ولهذا ليس في كتاب الله آية واحدة يمدح فيها أحداً بنسبه، ولا يذم أحداً بنسبه، وإنما يمدح الإيمان والتقوى ويذم بالكفر والفسوق والعصيان. وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح، أنه قال: (أربع من أمر الجاهلية في أمتي لن يدعوهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والنياحة، والاستسقاء بالنجوم)(1)»(2).
رابعاً: أن فضيلة النسب إنما هي فضيلة باعتبار الجنس والنوع لا باعتبار الأشخاص والأفراد، فيقال إنَّ جنس العرب أفضل من جنس العجم، وإن جنس الرجال أفضل من جنس النساء، ولكن قد يوجد من النَساء من هي أفضل من ألوف الرجال كمريم وفاطمة وعائشة، وقد يوَجد من العجم ما هوَ أفضلُ من ألوف العرب كصهيب الرومي وسلمان الفارسي وبلال الحبشي وغيرهم؛ فإنَ كل واحدٍ منهم أفضلُ من آلافٍ من العرب بل أفضلُ من آلافٍ من قريش وبني العباس والأشراف، وهذا باعتبار الأفراد والأشخاص، فشرف النسب إنما هو فضيلة بالنوع، والفضيلة بالنوع لا تستلزم أن يكون صاحبها أفضل مطلقاً(3).
قال شيخ الإسلام رحمه الله: «الفضيلة بالنسب فضيلة جملة، وفضيلة لأجل المظنة والسبب، والفضيلة بالإيمان والتقوى فضيلة تعيين وتحقيق وغاية، فالأول يفضل به؛ لأنه سبب وعلامة، ولأن الجملة أفضل من جملة تساويها في العدد.
والثاني: يفضل به؛ لأنه الحقيقة والغاية، ولأن كل من كان أتقى لله كان أكرم عند الله، والثواب من الله يقع على هذا، لأن الحقيقة قد وجدت، فلم يعلق الحكم بالمظنة، ولأن الله تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه، فلا يستدل بالأسباب والعلامات»(4).--------------------------------------------
(1) رواه مسلم باب: التشديد في النياحة. برقم (934).
(2) الفتاوى الكبرى (1/ 172)، مجموع الفتاوى (35/ 230)، وانظر: مجموع الفتاوى (11/ 125).
(3) انظر: مسبوك الذهب في فضل العرب وشرف العلم على شرف النسب (ص: 35).
(4) منهاج السنة (4/ 603 - 604).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 191)
وقال رحمه الله: «فالفضيلة بنوع لا تستلزم أن يكون صاحبها أفضل مطلقاً. ولهذا كان في الأغنياء من هو أفضل من جمهور الفقراء، وفي الفقراء من هو أفضل من جمهور الأغنياء; فإبراهيم وداود وسليمان ويوسف وأمثالهم أفضل من أكثر الفقراء، ويحيى وعيسى ونحوهما أفضل من أكثر الأغنياء.
فالاعتبار العام هو التقوى، كما قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحُجُرات:13]، فكل من كان أتقى كان أفضل مطلقاً، وإذا تساوى اثنان في التقوى استويا في الفضل، سواء كانا -أو أحدهما- غنيين أو فقيرين، أو أحدهما غنياً، والآخر فقيراً، وسواء كانا -أو أحدهما- عربيين أو أعجميين، أو قرشيين أو هاشميين، أو كان أحدهما من صنف والآخر من صنف آخر. وإن قدر أن أحدهما له من سبب الفضيلة ومظنتها ما ليس للآخر، فإذا كان ذاك قد أتى بحقيقة الفضيلة كان أفضل ممن لم يأت بحقيقتها، وإن كان أقدر على الإتيان بها، فالعالم خير من الجاهل، وإن كان الجاهل أقدر على تحصيل العلم، والبر أفضل من الفاجر، وإن كان الفاجر أقدر على البر، والمؤمن الضعيف خير من الكافر القوي، وإن كان ذاك يقدر على الإيمان أكثر من المؤمن القوي. وبهذا تزول شبه كثيرة تعرض في مثل هذه الأمور»(1).
* * *--------------------------------------------
(1) المصدر السابق (4/ 607 - 608).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 192)
الفصل الثالث:
مناظرته مع بعض المنجمين في فساد صناعتهم بالأدلة العقلية التي يعترفون بها.
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: عرض المناظرة.
المبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 193)
المبحث الأول: عرض المناظرة:
تمهيد:
هذه المناظرة أوردها شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في معرض جوابه على سؤال ورد إليه عن الكواكب وتأثيرها في الوجود وعلاقتها بسعادة بني آدم وشقاوتهم، وبعض الشبه التي يوردها من يعتقد فيها ذلك.
فذكر رحمه الله في جوابه أن النجوم آية من آيات الله التي سخرها لعباده وجعل فيها أنواعاً من المنافع، وذكر أن حركة الكواكب قد تكون تخويفاً من الله لعباده كما يحصل في الكسوف والخسوف وأن الواجب عند ذلك فعل أسباب الخير من الأعمال الصالحة التي يدفع الله بها البلاء عن الناس، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم باللجوء إلى الصلاة عند الكسوف والخسوف.
وبين رحمه الله حكم السحر، وأنه محرم بالكتاب والسنة والإجماع، وأن السحر في الحقيقة لا ينفع صاحبه وإنما يكون سبباً لفساد دنياه وآخرته.
ثم بين رحمه الله أن أحكام المنجمين(1) مبنية على الظن والتخمين والتخرصات،--------------------------------------------
(1) التنجيم (لغة): مأخوذ من النجم وهو الكوكب، وهو اسم على الثريا. والمنجم والمتنجم: الذي ينظر في النجوم بحسب مواقيتها. انظر: العين (6/ 1514) وجمهرة اللغة (2/ 115)، لسان العرب (12/ 570).
والتنجيم (اصطلاحاً) عرفه شيخ الإسلام بأنه: «الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية، والتمزيج بين القوى الفلكية، والقوابل الأرضية كما يزعمون» مجموع الفتاوى (35/ 192).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 195)
وأن الكذب في أخبار المنجمين أضعاف أضعاف ما فيها من الصدق.
ثم ذكر رحمه الله هذه المناظرة كشاهد على ما ذكره من كذب المنجمين وفساد صنعتهم(1).
نص المناظرة:
قال شيخ الإسلام: «وأخبر أن الله إذا قضى بالأمر ضربت الملائكة بأجنحتها خَضَعَاناً لقوله، كأنه سلسلة على صفوان حتى إذا فزع عن قلوبهم، قالوا ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، وأن كل أهل سماء يخبرون أهل السماء التي تليهم حتى ينتهي الخبر إلى سماء الدنيا، وهناك مسترقة السمع بعضهم فوق بعض، فربما سمع الكلمة قبل أن يدركه الشهاب، بعد أن يلقيها، قال صلى الله عليه وسلم: (فلو أتوا بالأمر على وجهه ولكن يزيدون في الكلمة مائة كذبة)(2)، وهكذا المنجمون، حتى إني لما خاطبتهم بدمشق وحضر عندي رؤساؤهم، وبينت فساد صناعتهم بالأدلة العقلية التي يعترفون بصحتها، قال لي رئيس منهم: والله إنا نكذب مائة كذبة حتى نصدق في كلمة»(3).
وجاء في مختصر الفتاوى المصرية: «ولما ناظرت بدمشق من حضرني من رؤسائهم وبينت له فساد صناعتهم بالأدلة قال: والله إنا لنكذب مائة كذبة حتى نصدق في واحدة.
وذلك أن مبني علمهم على أن الحركات العلوية هي السبب في الحوادث والعلم بالسبب يوجب العلم بالمسبب، وهذا إنما يكون إذا علم السبب التام، وهؤلاء أكثر ما يعلمون -إن علموا- جزءاً يسيراً من جملة الأسباب الكثيرة»(4).--------------------------------------------
(1) انظر: مجموع الفتاوى (35/ 166 - 172).
(2) رواه البخاري كتاب: تفسير القرآن. باب: قوله تعالى: {إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (18)} [الحِجر:18] برقم (4701)
(3) مجموع الفتاوى (35/ 172)، الفتاوى الكبرى (1/ 62).
(4) مختصر الفتاوى المصرية (ص: 151).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 196)
المبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة:
المسألة الأولى: مناقشة أصل الشبهة عند المنجمين، وذلك من وجهين اثنين:
الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:
بين شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في هذه المناظرة كذب المنجمين وفساد صناعتهم، وأقام الحجة عليهم بذلك، وبين أصل انحرافهم واغترارهم بصناعتهم، "وذلك أن مبنى علمهم على أن الحركات العلوية هي السبب في الحوادث، والعلم بالسبب يوجب العلم بالمُسبَب"(1)؛ فلما اعتقدوا أن حركات النجوم والكواكب العلوية هي السبب في ما يقع من حوادث أرضية، وأنها مستقلة بالتأثير، ظنوا أن الاشتغال بتعلم حركات الكواكب وحساب النجوم يعرف من خلاله ما سيحدث ويقع في مستقبل الأيام والشهور من حوادث ووقائع تحدث لبني آدم.
الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:
قد دل العقل والنقل على فساد هذه الشبهة وبطلان هذه الصنعة، أما الأدلة النقلية فكل حديث دل على كذب المنجمين ودجلهم، والوعيد لمن ذهب إليهم أو صدقهم، فهو دليل على فساد صنعتهم وسوء مذهبهم وبطلان طريقتهم، وكل نص--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (35/ 173).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 197)
في القرآن أو في السنة يدل على انفراد الله بالتدبير والخلق ففيه رد على هؤلاء وبرهان على فساد صنعتهم، وكذلك كل آية تدل على انفراده سبحانه بعلم الغيب فهي دليل على هذا أيضاً، وكذلك كل نص دل على أن الكواكب مسخرة بأمر الله وتقديره فهي أيضاً رد عليهم.
ويهمنا هنا أن نلقي الضوء على ما احتج به شيخ الإسلام على هؤلاء المنجمين من الأدلة العقلية على فساد هذه المقولة التي ذكروها، والشبهة التي قرروها، فقد بين رحمه الله ذلك من وجوه عدة، وهو وإن لم يذكر في المناظرة إلا وجهاً واحداً -وذلك لأنه إنما حكى ما حدث على سبيل الاختصار والإجمال لا التفصيل والاسترسال-، إلا أنه قد بين في مواضع كثيرة من كتبه أدلة أخرى على فساد هذه الشبهة خصوصاً، وفساد صناعة المنجمين عموماً، وسأذكر ما وقفت عليه منها وهي كالآتي:
أولاً: بين شيخ الإسلام رحمه الله أنه حتى ولو كان لهذه الكواكب سبب وتأثير، فإنما هي جزء من السبب المؤثر وليست مؤثراً تاماً بنفسها "بل تأثير الأرواح وغيرها من الملائكة أشد من تأثيره، وكذلك تأثير الأجسام الطبيعية التي في الأرض، وكذلك تأثير قلوب الآدميين بالدعاء وغيره من أعظم المؤثرات باتفاق المسلمين"(1) قال شيخ الإسلام: «هؤلاء أكثر ما يعلمون -إن علموا- جزءاً يسيراً من جملة الأسباب الكثيرة ولا يعلمون بقية الأسباب»(2).
ثم ضرب مثالاً على هذا فقال: «مثل من يعلم أن الشمس في الصيف تعلو الرأس حتى يشتد الحر فيريد أن يعلم من هذا -مثلاً- أنه حينئذ أن العنب الذي في الأرض الفلانية يصير زبيباً؛ على أن هناك عنباً وأنه ينضج وينشره صاحبه في الشمس وقت الحر فيتزبب، فهذا وإن كان يقع كثيراً؛ لكن أخذ هذا من مجرد حرارة الشمس جهل عظيم إذ قد يكون هناك عنب وقد لا يكون؛ وقد يثمر ذلك--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (25/ 198 - 199).
(2) المصدر السابق (35/ 173).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 198)
الشجر إن خدم وقد لا يثمر، وقد يؤكل عنباً وقد يعصر، وقد يسرق وقد يزبب وأمثال ذلك»(1).
ثانياً: أن يقال حتى لو فرضنا أنه سبب مستقل فالعلم به غير ممكن وذلك لسرعة حركته؛ "لأن سرعة الفلك عظيمة جداً، حتى قالوا: إن الفرس شديد العدو إذا رفع رجله ووضعها يكون الفلك قد تحرك ثلاثة آلاف ميل، فإن كان كذلك فمن الوقت الذي ينفصل فيه الجنين عن بطن أمه إلى أن يأخذ المنجم الإسطرلاب(2) وينظر في الفلك قد تحرك مسافات بعيدة جداً "(3).
ولأن العلم به إما أن يكون بالخبر أو بالحس أو بالعقل وهذه كلها منتفية غير موجودة، وإما أن يكون بالتجربة وهي التي يحتجون بها، وفي الواقع لا يمكن وقوعها؛ لأن من شرطها التكرار، وهم يقررون أن الكوكب المعين إذا كان في موضع معين من الفلك، فإن ذلك الوضع المعين بحسب الدرجة والدقيقة لا يعود إلا بعد الآف السنين، وعمر الإنسان كله لا يفي بذلك(4).
ثالثاً: أننا "وإن فرضنا أنه سبب مستقل وسلمنا أيضا بإمكانية العلم به، فمحل تأثيره في الحقيقة لا ينضبط؛ إذ ليس تأتي خسوف الشمس في الإقليم الفلاني بالأولى من الإقليم الآخر"(5). وبهذه الحجة احتج علي بن أبي طالب رضي الله عنه على المنجمين عندما قيل له لما أراد لقاء الخوارج: أتلقاهم والقمر في العقرب؟! فقال رضي الله عنه: فأين قمرهم؟--------------------------------------------
(1) المصدر السابق (35/ 173).
(2) الإسطرلاب: تُقرأ بالسين والصاد كلمة يونانية، معناها مقياس النجوم، ويقصد بها الآلة المستعملة في استخراج حساب النجوم. انظر: مفتاح العلوم للخوارزمي (ص: 253)، كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم (1/ 176).
(3) انظر: مجموع الفتاوى (25/ 199)، مفتاح دار السعادة (2/ 133)، التنجيم والمنجمون (ص: 226).
(4) انظر: مفتاح دار السعادة (2/ 134)، الفصل لابن حزم (5/ 149).
(5) مجموع الفتاوى (25/ 199).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 199)
وكان ذلك في آخر الشهر(1). قال القرطبي(2) رحمه الله: «انظر إلى هذه الكلمة التي أجاب بها وما فيها من المبالغة في الرد على من يقول بالتنجيم، والإفحام لكل جاهل يحقق أحكام النجوم»(3).
رابعاً: أننا لو سلمنا بكونها سبباً مستقلاً بالتأثير، أو سلمنا باجتماع الأسباب مع إمكان العلم بها، وتحقق شروط التأثير فيها، فإنه لا بد مع هذا من زوال الموانع، فإن اجتماع الشروط غير كاف حتى تزول الموانع، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «فلا ريب أن ما يصغر من الأعمال الصالحة من الصلاة والزكاة والصيام والحج وصلة الأرحام ونحو ذلك مما أمرت به الشريعة يعارض مقتضى ذلك السبب؛ ولهذا أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة والدعاء والاستغفار والعتق والصدقة عند الخسوف(4)، وأخبر أن الدعاء والبلاء يلتقيان فيعتلجان بين السماء والأرض(5). والمنجمون يعترفون بذلك حتى قال كبيرهم بطليموس(6): ضجيج الأصوات في--------------------------------------------
(1) تفسير القرطبي (19/ 28 - 29)، وانظر: مجموع الفتاوى (35/ 179)، الفتاوى الكبرى (1/ 67).
(2) هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرج الأنصاري الخزرجي الأندلسي القرطبي، من كبار المفسرين، كان ورعاً متعبداً، له "الجامع لأحكام القرآن" و"التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة" (ت: 671 هـ). انظر: الديباج المذهب (2/ 308)، تاريخ الإسلام (15/ 229).
(3) تفسير القرطبي: (19/ 29) وانظر: مجموع الفتاوى (35/ 178 - 179).
(4) رواه البخاري في: أبواب الكسوف. باب: الصدقة في الكسوف. برقم (1044) ومسلم كتاب الكسوف. برقم (901).
(5) رواه البزار في مسنده (8149) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ورواه الطبراني في الأوسط (2498) والحاكم في مستدركه (1813) من حديث عائشة رضي الله عنها، قال الألباني في الضعيفة (6764): «ضعيف جدا».
(6) هو كلوديوس بطليموس، رياضي وجغرافيّ وعالم فلك يُونانِيّ من أهل القرن الثاني للميلاد. وُلِد نحو سنة 87 م وتوفّي قُرْب الإِسْكَندريّة نحو 150 م. قيل إنه أعظم علماء الفلك الأقدمين، عاش معظم حياته في الإسكندرية. وأهم ما يذكره به العالم إنه رفض نظرية أرستاركس القائلة بأن الأرض تدور حول الشمس ويرى أن العكس هو الصحيح. ألف كتاب (المِجِسطي)، وهو أول كتاب دون فيه علم الفلك. انظر: قصة الحضارة (11/ 106) إخبار العلماء بأخبار الحكماء (ص: 78).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 200)
هياكل العبادات بفنون الدعوات من جميع اللغات يحلل ما عقدته الأفلاك الدائرات. فصار ما جاءت به الشريعة إن حدث سبب خير كان ذلك الصلاة والزكاة يقويه ويؤيده وإن حدث سبب شر كان ذلك العمل يدفعه وكذلك استخارة العبد لربه إذا هم بأمر كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين)(1) الحديث. فهذه الاستخارة لله العليم القدير خالق الأسباب والمسببات خير من أن يأخذ الطالع فيما يريد فعله؛ فإن الاختيار غايته تحصيل سبب واحد من أسباب النجاح إن صح، والاستخارة أخذ للنجاح من جميع طرقه، فإن الله يعلم الخيرة، فإما أن يشرح صدر الإنسان وييسر الأسباب أو يعسرها ويصرفه عن ذلك»(2).
وقال رحمه الله: «وهكذا قد اعترف رؤساء المنجمين من الأولين والآخرين أن أهل الإيمان أهل العبادات والدعوات يرفع الله عنهم ببركة عباداتهم ودعائهم وتوكلهم على الله ما يزعم المنجمون أن الأفلاك توجبه ويعترفون أيضاً بأن أهل العبادات والدعوات ذوي التوكل على الله يعطون من ثواب الدنيا والآخرة ما ليس في قوى الأفلاك أن تجلبه»(3).--------------------------------------------
(1) رواه البخاري كتاب: التوحيد. باب: قول الله تعالى: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ} [الأنعام:65] برقم (7390).
(2) مجموع الفتاوى (25/ 199 - 200)
(3) المصدر السابق (35/ 196).
ويمكن أن يضاف إلى ما ذكر من الأوجه الموضحة لفساد هذه الصنعة وبطلان هذه الشبهة ما يلي:
أن القول بصدور الحوادث الأرضية عن حركة الكواكب يقتضي أنها مختارة مريدة بنفسها، وهذا باطل لا يقول به عاقل، إذ لو كانت كذلك لما بقيت على حركة واحدة، ومسار واحد لا تحيد عنه، فهذه صفة الجماد المدبر المسخر الذي لا اختيار له. انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل (5/ 147).
أن هذه الكواكب تظهر وتأفل وتبدو وتختفي، والرب المتصرف المدبر لأمر الكون يجب أن يكون حياً قيوماً. وبهذه الحجة احتج إبراهيم عليه السلام على قومه المشركين كما في قوله تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الأنعام:76].
إن إثبات تأثير النجوم والكواكب لا يمكن إلا بمعرفة طبائعها وتأثيراتها، وهم قد عجزوا عن اكتشاف هذه النجوم، فبين كل حين وآخر يكتشف نجم جديد لم يعلموا به في السابق، فإذا عجزوا عن اكتشاف وجودها فعجزهم عن إدراك طبائعها وتأثيراتها أولى وأحرى، كيف وهم يقررون أن الكوكب المعين لا يعود على حالته التي هو عليها إلا بعد آلاف السنين فكيف يمكنهم إدراكه؟!
اختلاف المنجمين في الأصول التي بنوا عليها علمهم: ومن ذلك اختلافهم في البروج التي ثؤثر في العالم واختلافهم في اسمائها واختلافهم في دلالتها على طباع الناس، واختلافهم في مدة تأثيرها، واختلافهم في المذكرة منها والمؤنثة، ومن ذلك اختلافهم في السعود من الكواكب والنحوس منها، واختلافهم في كيفية معرفة السعادة من هذه الكواكب.
ومنها اختلافهم في درجات الفلك، وصورته وشكله وحركته، وصورة كواكبه، وأشكالها وحركاتها، وغيرها من الأمور الكثيرة. انظر تفصيل هذه الاختلافات: التنجيم والمنجمون (1/ 216 - 223).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 201)
المسألة الثانية: بيان كذب المنجمين:
كذِبُ المنجمين وتخرصاتهم الباطلة أمر أثبتته الشريعة، وظهر بالتجربة، ونقل بالتواتر، وأقر به المنجمون أنفسهم كما أقر أحد رؤوساء هؤلاء المنجمين الذين ناظرهم شيخ الإسلام بهذا فقال: «والله إنا نكذب مائة كذبة حتى نصدق في كلمة»(1).
وهذا الأمر قد بينه النبي صلى الله عليه وسلم غاية البيان كما في حديث عائشة رضي الله عنها-قالت: سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناس عن الكهان. فقال: (ليسوا بشيء) فقالوا: يا رسول الله إنهم يحدثونا أحياناً بشيء فيكون حقاًّ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تلك الكلمة من الحق يحفظها من الجني فيقرها في أذن وليه فيخلطون معها مائة كذبة)(2).--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (35/ 172).
(2) رواه البخاري كتاب: الأدب. باب: قول الرجل للشيء ليس بشيء، وهو ينوي أنه ليس بحق. برقم (6213) ومسلم كتاب السلام برقم (2228).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 202)
وقد بين شيخ الإسلام رحمه الله أن الأمور الغيبية التي يخبر بها المنجمون، ويسمونها أحكام النجوم، هي من جنس أخبار الكهان التي حكم عليها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها ليست بشيء(1).
ومن الأدلة التي استدل بها شيخ الإسلام رحمه الله على هذا حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق، وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض -وصف سفيان بكفه فحرفها، وبدد بين أصابعه -فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من- تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدرك الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا، فيصدق بتلك الكلمة التي سمع من السماء)(2).
وما أجمل كلام قتادة بن دعامة السدوسي(3) رحمه الله عندما قال: «إن الله تعالى إنما خلق هذه النجوم لثلاث خصال: جعلها زينة للسماء، وجعلها نهتدي بها، وجعلها رجوماً للشياطين، فمن تعاطى فيها غير ذلك فقد أخطأ حظه، وقال برأيه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به. وإن ناساً جهلة بأمر الله تعالى قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة، من أعرس بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ولعمري ما من النجوم نجم إلا يولد به الطويل والقصير، والأحمر والأبيض، والحسن والذميم، قال: وما علم هذا النجم وهذه الدابة وهذا الطير بشيء من الغيب، وقضى الله أنه: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي--------------------------------------------
(1) انظر: الفتاوى الكبرى (1/ 62).
(2) سبق عزوه (ص:193).
(3) هو أبو الخطاب قتادة بن دعامة السدوسي البصري، حافظ البصرة المشهور، كان عالماً مفسراً فقيهاً، ثقة ثبتاً، حجة في الحديث، توفي بواسط بالطاعون سنة (218 هـ). انظر: الطبقات الكبرى (7/ 171 - 173) سير أعلام النبلاء (5/ 269 - 283).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 203)
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النمل:65]، ولعمري لو أن أحداً علم الغيب لعلمه آدم الذي خلقه الله تعالى بيده وأسجد له ملائكته وعلمه أسماء كل شيء وأسكنه الجنة فأكل منها رغداً حيث شاء، ونهاه عن شجرة واحدة، فما زال به البلاء حتى وقع بما نهي عنه، ولو كان أحد يعلم الغيب لعلمه الجن حين مات نبي الله سليمان عليه السلام، فلبث الجن يعملون له حولاً في أشد العذاب، وأشد الهوان، لا يشعرون بموته، وما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته، {فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} [سبأ:14] قال: قد كانت تقول قبل ذلك: إنا نعلم. فابتلاهم الله تعالى، وجعل موت سليمان للجن والإنس عبرة»(1).
ومما استدل به شيخ الإسلام رحمه الله على كذبهم اعتراف كثير من زعمائهم بأن هذه الصناعة تقوم على الخرص والتوهم ومن ذلك قول أبي نصر الفارابي(2): «واعلم أنك لو قلبت أوضاع المنجمين فجعلت السعد نحساً، والنحس سعداً، والحار بارداً، والبارد حاراً، والذكر أنثى، والأنثى ذكراً، ثم حكمت لكانت أحكامك من جنس أحكامهم تصيب تارة وتخطئ تارة»(3).--------------------------------------------
(1) رواه الطبري في تفسيره (23/ 508) وابن أبي حاتم في تفسيره (9/ 2913) وأبو الشيخ الأصبهاني في العظمة (4/ 1226).
(2) هو أبو نصر، محمد بن محمد بن طرخان بن أوزلغ الفارابي، الفيلسوف يعرف بالمعلم الثاني، تركي الأصل، ولد في فاراب، وانتقل إلى بغداد، نشأ فيها، له تصانيف مشهورة، من ابتغى الهدى منها ضل وحار، ومنها "الفصوص" و"إحصاء العلوم" (ت: 339 هـ) ـ. انظر: وفيات الأعيان (4/ 239) سير أعلام النبلاء (15/ 418).
(3) مجموع الفتاوى (35/ 182)، مفتاح دار السعادة (2/ 175).
ومما يفضحهم ويكشف سترهم ما ذكره كبيرهم يعقوب بن إسحاق الكندي مما أراد أن يجعله عذراً لكثرة اغلاطهم وأكاذيبهم، وهو في الحقيقة دليل عليهم فاضح لهم حيث قال: «إن علماء الهند أحذق الناس في علم التنجيم، فأرادوا أن يعلموه أبناءهم، فعجزوا لغموضه، فأجمع علماؤهم جزءاً من ألف جزء من علمهم، فتقبله أبناؤهم، وتعلموه، فلما نشأ أبناؤهم أرادوا تعليمهم هذا العلم كما علمهم آباؤهم ذلك من قبل، فعجزوا عن ذلك، فاختصروه، فصار جزءاً من ألف جزء مما علمهم آباؤهم، ففهمه أبناؤهم وأدركته أذهانهم. ثم قال الكندي: «فما ظنك بعلم اختصر منه جزء من ألف جزء ما يبقى منه الإصابة؟». انظر: حكم علم النجوم (ق 14/ب) - (ق 298)، نقلاً عن: التنجيم والمنجمون (202).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 204)
ومن أعظم ما يدل على كذبهم وأن علمهم قائم على التخرصات حكم كل فريق منهم بفساد أصول الفريق الآخر، ونقض كل جماعة منهم لأقوال من سبقهم(1).
وبين شيخ الإسلام أن مما يدل على هذا معرفة الخاصة والعامة بكذبهم وتواتر الناس على تكذيبهم على مر العصور(2).--------------------------------------------
(1) "ومن هذا أن الأوائل في عهد بطليموس عملوا رصداً، واتفقوا أنه هو الصحيح، وبقي الأمر على ذلك سبعمائة سنة تقريباً، حتى كان عهد المأمون، فاتفق الرصاد في عصره على أنهم امتحنوا رصد الأوائل فوجدوهم غالطين، وأنشئوا رصداً جديداً وسموه الرصد الممتحن، وبهذا أبطلوا رصد الأوائل … ثم حكمت طائفة بعد الرصد الممتحن بستين عاماً تقريباً، وزعيمهم أبو معشر محمد بن جعفر بفساد هذا الرصد الممتحن … ثم جاءت جماعة أخرى منهم كوشيار بن باشهري الجيلي، حكموا على من سبقهم من المنجمين بالجهل … ثم جاءت جماعة بعد هؤلاء منهم أبو الحسين عبد الرحمن بن عمر الصوفي، الذي ذكر أنه قد عثر على أغلاط كثيرة استدركها على المتقدمين، وصنف فيها كتاباً … ثم جاءت جماعة أخرى في عهد الحاكم بالديار المصرية، خالفوا من سبقهم، وحكموا على الأرصاد السابقة بالفساد … ثم جاءت جماعة أخرى منهم أبو الريحان البيروني حكموا بفساد أصول من تقدمهم … ثم جاءت طائفة أخرى بعدهم منهم أبو إسحاق إبراهيم بن يحيى بن الزرقالة خالفوا الأوائل والأواخر، وحكموا على رصدهم وأحكامهم بالفساد … ثم جاءت جماعة أخرى منهم أبو الصلت الأندلسي حكم على المنجمين كلهم، الأوائل منهم والأواخر بأنهم أصحاب زور وهذيان … كما حكم إمامهم الفارابي على المنجمين كلهم بأنهم كذابون مخادعون، وأن علم التنجيم باطل في ذاته لا يمكن تحصيله … ولا شك أن حكم بعضهم على بعض بفساد أصولهم وصناعتهم دليل كاف يبين فساد الصناعة نفسها، ويبرهن على أن القوم ليس عندهم إلا الظنون الكاذبة" التنجيم والمنجمون (203 - 204).
(2) انظر: مجموع الفتاوى (35/ 172)، وتجد ذلك في كثير مما أثر عن السابقين قديماً وحديثاً من شعر ونثر، بينوا فيه دجل هؤلاء وكذبهم ومن أجمل ما قيل في ذلك قول الخليل بن أحمد رحمه الله:
أبلغوا عني المنجم أني … كافر بالذي قضته الكواكب =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 205)
وأما ثبوت كذبهم بالواقع والتجربة فهو أشهر من أن يذكر وأكثر من أن يحصر، ومما يدل على صريح كذبهم القصص الكثيرة التي جزموا فيها بحصول أمر معين فوقع الأمر بخلاف ما جزموا به، قال شيخ الإسلام: «ولهذا قد علم الخاصة والعامة بالتجربة والتواتر أن الأحكام التي يحكم بها المنجمون يكون الكذب فيها أضعاف الصدق»(1)، وضرب مثالاً لذلك فقال: «ولهذا لا تزال أحكامهم كاذبة متهافتة حتى إن كبير الفلاسفة الذي يسمونه "فيلسوف الإسلام" يعقوب بن إسحاق الكندي(2) عمل تسييرا لهذه الملة: زعم أنها تنقضي عام ثلاث وتسعين وستمائة، وأخذ ذلك منه من أخرج (مخرج الاستخراج) من حروف كلام ظهر في الكشف لبعض من أعاده ووافقهم على ذلك من زعم أنه استخرج بقاء هذه الملة من حساب الجمل الذي للحروف التي في أوائل السور، وهي مع حذف التكرير أربعة عشر حرفاً. وحسابها في الجملة الكثير ستمائة وثلاثة وتسعون. ومن هذا أيضا ما ذكر في التفسير أن الله لما أنزل {الم}، قال بعض اليهود: بقاء هذه الملة إحدى وثلاثون فلما أنزل بعد ذلك {الر}، و {الم}، قالوا. خلط علينا»(3).--------------------------------------------
= عالم أن ما يكون وما كا … ن قضاء من المهيمن واجب
موقن أن من تكهن أو … نجم كل على المقادير كاذب
وقول الآخر:
من كان يخشى زحلاً … أو كان يرجو المشتري
فإنني منه وإن … كان أبي الأدنى بري
وقول الآخر:
خوفني منجم أخو خبل … تراجع المريخ في برج الحمل
فقلت دعني من أباطيل الحيل … المشتري عندي سواء وزحل
(1) مجموع الفتاوى (35/ 172).
(2) هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق بن الصباح الكندي، وهو أحد أبناء ملوك كندة، وهو متبحر في فنون الحكمة اليونانية والفارسية والهندية، متخصص في أحكام النجوم، نشأ في البصرة، ثم انتقل إلى بغداد، (ت: 260 هـ). انظر: الفهرست لابن النديم (ص: 357)، الأعلام للزركلي (8/ 195).
(3) مجموع الفتاوى (35/ 189 - 190)، ومن أشهر تلك القصص والحوادث ما يلي: =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 206)
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .--------------------------------------------
= ما ذكره الطبري وغيره في حوادث سنة سبع وثلاثين أن منجماً لقي علي بن أبي طالب رضي الله عنه عندما خرج لمقاتلة الخوارج، فأشار عليه بسير وقت من النهار، وقال: إن سرت في غير ذلك الوقت لقيت أنت وأصحابك ضراًّ شديداً، فخالفه وسار في الوقت الذي نهاه عن السير فيه، فلما فرغ من النهر حمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: «لو سرنا في الساعة التي أمرنا بها المنجم لقال الجهال الذين لا يعلمون: سار في الساعة التي أمره بها المنجم فظفر». فما غزا رضي الله عنه غزوة بعد رسول الله أتم منها، حيث إنه لم ينجو من الخوارج إلا عدد قليل. انظر: تاريخ الطبري (6/ 47)، التنجيم والمنجمون (ص: 209 - 210).
ما أجمع عليه المنجمون من خراب العالم في سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة بدعوى أن الكواكب الستة تجتمع فيه في الميزان، فيكون طوفان الريح في سائر البلدان، فارتعد جهلة الناس، وتأهبوا بحفر مغارات في الجبال، وأسراب في الأرض، خوفاً من ذلك، فلما كانت تلك الليلة التي أشاروا إليها لم ير ليلة مثلها في سكونها وركودها وهدوئها، فظهر كذب المنجمين واستبانت حقيقة حالهم، حتى نظر الشعراء في تكذيب المنجمين، أشعاراً منها قصيدة مطلعها:
مزق التقويم والزيج فقد بان الخطأ … إنما التقويم والزيج هباء وهوا
انظر: الكامل لابن الأثير (11/ 528)، التنجيم والمنجمون (ص: 210).
ما زعمه المنجمون من أن المعتصم لا يفتح عمورية، وراسلته الروم بأنا نجد ذلك في كتبنا، أنه لا تفتح مدينتنا إلا في وقت إدراك التين والعنب، وبيننا وبين ذلك الوقت شهور يمنعك من المقام بها البرد والثلج، فأبى أن ينصرف، وأكب عليها ففتحها، فأبطل ما قالوا، فأنشأ أبو تمام قصيدة يمدح المعتصم فيها، ويذكر حريق عمورية وفتحها، ويبين كذب المنجمين وفساد علمهم المزعوم فقال:
السيف أصدق أنباء من الكتب … في حده الحد بين الجد واللعب
أين الرواية أم أين النجوم وما … صاغوه من زخرف فيها ومن كذب
تخرصًّا وأحاديثًا ملفقة … ليست بنبع إذا عدت ولا غرب
عجائباً زعموا الأيام مجفلة … عنهن في صفر الأصفار أو رجب
وخوفوا الناس من دهياء مظلمة … إذا بدا الكوكب الغربي ذو الذنب
وصيروا الأبرج العليا مرتبة … ما كان منقلباً أو غير منقلب
يقضون بالأمر عنها وهي غافلة … ما دار في فلك منها وفي قطب
لو بينت قط أمراً قبل موقعه … لم تخف ما حل بالأوثان والصلب
انظر: التنجيم والمنجمون (ص:211).
ومن ذلك إجماع المنجمين في زمن الواثق بالله أنه يعيش في الخلافة دهراً طويلاً، =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 207)
وبين شيخ الإسلام رحمه الله أن مما يدل على ظهور كذبهم تناقض أحكامهم، قال رحمه الله: «وكذلك دعوى المدعي أن نجم النبي صلى الله عليه وسلم كان بالعقرب والمريخ وأمته بالزهرة وأمثال ذلك: هو من أوضح الهذيان المباينة لأحوال النبي صلى الله عليه وسلم لما--------------------------------------------
= وقدروا له خمسين سنة مستقبلة من يوم نظروا ولم يعش بعد ما نظروا إلا عشرة أيام ثم توفي. وانظر: تاريخ الطبري (11/ 24)، التنجيم والمنجمون (ص:211).
ومن ذلك اتفاقهم سنة اثنتين وتسعين ومائتين في قصة القرامطة على أن المكتفي بالله إن خرج لمقاتلتهم كان هو المغلوب الملزوم، وكان المسلمون قد لقوا منهم على توالي الأيام شراًّ عظيماً، وخطباً جسيماً، من ذلك أنهم قتلوا النساء والأطفال، واستباحوا الحريم والأموال، وهدموا المساجد، وربطوا فيها خيولهم ودوابهم، وقصدوا وفد الله وزوار بيته فأوقعوا فيهم القتل الذريع، والفعل الشنيع، وأباحوا محارم الله، فعزم المكتفي على الخروج إليهم بنفسه، فاجتمع المنجمون، وأشاروا على الخليفة أن لا يخرج؛ فإنه إن خرج لم يرجع، وبخروجه تزول دولته، وبهذا تشهد النجوم التي يقضي بها طالع مولده، فخالفهم المكتفي بالله وخرج وأقام بالرقة حتى أخذ أعداء الله جميعاً، وسيقت جموعهم بالسيف. انظر: مفتاح دار السعادة (2/ 143)، التنجيم والمنجمون (ص: 212).
ومن ذلك النكبات التي حلت بمن تقيد بهذا العلم في أفعاله وأسفاره ومنها:
حال أبي علي بن مقلة الوزير، وتعظيمه لأحكام النجوم، ومراعاته لها أشد المراعاة، ودخوله داراً بناها بطالع زعم الكذابون أنه طالع سعد، ولا يرى به في الدار مكروهاً، فقطعت يده ولسانه، وخربت داره فصارت كوماً، ونكب أقبح نكبة نكبها وزير. انظر: مفتاح دار السعادة (2/ 144)، التنجيم والمنجمون (ص: 213).
ومن ذلك أيضاً أن المنجمين حكموا للحاكم بأمر الله بركوب الحمار على كل حال، وألزموه أن يتعاهد الجبل المقطم في أكثر الأيام، وينفرد وحده بخطاب زحل بما علموه إياه من الكلام، ويتعاهد فعل ما وضعوه له من البخورات والأعزام، وحكموا بأنه ما دام على ذلك، وهو يركب الحمار فهو سالم النفس عن كل إيذاء، فلزم ما أشاروا به عليه، فجعل الله العزيز العليم، رب الكواكب ومسخرها، ومدبرها أن هلاكه كان في ذلك الجبل، وعلى ذلك الحمار، فإنه خرج بحماره إلى ذلك الجبل على عادته، وانفرد بنفسه، منقطعاً عن موكبه، وقد استعد له قوم بسكاكين، فقطعوه هنالك للوقت والحين، ثم أعدموا جثته فلم يعلم لها خبر. انظر: الكامل في التاريخ لابن الأثير (9/ 314)، التنجيم والمنجمون (213). والقصص في كذب المنجمين كثيرة جداً، وفيما ذكر كفاية لمن أراد معرفة حقيقتهم وما هم عليه من الكذب والأغاليط.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 208)
يدعونه من هذه الأحكام فإن من أوضح الكذب قولهم: إن نجم المسلمين بالزهرة ونجم النصارى بالمشترى، مع قولهم إن المشترى يقتضي العلم والدين والزهرة تقتضي اللهو واللعب. وكل عاقل يعلم أن النصارى أعظم الملل جهلا وضلالة، وأبعدهم عن معرفة المعقول والمنقول، وأكثر اشتغالا بالملاهي وتعبدا بها.
والفلاسفة متفقون كلهم على أنه ما قرع العالم ناموس أعظم من الناموس الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وأمته أكمل عقلاً وديناً وعلماً باتفاق الفلاسفة حتى فلاسفة اليهود والنصارى فإنهم لا يرتابون في أن المسلمين أفضل عقلاً وديناً … ، فإذا كان المسلمون باتفاق كل ذي عقل أولى أهل الملل بالعلم والعقل والعدل وأمثال ذلك مما يناسب عندهم آثار المشترى والنصارى أبعد عن ذلك وأولى باللهو واللعب وما يناسب عندهم آثار الزهرة كان ما ذكروه ظاهر الفساد»(1).
وبهذه الأوجه كلها يتبين بوضوح فساد صناعتهم شرعاً وعقلاً، وحقيقة ما هم عليه من الكذب والدجل والتناقض.
* * *--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (35/ 187 - 188).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 209)
الفصل الرابع:
مناظرته مع بعض الفلاسفة
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: عرض المناظرة.
المبحث الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في المناظرة.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 211)
المبحث الأول: عرض المناظرة:
تمهيد:
تعتبر حجة نفي التجسيم عن الله وتنزيهه عن الحيز والجهة والمكان، أبرز الحجج التي يحتج بها نفاة الصفات من الأشاعرة ومن سبقهم من أهل الكلام، وقد حاول الرازي(1) في كتابه (أساس التقديس)، أن يقرر هذا الأمر بشتى السبل ومختلف الطرق، وكان من عجيب ما استدل به على نفي الجسمية والحيز والجهة عن الله -جل وعلا-؛ استدلاله بسورة الإخلاص، وخصوصاً بما جاء من وصف الله عز وجل فيها أنه (أحد).
وقد قام شيخ الإسلام بالرد عليه فيما افتراه على آي الكتاب، وما حرفه من معان ولبَّس فيه من جواب، وبين أن ما احتج به إنما هي حجة عليه لا له، ودليل على بطلان قوله لا صحته، وبين شيخ الإسلام رحمه الله خطأ ما فسر به الرازي توحيد الله سبحانه وبطلان ما فسر به اسم (الأحد)، وأن هذا الانحراف في تفسير--------------------------------------------
(1) هو أبو عبد الله، محمد بن عمر بن الحسين البكري الطبري الرازي، الملقب بابن خطيب الري، كثير الرحلة، اشتهر بالذكاء، اشتغل بالكلام والفلسفة، وبدت منه في تواليفه بلايا وعظائم وسحر وانحرافات عن السنة، ولكنه ندم وتراجع في آخر حياته، وكان يبكي ويقول: ليتني لم أشتغل بالكلام، من مصنفاته: التفسير الكبير، أساس التقديس، (ت: 606 هـ). انظر: وفيات الأعيان (3/ 381) السير (21/ 501) وتاريخ الإسلام (12/ 137) طبقات الشافعية (8/ 81).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 213)