فقلت: همتي ليست معكم؛ بل أنا معارض لكم، مانع لكم؛ لأنكم تقصدون بذلك إبطال شريعة رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم- فإن كان لكم قدرة على إظهار ذلك فافعلوا.
فانقلبوا صاغرين»(1).
المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية في المناظرة: مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة: وذلك من وجهين:
الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:
أصل شبهة القوم التي بنوا عليها صحة مذهبهم واستقامة مسلكهم وطريقتهم: هي اغترارهم بتصديق عامة الناس لهم فيما يظهرونه من إشارات وأحوال، فجعلهم هذا يظنوا أنهم على الحق والصواب(2).
الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:
بين لهم شيخ الإسلام، أن العامة وجهلة الناس ليسوا معيارًا في معرفة الحق من الباطل، إذ أن طريقتهم وأحوالهم لا يسلم لهم بها إلا أحد شخصين:
1. جاهل لا يعلم حقيقة ما يقومون به من خُدعٍ وحيل، وذلك كالأعراب والفلاحين والعامة.
2. عارف عالم، ولكنه منقاد لهم وهمته وهواه معهم.
وأما إن كان الرجل عالماً بدين الله، وهمته فيما وافق الكتاب والسنة، فإنهم لا يستطيعون خداعه بمثل هذه الأمور.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وأما الذين يفعلون ما أمر الله به ورسوله من الصلوات الخمس وغيرها ويخلصون دينهم لله فلا يدعون إلا الله ولا يعبدون غيره ولا ينذرون إلا لله ويحرمون ما حرم الله ورسوله؛ فهؤلاء جند الله الغالبون--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (11/ 448).
(2) انظر: مجموع الفتاوى (11/ 448).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 317)
وحزب الله المفلحون، فإنه يؤيدهم وينصرهم. وهؤلاء يهزمون شياطين أولئك الضالين فلا يستطيعون مع شهود هؤلاء واستغاثتهم بالله أن يفعلوا شيئا من تلك الأحوال الشيطانية بل تهرب منهم تلك الشياطين.
وهؤلاء معترفون بذلك. يقولون: أحوالنا ما تنفذ قدام أهل الكتاب والسنة وإنما تنفذ قدام من لا يكون كذلك من الأعراب والترك والعامة وغيرهم»(1).
وهذا هو ما كان عليه شيخ الإسلام رحمه الله، فإنهم لما عرفوا أنه ليس من الصنف الأول، طلبوا منه أن يكون من الصنف الثاني، لكي يتقبل ما يظهرونه من إشارات، وما يدعونه من كرامات.
ولكنه بين لهم رحمه الله أنه ليس من أحد الصنفين، فانقلبوا بعد ذلك صاغرين، ولم يستطيعوا إظهار شيء من ذلك.
ولتعلق هذه المسألة وارتباطها بسابقتها فسيكون لها -أيضاً- مزيد بحث وتحقيق في المبحث التاسع -إن شاء الله-.
* * *--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (11/ 668).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 318)
المبحث الثالث: مناظرته مع شيخ من شيوخ الرفاعية في تعبدهم بلبس الأغلال: ويشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: عرض المناظرة:
نص المناظرة:
قال شيخ الإسلام رحمه الله: «فلما كان قبل هذه الواقعة بمدة كان يدخل منهم جماعة مع شيخ لهم من شيوخ البر مطوقين بأغلال الحديد في أعناقهم(1)، وهو وأتباعه معروفون بأمور، وكان يحضر عندي مرات فأخاطبه بالتي هي أحسن، فلما ذكر الناس ما يظهرونه من الشعار المبتدع الذي يتميزون به عن المسلمين ويتخذونه عبادة ودينا يوهمون به الناس أن هذا لله سر من أسرارهم وإنه سيماء أهل الموهبة الإلهية، السالكين طريقهم -أعني طريق ذلك الشيخ وأتباعه- خاطبته في ذلك بالمسجد الجامع وقلت هذا بدعة لم يشرعها الله تعالى ولا رسوله ولا فعل ذلك أحد من سلف هذه الأمة ولا من المشايخ الذين يقتدى بهم، ولا يجوز التعبد بذلك ولا التقرب به إلى الله تعالى؛ لأن عبادة الله بما لم يشرعه ضلالة ولباس الحديد على غير وجه التعبد قد كرهه من كرهه من العلماء--------------------------------------------
(1) قال الشيخ محمد رشيد رضا في تحقيقه لمجموعة الرسائل والمسائل (1/ 124): رأيت مثل هؤلاء في الهند من متصوفة الشرك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 319)
للحديث المروي في ذلك وهو أن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- رأى على رجل خاتماً من حديد فقال: (ما لي أرى عليك حلية أهل النار)(1).
وقد وصف الله تعالى أهل النار بأن في أعناقهم الأغلال(2)، فالتشبه بأهل النار من المنكرات. وقال بعض الناس قد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- في حديث الرؤيا قال في آخره: (أحب القيد وأكره الغل، القيد ثبات في الدين)(3)، فإذا كان مكروهًا في المنام فكيف في اليقظة؟! فقلت له في ذلك المجلس ما تقدم من الكلام أو نحو منه مع زيادة. وخوفته من عاقبة الإصرار على البدعة وأن ذلك يوجب عقوبة فاعله ونحو ذلك من الكلام الذي نسيت أكثره لبعد عهدي به، وذلك أن الأمور التي ليست مستحبة في الشرع لا يجوز التعبد بها باتفاق المسلمين ولا التقرب بها إلى الله ولا اتخاذها طريقًا إلى الله وسببًا لأن يكون الرجل من أولياء الله وأحبائه ولا اعتقاد أن الله يحبها أو يحب أصحابها كذلك أو أن اتخاذها يزداد به الرجل خيرًا عند الله وقربة إليه، ولا أن يجعل شعارًا للتائبين المريدين وجه الله الذين هم أفضل ممن ليس مثلهم. فهذا أصل عظيم تجب معرفته والاعتناء به وهو أن المباحات إنما تكون مباحة إذا جعلت مباحات فأما إذا اتخذت واجبات أو مستحبات كان ذلك دينًا لم يشرعه الله، وجعل ما ليس من الواجبات والمستحبات منها بمنزلة جعل ما ليس من المحرمات منها فلا حرام--------------------------------------------
(1) رواه أبو داود برقم (4223)، والترمذي (1786)، وصححه الألباني انظر: صحيح الجامع (5540).
(2) يشير إلى قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الرعد:5]، وقوله تعالى: {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سبأ:33] وقوله تعالى: {الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (71) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ} [غافر:70 - 72].
(3) رواه البخاري، كتاب التعبير. باب القيد في المنام. (7017) من قول أبي هريرة رضي الله عنه، ومسلم كتاب الرؤيا، برقم (2263) ولم يجزم بوقفه ولا برفعه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 320)
إلا ما حرمه الله؛ ولا دين إلا ما شرعه الله؛ ولهذا عظم ذم الله في القرآن لمن شرع دينًا لم يأذن الله به ولمن حرم ما لم يأذن الله بتحريمه، فإذا كان هذا في المباحات فكيف بالمكروهات أو المحرمات ولهذا كانت هذه الأمور لا تلزم بالنذر فلو نذر الرجل فعل مباح أو مكروه أو محرم لم يجب عليه فعله كما يجب عليه إذا نذر طاعة الله أن يطيعه؛ بل عليه كفارة يمين إذا لم يفعل عند أحمد وغيره، وعند آخرين لا شيء عليه فلا يصير بالنذر ما ليس بطاعة ولا عبادة [طاعة وعبادة]، ونحو ذلك العهود التي تتخذ على الناس لالتزام طريقة شيخ معين كعهود أهل الفتوة(1)، ورماة البندق(2)، ونحو ذلك ليس على الرجل أن يلتزم من ذلك على وجه الدين والطاعة لله، إلا ما كان ديناً وطاعة لله ورسوله في شرع الله؛ لكن قد يكون عليه كفارة عند الحنث في ذلك؛ ولهذا أمرت غير واحد أن يعدل عما أخذ عليه من العهد بالتزام طريقة مرجوحة أو مشتملة على أنواع من البدع إلى ما هو خير منها من طاعة الله ورسوله واتباع الكتاب والسنة، إذ كان المسلمون متفقين على أنه لا يجوز لأحد أن يعتقد أو يقول عن عمل: إنه قربة وطاعة وبر وطريق إلى الله واجب أو مستحب إلا أن يكون مما أمر الله به ورسوله؛ وذلك يعلم بالأدلة المنصوبة على ذلك وما علم باتفاق الأمة أنه ليس بواجب ولا مستحب ولا قربة لم يجز أن يعتقد أو يقال إنه قربة وطاعة.
فكذلك هم متفقون على أنه لا يجوز قصد التقرب به إلى الله ولا التعبد به--------------------------------------------
(1) الفتوة: المراد بها عند الصوفية مقام يتصف فيه صاحبه بالعدالة التي هي جماع الفضائل الخلقية ويتنزه عن الرذائل النفسية، والألواث الطبيعية، ويرجع إلى صفاء الفطرة. انظر: معجم اصطلاحات الصوفية لعبد الرزاق كشاني (ص: 261)، المعجم الصوفي للدكتورة سعاد الحكيم (ص: 871).
(2) رماة البندق طائفة كبيرة يخرجون إلى ضواحي المدن يتسابقون في رميه على الطير ونحوه، ويعدون ذلك من قبيل الفتوة، ولهم زي خاص، ولهم أيمان وعهود مبتدعة يسمونها أيمان البندق، والبندق آلة صيد كانت تستخدم في عهد المماليك. انظر: نهاية الأرب (10/ 324) جامع المسائل (1/ 303)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 321)
ولا اتخاذه دينا ولا عمله من الحسنات فلا يجوز جعله من الدين لا باعتقاد وقول ولا بإرادة وعمل.
وبإهمال هذا الأصل غلط خلق كثير من العلماء والعباد يرون الشيء إذا لم يكن محرمًا لا ينهى عنه؛ بل يقال إنه جائز ولا يفرقون بين اتخاذه دينًا وطاعةً وبرًا وبين استعماله كما تستعمل المباحات المحضة، ومعلوم أن اتخاذه دينا بالاعتقاد أو الاقتصاد أو بهما أو بالقول أو بالعمل أو بهما من أعظم المحرمات وأكبر السيئات، وهذا من البدع المنكرات التي هي أعظم من المعاصي التي يعلم أنها معاصي وسيئات فلما نهيتهم عن ذلك أظهروا الموافقة والطاعة»(1).
المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية في المناظرة:
كان من شعائر القوم البدعية الظاهرة، لبسهم وتقلدهم للأطواق والأغلال والسلاسل حول أعناقهم، وتعبدهم الله بلبس هذه الأغلال وجعلها شعار لهم يميزهم عن بقية الناس، وكان هذا من أعظم ما قام شيخ الإسلام يإنكاره عليهم، وقد ناقش شيخ الإسلام هذه المسألة معهم في مجلسين مختلفين: أولهما في هذه المناظرة، والآخر في المناظرة الكبرى بقصر الإمارة، وستكون مناقشة هذه المسألة من وجهين:
الوجه الأول: بيان أصل شبهتهم في لبس الأغلال:
بين شيخ الإسلام رحمه الله أن أصل شبهتهم التي حملتهم على هذا الفعل، هي ما ادعوه من أن لبس هذه الأغلال وتقلد هذه الأطواق سر من أسرارهم التي لا يطلع عليها إلا هم، وهو شعار وسيماء أهل الموهبة الإلهية السالكين طريق شيخهم، وأن الأمور التي لم يأت في الشرع بيان حرمتها فالأصل إباحتها وجواز التعبد لله بها، فلا مانع من التعبد لله بلبس الأغلال، واتخاذها شعاراً لهم يميزهم عن غيرهم(2).--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (11/ 449 - 452).
(2) انظر: مجموع الفتاوى (11/ 449).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 322)
الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:
بين شيخ الإسلام رحمه الله في هذه المناظرة بطلان وفساد هذه العادة التي اتخذها هؤلاء القوم قربة وعبادة، وبطلان شبهتهم في ذلك من ستة أوجه:
الأول: أن هذه بدعة لم يشرعها الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن عبد الله بغير ما شرع فقد وقع في البدعة والضلالة(1).
الثاني: أن هذا الأمر لم يفعله أحد من السلف الصالحين، ولا من مشايخ الدين المقتدى بهم، وإنما هو من إحداث هؤلاء القوم(2).
الثالث: أن لبس الحديد قد كرهه من كرهه من العلماء لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على رجل خاتما من حديد فقال: (مالي أرى عليك حلية أهل النار)(3) فقالوا بكراهة لبسه ولو كان لبسه على غير تعبد، فكيف إذا كان تعبدا وديانة(4)؟!
الرابع: أن هذا الفعل تشبه بأهل النار؛ لأن الله وصفهم بأن في أعناقهم الأغلال، والتشبه بأهل النار من المنكرات(5).
الخامس: أنه قد جاء في السنة كراهة الأغلال ولو في المنام وذلك في ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في حديث الرؤيا قال في آخره: (أحب القيد وأكره الغل، القيد ثبات في الدين)(6)، فإذا كان مكروها في المنام فكيف في اليقظة(7)؟!(8).--------------------------------------------
(1) انظر: المصدر السابق (11/ 449).
(2) انظر: المصدر السابق (11/ 449).
(3) سبق عزوه.
(4) انظر: مجموع الفتاوى (11/ 449).
(5) انظر: المصدر السابق (11/ 449).
(6) سبق عزوه.
(7) انظر: مجموع الفتاوى (11/ 449).
(8) ويبدو أن المحتج بهذه الحجة هو أحد الحاضرين مع شيخ الإسلام وليس الشيخ نفسه، ولذلك قال الشيخ قبل أن يسوقها: قال بعض الناس. وقد استحسن شيخ الإسلام استنباطه ولذلك ساقه ضمن ما استدل به على إبطال بدعة هؤلاء القوم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 323)
السادس: أن ما ليس مستحبًا في الشرع لا يجوز التعبد به باتفاق المسلمين، ولا اتخاذه طريقًا إلى الله ولا شعارًا لأهل الصلاح(1).
السابع: أنه لا يجوز التدين إلى الله بالأمور المباحة وجعلها مستحبة أو واجبة، فإن المباح إنما يكون مباحا إذا بقي على أصله، أما إذا اتخذ واجبًا أو مستحبًا، كان ذلك دينًا لم يشرعه الله وقد جاء في الوعيد لمن يتخذ دينا لم يشرعه الله الشيء العظيم، فإذا كان هذا في اتخاذ المباحات ديناً فكيف التعبد بالمكروهات والمحرمات؟!
قال شيخ الإسلام رحمه الله: «ولو سئل العالم عمن يعدو بين جبلين: هل يباح له ذلك؟ قال: نعم. فإذا قيل: إنه على وجه العبادة كما يسعى بين الصفا والمروة. قال: إن فعله على هذا الوجه حرام منكر، يستتاب فاعله، فإن تاب وإلا؛ قُتل.
ولو سئل عن كشف الرأس، ولبس الإزار، والرداء: أفتى بأن هذا جائز، فإذا قيل: إنه يفعله على وجه الإحرام كما يحرم الحاج. قال: إن هذا حرام منكر.
ولو سئل: عمن يقوم في الشمس. قال: هذا جائز. فإذا قيل: إنه يفعله على وجه العبادة. قال: هذا منكر. كما روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً قائماً في الشمس، فقال: (من هذا؟). قالوا: هذا أبو إسرائيل(2) يريد أن يقوم في الشمس، ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (مروه؛ فليتكلم، وليجلس، وليستظل، وليتم صومه)(3)؛ فهذا لو فعله لراحة أو غرض مباح لم ينه عنه، لكن لما فعله على وجه العبادة نهى عنه.
وكذلك لو دخل الرجل إلى بيته من خلف البيت لم يحرم عليه ذلك، ولكن إذا فعل ذلك على أنه عبادة كما كانوا يفعلون في الجاهلية: كان أحدهم إذا أحرم لم--------------------------------------------
(1) انظر: المصدر السابق (11/ 450).
(2) اسمه قشير وهو رجل من الأنصار، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو صاحب القصة المشهورة في النذر. انظر: معرفة الصحابة (4/ 2363) والاستيعاب (4/ 1596) والإصابة (5/ 423).
(3) رواه البخاري، كتاب الأيمان والنذور (6704).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 324)
يدخل تحت سقف؛ فنهوا عن ذلك، كما قال تعالى: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} [البقرة:189]، فبين سبحانه أن هذا ليس ببر وإن لم يكن حراماً، فمن فعله على وجه البر والتقرب إلى الله كان عاصياً مذموماً مبتدعاً، والبدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن العاصي يعلم أنه عاص فيتوب، والمبتدع يحسب أن الذي يفعله طاعة فلا يتوب … فمن فعل ما ليس بواجب ولا مستحب على أنه من جنس الواجب أو المستحب؛ فهو ضال مبتدع، وفعله على هذا الوجه حرام بلا ريب»(1).
الثامن: أنه ليس لأولياء الله لباس أو شعار يختصون به من دون الناس، قال شيخ الإسلام: "وليس لأولياء الله شيء يتميزون به عن الناس في الظاهر من الأمور المباحات، فلا يتميزون بلباس دون لباس إذا كان كلاهما مباحا، ولا بحلق شعر أو تقصيره أو ظفره، إذا كان مباحا، كما قيل: كم من صدِّيقٍ في قباء، وكم من زنديق في عباء"(2).
وبهذه الأوجه كلها نقض شيخ الإسلام ما جاء به هؤلاء القوم من بدعة، وما فعلوه من ضلالة، وفند ما ذكره هذا الشيخ من شبهة.
* * *--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (11/ 631 - 634).
(2) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (ص: 51).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 325)
المبحث الرابع: المناظرة الكبرى مع الرفاعية في قصر الإمارة: ويشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: عرض المناظرة.
تمهيد:
لقد كان ما أظهره الرفاعية من الطاعة والامتثال بعد المناظرة السابقة إنما هو كذب وتدليس، فهم لا زالوا على عقائدهم الفاسدة، وإنما أظهروا هذا عندما أعيتهم الحجة، وانقطعت أمامهم المحجة، وعجزوا عن الجواب على الأدلة الواضحة والبراهين الساطعة التي أوردها شيخ الإسلام رحمه الله، ولم يجدوا أمام تلك السهام الصائبة إلا التخفي وراء جدار السكوت، وإظهار الطاعة والموافقة، مع مضيهم على ما هم عليه من غي وضلال، وشطحات وبدع وأحوال؛ مما أدى إلى وقوع حوادث أخرى لهم مع شيخ الإسلام، ومع عامة الناس، وكان أعظمها ما جرى في المناظرة الكبرى التي وقعت بينهم وبين شيخ الإسلام في قصر الإمارة أمام السلطان وبمرأى الناس وبحضور العامة والعلماء والأمراء في محفل عظيم.
نص المناظرة:
قال شيخ الإسلام رحمه الله: «فلما نهيتهم عن ذلك أظهروا الموافقة والطاعة ومضت على ذلك مدة والناس يذكرون عنهم الإصرار على الابتداع في الدين وإظهار ما يخالف شرعة المسلمين ويطلبون الإيقاع بهم، وأنا أسلك مسلك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 326)
الرفق والأناة وأنتظر الرجوع والفيئة وأؤخر الخطاب إلى أن يحضر ذلك الشيخ لمسجد الجامع.
وكان قد كتب إلي كتابًا بعد كتاب فيه احتجاج واعتذار، وعتب وآثار وهو كلام باطل لا تقوم به حجة بل إما أحاديث موضوعة أو إسرائيليات غير مشروعة، وحقيقة الأمر الصد عن سبيل الله وأكل أموال الناس بالباطل.
فقلت لهم: الجواب يكون بالخطاب.
فإن جواب مثل هذا الكتاب لا يتم إلا بذلك، وحضر عندنا منهم شخص فنزعنا الغل من عنقه، وهؤلاء هم من أهل الأهواء الذين يتعبدون في كثير من الأمور بأهوائهم لا بما أمر الله تعالى ورسوله {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} [القصص:50]؛ ولهذا غالب وجدهم هوى مطلق لا يدرون من يعبدون، وفيهم شَبه قوي من النصارى الذين قال الله تعالى فيهم: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة:77]، ولهذا كان السلف يسمون أهل البدع أهل الأهواء، فحملهم هواهم على أن تجمعوا تجمع الأحزاب، ودخلوا إلى المسجد الجامع مستعدين للحراب بالأحوال التي يعدونها للغلاب. فلما قضيت صلاة الجمعة أرسلت إلى شيخهم لنخاطبه بأمر الله ورسوله -صلى الله تعالى عليه وسلم-، ونتفق على اتباع سبيله، فخرجوا من المسجد الجامع في جموعهم إلى قصر الإمارة -وكأنهم اتفقوا مع بعض الأكابر على مطلوبهم- ثم رجعوا إلى مسجد الشاغو(1) -على ما ذكر لي- وهم من الصياح والاضطراب على أمر من أعجب العجاب.
فأرسلت إليهم مرة ثانية لإقامة الحجة والمعذرة، وطلبًا للبيان والتبصرة ورجاء المنفعة والتذكرة، فعمدوا إلى القصر مرة ثانية وذُكر لي أنهم قدموا من--------------------------------------------
(1) لعله مسجد (الشاغور) وهي محلة مشهورة بالباب الصغير من دمشق. انظر: معجم البلدان (3/ 310) مراصد الاطلاع (2/ 774) معجم دمشق التاريخي (1/ 219).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 327)
الناحية الغربية مظهرين الضجيج والعجيج والإزباد والإرعاد واضطراب الرؤوس والأعضاء والتقلب في نهر بردى(1)، وإظهار التوله الذي يخيلوا به على الردى، وإبراز ما يدعونه من الحال والمحال الذي يسلمه إليهم من أضلوا من الجهال.
فلما رأى الأمير ذلك هاله ذلك المنظر! وسأل عنهم؟ فقيل له: هم مشتكون، فقال: ليدخل بعضهم. فدخل شيخهم وأظهر من الشكوى علي، ودعوى الاعتداء مني عليهم كلامًا كثيرًا لم يبلغني جميعه؛ لكن حدثني من كان حاضرًا أن الأمير قال لهم: فهذا الذي يقوله من عنده أو يقوله عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: بل يقوله عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. قال: فأي شيء يقال له؟ قالوا: نحن لنا أحوال وطريق يسلم إلينا. قال: فنسمع كلامه فمن كان الحق معه نصرناه. قالوا: نريد أن تشد منا.
قال: لا ولكن أشد في الحق سواء كان معكم أو معه. قالوا: ولا بد من حضوره؟ قال: نعم. فكرروا ذلك فأمر بإخراجهم فأرسل إلي بعض خواصه من أهل الصدق والدين ممن يَعرف ضلالهم، وعرفني بصورة الحال، وأنه يريد كشف أمر هؤلاء.
فلما علمت ذلك أُلقي في قلبي أن ذلك لأمر يريده الله من إظهار الدين وكشف حال أهل النفاق المبتدعين؛ لانتشارهم في أقطار الأرضين، وما أحببت البغي عليهم والعدوان ولا أن أسلك معهم إلا أبلغ ما يمكن من الإحسان، فأرسلت إليهم من عرفهم بصورة الحال وإني إذا حضرت كان ذلك عليكم من الوبال وكثر فيكم القيل والقال، وأن من قعد أو قام قدام رماح أهل الإيمان فهو الذي أوقع نفسه في الهوان.
فجاء الرسول وأخبر أنهم اجتمعوا بشيوخهم الكبار الذين يعرفون حقيقة الأسرار، وأشاروا عليهم بموافقة ما أمروا به من اتباع الشريعة والخروج عما ينكر عليهم من البدع الشنيعة.--------------------------------------------
(1) نهر بردى: نهر دمشق الرئيسي ينبع من بحيرة نبع بردى. انظر: معجم دمشق (2/ 326).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 328)
وقال شيخهم(1) الذي يسيح بأقطار الأرض كبلاد الترك ومصر وغيرها: أحوالنا تظهر عند التتار لا تظهر عند شرع محمد بن عبد الله.
وأنهم نزعوا الأغلال من الأعناق وأجابوا إلى الوفاق.
ثم ذُكر لي أنه جاءهم بعض أكابر غلمان المطاع وذكر أنه لا بد من حضورهم لموعد الاجتماع.
فاستخرت الله تعالى تلك الليلة واستعنته واستنصرته واستهديته، وسلكت سبيل عباد الله في مثل هذه المسالك، حتى ألقي في قلبي أن أدخل النار عند الحاجة إلى ذلك، وأنها تكون برداً وسلاماً على من اتبع ملة الخليل، وأنها تحرق أشباه الصابئة أهل الخروج عن هذه السبيل. وقد كان بقايا الصابئة أعداء إبراهيم إمام الحنفاء بنواحي البطائح منضمين إلى من يضاهيهم من نصارى الدهماء. وبين الصابئة ومن ضل من العباد المنتسبين إلى هذا الدين نسب يعرفه من عرف الحق المبين، فالغالية من القرامطة(2) والباطنية كالنُصَيرية(3) والإسماعيلية(4) يخرجون--------------------------------------------
(1) قال ابن كثير رحمه الله: «الشيخ صالح الأحمدي الرفاعي شيخ المنيبع، كان التتر يكرمونه لما قدموا دمشق، ولما جاء قطلوشاه نائب التتر نزل عنده، وهو الذي قال للشيخ تقي الدين بن تيمية بالقصر: نحن ما ينفق حالنا إلا عند التتر، وأما عند الشرع فلا» البداية والنهاية (14/ 53)، وذكر هذا ابن عبد الهادي أيضاً في العقود الدرية (ص:211).
(2) سبق التعريف بهم في مناظرته مع التتار من هذا البحث (ص:223).
(3) هي إحدى فرق الشيعة الباطنية، تنسب إلى محمد بن نصير النميري، خالفوا الإمامية بإنكار إمامة محمد بن الحسن العسكري، ولهم عقائد غالية مشهورة أهمها تأليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه-ـ، وفي عهد المماليك كانوا موالين أتم الموالاة للنصارى وللتتار، وقد حرص الظاهر بيبرس على القضاء عليهم، ولابن تيمية-رحمه الله فتوى مشهورة في النصيرية وحقيقة مذهبهم وخطرهم وتعاونهم مع النصارى والتتار. انظر: الملل والنحل (1/ 188)، مجموع الفتاوى (35/ 145 - 160).
(4) هي إحدى فرق الشيعة الباطنية، تنتسب إلى إسماعيل بن جعفر الصادق، ولهم عقائد فاسدة في الله وصفاته وفي الصحابة وفي الثواب والعقاب والمعاد وغير ذلك، مبنية على الالحاد في النصوص وتحريف معانيها. انظر: الفرق بين الفرق (ص: 62)، الملل والنحل للشهرستاني (1/ 167).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 329)
إلى مشابهة الصابئة الفلاسفة ثم إلى الإشراك ثم إلى جحود الحق تعالى.
ومن شركهم الغلو في البشر والابتداع في العبادات والخروج عن الشريعة له نصيب من ذلك بحسب ما هو به لائق كالملحدين من أهل الاتحاد والغالية من أصناف العباد.
فلما أصبحنا ذهبت للميعاد وما أحببت أن أستصحب أحدًا للإسعاد، لكن ذهب أيضًا بعض من كان حاضرًا من الأصحاب، والله هو المسبب لجميع الأسباب.
وبلغني بعد ذلك أنهم طافوا على عدد من أكابر الأمراء، وقالوا أنواعاً مما جرت به عادتهم من التلبيس والافتراء الذي استحوذوا به على أكثر أهل الأرض من الأكابر والرؤساء، مثل زعمهم: أن لهم أحوالاً لا يقاومهم فيها أحد من الأولياء وأن لهم طريقًا لا يعرفها أحد من العلماء.
وأن شيخهم هو في المشايخ كالخليفة، وأنهم يتقدمون على الخلق بهذه الأخبار المنيفة، وأن المنكر عليهم هو آخذ بالشرع الظاهر غير واصل إلى الحقائق والسرائر.
وأن لهم طريقًا وله طريق، وهم الواصلون إلى كنه التحقيق، وأشباه هذه الدعاوى ذات الزخرف والتزويق.
وكانوا لفرط انتشارهم في البلاد واستحواذهم على الملوك والأمراء والأجناد؛ لخفاء نور الإسلام، واستبدال أكثر الناس بالنور الظلام، وطموس آثار الرسول في أكثر الأمصار ودروس حقيقة الإسلام في دولة التتار، لهم في القلوب موقع هائل، ولهم فيهم من الاعتقاد ما لا يزول بقول قائل.
قال المخبر: فغدا أولئك الأمراء الأكابر وخاطبوا فيهم نائب السلطان بتعظيم أمرهم الباهر، وذكر لي أنواعًا من الخطاب والله تعالى أعلم بحقيقة الصواب، والأمير مستشعر ظهور الحق عند التحقيق، فأعاد الرسول إلي مرة ثانية، فبلغه أنَّا في الطريق، وكان كثير من أهل البدع الأضداد كطوائف من المتفقهة والمتفقرة وأتباع أهل الاتحاد، مجدين في نصرهم بحسب مقدورهم، مجهزين لمن يعينهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 330)
في حضورهم.
فلما حضرت وجدت النفوس في غاية الشوق إلى هذا الاجتماع، متطلعين إلى ما سيكون، طالبين للاطلاع.
فذكر لي نائب السلطان وغيره من الأمراء بعض ما ذكروه من الأقوال المشتملة على الافتراء، وقال: إنهم قالوا: إنك طلبت منهم الامتحان، وأن يحموا الأطواق نارا ويلبسوها.
فقلت: هذا من البهتان، وها أنا ذا أصف ما كان.
قلت للأمير: نحن لا نستحل أن نأمر أحدًا بأن يدخل نارًا ولا تجوز طاعة من يأمر بدخول النار، وفي ذلك الحديث الصحيح(1).
وهؤلاء يكذبون في ذلك وهم كذابون مبتدعون، قد أفسدوا من أمر دين المسلمين ودنياهم ما الله به عليم.
وذكرت تلبيسهم على طوائف من الأمراء وأنهم لبَّسوا على الأمير المعروف بالأيدمري(2)، ..................................--------------------------------------------
(1) إشارة إلى حديث علي رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية وأمر عليهم رجل من الأمصار، وأمرهم أن يطيعوه، فغضب عليهم وقال: أليس أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: عزمت عليكم لما جمعتم حطبا وأوقدتم ناراً، ثم دخلتم فيها، فجمعوا حطباً فأوقدوا، فلما هموا بالدخول فقام بعضهم ينظر إلى بعض فقال بعضهم: إنما تبعنا النبي صلى الله عليه وسلم فرارًا من النار أفندخلها؟! فبينما هم كذلك إذ خمدت النار، وسكن غضبه فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (لو دخلوها ما خرجوا منها أبدًا، إنما الطاعة في المعروف) رواه البخاري برقم (4085) ومسلم برقم (1840).
(2) لعل المراد به الأمير الكبير بدر الدّين بيليك بن عبد الله الصّالحيّ، المعروف بالأيْدمُري أحد مماليك الملك المنصور قلاوون وخواصه، وكان من أعيان الأمراء بالديار المصرية، (ت: 686 هـ). ووجد الملك المنصور عليه وجداً عظيماً عندما مات. انظر: تاريخ الإسلام (15/ 590، 568)، المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي (3/ 515)، عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان (2/ 368).
أو الأمير الكبير حسام الدين لاجين الأيْدمريّ، الداوادار، الملقَّب بالدّرفيل. (ت: 672 هـ) قال الذهبي: «سمع من سِبْط السِّلَفيّ، وكان مُحِبًّا للعلماء، مُقَرِّبًا لهم، مؤْثِرًا للفُقراء، خاضعًا لهم. له معرفة وفضيلة ومشاركة وذكاء مُفْرِط وهِمّة عالية وَنَفْس شريفة، وكان السّلطان يحبّه ويعتمد عليه فِي المهمّات والمكاتبات وأمر القُصّاد» تاريخ الإسلام (15/ 255) وانظر: ذيل مرآة الزمان (3/ 67).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 331)
وعلى قفجق(1) نائب السلطنة وعلى غيرهما، وقد لبَّسوا أيضا على الملك العادل كتبغا(2) في ملكه وفي حالة ولاية حماة(3)، وعلى أمير السلاح أجل أمير بديار مصر، وضاق المجلس عن حكاية جميع تلبيسهم.
فذكرت تلبيسهم على الأيدمري وأنهم كانوا يرسلون من النساء من يستخبر عن أحوال بيته الباطنة، ثم يخبرونه بها على طريق المكاشفة ووعدوه بالملك، وأنهم وعدوه أن يروه رجال الغيب فصنعوا خشبًا طوالاً وجعلوا عليها من يمشي كهيئة الذي يلعب بأكر الزجاج، فجعلوا يمشون على جبل المِزَّة(4)، وذاك يرى من بعيد قوما يطوفون على الجبل وهم يرتفعون عن الأرض وأخذوا منه مالا كثيرًا ثم انكشف له أمرهم.--------------------------------------------
(1) هو سيف الدين قبجق ويقال قفجق المنصوري نائب دمش وحماة وحلب، كان تركياً صاحب فروسية ودهاء، تام الشكل، محبباً إلى الرعية (ت: 710 هـ). انظر: أعيان العصر (4/ 61)، والبداية والنهاية (13/ 351) (14/ 8، 55)، والرد الوافر (ص: 41 - 42).
(2) هو الأمير كتبغا المغلي المنصوري، الملك العادل زين الدين، كان شجاعًا ينطوي على دين وسلامة وباطن وتواضع، تسلطن بمصر عامين، وخلع في صفر سنة 696 هـ ثم أعطي حماة فتولاها وعدل، (ت: 702 هـ). انظر: البداية والنهاية (9/ 264)، تاريخ الخلفاء (1/ 412)، شذرات الذهب (6/ 5).
(3) حماة: مدينة مشهورة من مدن الشام، وهي حاليا في بلاد سوريا. انظر: معجم البلدان (2/ 300).
(4) إحدى مناطق مدينة دمشق تقع في الجهة الغربية الجنوبية للمدينة، سكن فيها الصحابي الجليل أسامة بن زيد ودحية الكلبي، ولها ينتسب الحافظ المزي، وقد ألف شمس الدين ابن طولون كتاباً في تاريخها، سماه "المعزة فيما قيل في المزة". انظر: معجم البلدان (5/ 122) معجم دمشق التاريخي (2/ 217)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 332)
قلت للأمير: وولده هو الذي في حلقة الجيش يعلم ذلك وهو ممن حدثني بهذه القصة.
وأما قفجق فإنهم أدخلوا رجلاً في القبر يتكلم، وأوهموه أن الموتى تتكلم، وأتوا به في مقابر باب الصغير(1) إلى رجل زعموا أنه الرجل الشعراني الذي بجبل لبنان ولم يقربوه منه بل من بعيد لتعود عليه بركته، وقالوا: إنه طلب منه جملة من المال؛ فقال قفجق: الشيخ يكاشف وهو يعلم أن خزائني ليس فيها هذا كله! وتقرب قفجق منه وجذب الشعر فانقلع الجلد الذي ألصقوه على جلده من جلد الماعز فذكرت للأمير هذا؛ ولهذا قيل لي: إنه لما انقضى المجلس وانكشف حالهم للناس كتب أصحاب قفجق إليه كتابًا وهو نائب السلطنة بحماة يخبره بصورة ما جرى.
وذكرت للأمير أنهم مبتدعون بأنواع من البدع مثل الأغلال ونحوها، وأنا نهيناهم عن البدع الخارجة عن الشريعة فذكر الأمير حديث البدعة وسألني عنه فذكرت حديث العرباض بن سارية وحديث جابر بن عبد الله وقد ذكرتهما بعد ذلك بالمجلس العام كما سأذكره.
قلت للأمير: أنا ما امتحنت هؤلاء، لكن هم يزعمون أن لهم أحوالاً يدخلون بها النار وأن أهل الشريعة لا يقدرون على ذلك، ويقولون لنا هذه الأحوال التي يعجز عنها أهل الشرع، ليس لهم أن يعترضوا علينا بل يسلم إلينا ما نحن عليه -سواء وافق الشرع أو خالفه- وأنا قد استخرت الله سبحانه أنهم إن دخلوا النار أدخل أنا وهم، ومن احترق منا ومنهم فعليه لعنة الله وكان مغلوبًا، وذلك بعد أن نغسل جسومنا بالخل والماء الحار(2).--------------------------------------------
(1) أحد أشهر مقابر دمشق وأكبرها، تقع خارج باب الصغير، وفيها قبر بلال بن رباح رضي الله عنه، وابن القيم والذهبي رحمهما الله. انظر: معجم دمشق التاريخي (2/ 313).
(2) قال ابن كثير رحمه الله حاكياً كلام الشيخ: «ومن أراد منهم أن يدخل النار فليدخل أولا إلى الحمام وليغسل جسده غسلا جيداً ويدلكه بالخل والأشنان» البداية والنهاية (14/ 41).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 333)
فقال الأمير ولمَ ذاك؟ قلت: لأنهم يطلون جسومهم بأدوية يصنعونها من دهن الضفادع وباطن قشر النارنج(1) وحجر الطلق(2) وغير ذلك من الحيل المعروفة لهم، وأنا لا أطلي جلدي بشيء فإذا اغتسلت أنا وهم بالخل والماء الحار بطلت الحيلة وظهر الحق، فاستعظم الأمير هجومي على النار وقال: أتفعل ذلك؟ فقلت له: نعم قد استخرت الله في ذلك، وأُلقي في قلبي أن أفعله، ونحن لا نرى هذا وأمثاله ابتداء؛ فإن خوارق العادات إنما تكون لأمة محمد صلى الله عليه وسلم المتبعين له باطنًا وظاهرًا لحجة أو حاجة، فالحجة لإقامة دين الله، والحاجة لما لا بد منه من النصر والرزق الذي به يقوم دين الله، وهؤلاء إذا أظهروا ما يسمونه إشاراتهم وبراهينهم التي يزعمون أنها تبطل دين الله وشرعه وجب علينا أن ننصر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ونقوم في نصر دين الله وشريعته بما نقدر عليه من أرواحنا وجسومنا وأموالنا فلنا حينئذ أن نعارض ما يظهرونه من هذه المخاريق بما يؤيدنا الله به من الآيات. وليعلم أن هذا مثل معارضة موسى للسحرة لما أظهروا سحرهم أيد الله موسى بالعصا التي ابتلعت سحرهم.
فجعل الأمير يخاطب من حضره من الأمراء على السماط بذلك، وفرح بذلك وكأنهم كانوا قد أوهموه أن هؤلاء لهم حال لا يقدر أحد على رده، وسمعته يخاطب الأمير الكبير الذي قدم من مصر الحاج بهادر(3) وأنا جالس بينهما على--------------------------------------------
(1) النارنج: ويسمى الرانِج: ثمر جوز الهند، وهو لفظ فارسي معرب. انظر لسان العرب (2/ 284)، والقاموس (ص 265)، وتاج العروس (3/ 497).
(2) حجر الطِّلْق: هو حجر براق يشتظى ويظهر أنوارًا إذا دُقَّ صفائح وشظايا، قال الزبيدي: «قال الأصمعي: يقال لضرب من الدواء، أو نبت طلق. محرك اللام نقله الأزهري، وقال غيره: هو نبت تستخرج عصارته، فيتطلى بها الذين يدخلون النار … وهو معرب) انظر: القاموس المحيط (ص: 1168)، تاج العروس (13/ 305).
(3) هو سيف الدين الحاج بهادر آص المنصوري، الأمير الكبير، أكبر أمراء دمشق، طال عمره في الحشمة والثروات، وكان محببا إلى العامة، وله بر وصدقة وإحسان، (ت: 730 هـ). انظر: البداية والنهاية (9/ 400)، شذرات الذهب (6/ 93).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 334)
رأس السماط بالتركي ما فهمته منه إلا أنه قال: اليوم ترى حربًا عظيمًا. ولعل ذاك كان جوابًا لمن كان خاطبه فيهم على ما قيل.
وحضر شيوخهم الأكابر فجعلوا يطلبون من الأمير الإصلاح وإطفاء هذه القضية ويترفقون فقال الأمير إنما يكون الصلح بعد ظهور الحق، وقمنا إلى مقعد الأمير بزاوية القصر أنا وهو وبهادر فسمعته يذكر له أيوب الحمال(1) بمصر والمولهين ونحو ذلك، فدل ذلك على أنه كان عند هذا الأمير لهم صورة معظمة وأن لهم فيهم ظنًّا حسنًا والله أعلم بحقيقة الحال؛ فإنه ذُكر لي ذلك.
وكان الأمير أحب أن يشهد بهادر هذه الواقعة ليتبين له الحق؛ فإنه من أكابر الأمراء وأقدمهم وأعظمهم حرمة عنده وقد قدم الآن وهو يحب تأليفه وإكرامه فأمر ببساط يبسط في الميدان.
وقد قدم البطائحية وهم جماعة كثيرون وقد أظهروا أحوالهم الشيطانية من الإزباد والإرغاء(2) وحركة الرؤوس والأعضاء والطفر(3) والحبو والتقلب ونحو ذلك من الأصوات المنكرات والحركات الخارجة عن العادات، المخالفة لما أمر به لقمان لابنه في قوله: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ} [لقمان:19].
فلما جلسنا وقد حضر خلق عظيم من الأمراء والكتاب والعلماء والفقراء والعامة وغيرهم، وحضر شيخهم الأول المشتكي وشيخ آخر يسمي نفسه خليفة سيده أحمد، ويركب بعلمين وهم يسمونه: عبد الله الكذاب ولم أكن أعرف ذلك.
وكان من مدة قد قدم علي منهم شيخ بصورة لطيفة، وأظهر ما جرت به عادتهم من المسألة فأعطيته طلبته ولم أتفطن لكذبه حتى فارقني، فبقي في نفسي أن هذا--------------------------------------------
(1) أيوب أبو سليمان الحمال من كبار الزهاد في عصره ببغداد، كان صاحب أحوال وكرامات (ت: قبل 260 هـ). انظر: تاريخ بغداد (7/ 457) تاريخ الإسلام (6/ 56).
(2) المراد الغضب والصياح والاضطراب مع إخراج الرغوة من الفم. انظر: لسان العرب (14/ 330).
(3) الطفر: القفز والوثب مع ارتفاع. انظر: لسان العرب (4/ 501)، والقاموس (ص 553).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 335)
خفي علي تلبيسه إلى أن غاب وما يكاد يخفى علي تلبيس أحد؛ بل أدركه في أول الأمر فبقي ذلك في نفسي ولم أره قط إلى حين ناظرته، ذكر لي أنه ذاك الذي كان اجتمع بي قديمًا فتعجبت من حسن صنع الله أنه هتكه في أعظم مشهد يكون، حيث كتم تلبيسه بيني وبينه.
فلما حضروا تكلم منهم شيخ يقال له حاتم بكلام مضمونه طلب الصلح والعفو عن الماضي والتوبة وإنا مجيبون إلى ما طلب من ترك هذه الأغلال وغيرها من البدع ومتبعون للشريعة.
فقلت أما التوبة فمقبولة قال الله تعالى: {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ} [غافر:3]، هذه إلى جنب هذه، وقال تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} [الحِجر:49 - 50].
فأخذ شيخهم المشتكي ينتصر للبسهم الأطواق، وذكر أن وهب بن منبه روى: (أنه كان في بني إسرائيل عابد وأنه جعل في عنقه طوقًا) في حكاية من حكايات بني إسرائيل لا تثبت(1).
فقلت لهم: ليس لنا أن نتعبد في ديننا بشيء من الإسرائيليات المخالفة لشرعنا، قد روى الإمام أحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى بيد عمر بن الخطاب ورقة من التوراة فقال: (أمتهوكون يا ابن الخطاب؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية لو كان موسى حيا ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم)(2)، وفي مراسيل أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى مع بعض أصحابه شيئًا من كتب أهل الكتاب، فقال: (كفى بقوم ضلالة أن يتبعوا كتابا غير كتابهم أُنزل إلى نبي غير نبيهم)(3) وأنزل الله تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى--------------------------------------------
(1) لم أقف على هذه الحكاية.
(2) رواه أحمد في المسند (3/ 387)، (15195)، وابن أبي شيبة في المصنف (5/ 312)، وحسنه الألباني بشواهده في كتاب السنة (50) والإرواء (6/ 34).
(3) رواه أبو داود في المراسيل (416) والدارمي في سننه (495)، عن يحيى بن جعده أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتي بكتاب في كتف … الحديث. وهو مرسل فإن يحيى من التابعين انظر: تهذيب الكمال (31/ 253 - 254) وتقريب التهذيب (ص:588). وقد حكم شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم بالإرسال على الحديث. انظر: مجموع الفتاوى (11/ 423)، الصواعق المرسلة (3/ 827).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 336)