Arabic source text

📘 আল মুনাজারাতুল আকিদিয়্যাহ লি শাইখিল ইসলাম ইবনে তাইমিয়্যাহ (হায়সাম আল-হামরি)

📘 المناظرات العقدية لشيخ الإسلام ابن تيمية (هيثم الحمري)

📘 আল মুনাজারাতুল আকিদিয়্যাহ লি শাইখিল ইসলাম ইবনে তাইমিয়্যাহ (হায়সাম আল-হামরি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
فيجوز أن يتحد بغيره(1).
هذه هي أهم الأوجه التي ذكرها رحمه الله، ثم إنه في الوجه الثاني عشر رد على شبهة يطرحها بعض النصارى للاحتجاج بها على إمكانية اتحاد اللاهوت بالناسوت، وهي تشبيههم اتحاد اللاهوت بالناسوت باتحاد الروح بالبدن.

‌‌نص المناظرة:
قال رحمه الله: «الوجه الثاني عشر: أنهم يشبهون اتحاد اللاهوت بالناسوت باتحاد الروح بالبدن، كما شبهوا هنا ظهوره فيه بظهور الروح في البدن، وحينئذ فمن المعلوم أن ما يصيب البدن من الآلام تتألم به الروح، وما تتألم به الروح يتألم به البدن، فيلزمهم أن يكون الناسوت لما صلب وتألم وتوجع الوجع الشديد، كان اللاهوت أيضا متألماً متوجعا»(2).
وبعد تقريره لهذا الأمر وجوابه على هذه الشبهة، أورد رحمه الله هذه المناظرة فقال:
«وقد خاطبت بهذا بعض النصارى
فقال لي: الروح بسيطة، أي لا يلحقها ألم.
فقلت له: فما تقول في أرواح الكفار بعد الموت، أمنعمة أو معذبة؟
فقال: هي في العذاب.
فقلت: فعلم أن الروح المفارقة تنعم وتعذب، فإذا شبهتم اللاهوت في الناسوت بالروح في البدن لزم أن تتألم إذا تألم الناسوت كما تتألم الروح إذا تألم البدن.
فاعترف هو وغيره بلزوم ذلك»(3).--------------------------------------------
(1) انظر: الجواب الصحيح (3/ 308 - 328).
(2) الجواب الصحيح (3/ 328).
(3) المصدر السابق (3/ 329).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)

‌‌المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في المناظرة:
مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة والجواب عليها:
دار النقاش في هذه المناظرة حول شبهة أخرى من شبه النصارى، وهي تشبيههم اتحاد اللاهوت بالناسوت باتحاد الروح في البدن، وستكون مناقشة هذه الشبهة من وجهين:

‌‌الوجه الأول: بيان أصل هذه الشبهة وسبب إيراد النصارى لها:
من المعلوم عند جميع العقلاء أن اتحاد شيئين مختلفين، وصيرورتهما شيئاً واحداً يلزم منه ولا محالة، تغير كل منهما عن ماهيته وتحوله عن حقيقته التي كان عليها، وهذا إيراد يرد على النصارى في عقيدتهم بالاتحاد؛ وذلك لأن من لازم قولهم بالاتحاد استحالة اللاهوت وتغيره عن حقيقته بعد اتحاده بالناسوت، وهم ينكرون هذا؛ لأنه يلزم منه بطلان قولهم، ويقولون بأنهما اتحدا من غير استحالة أو تغير أو تحول.
ثم أتوا بهذه الشبهة ليحتجوا بها على إمكانية حدوث ذلك عقلا فقالوا: إن الروح تختلط بالبدن ويكونا معاً إنساناً واحداً، أحدهما ملتحم بالآخر من غير أن تكون النفس تغيرت أو تحولت عن جوهرها أن تكون نفساً، ولا الجسد تغير، واستحال عن طبيعته. وبهذا يتضح سبب إيراد النصارى لهذه الشبهة، وتقريرهم لها(1).

‌‌الوجه الثاني: بيان بطلان هذه الشبهة والجواب عليها:
بين شيخ الإسلام رحمه الله بطلان هذه الشبهة، والرد على القائلين بها، من عدة أوجه، منها ما يلي:
أولاً: أن هذا القول معلوم الفساد بالضرورة فإن لا يوجد عاقل يقول: إن الجسد قبل وجود النفس فيه وبعد خروجها منه يبقى على صفة واحدة لا يتغير،--------------------------------------------
(1) انظر: الجواب الصحيح (4/ 358).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)

ولا تتحول صفاته؟(1).
ثانياً: أن الجسد بعد حلول الروح فيه ينتقل من حال الموت إلى حال الحياة وبعد خروجها منه ينتقل من حال الحياة إلى حال الموت، وأي تغير وتحول أعظم من انتقال الجسد من الموت إلى الحياة؟!(2)
ثالثاً: أن من المتقرر المعلوم عند كل أحد: أن النفس عند اتصالها بالبدن تلتذ بلذته، وتتنعم بنعيمه، كما تتألم بألمه وتتوجع بوجعه، فيلزم من تشبيههم اتحاد اللاهوت بالناسوت باتحاد الروح بالبدن، أن يكون اللاهوت قد تألم وتوجع وتضرر عندما صُلب الناسوت، وهذا لازم لهم لا محالة(3).
رابعاً: أن الروح عند اتصالها بالبدن تتغير وتتبدل صفاتها وأحوالها ويصير لها من الصفات والأفعال ما لم يكن بدون البدن، فيلزم على قولهم هذا: أن يكون الرب قد تغيرت أوصافه وأفعاله لما اختلط بالمسيح كما تتغير صفات النفس وأفعالها عند اتحادها بالبدن(4).
خامساً: أن الروح والبدن شريكان في الأعمال الصالحة والسيئة، ويشتركان في الأوامر والنواهي والثواب والعقاب، فما يفعله البدن هو في ذات الوقت فعل الروح، فالإنسان يصلي بروحه وبدنه ويصوم بروحه وبدنه، وأيضا ما تؤمر به الروح فهو أمر لها وللبدن وما تنهى عنه هو نهيٌ لها وللبدن.
فإن كان الرب مع الناسوت كالروح مع البدن فيلزم أن يكون الرب هو المأمور والمنهي بما يأمر به المسيح، ويكون الرب هو المصلي الصائم وبذلك تبطل مقولتهم التي يقرروها، وهي قولهم: «يخلق ويرزق بلاهوته ويأكل ويعبد بناسوته»(5).--------------------------------------------
(1) انظر: الجواب الصحيح (4/ 359).
(2) انظر: المصدر السابق (4/ 358).
(3) انظر: المصدر السابق (4/ 359).
(4) انظر: الجواب الصحيح (4/ 359).
(5) انظر: المصدر السابق (4/ 362).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)

سادساً: قال شيخ الإسلام رحمه الله: «بل أبلغ من ذلك، أن الجني إذا دخل في الإنسي وصرعه وتكلم على لسانه، فإن الإنسي يتغير، حتى يبقى الصوت والكلام الذي يسمع منه، ليس هو صوته وكلامه المعروف.
وإذا ضرب بدن الإنسي، فإن الجني يتألم بالضرب ويصيح ويصرخ، ويخرج من ألم الضرب، كما قد جرب الناس من ذلك ما لا يحصى، ونحن قد فعلنا من ذلك ما يطول وصفه.
فإذا كان الجني تتغير صفاته وأحواله لحلوله في الإنسي، فكيف بنفس الإنسان؟
وعندهم اتحاد اللاهوت بالناسوت أتم وأكمل من اتحاد النفس بالجسد.
فهل يقول عاقل -مع هذا الاتحاد-: إنهما جوهران، لكل منهما أفعال اختيارية، لا يشركه الآخر فيها.
ويقولون -مع قولهم بالاتحاد-: إن الذي كان يصلي ويصوم، ويدعو ويتضرع، ويتكلم ويتألم، ويضرب ويصلب، هو نظير البدن! والذي كان يأمر وينهى، ويخلق ويرزق، هو نظير النفس!»(1).
وبهذا يتبين فساد هذه الشبهة التي ذكروها لتمرير باطلهم، وتبرير ضلالهم، والاحتجاج على مذهبهم الفاسد.
* * *--------------------------------------------
(1) المصدر السابق (4/ 363).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)

‌‌المبحث الثالث: مناظرته مع ثلاثة من رهبان الصعيد في شركهم ومخالفتهم لدين إبراهيم والمسيح عليهما السلام: ويشتمل على مطلبين:
‌‌المطلب الأول: عرض المناظرة
‌‌تمهيد:
وقعت هذه المناظرة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو في حبس قاعة الترسيم(1)، وذلك في السجن الرابع الذي سجنه الشيخ رحمه الله، وكانت هذه المناظرة في آخر شهر شوال سنة سبع وسبعمائة إلى أول سنة ثمان وسبعمائة للهجرة النبوية. وذلك أنه لما اختار بعد السجنة الثالثة السفر إلى دمشق بشروط، ردوه من مثاني الطريق يوم ليلة سفره الثامن عشر من شهر شوال سنة سبع وسبعمائة للهجرة بمشورة نصر المنبجي الحلولي(2)، الذي له مكانة عند الوالي، فعُرض الشيخ على قضاة المالكية فاختلفوا، فلما رأى الشيخ ذلك قال: (أنا أمضي إلى الحبس وأتبع ما تقتضيه المصلحة)(3) فعكف عليه الناس زيارة وتعلماً واستفادة، وكان ممن دخل عليه ثلاثة من رهبان النصارى فحصلت بينه وبينهم هذه المناظرة(4).--------------------------------------------
(1) الترسيم نوع من الحبس. انظر: مجموع الفتاوى (35/ 399)، (15/ 136).
(2) سبق ترجمته.
(3) العقود الدرية (ص:287).
(4) انظر: المداخل إلى آثار شيخ الإسلام وما لحقها من أعمال (ص 35).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)

•‌‌ نص المناظرة:
قال تلميذ الشيخ إبراهيم بن أحمد الغياني(1) رحمه الله:
«ولما كان الشيخ في قاعة الترسيم دخل إلى عنده ثلاثة رهبان من الصعيد فناظرهم وأقام عليهم الحجة بأنهم كفار وما هم على الذي كان عليه إبراهيم والمسيح.
فقالوا له: نحن نعمل مثل ما تعملون: أنتم تقولون بالسيدة نفيسة(2) ونحن نقول بالسيدة مريم وقد أجمعنا نحن وأنتم على أن المسيح ومريم أفضل من الحسين ومن نفيسة وأنتم تستغيثون بالصالحين الذين قبلكم ونحن كذلك.
فقال لهم: وأي من فعل ذلك ففيه شبه منكم، وهذا ما هو دين إبراهيم الذي كان عليه، فإن الدين الذي كان عليه إبراهيم عليه السلام أن لا نعبد إلا الله وحده لا شريك له ولا ند له ولا صاحبة له ولا ولد له ولا نشرك معه ملكاً ولا شمساً ولا قمراً ولا كوكباً ولا نشرك معه نبياً من الأنبياء ولا صالحاً {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} [مريم:93].
وأن الأمور التي لا يقدر عليها غير الله لا تطلب من غيره مثل إنزال المطر، وإنبات النبات، وتفريج الكربات، والهدى من الضلالات، وغفران الذنوب؛ فإنه لا يقدر أحد من جميع الخلق على ذلك ولا يقدر عليه إلا الله.
والأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-نؤمن بهم ونعظمهم ونوقرهم ونتبعهم ونصدقهم في جميع ما جاءوا به ونطيعهم. كما قال نوح وصالح وهود وشعيب:--------------------------------------------
(1) سبق ترجمته (ص:65).
(2) هي نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب. تقية صالحة، عالمة بالتفسير والحديث. ولدت بمكة، ونشأت في المدينة، وتزوجت إسحاق المؤتمن بن جعفر الصادق. وانتقلت إلى القاهرة فتوفيت فيها، حجت ثلاثين حجة. وكانت تحفظ القرآن. وسمع منها العلماء. انظر: وفيات الأعيان (5/ 423) والسير (10/ 106) البداية والنهاية (10/ 286).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)

{أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} [نوح:3] فجعلوا العبادة والتقوى لله وحده، والطاعة لهم؛ فإن طاعتهم من طاعة الله، فلو كفر أحد بنبي من الأنبياء وآمن بالجميع ما ينفعه إيمانه حتى يؤمن بذلك النبي، وكذلك لو آمن بجميع الكتب وكفر بكتاب كان كافراً حتى يؤمن بذلك الكتاب، وكذلك الملائكة واليوم الآخر، فلما سمعوا ذلك منه قالوا: الدين الذي ذكرته خير من الدين الذي نحن وهؤلاء عليه، ثم انصرفوا من عنده»(1).

‌‌المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية في المناظرة.
حوت مناظرة شيخ الإسلام مع هؤلاء الرهبان مسائل عدة، وأهمها ما يلي:

‌‌المسألة الأولى: مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة:
بعد أن أوضح شيخ الإسلام لهؤلاء الرهبان خطأ ما يقومون به ويفعلونه من الشرك بالله وأقام لهم الحجج والبراهين على أن فعلهم هذا منافٍ للدين وأنه كفر برب العالمين، بقيت لديهم شبهة رأوها بأعينهم وجعلوها حجة عليه يحتجون بها على شركهم وباطلهم، فقالوا: «نحن نعمل مثل ما تعملون: أنتم تقولون بالسيدة نفيسة ونحن نقول بالسيدة مريم، وقد أجمعنا نحن وأنتم على أن المسيح ومريم أفضل من الحسين ومن نفيسة، وأنتم تستغيثون بالصالحين الذين قبلكم ونحن كذلك»(2).
وهذه الشبهة مناقشتها من وجهين اثنين:

‌‌الوجه الأول: أصل شبهتهم التي قامت عليه:
عند التمعن في شبهة القوم المذكورة يتضح للقارئ أنهم قد بنوا شبهتهم على مقدمتين ونتيجة:--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (1/ 170 - 171) وانظر: الجامع لسيرته (ص 89 - 90، 143).
(2) مجموع الفتاوى (1/ 370).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)

المقدمة الأولى: أن كثيراً من المسلمين يعظمون الصالحين ويغلون فيهم ويستغيثون بهم من دون الله.
المقدمة الثانية: أن ما يفعلونه ويقومون به من دين الإسلام.
النتيجة: لا يجوز الإنكار عليهم؛ لأنه لا فرق بين دين المسلمين ودين النصارى، فكلاهما يوجد فيهما تعظيم القبور والغلو في الصالحين والاستغاثة بهم.

‌‌الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:
بين شيخ الإسلام رحمه الله بطلان هذه الشبهة من وجهين:
أولاً: بين رحمه الله أن هذه الأعمال ليست من دين الإسلام، ولا من فعل المسلمين، وإنما يفعلها بعض الجهلة ممن ينتسب للإسلام اسماً، ويخالفه فعلاً، وهم في الحقيقة بفعلهم هذا إنما يتشبهون بكم أيها النصارى وبما تقومون به من شرك، وفي هذا التقرير إبطال للمقدمتين، وإذا بطلت المقدمات بطلت نتائجها.
ثانياً: بين رحمه الله في جوابه أن دين الأنبياء جميعاً، سواء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أو المسيح عيسى عليه السلام أو غيره من الأنبياء وعلى رأسهم إبراهيم عليه السلام هو عبادة الله وحده وعدم الإشراك به، وكلهم كانوا يدعون إلى هذا، وينهون عما تصنعونه من شرك وعبادة لغير الله.
فمع ما في هذه النقطة من إبطال لدعواهم أن هذه الأفعال من دين الإسلام، ففيها تنبيه لهم أيضاً أنهم مخالفون لما جاء به دينهم وما جاء به المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، وكذلك ما يفعله هؤلاء المنتسبون للإسلام، ليس هو الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، بل دين جميع الأنبياء عبادة الله وحده لا غير.
وبعد توضيح شيخ الإسلام لهذه الحقيقة أقر بها المخالفون، وعرفوا أن ما هم عليه مخالف في الحقيقة لدين الأنبياء جميعاً، ولذلك قالوا في آخر المناظرة: «الدين الذي ذكرته خير من الدين الذي نحن وهؤلاء عليه»(1).--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (1/ 371).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)

‌‌المسألة الثانية: الأثر السلبي المترتب على انحراف كثير من المنتسبين للإسلام في باب التوحيد:
لا شك أن لانحراف كثير من المنتسبين للإسلام في باب التوحيد أثراً سلبياً كبيراً، وأوضح مثال على ذلك، هو ما احتج به هؤلاء الرهبان في مناظرتهم لتصحيح ما هم عليه من شرك فإنهم احتجوا بما يفعله هؤلاء الجهلة المنتسبون للإسلام عند قبر السيدة نفيسة وما يعتقدونه فيها.
وذلك أن كثيراً ممن ينتسبون للإسلام قد غلوا فيها غلواً عظيماً تجاوز الحد، ورفعوها إلى مقام الربوبية والألوهية، وقاموا بصرف أنواع العبادات لها؛ حتى إنهم يسجدون لها، ويدعونها من دون الله ويقدمون النذر والقرابين لها ويطوفون حول قبرها، ويتبركون به، ويصرفون أنواع العبادات العملية المختلفة لها، مع صرفهم قبل هذا للعبادات القلبية: من خوف، ورجاء، ومحبة، وخشية، ورغبة، ورهبة لها، ويعتقدون أن الدعاء متقبل عند قبرها، وأنه موضع إجابة للدعاء، ومن صور الغلو فيها أنهم بنوا ضريحاً وقبة على قبرها، وخصصوا زيارات موسمية لهذا الضريح تبركاً واستشفاء به، وأقاموا الحفلات والموالد والأعياد البدعية عند مقامها الشهير هناك.
وقد قال ابن كثير رحمه الله في وصف ما حدث من كثير من المنتسبين للإسلام من غلو في قبر هذه المرأة: «وإلى الآن قد بالغ العامة في اعتقادهم فيها وفي غيرها كثيراً جداً، ولا سيما عوام مصر، فإنهم يطلقون فيها عبارات بشيعة مجازفة تؤدي إلى الكفر والشرك، وألفاظا كثيرة ينبغي أن يعرفوا أنها لا تجوز»(1).
وقال الذهبي رحمه الله: «ولجهلة المصريين فيها اعتقاد يتجاوز الوصف، ولا يجوز مما فيه من الشرك، ويسجدون لها، ويلتمسون منها المغفرة، وكان ذلك من دسائس دعاة العبيدية»(2).--------------------------------------------
(1) البداية والنهاية (10/ 186).
(2) سير أعلام النبلاء (10/ 106).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)

وقال الصفدي رحمه الله: «وللمصريين فيها اعتقاد عظيم»(1).
والآثار السلبية المترتبة على مثل هذه الأفعال كثيرة جداً، وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله جملة منها:
أولاً: أن هذه الأفعال ونحوها تكون حجة للنصارى وغيرهم من المشركين للبقاء على وثنياتهم والاستمرار في شركهم الذي هم عليه، ومحاجة المسلمين بذلك، كما وقع في هذه المناظرة وغيرها، مثل ما حكاه شيخ الإسلام عن بعض النصارى فقال: «وكان بعض النصارى يقول لبعض المسلمين: لنا سيد وسيدة، ولكم سيد وسيدة، لنا السيد المسيح والسيدة المريم، ولكم السيد حسين والسيدة نفيسة»(2).
ثانياً: أن هذه الأفعال تُفرح المشركين والنصارى؛ لأنها توافق ما عندهم قال شيخ الإسلام رحمه الله: «فالنصارى يفرحون بما يفعله أهل البدع والجهل من المسلمين مما يوافق دينهم ويشابهونهم فيه، ويحبون أن يقوى ذلك ويكثر، ويحبون أن يجعلوا رهبانهم مثل عباد المسلمين وقسيسيهم مثل قضاة المسلمين»(3).
ثالثاً: أن في هذه الأفعال تقوية لدين المشركين. قال شيخ الإسلام-رحمه الله: «والمقصود هنا: أن النصارى يحبون أن يكون في المسلمين ما يشابهونهم به ليقوي بذلك دينهم، ولئلا ينفر المسلمون من دينهم»(4).
رابعاً: أن في هذه الأفعال تحقيقًا لمطلب هؤلاء النصارى وغيرهم من أهل الشرك، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وقد حصل للنصارى من الجهال كثير من--------------------------------------------
(1) الوافي بالوفيات (27/ 101).
(2) مجموع الفتاوى (27/ 462).
(3) المصدر السابق (27/ 462).
(4) المصدر السابق (27/ 464).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)

مطلوبهم، لا سيما من الغلاة من الشيعة، وجهال النساك والغلاة في المشايخ، فإن فيهم شبهاً قوياً بالنصارى في الغلو، والبدع في العبادات ونحو ذلك»(1).
خامساً: أن في أفعالهم هذه صداً للناس عن دخول الإسلام واعتناقه، قال ابن القيم رحمه الله: «ولقد دعونا نحن وغيرنا كثيراً من أهل الكتاب إلى الإسلام، فأخبروا أن المانع لهم ما يرون عليه المنتسبين إلى الإسلام، ممن يعظّمهم الجهال من البدع والظلم والفجور والمكر والاحتيال، ونسبة ذلك إلى الشرع، ولمن جاء به، فساء ظنهم بالشرع وبمن جاء به، فالله طليب قطّاع طريق الله وحسيبهم»(2).

‌‌المسألة الثالثة: مخالفة النصارى لدين المسيح عليه السلام-:
إن ما عليه دين النصارى اليوم من غلو وبدع وشرك هو بلا شك ليس دين المسيح عليه السلام الذي بعثه الله به، بل هو مناقض له مخالف له ولدينه، وذلك ناتج عن انحراف النصارى وتبديلهم للدين، قال شيخ الإسلام رحمه الله في بيان انحرافهم عن دين عيسى عليه السلام: «وكان المسيح عليه السلام بعث بدين الله الذي بعث به الأنبياء قبله، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، والنهي عن عبادة كل ما سواه، وأحل لهم بعض ما حرم الله في التوراة، فنسخ بعض شرع التوراة، وكان الروم واليونان وغيرهم مشركين يعبدون الهياكل العلوية والأصنام الأرضية، فبعث المسيح عليه السلام رسله يدعونهم إلى دين الله تعالى، فذهب بعضهم في حياته في الأرض، وبعضهم بعد رفعه إلى السماء، فدعوهم إلى دين الله تعالى، فدخل من دخل في دين الله، وأقاموا على ذلك مدة ثم زين الشيطان لمن زين له أن يغير دين المسيح فابتدعوا دينا مركباً من دين الله ورسله: دين المسيح عليه السلام، ومن دين المشركين.
وكان المشركون يعبدون الأصنام المجسدة التي لها ظل، وهذا كان دين الروم--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (27/ 464).
(2) إغاثة اللهفان (2/ 416).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)

واليونان، وهو دين الفلاسفة أهل مقدونية(1) وأثينة(2) كأرسطو(3) وأمثاله من الفلاسفة المشائين(4) وغيرهم … فلما ظهر دين المسيح عليه السلام بعد أرسطو بنحو ثلاثمائة سنة في بلاد الروم واليونان، كانوا على التوحيد إلى أن ظهرت فيهم البدع، فصوروا الصور المرقومة في الحيطان، جعلوا هذه الصور عوضاً عن تلك الصور.
وكان أولئك يسجدون للشمس والقمر والكواكب، فصار هؤلاء يسجدون إليها إلى جهة الشرق التي تظهر منها الشمس والقمر والكواكب، وجعلوا السجود إليها بدلا عن السجود لها … وكان من أعظم أسباب عبادة الأصنام تصوير الصور وتعظيم القبور»(5).--------------------------------------------
(1) مقدونية من بلاد الروم القديمة تسمى مَدِينَة حكماء اليونان، تقع ما بين البحر الرّوميّ وخليج القسطنطينيّة، ومنها ابتداء ملك اليونان، وهي متصلة ببحر الروم بناها أحد ملوكهم يدعى "فيلبوس" بعد أن هدم مدينة أغريقيّة، وكان محبّا للحكمة فأكثر من الحكماء في دولته، قال شيخ الإسلام: «وهي جزيرة هؤلاء الفلاسفة اليونانيين الذين يسمون المشائين وهي اليوم خراب أو غمرها الماء». انظر: مجموع الفتاوى (17/ 332) تاريخ ابن الوردي (1/ 50) تاريخ ابن خلدون (1/ 93) صبح الأعشى (3/ 476).
(2) عاصمة اليونان وهي من أقدم مدن العالم؛ إذ أُسست فى أثناء حكم "ميكروبس" منذ عام (1582 ق. م)، واشتهرت بعلومها وفنونها وآدابها، وارتبطت بها أسماء كثير من الفلاسفة والأدباء، أمثال: سقراط وأفلاطون وأرسطو طاليس، وغيرهم. انظر: قصة الحضارة (6/ 183) والموسوعة الحرة (ويكبيديا) http://cutt.us/WgUS.
(3) أرسطو: فيلسوف إغريقي، الملقب بـ (المعلم الأول)، ويُسمى (أرسطوطاليس)، ومعناه: محب الحكمة، وقيل: محبة الفضيلة، أستاذ الإسكندر المقدوني وتلميذ أفلاطون، كان بارعاً في الطب لكن غلب عليه علم الفلسفة، أول من قال بقدم العالم، وكان مشركاً يعبد الأوثان، من مؤلفاته: (ما بعد الطبيعة) - يُعرف بـ (الإلهيات) و (الحروف) (ت: 322 ق. م). انظر: قصة الحضارة (7/ 492) عيون الأنباء (ص 86).
(4) نسبة إلى مدرسة أرسطو المشائية؛ حيث ذكروا أن أرسطو كان يعلم تلاميذه ماشيًا. انظر: المعجم الفلسفي لجميل صليبا (2/ 373)، ودرء تعارض العقل والنقل (1/ 157).
(5) الجواب الصحيح (1/ 344).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)

وبين شيخ الإسلام رحمه الله أن الذي تقوم به النصارى الآن هو أصل عبادة الأوثان التي كان عليها الوثنيون وهذا باعتراف علمائهم، قال رحمه الله: «فالذي تفعله النصارى أصل عبادة الأوثان، وهكذا قال عالمهم الكبير -الذي يسمونه فم الذهب(1) وهو من أكبر علمائهم- لما ذكر تولد الذنوب الكبار عن الصغار. قال: وهكذا هجمت عبادة الأصنام فيما سلف، لما أكرم الناس أشخاصاً يعظم بعضهم بعضاً فوق المقدار الذي ينبغي، الأحياء منهم والأموات»(2).

‌‌المسألة الرابعة: دين المسيح عليه السلام ودين جميع الأنبياء واحد:
وضح شيخ الإسلام في هذه المناظرة أن دين المسيح عليه السلام هو دين جميع الأنبياء عليهم السلام وعلى رأسهم إبراهيم عليه السلام فكلهم جاءوا بالتوحيد والنهي عن الشرك والتحذير من طرقه ووسائله المفضية إليه، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «ولم يأمر أحد من الأنبياء باتخاذ الصور والاستشفاع بأصحابها، ولا بالسجود إلى الشمس والقمر والكواكب، وإن كان يذكر عن بعض الأنبياء تصوير صورة لمصلحة، فإن هذا من الأمور التي قد تتنوع فيها الشرائع بخلاف السجود لها والاستشفاع بأصحابها، فإن هذا لم يشرعه نبي من الأنبياء، ولا أمر قط أحد من الأنبياء أن يدعى غير الله عز وجل لا عند قبره، ولا في مغيبه، ولا يشفع به في مغيبه بعد موته، بخلاف الاستشفاع بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته ويوم القيامة، وبالتوسل به بدعائه، والإيمان به، فهذا من شرع الأنبياء عليهم السلام، ولهذا قال تعالى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزُّخرُف:45]، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:25]، وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا--------------------------------------------
(1) هو القديس يوحنا بطريق القسطنطنية، قام بإصلاحات في الكنيسة، فعُزل من الإمبراطورية وأوذي، ولقب بفم الذهب لبلاغته. (ت:407 هـ). انظر: الفصل في الملل (2/ 61) تاريخ مختصر الدول (1/ 84).
(2) الجواب الصحيح (1/ 358).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)

الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ} [النحل:36]، وقال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (18)} [يونس:18]، وقال تعالى: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (2) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (3)} [الزُّمَر:1 - 3]»(1).--------------------------------------------
(1) الجواب الصحيح (1/ 350 - 351، 376). وانظر: التدمرية (168)، اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 826)، مجموع الفتاوى (1/ 18)، (10/ 36).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)

‌‌المبحث الرابع: مناظرته مع بعض معظمي رهبان النصارى في دينهم وشركهم وعكوفهم على التماثيل والقبور وعبادتها، وفيه مطلبان:
‌‌المطلب الأول: عرض المناظرة:
•‌‌ تمهيد:
أورد شيخ الإسلام رحمه الله هذه المناظرة في أثناء جوابه لسؤال ورد إليه عن المشهد المنسوب إلى الحسين رضي الله عنه بمدينة القاهرة هل تصح نسبته إليه أم لا؟
فأطال شيخ الإسلام رحمه الله في الجواب وذكر -ما محصله- أن هذا المشهد كذب مختلق بلا نزاع بين العلماء، وأن هذا المشهد لم يُبْنَ إلا في عام بضع وأربعين وخمسمائة، وإنما نقل من مشهد بعسقلان(1)، وأن ذلك المشهد الذي بعسقلان هو نفسه إنما أحدث بعد التسعين والأربعمائة، فهو إنما أحدث بعد قتل الحسين رضي الله عنه بأكثر من أربعمائة وثلاثين سنة.--------------------------------------------
(1) عَسْقَلانُ: مدينة بالشام من أعمال فلسطين على ساحل البحر ويقال لها عروس الشام، وقد نزلها جماعة من الصحابة والتابعين وحدّث بها خلق كثير، وهي اليوم تحت الاحتلال الصهيوني ويشكل اليهود السواد الأعظم من سكان المدينة، بعد تهجير أهلها العرب. انظر: معجم البلدان (4/ 122) المعالمم الأثيرة (192).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 164)

ثم بين رحمه الله أن هذا المشهد العسقلاني قد ذكر طائفة أنه قبر بعض الحواريين أو غيرهم من أتباع عيسى بن مريم عليه السلام وذكر بعض المشهورين بالعلم أن قبر الحسين الموجود في القاهرة إنما هو قبر نصراني.
ثم أوضح رحمه الله أن ما ذكر من هذه الأمور غير مستبعد؛ وذلك لأن اليهود والنصارى معروفون بتعظيم القبور وتشييدها والغلو فيها، فلا يستبعد أنهم لبَّسوا على بعض جهال المسلمين أن هذا القبر قبر بعض من يعظمه المسلمون ليوافقوهم على تعظيمه، وأكد شيخ الإسلام هذا الأمر بعدة شواهد ضربها على ذلك.
ثم ذكر رحمه الله أن الذين يعظمون القبور والمشاهد ممن ينتسبون إلى الإسلام فيهم شبه شديد بالنصارى، ثم ضرب مثالاً على هذا في هذه المناظرة التي وقعت مع بعض رهبان النصارى(1).

•‌‌ نص المناظرة:
قال رحمه الله: «والذين يعظمون القبور والمشاهد: لهم شبهٌ شديد بالنصارى حتى إني لما قدمت القاهرة اجتمع بي بعض معظميهم من الرهبان، وناظرني في المسيح ودين النصارى، حتى بينت له فساد ذلك وأجبته عما يدعيه من الحجة.
وبلغني بعد ذلك أنه صنف كتاباً في الرد على المسلمين، وإبطال نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وأحضره إلي بعض المسلمين، وجعل يقرأه علي لأجيب عن حجج النصارى وأبين فسادها.
وكان من أواخر ما خاطبت به النصراني: أن قلت له: أنتم مشركون، وبينت من شركهم ما هم عليه من العكوف على التماثيل والقبور وعبادتها والاستغاثة بها.
قال لي: نحن ما نشرك بهم ولا نعبدهم وإنما نتوسل بهم كما يفعل المسلمون إذا جاءوا إلى قبر الرجل الصالح فيتعلقون بالشباك الذي عليه ونحو ذلك.
فقلت له: وهذا أيضًا من الشرك ليس هذا من دين المسلمين وإن فَعلَهُ الجهال.--------------------------------------------
(1) انظر: مجموع الفتاوى (27/ 455 - 461).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 165)

فأقر أنه شرك.
حتى إن قسيساً كان حاضراً في هذه المسألة، فلما سمعها قال: نعم على هذا التقدير نحن مشركون»(1).

‌‌المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة:
من سياق المناظرة يظهر أنها كانت مناظرة طويلة بين شيخ الإسلام وهذا الراهب النصراني، حيث ذكر رحمه الله أنه ناظره في المسيح عليه السلام ودين النصارى عموماً، ولم يخصص رحمه الله موضوعاً معيناً؛ فدل على طولها وكثرة المباحث التي عرضت فيها.
وكان من آخر ما خاطبه به أن النصارى في حقيقة أمرهم مشركون، وبين له شيئاً من مظاهر الشرك التي وقع فيها القوم وذلك: كالعكوف على التماثيل والقبور، وعبادتها، والاستغاثة بها من دون الله.

•‌‌ مناقشة الشبهة التي احتج بها هؤلاء الرهبان:
كانت حجة الراهب على تسويغ ما يفعلونه من شرك أمرين اثنين:
أولهما: أن ما يفعلونه ليس شركاً ولا عبادة لغير الله، وإنما هو من باب التوسل.
وثانيهما: أن ما يفعلونه هو في الحقيقة كفعل المسلمين عند قبور الصالحين.
قال شيخ الإسلام رحمه الله في رده عليهم: «فقلت لهم: وهذا أيضا من الشرك ليس هذا من دين المسلمين وإن فعله الجهال»(2).
فبين رحمه الله أن فعل الجهال ممن ينتسب للإسلام لهذه الأمور لا يعني كونها من دين الإسلام، بل هي شرك مخالف للدين، ونبه بقوله: (جهال) إلى أنهم: جاهلون بحقيقة الإسلام؛ لأن من عرف الإسلام حق المعرفة عرف أن مثل هذه الأفعال--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (27/ 461).
(2) مجموع الفتاوى (27/ 462).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 166)

مضادة للدين من كل وجه ومناقضة لأصله الذي قام عليه.
وقد تم في المناظرة السابقة تفصيل القول حول هذه الشبهة وذكر ما يتعلق بها(1)، وأما هنا فيحسن بنا أن نقف مع الشبهة الأخرى ونفصل القول فيها وذلك من وجهين:

‌‌الوجه الأول: بيان أصل هذه الشبهة عند القائلين بها:
حقيقة هذه الشبهة التي احتج بها هؤلاء الرهبان هي: أن ما يقومون به من شرك واستغاثة بغير الله وصرف شتى أنواع العبادات لغيره إنما هو من باب التوسل ليس إلا.
وهذه الشبهة هي شبهة مشتركة بين هؤلاء النصارى وبين عباد القبور من الرافضة والمتصوفة وغيرهم ممن ينتسب إلى الإسلام والملة.
وقد احتج البكري(2) في رده على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بهذه الحجة أيضاً وقرر مثل هذا التقرير كما بين ذلك شيخ الإسلام في رده عليه(3).
وقد بين شيخ الإسلام رحمه الله أصل هذه الشبهة في هذا الباب فقال في أثناء رده على البكري الذي احتج بهذه الحجة: «وهو-أي البكري- ظن أن الباب في التوسل كالباب في الاستغاثة وليس كذلك»(4). وقال أيضاً: «فدخل عليه الخطأ من وجوه، منها أنه جعل المُتوسِل به بعد موته--------------------------------------------
(1) راجع (ص:157) فما بعدها.
(2) هو أبو الحسن علي بن يعقوب بن جبريل البكري المصري الشافعي، له كتاب في " البيان " وآخر في " تفسير الفاتحة "وله تصانيف في النيل من شيخ الإسلام ابن تيمية، وصدق فيه ابن كثير عندما قال: «كان البكري في جملة من ينكر على شيخ الإسلام ابن تيمية، وما مثاله إلا مثال ساقية ضعيفة كدرة لاطمت بحراً عظيماً صافياً!» (ت:742 هـ). انظر: البداية والنهاية (14/ 114 - 115) الوافي بالوفيات (22/ 205).
(3) انظر: الرد على البكري (1/ 182).
(4) المصدر السابق (2/ 498).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 167)

في الدعاء مستغيثاً به»(1).
فبين رحمه الله أن أصل هذه الشبهة عندهم هو عدم التفريق بين التوسل وبين الدعاء والاستغاثة، فهما عندهم بمعنى واحد لا فرق بينهما.
بل نستطيع التعبير عن حقيقة مذهبهم بصورة أوضح وذلك بأن نقول: إنهم يجعلون عبادة غير الله والشرك به بمعنى التوسل.
وقد اتضح من كلام هذا النصراني هذا الأمر حيث سمى ما يقعون فيه من شرك وعكوف على التماثيل والقبور وعبادتها والاستغاثة بها، سماه توسلاً ليس إلا.
ولنستعرض أيضاً كلام بعض القبوريين في هذه الشبهة بعينها، ليتضح الأمر ويزول الإشكال، ويظهر بوضوح سبب غلطهم في هذا الباب العظيم ووجه تلبيس الشيطان عليهم.
قال أحمد زيني دحلان(2): «فالتوسل والتشفع والاستغاثة كلها بمعنى واحد، وليس لها في قلوب المؤمنين معنى إلا التبرك بذكر أحباء الله تعالى»(3).
وقد قرر هذا قبله جمع منهم تقي الدين السبكي(4) فقال: «فلا فرق بين أن يعبر بلفظ الاستغاثة، أو التوسل، أو التشفع، أو التجوه، أو التوجه .. »(5).--------------------------------------------
(1) المصدر السابق (2/ 478).
(2) هو أحمد زيني دحلان المكي الشافعي، ممن ناصب العداء لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، وله مصنفات منها: الدرر السنية في الرد على الوهابية وغيرها، توفي سنة: 1304 هـ. انظر: هدية العارفين (1/ 191) والأعلام للزركلي (1/ 129) ومعجم المؤلفين (1/ 229).
(3) الدرر السنية في الرد على الوهابية (ص:38).
(4) هو أبو الحسن تقي الدين على بن عبد الكافي السبكي الشافعي، له مصنفات منها: الفتاوى الكبرى، والابتهاج في شرح المنهاج، شفاء السقام، وكان ممن ناصب العداء لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، توفي سنة: 756 هـ. انظر: الدرر الكامنة (1/ 365)، والبدر الطالع (1/ 446).
(5) شفاء السقام (ص: 363).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 168)

وتبعه في تقرير هذا القول السمهودي(1) والقسطلاني شارح البخاري(2)، والهيتمي(3)،
والزرقاني(4)، وابن جرجيس(5)، والنبهاني(6) وغيرهم.
وقال محمد بن عبد الوهاب بن داود الهمداني(7) مقرراً ذلك: «لا فرق أن يعبر--------------------------------------------
(1) هو أبو الحسن نور الدين علي بن عبد الله السمهودي الشافعي، له مصنفات منها: حاشية على إيضاح النووي، وجواهر العقدين في فضل الشرفين، توفي سنة: 911 هـ. انظر: البدر الطالع (1/ 449)، والنور السافر (ص 54 - 57)، الأعلام للزركلي (8/ 52).
(2) هو أبو العباس شهاب الدين أحمد بن محمد بن أبى بكر بن عبد الملك القسطلاني القتيبي المصري، له مصنفات منها: إرشاد الساري شرح البخاري، لطائف الاشارات في علم القراءت، قال عنه الألوسي: (كان من غلاة القبورية)، توفي سنة: 923 هـ. انظر: البدر الطالع (1/ 95)، والأعلام للزركلي (1/ 232)، غاية الأماني (2/ 14).
(3) هو أبو العباس شهاب الدين أحمد بن محمد بن حجر الهيتمي الشافعي، له مصنفات منها: الصواعق المحرقة على أهل الرفض والزندقة، الزواجر عن اقتراف الكبائر، وغيرها، ناصب العداء لشيخ الإسلام ابن تيمية وصنف في نصرة مذهب القبورية "الجوهر المنظم في زيارة القبر المعظم"، توفي سنة: 974 هـ. انظر: النور السافر (1/ 258)، وخلاصة الأثر (2/ 166).
(4) هو أبو عبد الله محمد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني المصري الأزهري المالكي، له عدة مصنفات منها: شرح الموطأ، ومختصر المقاصد، (ت:1122 هـ). انظر: سلك الدرر (2/ 83)، والأعلام للزركلي (6/ 184).
(5) هو داود بن سليمان البغدادي النقشبندي الخالدي الحنفي، المعروف بابن جرجيس، من أكبر الدعاة إلى الوثنية وعبادة القبور، وله مصنفات منها: صلح الإخوان (ت:1299 هـ). انظر: الأعلام للزركلي (2/ 332)، ومعجم المؤلفين (4/ 136 - 137)، هدية العارفين (1/ 363).
(6) هو يوسف بن إسماعيل بن يوسف النبهاني، كان شاعراً وأديباً قاضياً، عُرف بغلوه بالأموات، من مصنفاته: المواهب المحمدية، والمجموعة النبهانية، شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق، وكان شديد التحامل على شيخ الإسلام ابن تيمية وابن عبد الوهاب في كثير من كتاباته وقصائده، (ت:1350 هـ). انظر: الأعلام للزركلي (8/ 218)، ومعجم المؤلفين (13/ 275 - 276).
(7) هو محمد بن عبد الوهاب بن داود الهمداني الكاظمي، إمامي قبوري من كاظمة بالعراق، من مصنفاته: إزهاق الباطل في رد شبه الفرقة الوهابية، توفي سنة:1305 هـ. انظر: الأعلام للزركلي (6/ 258) ومعجم المؤلفين (10/ 298).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 169)