من قضايا ومسائل أثناء الحوار والتناظر(1).
المطلب الثالث: حكم المناظرات:
الجدال والمناظرة من حيث الحكم على قسمين(2):
القسم الأول: جدل وتناظر محمود:
وهذا النوع من الجدل والمناظرات مشروع بالكتاب والسنة وفعل الصحابة وسلف الأمة:
فأما أدلة الكتاب فقد تنوعت دلالات القرآن الكريم على مشروعية المناظرات المحمودة -وما في معناها-وجوازها:
منها الأدلة المصرحة بالأمر بها والحث عليها كقوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل:125].
ومنها الأدلة الحاكية لشيء مما جرى من المناظرات بين أهل الحق--------------------------------------------
(1) انظر: ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة (ص:376)، وآداب البحث والمناظرة (ص:139) والتعريفات للجرجاني (ص 298)، والتعاريف للمناوي (ص 678).
(2) هذا التقسيم سار عليه عدد كبير من العلماء المحققين وممن نص عليه الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه (1/ 230 - 235)، وابن حزم في الإحكام في أصول الأحكام (1/ 21 - 26)، وأبو المعالي الجويني في الكافية في الجدل (ص:22 - 24)، وشيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في درء التعارض (7/ 156، 167)، وانظر: منهج الجدل والمناظرة في تقرير مسائل الاعتقاد (1/ 279 - 314).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
وأهل الباطل على سبيل التقرير والاستشهاد، كمناظرات الأنبياء مع أقوامهم، قال تعالى: {قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا} [هود:32]. وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ} [البقرة:258] وغيرها من الأدلة.
ومنها الأدلة المثنية على من قام بمحاجة ومناظرة أهل الباطل كما قال سبحانه بعد حكاية مناظرة إبراهيم عليه السلام مع قومه: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام:83].
ومنها تقريره لقواعد فن المناظرة وأنواع الحجج والأدلة والأقيسة، قال ابن القيم رحمه الله: «وإذا تأملت القرآن وتدبرته وأعرته فكراً وافياً اطلعت فيه من أسرار المناظرات وتقرير الحجج الصحيحة وإبطال الشبه الفاسدة، وذكر النقض والفرق والمعارضة والمنع على ما يشفي ويكفي لمن بصره الله وأنعم عليه بفهم كتابه»(1). وقال رحمه الله: «والمقصود ان القرآن مملوء بالاحتجاج وفيه جميع أنواع الادلة والأقيسة الصحيحة»(2)، وقال شيخ الإسلام رحمه الله: «وفيه من مناظرة المخالفين وإقامة البراهين على أصول الدين ما لم يذكر مثله في التوراة، مع أنه لم ينزل كتاب من السماء أهدى من القرآن والتوراة»(3).
ومنها الأوامر العامة بالدعوة إلى سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله والأمر بإحقاق الحق ورد الباطل، وغيرها من الأوامر التي تتضمن مناظرة أهل الباطل ومحاججتهم.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وأما ما في القرآن من ذكر أقوال الكفار وحججهم وجوابها، فهذا كثير جداً، فإنه يجادلهم تارة في التوحيد، وتارة في النبوات، وتارة في المعاد، وتارة في الشرائع بأحسن الحجج وأكملها، كما قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32)--------------------------------------------
(1) بدائع الفوائد (4/ 130)
(2) مفتاح دار السعادة (1/ 146)
(3) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (5/ 72).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان:32 - 33].
وقد أخبر الله تبارك وتعالى عن أولي العزم من الرسل بمجادلة الكفار فقال تعالى: {قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا} [هود:32]، وقال عن الخليل: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ} [الأنعام:80]، إلى قوله: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} [الأنعام:83].
وأمر الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم بالمجادلة بالتي هي أحسن، وذم سبحانه من جادل بغير علم، أو في الحق بعدما تبين، ومن جادل بالباطل: {هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [آل عمران:66]. وقال تعالى: {يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ} [الأنفال:6]، وقال تعالى: {وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} [غافر:5] وهذا هو الجدال المذكور في قوله: {مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا} [غافر:4]»(1).
وأما السنة: فقد دلت السنة بأنواعها القولية والفعلية والتقريرية على مشروعيتها، فمن السنة القولية قوله صلى الله عليه وسلم: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم)(2)، قال ابن حزم رحمه الله: «وهذا حديث في غاية الصحة وفيه الأمر بالمناظرة وإيجابها كإيجاب الجهاد والنفقة في سبيل الله»(3).
ومن السنة الفعلية مناظراته ومحاوراته الكثيرة مع المشركين، ومناظرته مع--------------------------------------------
(1) الجواب الصحيح (1/ 229 - 230).
(2) رواه أحمد (12246)، والنسائي (3096)، وأبو داود (2504)، والحاكم (2427)، وابن حبان (4708) وغيرهم، كلهم من طريق حماد بن سلمة عن حميد عن أنس بن مالك رضي الله عنه. قال ابن عبد الهادي في المحرر (2/ 439): إسناده على شرط مسلم. وقال النووي في رياض الصالحين (ص:28): إسناده صحيح. وصححه الألباني في المشكاة برقم: 3821.
(3) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (1/ 26)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
اليهود(1) ومناظرته مع ابن صياد(2) وغير ذلك.
وأما فعل الصحابة والسلف فهو أكثر من أن يحصر، ومن أشهرها مناظرة ابن عباس للخوارج(3)، ومناظرات الإمام أحمد للجهمية(4)، قال ابن حزم رحمه الله: «وقد تحاج المهاجرون والأنصار وسائر الصحابة -رضوان الله عليهم- وحاجَّ ابن عباس الخوارج بأمر علي رضي الله عنه وما أنكر قط أحد من الصحابة الجدال في طلب الحق»(5). وقال صاحب كتاب "تنبيه الرجل العاقل إلى تمويه الجدل الباطل"(6)،، مبيناً ما جاء من حض الشرع للمؤمنين على الجدل المحمود: «وحضهم على المناظرة والمشاورة لاستخراج الصواب في الدنيا والآخرة حيث يقول لمن رضي دينهم: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى:38]، كما أمرهم بالمجادلة والمقاتلة لمن عدل عن السبيل العادلة حيث يقول آمرا وناهيا لنبيه والمؤمنين لبيان ما يرضاه منه ومنهم {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل:125]، {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [العنكبوت:46]، فكان أئمة الإسلام ممتثلين لأمر المليك العلام يجادلون أهل الأهواء المضلة حتى يردوهم إلى سواء الملة كمجادلة ابن عباس- رضي الله عنهما للخوارج المارقين حتى رجع كثير منهم إلى ما خرج عنه من الدين وكمناظرة كثير من السلف الأولين لصنوف المبتدعة الماضين ومن في قلبه ريب يخالف اليقين حتى هدى الله من شاء من البشر وعلن--------------------------------------------
(1) رواها أحمد في مسنده (2483) وعبد الرزاق في تفسيره (431) وابن أبي حاتم في تفسيره (185) وسعيد بن منصور في سننه (1683) والطبراني في الكبير (12429) من حديث ابن عباس رضي الله عنه وحسنها الألباني في الصحيحة (1872).
(2) رواه البخاري في كتاب الجهاد كيف يُعرض الإسلام على الصبي (3055) ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة (2930).
(3) رواها أحمد في مسنده (3187) وأبو داود (4073) والنسائي في الكبرى (8522) وحسنها الألباني في صحيح وضعيف أبي داود (4037).
(4) انظر: المحنة على الإمام أحمد (51، 53، 55 - 60، 99).
(5) الإحكام في أصول الإحكام (1/ 30).
(6) ينسب هذا الكتاب إلى شيخ الإسلام رحمه الله في ثبوته له نظر كبير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
الحق وظهر، ودرس ما أحدثه المبتدعون واندثر»(1).
وقد حكى إجماع العلماء على مشروعيتها الخطيب البغدادي(2) في كتاب الفقيه والمتفقه(3) وأبو الوليد الباجي(4) في إحكام الفصول(5).
القسم الثاني: جدل وتناظر مذموم:
وهذا النوع من الجدل والمناظرات هو الذي جاءت النصوص من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة في ذمه والتحذير منه، وإنما تكون المناظرة مذمومة منهيا عنها في حالات ثلاث:
الحالة الأولى: إذا لم يكن المناظِر أهلاً للمناظرة؛ وذلك لأحد أسباب أربعة:
1) إذا كان المناظِر جاهلاً بالحق، أو ضعيف العلم والحجة، فيخشى عليه أن يفسده ذلك المضل، فمثل هذا يُنهى عن المناظرة، وتكون المناظرة في حقه مذمومة(6).
2) إن كان المناظِر عالماً بالحق، ولكنه لا يحسن إيصاله للغير وبيانه لهم؛ فليس كل من يعلم الحق يمكنه إيصاله للغير، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «ولكن ليس كل من عرف الحق -إما بضرورة أو بنظر- أمكنه أن يحتج على من ينازعه--------------------------------------------
(1) تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل (1/ 4).
(2) هو أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد البغدادي، المعروف بأبي بكر الخطيب، صاحب التاريخ، والتصانيف الكثيرة، إمام أوحد، ثقة، علامة، حافظ متقن، له "تاريخ بغداد" و"الكفاية في علم الرواية" وغيرها، توفي سنة (463 هـ). انظر: السير (18/ 284)، وفيات الأعيان (1/ 92).
(3) انظر: الفقيه والمتفقه (2/ 62)
(4) هو أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد التجيبي القرطبي الباجي، فقيه مالكي كبير، من رجال الحديث، له مصنفات: السراج في علم الحجاج، إحكام الفصول وغيرها، (ت:474 هـ). انظر: تاريخ بغداد (21/ 92)، تاريخ دمشق (22/ 224)، السير (14/ 55).
(5) انظر: إحكام الفصول (ص: 714).
(6) انظر: درء تعارض العقل والنقل (7/ 174).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
بحجة تهديه أو تقطعه، فإن ما به يعرف الإنسان الحق نوع، وما به يعرفه به غيره نوع، وليس كل ما عرفه الإنسان أمكنه تعريف غيره به»(1).
3) إذا كان المناظِر عالماً بالحق ولكنه يحتج بالباطل لتقرير الحق قال شيخ الإسلام: «فلا يصلح ولا يحل أن نقول باطلاً أو نلتزمه لدفع مبطل؛ فإن ذلك رد باطل بباطل، ورد بدعة ببدعة، وهذا كما أنه حرام في الدين منكر في العقل، فمضرته أكثر من منفعته؛ فإن ذلك مما يوجب نفور المناظر، وظنه: أنا لا نعلم الحق، أو نعلمه ولا نتبعه؛ فيوجب ذلك إصراره على ما هو عليه من الباطل. فلا نكون قد نصرنا حقاً، ولا دفعنا باطلاً، بل أثرنا فتنة بلا فائدة، وإيقاع شبهات بلا بيّنات»(2).
4) إذا كان للمناظر قصد سيء من ظلم للخصم أو إرادة علو في الأرض، أو مجرد إرادة إظهار العلم والتفاخر به، أو مجرد المراء والجدال والخصومات دون إرادة إيصال الحق وإظهاره، فهذا -أيضاً- تكون مناظرته مذمومة منهياً عنها(3).
وبالجملة فـ"كل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه، ولا وفَّى بموجب العلم والإيمان، ولا حَصَلَ بكلامه شفاء الصدور، وطمأنينة النفوس"(4).--------------------------------------------
(1) درء تعارض العقل والنقل (7/ 171).
(2) مسألة حدوث العالم (ص: 157)، وقال رحمه الله في درء التعارض (7/ 165): «هذا مع أن السلف والأئمة يذمون ما كان من الكلام والعقليات والجدل باطلاً، وإن قصد به نصر الكتاب والسنة، فيذمون من قابل بدعة ببدعة، وقابل الفاسد بالفاسد، فكيف من قابل السنة بالبدعة، وعارض الحق بالباطل، وجادل في آيات الله بالباطل ليدحض به الحق».
(3) انظر: أخلاق العلماء للآجري (ص:56 - 63)، ودرء تعارض العقل والنقل (7/ 168)، مسألة حدوث العالم (ص: 157 - 158)، والفوائد في اختصار المقاصد للعز بن عبد السلام (ص:144)
(4) درء تعارض العقل والنقل (1/ 357)، وانظر: التسعينية (1/ 232).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
الحالة الثانية: إذا كانت المناظرة مع من لا يكون في مناظرته مصلحة راجحة.
فأحوال المناظَرين لا تخرج عن أربع أحوال:
1) أن يكون ممن يفهم الحق ويقبله: فهذا تشرع مناظرته؛ لأنه ممن إذا بُين له الحق فهمه وقبله.
2) أن يكون ممن لا يقبل الحق: وهذا أحد نوعين:
أ -إذا كان في مناظرته انقطاع له وكفٌ لشره عن الناس ودفع له: فمثل هذا تشرع مناظرته(1).
ب -إذا كان سوفسطائياً(2) يجحد الضروريات، ويجادل في البديهيات: فمثل هذا لا يناظر باتفاق العقلاء، وهم بعد ذلك إما:
1 - أن يداووه إن كان فاسد العقل.
2 - أو يتركوه إن كان عاجزاً عن معرفة الحق ولا مضرة تخشى منه.
3 - أو يعاقبوه بالتعزير أو القتل إن كان مستحقاً للعقاب(3).
ت -أن يكون ممن التبس عليه الحق، إما لضعف علمه بأدلته، أو لضعف عقله وفهمه، أو لما سمع من حجج أهل الباطل وشبههم: فمثل هذا يشرع مناظرته؛ لأن ذلك يفيده: إما معرفة الحق، وإما شكاً في اعتقاده الباطل وتوقفاً فيه وبعثاً لهمته على النظر في الحق وطلبه إن كان له رغبة بذلك(4).--------------------------------------------
(1) انظر: درء التعارض (7/ 168).
(2) السوفسطائي: من السفسطة، وهي كما بين شيخ الإسلام: جحد الحقائق والضروريات، والمجادلة في البديهيات، ومبناها على التمويه والخداع، وهو لفظ مركب من" سوفيا"، وهي الحكمة، ومن" اسطس" وهو المموّه، فمعناها حكمة مموّهة. انظر: درء التعارض (7/ 174) الرد على المنطقيين (ص: 329) الرد على البكري (1/ 178 - 179) والتعريفات (ص:124) والتوقيف على مهمات التعريف (ص:194).
(3) انظر: درء تعارض العقل والنقل (7/ 174).
(4) انظر: المصدر السابق (7/ 168).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
الحالة الثالثة: أن تكون في المناظرة مفسدة راجحة:
ومثال ذلك:
1. أن يكون الحق ظاهراً معروفاً عند المسلمين ويكون أهل الحق هم الظاهرون الأقوياء، والبدع وأهلها في حال ضعف وعجز، فتكون في مناظرتهم مفسدة حاصلة، وهي إظهار بدعهم ونشر باطلهم وشبههم بين عوام الناس مما قد يؤثر على ضعاف النفوس ومرضى القلوب، ففي مثل هذه الحالة يُنهى عن المناظرة لما يترتب عليها من مفسدة راجحة، وإنما المشروع هنا هجر أهل البدع وزجرهم ومنع الناس ونهيهم عن الجلوس لهم وعن مناظرتهم ومجادلتهم(1).
2. أن تكون المناظرة سبباً للتفرق والاختلاف، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وقد كره النبي صلى الله عليه وسلم من المجادلة ما يفضي إلى الاختلاف والتفرق. فخرج على قوم من أصحابه وهم يتجادلون في القدر فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان وقال: (أبهذا أمرتم؟ أم إلى هذا دعيتم؟ أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض إنما هلك من كان قبلكم بهذا ضربوا كتاب الله بعضه ببعض)، قال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: فما أغبط نفسي كما غبطتها ألا أكون في ذلك المجلس. روى هذا الحديث أبو داود في سننه وغيره وأصله في الصحيحين(2)، والحديث المشهور عنه صلى الله عليه وسلم في السنن وغيرها أنه قال صلى الله عليه وسلم: (تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة قيل: يا رسول الله ومن هي؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)(3)،--------------------------------------------
(1) انظر: درء تعارض العقل والنقل (7/ 173).
(2) رواه أحمد (6668) ابن ماجه (85) وابن أبي عاصم (406) والطبراني في الأوسط (515) وغيرهم من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وحسنه الألباني في المشكاة (99) وظلال الجنة (406) وأصله في مسلم، كتاب العلم (2666) ولم أقف عليه عند أبي داود.
(3) رواه أحمد (8377)، وأبو داود (4596)، والترمذي (2640)، وابن ماجه (3992) وغيرهم، عن غير واحد من الصحابة كأبي هريرة ومعاوية وعوف بن مالك رضي الله عنهم، قال شيخ الإسلام: «حديث صحيح مشهور» مجموع الفتاوى (3/ 345). وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (203، 204، 1493).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
وفي رواية: (هي الجماعة)(1)، وفي رواية: (يد الله على الجماعة)(2)، فوصف الفرقة الناجية بأنهم المستمسكون بسنته وأنهم هم الجماعة. وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إذا تنازعوا في الأمر اتبعوا أمر الله تعالى في قوله: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء:59] وكانوا يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة وربما اختلف قولهم في المسألة العلمية والعملية مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين. نعم من خالف الكتاب المستبين والسنة المستفيضة أو ما أجمع عليه سلف الأمة خلافا لا يعذر فيه فهذا يعامل بما يعامل به أهل البدع»(3).
فهذه الأنواع المذكورة من المناظرات هي التي جاء في النصوص والآثار ذمها والنهي عنها والتحذير منها لأن مفسدتها أكبر من مصلحتها، وضررها أكبر من نفعها، وجماع الأسباب التي ينهى عن المناظرة فيها هذه الأسباب الثلاثة المذكورة وقد نص على ذلك شيخ الإسلام رحمه الله فقال: «والمقصود أنهم نهوا عن المناظرة: من لا يقوم بواجبها، أو من لا يكون في مناظرته مصلحة راجحة، أو فيها مفسدة راجحة»(4)، ثم قال رحمه الله: «وأما جنس المناظرة بالحق فقد تكون واجبة تارة ومستحبة تارة أخرى»(5)، وهذه هي الطريق الوحيدة التي يمكن الجمع فيها بين الآيات والأحاديث والآثار التي قد يفهم منها التعارض، فقد جاء في--------------------------------------------
(1) رواها أبو داود (4597)، وابن ماجه (3993).
(2) رواه الترمذي (2166)، وابن حبان في صحيحه (4577) من حديث ابن عباس رضي الله عنه. وصححه الألباني في صحيح الجامع (3621). وهو فيما يظهر حديث منفرد وليس رواية من روايات حديث الافتراق، كما يوهم كلام شيخ الإسلام رحمه الله.
(3) درء تعارض العقل والنقل (7/ 171 - 172)
(4) درء تعارض العقل والنقل (7/ 174).
(5) المصدر السابق (7/ 174)، انظر: مجموع الفتاوى (26/ 107).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)