Arabic source text

📘 আল মুনাজারাতুল আকিদিয়্যাহ লি শাইখিল ইসলাম ইবনে তাইমিয়্যাহ (হায়সাম আল-হামরি)

📘 المناظرات العقدية لشيخ الإسلام ابن تيمية (هيثم الحمري)

📘 আল মুনাজারাতুল আকিদিয়্যাহ লি শাইখিল ইসলাম ইবনে তাইমিয়্যাহ (হায়সাম আল-হামরি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
لأنفسهم تعين أن لهم خالقا خلقهم"(1).
وقولهم هذا معلوم البطلان بالضرورة؛ لأنه مخالف للكتاب والسنة والإجماع والعقل والحس والفطرة، فكلها تشهد بالتفريق بين الخالق والمخلوق وبين واجب الوجود وممكن الوجود، ومما يدل على بطلان قولهم ما يلزم عليه من وصف الله بالعدم ووصفه بكل نقص وعيب فإنه "إذا كان وجود الممكن هو وجود الواجب، كان وجود كل مخلوق -يُعدم بعد وجوده، ويوجد بعد عدمه- هو نفس وجود الحق القديم الدائم الباقي، الذي لا يقبل العدم، وإذا قدّر هذا، كان الوجود الواجب موصوفًا بكل تشبيه وتجسيم، وكل نقص وكل عيب"(2)، وهذا القول على بشاعته هو حقيقة مذهبهم، بل ويصرحون به في كتبهم ومقالتهم.
رابعاً: الإجماع على كفر هذه المقولة ومخالفتها للعقل:
لاشك أن النصوص متظافرة والإجماع منعقد على كفر القائلين بهذه المقالة وخروجهم من ملة الإسلام، وقد نقل شيخ الإسلام عن جملة من العلماء تكفير وتقبيح هذه المقالة ومن قال بها(3)، وقال رحمه الله: «أما كون وجود الخالق هو وجود المخلوق؛ فهذا كفر صريح باتفاق أهل الإيمان؛ وهو من أبطل الباطل في بديهة عقل كل إنسان، وإن كان منتحلوه يزعمون أنه غاية التحقيق والعرفان وهذا مبسوط في غير هذا الموضع»(4)، وبين شيخ الإسلام رحمه الله أن قولهم وكفرهم أكبر وأقبح من كفر اليهود والنصارى وذلك من وجهين: «من جهة أن أولئك قالوا: إن الرب يتحد بعبده الذي قربه واصطفاه بعد أن لم يكونا متحدين وهؤلاء يقولون: ما زال الرب هو العبد وغيره من المخلوقات ليس هو غيره.
والثاني: من جهة أن أولئك خصوا ذلك بمن عظموه كالمسيح وهؤلاء جعلوا--------------------------------------------
(1) التدمرية (ص: 20).
(2) التدمرية (ص:41 - 42).
(3) انظر: مجموع الفتاوى (2/ 243 - 247).
(4) مجموع الفتاوى (2/ 26).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 257)

ذلك ساريًا في الكلاب والخنازير والأقذار والأوساخ، وإذا كان الله تعالى قد قال: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة:17] الآية. فكيف بمن قال: إن الله هو الكفار والمنافقون والصبيان والمجانين والأنجاس والأنتان وكل شيء؟! وإذا كان الله قد رد قول اليهود والنصارى لما قالوا: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة:18]، وقال لهم: {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ} [المائدة:18] الآية، فكيف بمن يزعم أن اليهود والنصارى هم أعيان وجود الرب الخالق ليسوا غيره ولا سواه؟! ولا يتصور أن يعذب الله إلا نفسه، وأن كل ناطق في الكون فهو عين السامع … وأن الناكح عين المنكوح؟! … »(1).
خامساً: تناقضهم الواضح دليل على بطلان مذهبهم وفساده:
أما تناقضهم واضطرابهم فهو مقام واسع جدا يطول بيانه وذكر أمثلته، ولكننا نكتفي بذكر مثال بديع ضربه شيخ الإسلام على تناقض قولهم وفساده، وذلك أنهم يقولون بأن المحجوبين عن حقيقة التوحيد لا يرون الوجود واحداً بل يرون التعدد والكثرة في الوجود؛ لأنهم حجبوا عن الحقيقة التي أدركها هؤلاء، قال شيخ الإسلام مفحماً لهم ومظهراً لتناقضهم: «فإذا كان ما ثم غير ولا سوى، فمن المحجوب؟ ومن الحاجب؟ ومن الذي ليس بمحجوب وعم حُجب؟
فقد أثبتوا أربعة أشياء: قوم محجوبون، وقوم ليسوا بمحجوبين، وأمر انكشف لهؤلاء، وحجب عن أولئك. فأين هذا من قولهم: ما ثم اثنان ولا وجودان؟!!
كما حدثني الثقة أنه قال للتلمساني: فعلى قولكم لا فرق بين امرأة الرجل وأمه وابنته؟ قال: نعم الجميع عندنا سواء؛ لكن هؤلاء المحجوبون قالوا: حرام، فقلنا: حرام عليكم، فقيل لهم: فمن المخاطب للمحجوبين أهو هم أم غيرهم؟ فإن كانوا هم فقد حرم على نفسه لما زعم أنه حرام عليهم دونه، وإن كانوا غيره--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (2/ 172 - 173).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 258)

فقد أثبت غيرين وعندهم ما ثم غير»(1).
فهذه بعض الأوجه في الرد على أصل شبهة هؤلاء وضلالهم وأوجه الرد عليهم كثيرة، وإن كان قولهم مما ترفضه الفطر ابتداء، وترده العقول السليمة، وتنكره جميع الشرائع والملل، فمجرد حكايته وبيانه تغني عن إظهار بطلانه:
وليس يصح في الأذهان شيءٌ … إذا احتاج النهار إلى دليلِ(2)!
* * *--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (13/ 197).
(2) البيت لأبي الطيب المتنبي، من مقطوعة تشتمل على سبعة أبيات، انظر: ديوانه شرح العكبري (3/ 90 - 92).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 259)

‌‌المبحث الثاني: مناظرته مع شيخ من شيوخ الاتحادية في اعتقاده فناء الحلاج واتحاد الحق سبحانه به. وتحته مطلبان:
‌‌المطلب الأول: عرض المناظرة:
‌‌تمهيد:
ذكر شيخ الإسلام رحمه الله هذه المناظرة في رسالة أرسلها إلى الحلولي نصر المنبجي(1) بين له فيها حقيقة مذهب الاتحادية والحلولية وما كان عليه ابن عربي ومن جاء بعده كالصدر الرومي(2) وابن سبعين(3)، وأنه وصل الحال ببعضهم لادعاء الألوهية لنفسه أو لشيخه، وإجازة حلول الله واتحاده بخلقه، ومنهم من يقول بالاتحاد العام في كل شيء وهم أصحاب الوحدة، ومنهم من يقول بالاتحاد الخاص وهو اتحاد الله ببعض خلقه، ومن هؤلاء من يصرح بذلك، ومنهم من يشير ويرمز إليه ولا يبوح أو يصرح.
وقد كانت المناظرة السابقة مع أحد القائلين بالاتحاد المطلق (وحدة الوجود) وفي هذه المناظرة يناقش شيخ الإسلام صنفاً آخر من أصناف الاتحادية ألا وهم--------------------------------------------
(1) سبق التعريف به.
(2) هو صدر الدين القونوي الرومي، سبق التعريف به.
(3) سبق التعريف به.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 260)

الاتحادية القائلون بالاتحاد المقيد المعين لا المطلق، فيناقش شيخاً من شيوخهم يعتقد أن الله قد نطق على لسان الحلاج(1) بعد فنائه عن نفسه واتحاد الحق سبحانه به.

‌‌نص المناظرة:
قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وقد خاطبني مرة شيخ من هؤلاء في مثل هذا، وكان ممن يظن أن الحلاج قال: (أنا الحق)؛ لكونه كان في هذا التوحيد.
فقال: الفرق بين فرعون والحلاج: أن فرعون قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات:24]، وهو يشير إلى نفسه. وأما الحلاج فكان فانياً عن نفسه، والحق نطق على لسانه.
فقلت له: أفصار الحق في قلب الحلاج ينطق على لسانه كما ينطق الجني على لسان المصروع؟! وهو سبحانه بائن عن قلب الحلاج وغيره من المخلوقات، فقلب الحلاج أو غيره كيف يسع ذات الحق؟! ثم الجني يدخل في جسد الإنسان ويشغل جميع أعضائه، والإنسان المصروع لا يحس بما يقوله الجني ويفعله بأعضائه، لا يكون الجني في قلبه فقط، فإن القلب كل ما قام به فإنما هو عرض من الأعراض، ليس شيئاً موجوداً قائماً بنفسه، ولهذا لا يكون الجني بقلبه الذي هو روحه»(2).
وقال رحمه الله أيضاً: «وجاء إلينا شخص كان يقول: إنه خاتم الأولياء فزعم أن الحلاج لما قال: (أنا الحق)، كان الله تعالى هو المتكلم على لسانه، كما يتكلم الجني على لسان المصروع، وأن الصحابة لما سمعوا كلام الله تعالى من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان من هذا الباب؛ فبينت له فساد هذا، وأنه لو كان كذلك كان--------------------------------------------
(1) هو أبو مغيث الحسين بن منصور البيضاوي الفارسي الحلاج، أحد أئمة الاتحادية، وله كثير من الأقوال الكفرية، نشأ بتستر وخالط الصوفية وزعم أن الله حل فيه، فأمر الخليفة المقتدر بصلبه وقتله سنة (309 هـ) ـ وسيأتي مزيد توضيح لحاله أثناء الدراسة. انظر: تاريخ بغداد (8/ 112 - 141)، سير أعلام النبلاء (14/ 313 - 354).
(2) منهاج السنة (5/ 379).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 261)

الصحابة بمنزلة موسى بن عمران، وكان من خاطبه هؤلاء أعظم من موسى؛ لأن موسى سمع الكلام الإلهي من الشجرة وهؤلاء يسمعون من الجن الناطق.
وهذا يقوله قوم من الاتحادية لكن أكثرهم جهال لا يفرقون بين الاتحاد العام المطلق الذي يذهب إليه الفاجر التلمساني وذووه، وبين الاتحاد المعين الذي يذهب إليه النصارى والغالية وقد كان سلف الأمة وسادات الأئمة؛ يرون كفر الجهمية أعظم من كفر اليهود كما قال عبد الله بن المبارك(1) والبخاري(2) وغيرهما، وإنما كانوا يلوحون تلويحاً، وقل أن كانوا يصرحون بأن ذاته في مكان.
وأما هؤلاء الاتحادية فهم أخبث وأكفر من أولئك الجهمية، ولكن السلف والأئمة أعلم بالإسلام وبحقائقه؛ فإن كثيراً من الناس قد لا يفهم تغليظهم في ذم المقالة حتى يتدبرها ويرزق نور الهدى، فلما اطلع السلف على سر القول نفروا منه»(3).

‌‌المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة:
‌‌مناقشة شبهة فناء الحلاج واتحاد الحق -سبحانه- به:
وستكون دراستها من وجهين:

‌‌الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:
بين شيخ الإسلام رحمه الله أن بعض المتصوفة قد تغلب عليه الواردات والأحوال، حتى تستولي على قلبه وفكره، فيفنى(4) عن كل موجود في نظره،--------------------------------------------
(1) قال ابن المبارك رحمه الله: (إنَّا لنحكي كلام اليهود والنَّصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجَهمية) وقد سبق عزوه.
(2) قال الإمام البخاري رحمه الله: (ما أبالي صليت خلف الجهمي الرافضي أم صليت خلف اليهود والنصارى، ولا يسلم عليهم، ولا يعادون، ولا يناكحون، ولا يشهدون، ولا تؤكل ذبائحهم) خلق أفعال العباد للبخاري (ص: 31).
(3) مجموع الفتاوى (2/ 476 - 477). وانظر: درء تعارض العقل والنقل (5/ 170).
(4) قال شيخ الإسلام في كتابه الرد على الشاذلي (ص: 191): «مقامَ الفناء والاصطلام: وهو أن يغيب السالك بمعروفه عن معرفته وبمذكوره عن ذكره وبمعبوده عن عبادته وبموجوده عن وجوده». وقال ابن القيم: «والفناء الذي يشير إليه القوم، ويعملون عليه: أن تذهب المحدثات في شهود العبد، وتغيب في أفق العدم، كما كانت قبل أن توجد، ويبقى الحق تعالى كما لم يزل، ثم تغيب صورة المشاهد ورسمه أيضا، فلا يبقى له صورة ولا رسم، ثم يغيب شهوده أيضا، فلا يبقى له شهود، ويصير الحق هو الذي يشاهد نفسه بنفسه، كما كان الأمر قبل إيجاد المكونات، وحقيقته: أن يفنى من لم يكن، ويبقى من لم يزل». مدارج السالكين (1/ 168 - 169). وللفناء إطلاقات ثلاث انظرها ص:257. من هذه الرسالة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 262)

ولا يشاهد سوى الله، فيفنى بمشاهدته عن مشاهدة الخلق، ويبلغ به الحال إلى أن يفنى حتى عن شهود نفسه، بل وعن مشاهدة شهوده أيضاً، ولا يبقى إلا الحق، فعند ذلك ينطق بقوله: (أنا الحق) و (سبحاني) و (ما في الجبة إلا الله)(1) وغيرها من العبارات الكفرية التي مدارها على الحلول والاتحاد، وادعاء الربوبية مع الله، ثم يجعلون هذه الأحوال التي يصلون إليها هي غاية التوحيد والتحقيق، قال شيخ الإسلام: «وطائفة من الصوفية المدعين للتحقيق يجعلون هذا تحقيقاً وتوحيداً كما فعله صاحب منازل السائرين(2) وابن العريف(3) وغيرهما. كما أن الاتحاد العام جعله طائفة تحقيقاً وتوحيداً: كابن عربي الطائي، وقد ظن طائفة أن الحلاج كان من هؤلاء»(4).
فبين شيخ الإسلام "أن أصل شبهة هؤلاء أنهم جعلوا الاتحاد والحلول توحيداً؛--------------------------------------------
(1) هذه مقالات تنسب لأبي يزيد البسطامي، انظر: السير (13/ 88).
(2) هو أبو إسماعيل عبد الله بن محمد بن علي الأنصاري الهروي، شيخ خراسان في عصره، كان حافظاً للحديث، مظهراً للسنّة داعياً إليها، قال الذهبي: «كان شيخنا ابن تيمية بعد تعظيمه لشيخ الإسلام يحطّ عليه ويرميه بالعظائم بسبب ما في هذا الكتاب، نسأل الله العفو والسلامة» يعني منازل السائرين (ت: 481 هـ). انظر: تاريخ الإسلام (10/ 490)، طبقات الحنابلة (2/ 247).
(3) هو أبو العباس أحمد بن محمد بن موسى بن عطاء الله الصنهاجي الأندلسي المريي المعروف بابن العريف، له كتاب المجالس وغيره (ت: 536 هـ). انظر: السير (20/ 114)، وفيات الأعيان (1/ 168).
(4) مجموع الفتاوى (8/ 313).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 263)

بل هو عندهم غاية التحقيق والتوحيد ثم ظنوا أن الحلاج وقع في هذا الفناء الذي يسمونه توحيدا(1)؛ ولذلك خرجت منه مثل هذه الكلمات والأقوال الكفرية كقوله: (أنا الحق) ونحوها من العبارات، فحال الحلاج من جنس حال أهل الفناء، فإن العبد قد يفنى عن شهود ذاته، ولا يشهد إلا الحق بأسمائه وصفاته، فيتكلم الحق على لسانه، فيوحد نفسه بنفسه، فيكون الحق هو الناطق على لسان العبد والله هو الموحد لنفسه لا العبد، ويفرقون بين قول فرعون: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات:24]، وبين قول الحلاج: أنا الحق وسبحاني. فإن فرعون قال ذلك: وهو يشهد نفسه فقال عن نفسه، وأما أهل الفناء فغابوا عن نفوسهم وكان الناطق على لسانهم غيرهم"(2).
قال شيخ الإسلام رحمه الله في بيانه لهذا الأمر: «حتى إن كثيراً من أكابر شيوخ المعرفة والتصوف يجعلون هذا نهاية التحقيق والتوحيد، وهو أن يكون الموحّد هو الموحَّد، وينشدون(3):
ما وحد الواحد من واحد … إذ كل من وحده جاحد
توحيد من يخبر عن نعته … عارية أبطلها الواحد
توحيده إياه توحيده … ونعت من ينعته لاحد»(4)--------------------------------------------
(1) قال القاشاني في كتابه: اصطلاحات الصوفية (ص:220) في بيان تعريف الصوفية للتوحيد: الفناء عن رسوم الصفات في حضرة الواحدية، وشهود الحق بأسمائه وصفاته لا غير. وانظر: معجم كلمات الصوفية للنقشبندي (ص: 197) والمعجم الصوفي للحفني (ص: 6).
(2) مجموع الفتاوى (8/ 317).
(3) من أبيات أبي إسماعيل الهروي ذكرها في منازل السائرين، وقد أفسد بها كتابه، وعلى أن ابن القيم أورد له اعتذارات إلا أنه قال: «في هذا الكلام من الإجمال والحق والإلحاد ما لا يخفى … الخ» مدارج السالكين (3/ 475). وقال: «فرحمة الله على أبي إسماعيل، فتح للزنادقة باب الكفر والإلحاد، فدخلوا منه وأقسموا بالله جهد أيمانهم: إنه لمنهم، وما هو منهم، وغره سراب الفناء، فظن أنه لجة بحر المعرفة، وغاية العارفين، وبالغ في تحقيقه وإثباته، فقاده قسرا إلى ما ترى» مدارج السالكين (1/ 168).
(4) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية (3/ 325) وانظر: المصدر السابق (4/ 496).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 264)

ولما كان هذا هو اعتقادهم أجازوا حلول الله ببعض خلقه ونطقه على لسانه، وجعلوا ما كان يتلفظ به الحلاج من هذا الباب.
واحتج هذا الشيخ -أيضاً- لتبرير قوله بحلول الحق في قلب الحلاج ونطقه على لسانه، بحجة أخرى مشاهدة وهي حلول الجني في المصروع ونطقه على لسانه، فجعل هذا من جنس هذا.
فهذه هي أصل شبهة هذا الشيخ وأمثاله ممن يعتقدون هذا الاعتقاد، وهي الفهم الخاطئ لمعنى التوحيد، مما أدى للخطأ في تفسير الكلمات الكفرية التي صدرت عن بعض الاتحادية ومنهم الحلاج، وبنوا على هذا أمراً ثالثاً وهو أن كلام النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة كان من هذا الباب.

‌‌الوجه الثاني: الجواب عن هذه الشبهة:
قد تبين مما سبق أصل الشبهة التي بنى عليها المخالف حجته، وهي الضلال في مفهوم التوحيد، وجعله حقيقة التوحيد هي حلول الله بعبده ونطقه على لسانه، مما يبرر أن ما وقع فيه الحلاج من الأقوال الكفرية هي عين التوحيد؛ وذلك بدعواهم أن الله حل بقلب الحلاج ونطق على لسانه، كما يحل الجان بقلب المصروع وينطق على لسانه، والجواب على هذه الشبهة، يتكون من ثلاثة أمور:

‌‌أولاً: بيان فساد اعتقادهم فناء الحلاج واتحاد الحق -تعالى الله سبحانه- به:
قد بين شيخ الإسلام رحمه الله في مختلف مصنفاته فساد هذه الشبهة وفساد ما تفرع عنها من وجوه كثيرة أبرزها ما يلي:
الوجه الأول: بين شيخ الإسلام رحمه الله أن مدعي الربوبية لأنفسهم من الصوفية لهم أحوال كثر، فمنهم من قد يدعيها لوصلوه إلى حال السكر والفناء فيظن أن ما حوله فني، ويغيب حتى عن نفسه وشهوده، فلا يشاهد إلا الحق، وإنما الذي فني في الحقيقة تصوره للأشياء، وشهوده لها وإلا فالموجودات في نفسها باقية(1)،--------------------------------------------
(1) انظر: مجموع الفتاوى (13/ 198).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 265)

ومنهم من قد يتلبس به الشيطان فينطق على لسانه بمثل هذه العبارات الكفرية(1)، ومنهم من الباعث له على ذلك الزندقة والإلحاد ولم يحدث له اصطلام ولا تلبس به جان، والحلاج إنما كان من النوع الثالث كما هو ظاهر من أقواله وأفعاله ومصنفاته قال شيخ الإسلام: رحمه الله: «وأما كونه إنما كان يتكلم بهذا عند الاصطلام فليس كذلك؛ بل كان يصنف الكتب ويقوله وهو حاضر ويقظان»(2) فلا يصح الاعتذار له بأنه كان من أهل هذه الأحوال.
الوجه الثاني: أننا حتى لو سلمنا أن الباعث لنطق الحلاج بمثل هذه الكفريات هو الفناء الذي وصل إليه، والحال الذي غلب عليه، فمثل هذا الحال التي يزول فيها تمييزه بين الرب والعبد، وبين المأمور والمحظور ليست علماً ولا حقاً، بل غايته أنه نقص عقله الذي يفرق به بين هذا وهذا، وغايته أن يعذر، لا أن يجعل قوله توحيدا وتحقيقا(3)!
الوجه الثالث: أن هذا التوحيد الذي يزعمون تحققه للعارف الفاني عن نفسه ووجوده بوجود الله سبحانه، إنما غايته ومنتهاه تحقيق ما أقر به المشركون من توحيد الربوبية، وهذا لا يدل على إسلام ولا إيمان فضلا أن يدل على صلاح وتوحيد وولاية، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «فكذلك طوائف من أهل التصوف المنتسبين إلى المعرفة والتحقيق والتوحيد غاية ما عندهم من التوحيد هو شهود هذا التوحيد، وهو أن يشهد أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، لاسيما إذا غاب العارف بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، وبمعروفه عن معرفته، ودخل في فناء توحيد الربوبية. فهذا عندهم هو الغاية التي لا غاية وراءها، ومعلوم أن هذا هو تحقيق ما أقر به المشركون من التوحيد، ولا يصير الرجل بمجرد هذا التوحيد مسلماً، فضلاً عن أن يكون ولياً لله أو من سادات--------------------------------------------
(1) انظر: الجواب الصحيح (2/ 341).
(2) مجموع الفتاوى (2/ 486).
(3) المصدر السابق (8/ 313).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 266)

الأولياء»(1)، "وإنما الشأن في توحيد الإلهية الذي دعت إليه الرسل، وأنزلت به الكتب، وتميز به أولياء الله من أعدائه، وهو أن لا يعبد إلا الله، ولا يحب سواه، ولا يتوكل على غيره"(2).
الوجه الرابع: أن مثل هذه الأحوال لا تدل على الكمال ولا على الغاية في التحقيق والتوحيد، بل هي حال ضعف ونقص؛ لأنها إنما تصيب ضعاف العقول وضعاف النفوس(3)، ولذلك لم تكن هذه الأمور تحدث للرسل الكرام ولا السلف الصالحين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان(4).
الوجه الخامس: أن غياب العقل والوصول بصاحبه إلى حال كحال المجانين والسكارى ليس فيه مدح لا عقلاً ولا شرعاً ولا عادة، بل يذم من يتعمد ذلك شرعاً وعقلاً وعادة(5).
الوجه السادس: بين شيخ الإسلام في مواضع كثيرة من كتبه أن الفناء ثلاثة أنواع وهي:
1) الفناء عن إرادة ما سوى الله، وهو إخلاص العبادة لله، فيفنى بعبادته عن عبادة ما سواه.
2) الفناء عن شهود ما سوى الله، وهو الفناء في توحيد الربوبية، وهو الفناء الذي يعنيه هؤلاء المتصوفة.
3) الفناء عن وجود السوى، بحيث يرى أن وجود المخلوق هو عين وجود الخالق، فلا يوجد سوى الله، وهو قول أهل الاتحاد والحلول.--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (3/ 102).
(2) مدارج السالكين (1/ 174).
(3) انظر: التدمرية (ص: 220).
(4) انظر: التدمرية (ص:222)، الرد على الشاذلي (ص:102).
(5) مجموع الفتاوى (2/ 482)، وانظر: الهدية الهادية إلى الطائفة التيجانية لتقي الدين الهلالي (ص:120).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 267)

فالنوع الأول هو التوحيد الذي جاء به الشرع وهو فناء ديني شرعي، والنوع الثاني فناء صوفي بدعي، وهو طريق موصل للنوع الثالث وهو الفناء الإلحادي الكفري(1).
الوجه السابع: إن المعنى الذي ذكروه للتوحيد معنى كفري باتفاق الأمة، فقد أجمعت الأمة على كفر من قال باتحاد الله وحلوله بشيء من خلقه، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وبالجملة فلا خلاف بين الأمة أن من قال بحلول الله في البشر واتحاده به وأن البشر يكون إلها وهذا من الآلهة: فهو كافر مباح الدم وعلى هذا قتل الحلاج. ومن قال: إن الله نطق على لسان الحلاج، وأن الكلام المسموع من الحلاج كان كلام الله وكان الله هو القائل على لسانه: أنا الله فهو كافر باتفاق المسلمين؛ فإن الله لا يحل في البشر ولا تكلم على لسان بشر»(2).
الوجه الثامن: أن قولهم من جنس قول النصارى وكفر النصارى معلوم بالضرورة من دين الإسلام؛ لاعتقادهم حلول الله بالمسيح عيسى عليه السلام واتحاده به "وهؤلاء حقيقة قولهم من جنس قول النصارى في المسيح يدعون أن حقيقة التوحيد أن يكون الموحِّد هو الموحَّد؛ فيكون الحق هو الناطق على لسان العبد والله الموحد لنفسه لا العبد، وهذا في زعمهم هو السر الذي كان الحلاج يعتقده، وهو بزعمهم قول خواص العارفين"(3).
بل إن قول هؤلاء شر من قول النصارى؛ حيث إن النصارى إنما اعتقدوا حلول الله بالمسيح عليه السلام، أما هؤلاء فاعتقدوا حلول الله بمن هو دون المسيح عليه السلام، بل بمن هو من الزنادقة والمجرمين، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «فالنصارى الذين كفرهم الله ورسوله واتفق المسلمون على كفرهم بالله ورسوله: كان من أعظم--------------------------------------------
(1) انظر: التدمرية (ص: 221 - 223)، الرد على الشاذلي في حزبيه وما صنفه في آداب الطريق (ص: 101 - 103) ومجموع الفتاوى (13/ 200 - 205)، طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص:260 - 263).
(2) مجموع الفتاوى (2/ 481).
(3) انظر: مجموع الفتاوى (14/ 185).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 268)

دعواهم الحلول والاتحاد بالمسيح ابن مريم فمن قال بالحلول والاتحاد في غير المسيح -كما تقوله الغالية في علي، وكما تقوله الحلاجية(1) في الحلاج، والحاكمية في الحاكم(2)، وأمثال هؤلاء - فقولهم شر من قول النصارى؛ لأن المسيح ابن مريم أفضل من هؤلاء كلهم»(3).
الوجه التاسع: أن السلف كفروا الجهمية لمجرد تلويحهم بأن الله في كل مكان، فكيف بمن صرح بذلك كالاتحادية هؤلاء، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وقد كان سلف الأمة وسادات الأئمة؛ يرون كفر الجهمية أعظم من كفر اليهود كما قال عبد الله بن المبارك والبخاري وغيرهما، وإنما كانوا يلوحون تلويحا وقل أن كانوا يصرحون بأن ذاته في مكان، وأما هؤلاء الاتحادية فهم أخبث وأكفر من أولئك الجهمية»(4).
الوجه العاشر: أن إنكار بينونة الله لخلقه هو تكذيب في الحقيقة للكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، وتكذيبه كفر بالله وخروج عن الملة، وتقرير هذا الأمر أشهر من أن يذكر، وأوضح من أن يسطر، فهو ضرورة لا يمكن جهلها ولا يسع جحدها، إلا من مكابر معاند، أو ملحد زنديق، وقد كان مما رد به شيخ الإسلام على مناظره في اتحاد الحلاج بالحق أن قال له: «وهو سبحانه بائن عن قلب الحلاج وغيره من المخلوقات، فقلب الحلاج أو غيره كيف يسع ذات الحق؟! … »(5).--------------------------------------------
(1) نسبة إلى مَن ألَّه الحلاج، وقد سبقت ترجمته.
(2) هو (الحاكم بأمر الله) أبو علي، منصور ابن نزار (العزيز باللَّه) ابن معد (المعز لدين الله) ابن إسماعيل بن محمد العبيدي، متأله، غريب الأطوار، من خلفاء الدولة الفاطمية، وظهرت الدعوة إلى تأليهه سنة (407 هـ) على يد حمد بن إسماعيل الدرزي وحسن بن حيدرة الفرغاني، (ت:411 هـ). انظر: السير (15/ 173)، وفيات الأعيان (5/ 292).
(3) مجموع الفتاوى (2/ 280 - 281)، وانظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (4/ 497).
(4) مجموع الفتاوى (2/ 477).
(5) منهاج السنة (5/ 379).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)

‌‌ثانياً: من جهة فساد اعتقادهم في الحلاج:
اعتقد الاتحادية في الحلاج اعتقاداً فاسداً؛ حيث غلو فيه حتى بلغوا به درجة الألوهية، وأنه كان يفنى عن ذاته، حتى تتحد به ذات الحق سبحانه، وينطق على لسانه -والعياذ بالله من هذه الأقوال وقائليها-.
وحقيقة الأمر كما بينها شيخ الإسلام أن الحلاج ما كان إلا ساحراً زنديقاً؛ قُتِل على الزندقة والإلحاد، ومقالاته مقالات كفرية باتفاق المسلمين، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «الحلاج قتل على الزندقة، التي ثبتت عليه بإقراره وبغير إقراره، والأمر الذي ثبت عليه مما يوجب القتل باتفاق المسلمين، ومن قال: إنه قتل بغير حق فهو إما منافق ملحد، وإما جاهل ضال.
والذي قتل به ما استفاض عنه من أنواع الكفر، وبعضه يوجب قتله، فضلا عن جميعه، ولم يكن من أولياء الله المتقين، بل كان له عبادات ورياضات ومجاهدات، بعضها شيطاني، وبعضها نفساني، وبعضها موافق للشريعة من وجه دون وجه، فلبس الحق بالباطل.
وكان قد ذهب إلى بلاد الهند، وتعلم أنواعاً من السحر، وصنف كتاباً في السحر معروفاً، وهو موجود إلى اليوم، وكانت له أقوال شيطانية، ومخاريق بهتانية»(1).
ولا يعلم أن أحداً من علماء المسلمين أثنى عليه أو ذكره بخير، سوى بعض متقدمي الصوفية الذين لم يتبين لهم حاله، قال شيخ الإسلام: «وما نعلم أحداً من أئمة المسلمين ذكر الحلاج بخير، لا من العلماء ولا من المشايخ؛ ولكن بعض الناس يقف فيه؛ لأنه لم يعرف أمره»(2)، بل حتى مشايخ المتصوفة لم يعدوه من أهل الطريق وذلك لظهور كفره وزندقته، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وعند جماهير--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (35/ 108)، وانظر: الفتاوى الكبرى (3/ 480)، جامع الرسائل (1/ 187).
(2) مجموع الفتاوى (2/ 483).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 270)

المشايخ الصوفية وأهل العلم أن الحلاج لم يكن من المشايخ الصالحين؛ بل كان زنديقاً»(1)، «وقد ذكر أبوعبد الرحمن السلَمي(2) أن جمهور المشايخ أخرجوه عن الطريق، وكان ساحرًا، وله مصنف في السحر»(3).

‌‌ثالثاً: فساد ما ذكروه من مثال لتقرير هذا الأمر:
بين شيخ الإسلام رحمه الله فساد المثال الذي ذكروه من أن الله حل بقلب الحلاج ونطق على لسانه، كما يحل الجان بقلب المصروع وينطق على لسانه، وقد نقض شيخ الإسلام ذلك من عدة أوجه:
الوجه الأول: قياسكم غير صحيح فأنتم تقولون إن الله حل بقلب الحلاج، كما يحل الجن ببدن الإنسان، والجن إذا دخل جسد الإنسان يسري في جميع جسده ويشغل جميع أعضائه، ولا يكون في القلب فحسب(4).
الوجه الثاني: أن القلب إنما تحل وتقوم به الأعراض لا الأعيان القائمة بنفسها، والجن مخلوقات وأعيان قائمة بنفسها وليست أعراض، فكيف تحل بالقلب(5)؟!.
الوجه الثالث: يلزم على قولكم هذا أن ذات الله سبحانه إنما هي عرض من الأعراض، وليست ذاتًا قائمة بنفسها؛ وذلك لأن القلب لا تقوم به إلا الأعراض، -تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً-(6).--------------------------------------------
(1) المصدر السابق (8/ 318).
(2) هو أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين بن محمد بن موسى الأزدي السلمي النيسابوري، شيخ الصوفية وصاحب تاريخهم وطبقاتهم وتفسيرهم، له مصنفات منها: الأربعين، طبقات الصوفية وغيرها، (ت: 412 هـ). انظر: تاريخ بغداد (2/ 248)، ميزان الاعتدال (3/ 46).
(3) جامع المسائل (4/ 384)، وانظر: مجموع الفتاوى (4/ 384)، وانظر: طبقات الصوفية (ص:236).
(4) انظر: منهاج السنة (5/ 378 - 379).
(5) انظر: المصدر السابق (5/ 379).
(6) انظر: المصدر السابق (5/ 379).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)

الوجه الرابع: أن هذا مناقض لما قد علم بالضرورة من الدين والعقل أن الله بائن عن خلقه، فكيف يصح أن يقال إنه حل بالحلاج أو غيره(1)؟!
الوجه الخامس: أن الله عز وجل أعظم وأكبر من جميع خلقه، فكيف يصح أن يقال: أنه حل بقلب الحلاج؟ وكيف يسع قلب الحلاج ونحوه ذات الحق سبحانه(2)؟!.
الوجه السادس: أن دعواهم مخالفة لما هو "معلوم بالاضطرار من العقل والدين أن الله لم يتكلم على لسان بشر، كما يتكلم الجني على لسان المصروع"(3)، "ولكن يرسل الرسل بكلامه فيقولون عليه ما أمرهم ببلاغه، فيقول على ألسنة الرسل ما أمرهم بقوله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أما إن الله قال على لسان نبيه سمع الله لمن حمده)(4)، فإن كل واحد من المرسل والرسول: قد يقال إنه يقول على لسان الآخر، كما قال الإمام أحمد بن حنبل للمروذي: (قل على لساني ما شئت)(5)، وكما يقال: هذا يقول على لسان السلطان كيت وكيت، فمثل هذا معناه مفهوم، وأما إن الله هو المتكلم على البشر، كما يتكلم الجني على لسان المصروع: فهذا كفر صريح"(6).
الوجه السابع: أن هذا القول مخالف لكمال غناه عز وجل مستلزم لفقره واحتياجه لما سواه، كقلب يحل فيه، أو لسان ينطق به، كما يقول هؤلاء -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا- قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وكل من وقع بنوع من الحلول لزم افتقار الخالق إلى غيره واستغناء غيره عنه»(7).--------------------------------------------
(1) انظر: المصدر السابق (5/ 379).
(2) انظر: المصدر السابق (5/ 379).
(3) مجموع الفتاوى (1/ 158).
(4) رواه مسلم، باب: التشهد في الصلاة. برقم (404).
(5) لم أقف على هذا الأثر.
(6) مجموع الفتاوى (2/ 481 - 482).
(7) درء تعارض العقل والنقل (10/ 287).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 272)

وبهذا القدر يتضح فساد ما احتج به هذا المناظر، لتبرير ما وقع به شيخهم الحلاج من ضلالات وكفريات، تناقض الشرع الكريم، وتخالف العقل المستقيم.
* * *

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 273)

‌‌المبحث الثالث: مناظرته مع جماعة من الاتحادية العارفين بالفلسفة وغيرها والداخلين في التصوف والزهد في اعتقادهم أن ابن هود هو الله، وهو المسيح ابن مريم:
ويشتمل على مطلبين:

‌‌المطلب الأول: عرض المناظرة:
‌‌تمهيد:
ذكر شيخ الإسلام رحمه الله هذه المناظرة أثناء بيانه لحال الاتحادية، حيث بين رحمه الله أن أصحاب الحلول والاتحاد هم أحق الناس باتباع المسيح الدجال، حيث لا يمتنع على قولهم بجواز الاتحاد بين الخالق والمخلوق، أن يكون الدجال هو نفسه الله -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا-.
ثم عَرَجَ شيخ الإسلام رحمه الله على تكذيب الرازي وأمثاله للحديث الوارد في علامة الدجال وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور)(1)، بحجة أن أدلة نفي الربوبية عن المسيح أوضح وأكثر من هذا فكيف يحتج على نفي ربوبيته--------------------------------------------
(1) رواه البخاري، كتاب الفتن، باب ذكر الدجال (7131)، ومسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة (2933).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 274)

بالعور فقط؟
وقد أجاب شيخ الإسلام عن هذه الشبهة وبين صحة الحديث وثبوته، من وجوه عدة(1)، ثم شرع رحمه الله في ذكر هذه المناظرة التي حدثت له مع صنف آخر ممن لم ينكر الحديث وإنما فهمه على غير معناه ووجهه الصحيح؛ بل جعله دليلا على جواز اتحاد الله بابن هود -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا-.
ويلاحظ القارئ تفاوت مسلك الفريقين مع الحديث وتناقضه، فالفريق الأول ينكر الحديث ويجحده، والفريق الآخر جعل الحديث مثبتا للاتحاد والحلول.
وقد مهد شيخ الإسلام قبل ذكر هذه المناظرة بذكر نبذة عن شخصية هذا الرجل الذي اغتر به الكثير ألا وهو ابن هود(2)، فذكر أنه كان شيخاً مشهوراً بدمشق، وكان من أعظم الاتحادية زهداً ومعرفة ورياضة، وكان معظماً لابن سبعين ومفضلاً له على ابن عربي، وقد بلغ الحال ببعض مريديه إلى أن ادعوا أنه هو المسيح عيسى ابن مريم، بل وادعو أنه هو الله -تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً-(3).--------------------------------------------
(1) انظر: بغية المرتاد (ص:514 - 519)، وسيتم ذكر أهم الأوجه أثناء دراسة المناظرة.
(2) ابن هود: هو أبو علي بدر الدين حسن بن علي بن يوسف بن هود المرسي المغربي الأندلسي الصوفي الاتحادي الضال، حصل له زهد مفرط وفراغ عن الدنيا، وكان لا يفرق بين الملل والنحل، ويجيز التدين بأي دين، وربما أقام اليوم واليومين شاخص العينين لا يفوه بحرف، وصحِب ابن سبعين واشتغل بالفلسفة والطبّ وتُرَّهات الاتّحادية، وزُهْديّات الصوفية، وخلط هذا بهذا، وكان غارقاً في الفكر، مواصل الأحزان، يلبس نوعاً من الثياب مما لم يعهد لبس مثله، وحُمِلَ مرة إلى والي البلد وهو سكران أخذوه من حارة اليهود فأحسن الوالي به الظن وسرحه، وقيل: سقاه اليهود خبثاً منهم ليغضوا منه بذلك، ومن شعره:
علم قومي بي جهل … إن شأني لأجل
أنا عبد أنا رب … أن عز أنا ذل
أنا دنيا أنا أخرى … أنا بعض أنا كل
توفي سنة (699 هـ). انظر: السير (23/ 22)، وفوات الوفيات (1/ 345)، وشذرات الذهب (5/ 447)، وأعيان العصر (2/ 200 - 205)، والوافي بالوفيات (12/ 156).
(3) انظر: بغية المرتاد (ص:514 - 520).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 275)

‌‌عرض المناظرة:
قال شيخ الإسلام: «وقد كان عندنا بدمشق الشيخ المشهور الذي يقال له: ابن هود، وكان من أعظم من رأيناه من هؤلاء الاتحادية؛ زهداً ومعرفة ورياضة، وكان من أشد الناس تعظيماً لابن سبعين ومفضلاً له عنده على ابن عربي وغلامه ابن إسحاق(1)، وأكثر الناس من الكبار والصغار كانوا يطيعون أمره، وكان أصحابه الخواص به يعتقدون فيه أنه الله، وأنه أعني ابن هود هو المسيح بن مريم، ويقولون إن أمه كان اسمها مريم وكانت نصرانية، ويعتقدون أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ينزل فيكم ابن مريم)(2) هو هذا، وأن روحانية عيسى تنزل عليه.
وقد ناظرني في ذلك من كان أفضل الناس إذ ذاك معرفة بالعلوم الفلسفية وغيرها مع دخوله في الزهد والتصوف، وجرى لهم في ذلك مخاطبات ومناظرات يطول ذكرها جرت بيني وبينهم، حتى بينت لهم فساد دعواهم بالأحاديث الصحيحة الواردة في نزول عيسى بن مريم، وأن ذلك الوصف لا ينطبق على هذا، وبينت فساد ما دخلوا فيه من القرمطة حتى أظهرت(3) مباهلتهم(4)، وحلفت لهم أن ما ينتظرونه من هذا لا يكون ولا يتم، وأن الله لا يتم أمر هذا الشيخ؛ فأبر الله تلك الأقسام والحمد لله رب العالمين.
هذا مع تعظيمهم لي بمعرفتي عندهم، وإلا فهم يعتقدون أن سائر الناس محجوبون جهال بحقيقتهم وغوامضهم، وإلا فمن كان عند هؤلاء يصلح أن--------------------------------------------
(1) هو صدر الدين محمد بن إسحاق القونوي الرومي. وقد سبق ترجمته.
(2) رواه البخاري، كتاب أخبار الأنبياء، باب نزول عيسى ابن مريم (3448)، ومسلم، كتاب الإيمان (155).
(3) في المطبوع: (ظهرت) ولعله خطأ.
(4) الباء والهاء واللام) أصول ثلاثة: أحدها التخلية، والثاني جنس من الدعاء، والثالث قلة في الماء. والمباهلة ترجع إلى الثاني؛ فإن المتباهلين يدعو كل واحد منهما على صاحبه. قال الله تعالى: {ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران:61]. انظر: مقاييس اللغة (1/ 310).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 276)