عَلَيْهِمْ} [العنكبوت:51]، فنحن لا يجوز لنا اتباع موسى ولا عيسى فيما علمنا أنه أنزل عليهما من عند الله إذا خالف شرعنا، وإنما علينا أن نتبع ما أنزل علينا من ربنا ونتبع الشرعة والمنهاج الذي بعث الله به إلينا رسولنا كما قال تعالى: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة:48].
فكيف يجوز لنا أن نتبع عباد بني إسرائيل في حكاية لا تعلم صحتها، وما علينا من عباد بني إسرائيل: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة:134]، هات ما في القرآن وما في الأحاديث الصحاح كالبخاري ومسلم، وذكرت هذا وشبهه بكيفية قوية.
فقال هذا الشيخ منهم يخاطب الأمير: نحن نريد أن تجمع لنا القضاة الأربعة والفقهاء، ونحن قوم شافعية.
فقلت له: هذا غير مستحب ولا مشروع عند أحد من علماء المسلمين؛ بل كلهم ينهى عن التعبد به ويعده بدعة وهذا الشيخ كمال الدين بن الزملكاني مفتي الشافعية ودعوته، وقلت: يا كمال الدين ما تقول في هذا؟ فقال: هذا بدعة غير مستحبة بل مكروهة أو كما قال. وكان مع بعض الجماعة فتوى فيها خطوط طائفة من العلماء بذلك.
وقلت: ليس لأحد الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا الخروج عن كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله تعالى عليه وسلم-، وأشك هل تكلمت هنا في قصة موسى والخضر؛ فإني تكلمت بكلام بَعُد عهدي به؟
فانتدب ذلك الشيخ عبدالله ورفع صوته، وقال: نحن لنا أحوال وأمور باطنة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 337)
لا يوقف عليها. وذكر كلاماً لم أضبط لفظه: مثل المجالس والمدارس والباطن والظاهر؛ ومضمونه أن لنا الباطن ولغيرنا الظاهر، وأن لنا أمرًا لا يقف عليه أهل الظاهر فلا ينكرونه علينا. فقلت له - ورفعت صوتي وغضبت: الباطن والظاهر والمجالس والمدارس والشريعة والحقائق، كل هذا مردود إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ليس لأحد الخروج عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لا من المشايخ والفقراء، ولا من الملوك والأمراء ولا من العلماء والقضاة وغيرهم؛ بل جميع الخلق عليهم طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. وذكرت هذا ونحوه.
فقال -ورفع صوته -: نحن لنا الأحوال وكذا وكذا.
وادعى الأحوال الخارقة كالنار وغيرها(1) واختصاصهم بها، وأنهم يستحقون تسليم الحال إليهم لأجلها.
فقلت -ورفعت صوتي وغضبت-: أنا أخاطب كل أحمدي من مشرق الأرض إلى مغربها أي شيء فعلوه في النار فأنا أصنع مثل ما تصنعون، ومن احترق فهو مغلوب؛ وربما قلت: فعليه لعنة الله؛ ولكن بعد أن نغسل جسومنا بالخل والماء الحار؛ فسألني الأمراء والناس عن ذلك؟ فقلت: لأن لهم حيلا في الاتصال بالنار يصنعونها من أشياء: من دهن الضفادع، وقشر النارنج، وحجر الطلق.
فضج الناس بذلك فأخذ يظهر القدرة على ذلك فقال: أنا وأنت نلف في بارية(2) بعد أن تطلى جسومنا بالكبريت.--------------------------------------------
(1) ومن ذلك ما ذكره تقي الدين المقريزي في حكايته للحادثة: «وفيها: أظهر ابن تيمية الإنكار على الفقراء الأحمدية فيما يفعلونه: من دخولهم في النيران المشتعلة وأكلهم الحيات ولبسهم الأطواق الحديد في أعناقهم وتقلدهم بالسلاسل على مناكبهم وعمل الأساور الحديد في أيديهم ولفهم شعورهم وتلبيدها» السلوك لمعرفة دول الملوك (2/ 390). ومما ذكره ابن عبد الهادي وشهاب الدين النويري من الأحوال التي ادعوها في المناظرة: إخراج الزبد من الحلق. انظر: العقود الدرية (ص:210)، ونهاية الأرب في فنون الأدب (32/ 100).
(2) البارية هي الحصير المنسوج. انظر: لسان العرب (4/ 87)، وتاج العروس (6/ 116).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 338)
فقلت: فقم؛ وأخذت أكرر عليه في القيام إلى ذلك فمد يده يظهر خلع القميص فقلت: لا حتى تغتسل في الماء الحار والخل فأظهر الوهم على عادتهم، فقال: من كان يحب الأمير فليحضر خشبًا، أو قال حزمة حطب.
فقلت: هذا تطويل وتفريق للجمع؛ ولا يحصل به مقصود؛ بل قنديل يوقد وأدخل إصبعي وإصبعك فيه بعد الغسل؛ ومن احترقت إصبعه فعليه لعنة الله؛ أو قلت: فهو مغلوب. فلما قلت ذلك تغير وذل، وذُكِرَ لي أن وجهه اصفرَّ.
ثم قلت لهم: ومع هذا فلو دخلتم النار وخرجتم منها سالمين حقيقة ولو طرتم في الهواء؛ ومشيتم على الماء؛ ولو فعلتم ما فعلتم لم يكن في ذلك ما يدل على صحة ما تدعونه من مخالفة الشرع، ولا على إبطال الشرع، فإن الدجال الأكبر يقول للسماء أمطري فتمطر، وللأرض أنبتي فتنبت وللخربة أخرجي كنوزك فتخرج كنوزها تتبعه، ويقتل رجلاً ثم يمشي بين شقيه، ثم يقول له: قم، فيقوم(1). ومع هذا فهو دجال كذاب ملعون لعنه الله، ورفعت صوتي بذلك فكان لذلك وقع عظيم في القلوب.
وذكرت قول أبي يزيد البسطامي(2): «لو رأيتم الرجل يطير في الهواء، ويمشي على الماء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف وقوفه عند الأوامر والنواهي»(3)، وذكرت--------------------------------------------
(1) يشير إلى حديث النواس بن سمعان الذي عند مسلم (2937) وغيره.
(2) هو طيفور بن عيسى البسطامي، أبو يزيد: زاهد متصوف مشهور قال ابن كثير: «وقد حُكى عنه شحطات ناقصات، وقد تأولها كثير من الفقهاء والصوفية وحملوها على محامل بعيدة، وقد قال بعضهم: أنه قال ذلك في حال الاصطلام والغيبة. ومن العلماء من بدعه وخطأه وجعل ذلك من أكبر البدع وأنها تدل على اعتقاد فاسد كامن في القلب ظهر في أوقاته والله أعلم» انظر: البداية والنهاية (11/ 42) تاريخ الإسلام (6/ 345).
(3) رواه البيهقي في الشعب (3/ 304)، والقشيري في الرسالة (1/ 58). وقريب من هذا أيضاً ما رواه
القشيري بسنده أنه قيل لأبي يزيد: فلان يمشي في ليلة إلى مكة! فقال: الشيطان يمشي في ساعة من المشرق إلى المغرب في لعنة الله. وقيل له: فلان يمشي على الماء ويطير في الهواء! فقال الطير: يطير في الهواء، والسمك يمر على الماء. ا. هـ الرسالة القشيرية (2/ 533).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 339)
عن يونس بن عبد الأعلى أنه قال للشافعي: أتدري ما قال صاحبنا يعني الليث بن سعد؟ قال: «لو رأيت صاحب هوى يمشي على الماء فلا تغتر به». فقال الشافعي: لقد قصر الليث: «لو رأيت صاحب هوى يطير في الهواء فلا تغتر به»(1). وتكلمت في هذا ونحوه بكلام بعد عهدي به.
ومشايخهم الكبار يتضرعون عند الأمير في طلب الصلح، وجعلت ألح عليه في إظهار ما ادعوه من النار مرة بعد مرة، وهم لا يجيبون، وقد اجتمع عامة مشايخهم الذين في البلد والفقراء المولهون منهم وهم عدد كثير، والناس يضجون في الميدان ويتكلمون بأشياء لا أضبطها.
فذكر بعض الحاضرين أن الناس قالوا ما مضمونه: {فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ} [الأعراف:119] وذكروا أيضًا أن هذا الشيخ يسمى عبد الله الكذاب، وأنه الذي قصدك مرة فأعطيته ثلاثين درهما فقلت: ظهر لي حين أخذ الدراهم، وذهب أنه مُلبِّس، وكان قد حكى حكاية عن نفسه مضمونها، أنه أُدخِل النار في لحيته قدام صاحب حماة، ولما فارقني وقع في قلبي أن لحيته مدهونة.
وأنه دخل إلى الروم واستحوذ عليهم، فلما ظهر للحاضرين عجزهم وكذبهم وتلبيسهم وتبين للأمراء الذين كانوا يشدون منهم أنهم مبطلون، رجعوا وتخاطب الحاج بهادر، ونائب السلطان وغيرهما بصورة الحال وعرفوا حقيقة المحال، وقمنا إلى داخل ودخلنا.
وقد طلبوا التوبة عما مضى وسألني الأمير عما تطلب منهم فقلت: متابعة الكتاب والسنة مثل: أن لا يعتقد أنه لا يجب عليه اتباعهما، أو أنه يسوغ لأحد الخروج من حكمهما، ونحو ذلك أو أنه يجوز اتباع طريقة تخالف بعض حكمهما، ونحو ذلك من وجوه الخروج عن الكتاب والسنة التي توجب الكفر.--------------------------------------------
(1) رواه اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (1/ 164)، وابن بطة في الإبانة (2/ 534)، وابن أبي حاتم في آداب الشافعي ومناقبه (ص 141).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 340)
وقد توجب القتل دون الكفر، وقد توجب قتال الطائفة الممتنعة دون قتل الواحد المقدور عليه.
فقالوا: نحن ملتزمون الكتاب والسنة أتنكر علينا غير الأطواق؟ نحن نخلعها.
فقلت: الأطواق وغير الأطواق ليس المقصود شيئاً معيناً، وإنما المقصود أن يكون جميع المسلمين تحت طاعة الله ورسوله -صلى الله تعالى عليه وسلم-.
فقال الأمير فأي شيء الذي يلزمهم من الكتاب والسنة؟ فقلت: حكم الكتاب والسنة كثير لا يمكن ذكره في هذا المجلس، لكن المقصود أن يلتزموا هذا التزامًا عامًّا، ومن خرج عنه ضربت عنقه -وكرر ذلك وأشار بيده إلى ناحية الميدان- وكان المقصود أن يكون هذا حكمًا عامًّا في حق جميع الناس، فإن هذا مشهد عام مشهور قد توفرت الهمم عليه فيتقرر عند المقاتلة وأهل الديوان والعلماء والعباد وهؤلاء وولاة الأمور: أنه من خرج عن الكتاب والسنة ضربت عنقه.
قلت: ومن ذلك الصلوات الخمس في مواقيتها كما أمر الله ورسوله، فإن من هؤلاء من لا يصلي، ومنهم من يتكلم في صلاته حتى إنهم بالأمس بعد أن اشتكوا علي في عصر الجمعة جعل أحدهم يقول في صلب الصلاة: يا سيدي أحمد شيء لله.
وهذا مع أنه مبطل للصلاة، فهو شرك بالله ودعاء لغيره في حال مناجاته التي أمرنا أن نقول فيها: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة:5]، وهذا قد فعل بالأمس بحضرة شيخهم، فأمر قائل ذلك لما أنكر عليه المسلمون بالاستغفار على عادتهم في صغير الذنوب، ولم يأمره بإعادة الصلاة! وكذلك يصيحون في الصلاة صياحًا عظيمًا وهذا منكر يبطل الصلاة.
فقال: هذا يغلب على أحدهم كما يغلب العطاس.
فقلت: العطاس من الله، والله يحب العطاس ويكره التثاؤب(1)، ولا يملك--------------------------------------------
(1) كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: «إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب … » الحديث. رواه البخاري كتاب الأدب برقم: (6223).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 341)
أحدهم دفعه، وأما هذا الصياح فهو من الشيطان وهو باختيارهم وتكلفهم، ويقدرون على دفعه، ولقد حدثني بعض الخبيرين بهم بعد المجلس: أنهم يفعلون في الصلاة ما لا تفعله اليهود والنصارى مثلاً قول أحدهم: أنا على بطن امرأة الإمام، وقول الآخر: كذا وكذا من الإمام، ونحو ذلك من الأقوال الخبيثة، وأنهم إذا أنكر عليهم المنكر ترك الصلاة يصلون بالنوبة، وأنا أعلم أنهم متولون للشياطين، ليسوا مغلوبين على ذلك، كما يغلب الرجل في بعض الأوقات على صيحة أو بكاء في الصلاة أو غيرها.
فلما أظهروا التزام الكتاب والسنة، وجموعهم بالميدان بأصواتهم وحركاتهم الشيطانية يظهرون أحوالهم، قلت له: أهذا موافق للكتاب والسنة؟ فقال: هذا من الله حال يرد عليهم.
فقلت: هذا من الشيطان الرجيم، لم يأمر الله به ولا رسوله -صلى الله تعالى عليه وسلم-، ولا أحبه الله ولا رسوله. فقال: ما في السموات والأرض حركة ولا كذا ولا كذا إلا بمشيئته وإرادته. فقلت له: هذا من باب القضاء والقدر، وهكذا كل ما في العالم من كفر وفسوق وعصيان هو بمشيئته وإرادته، وليس ذلك بحجة لأحد في فعله، بل ذلك مما زينه الشيطان وسخطه الرحمن.
فقال: فبأي شيء تبطل هذه الأحوال، فقلت: بهذه السياط الشرعية.
فأعجب الأمير وضحك! وقال: أي والله بالسياط الشرعية تبطل هذه الأحوال الشيطانية، كما قد جرى مثل ذلك لغير واحد، ومن لم يجب إلى الدين بالسياط الشرعية فبالسيوف المحمدية. وأمسكت سيف الأمير، وقلت: هذا نائب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغلامه، وهذا السيف سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن خرج عن كتاب الله وسنة رسوله ضربناه بسيف الله، وأعاد الأمير هذا الكلام، وأخذ بعضهم يقول: فاليهود والنصارى يقرون ولا نقر نحن؟!
فقلت: اليهود والنصارى يقرون بالجزية على دينهم المكتوم في دورهم، والمبتدع لا يقر على بدعته، فأفحموا لذلك. وحقيقة الأمر أن من أظهر منكرًا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 342)
في دار الإسلام لم يقر على ذلك، فمن دعا إلى بدعة وأظهرها لم يقر، ولا يقر من أظهر الفجور، وكذلك أهل الذمة لا يقرون على إظهار منكرات دينهم، ومن سواهم: فإن كان مسلمًا أخذ بواجبات الإسلام وترك محرماته، وإن لم يكن مسلمًا ولا ذميًّا فهو: إما مرتد، وإما مشرك، وإما زنديق ظاهر الزندقة. وذكرت ذم المبتدعة فقلت روى مسلم في صحيحه عن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه أبي جعفر الباقر عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته: (إن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة)(1). وفي السنن عن العرباض بن سارية قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: (أوصيكم بالسمع والطاعة فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)(2)، وفي رواية: (وكل ضلالة في النار)(3). فقال لي: البدعة مثل الزنا. وروى حديثًا في ذم الزنا، فقلت: هذا حديث موضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والزنا معصية والبدعة شر من المعصية، كما قال سفيان الثوري: «البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ فإن المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها»(4).
وكان قد قال بعضهم: نحن نُتَوِّب الناس. فقلت: مماذا تتوبونهم؟ قال: من قطع الطريق والسرقة ونحو ذلك. فقلت: حالهم قبل تتويبكم خير من حالهم بعد--------------------------------------------
(1) رواه مسلم، كتاب الجمعة (867).
(2) رواه أبو داود (4607)، والترمذي (2678)، وأحمد (4/ 126)، وصححه الألباني في المشكاة (1/ 85).
(3) قال الألباني رحمه الله في صحيح الجامع الصغير (1/ 287): «هذه الزيادة (وكل ضلالة في النار) تفرد بها النسائي دون الآخرين، وسندها صحيح».
(4) رواه الهروي في ذم الكلام (ص: 217)، واللالكائي في أصول الاعتقاد (1/ 149) (238)، والبغوي في شرح السنة (1/ 216).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 343)
تتويبكم؛ فإنهم كانوا فساقًا يعتقدون تحريم ما هم عليه ويرجون رحمة الله ويتوبون إليه، أو ينوون التوبة فجعلتموهم بتتويبكم ضالين مشركين خارجين عن شريعة الإسلام، يحبون ما يبغضه الله، ويبغضون ما يحبه الله، وبينت أن هذه البدع التي هم وغيرهم عليها شر من المعاصي.
قلت مخاطبًا للأمير والحاضرين: أما المعاصي فمثل ما روى البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب: أن رجلا كان يدعى حمارًا وكان يشرب الخمر وكان يُضحك النبي صلى الله عليه وسلم، وكان كلما أتي به النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- جلده الحد، فلعنه رجل مرة، وقال: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به إلى النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم-!، فقال النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم-: (لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله)(1).
قلت: فهذا رجل كثير الشرب للخمر ومع هذا فلما كان صحيح الاعتقاد يحب الله ورسوله، شهد له النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- بذلك ونهى عن لعنه.
وأما المبتدع فمثل ما أخرجا في الصحيحين عن علي بن أبي طالب، وعن أبي سعيد الخدري وغيرهما -دخل حديث بعضهم في بعض-: أن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- كان يقسم فجاءه رجل ناتئ الجبين كث اللحية محلوق الرأس بين عينيه أثر السجود، وقال ما قال، فقال النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم-: (يخرج من ضئضئ هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)(2)، وفي رواية: (لو يعلم الذين يقاتلونهم ماذا لهم على لسان محمد لنكلوا عن العمل)(3)، وفي رواية: (شر قتلى تحت أديم السماء، خير قتلى من قتلوه)(4).
قلت: فهؤلاء -مع كثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم وما هم عليه من العبادة--------------------------------------------
(1) رواه البخاري كتاب الحدود، باب ما يكره من لعن شارب الخمر (6780).
(2) رواه البخاري كتاب أحاديث الأنبياء (3344)، ومسلم كتاب الزكاة (1064).
(3) رواها مسلم كتاب الزكاة (1066).
(4) رواه أحمد في مسنده (22151)، والترمذي (3000)، وابن ماجه (176)، وحسنه الألباني كما في المشكاة (3554).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 344)
والزهادة- أمر النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- بقتلهم، وقتلهم علي بن أبي طالب ومن معه من أصحاب النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- وذلك لخروجهم عن سنة النبي وشريعته، وأظن أني ذكرت قول الشافعي: «لأن يبتلى العبد بكل ذنب ما خلا الشرك بالله خير من أن يبتلى بشيء من هذه الأهواء»(1).
فلما ظهر قبح البدع في الإسلام، وأنها أظلم من الزنا والسرقة وشرب الخمر، وأنهم مبتدعون بدعًا منكرة، فيكون حالهم أسوأ من حال الزاني والسارق وشارب الخمر.
أخذ شيخهم عبد الله يقول: يا مولانا لا تتعرض لهذا الجناب العزيز -يعني أتباع أحمد بن الرفاعي-!
فقلت منكرًا بكلام غليظ: ويحك، أي شيء هو الجناب العزيز، وجناب من خالفه أولى بالعز يا ذو الزَّرْجَنة(2)، تريدون أن تبطلوا دين الله ورسوله!
فقال: يا مولانا يحرقك الفقراء بقلوبهم.
فقلت: مثل ما أحرقني الرافضة لما قصدت الصعود إليهم، وصار جميع الناس يخوفوني منهم ومن شرهم، ويقول أصحابهم: إن لهم سرًّا مع الله! فنصر الله وأعان عليهم(3).
وكان الأمراء الحاضرون قد عرفوا بركة ما يسره الله في أمر غزو الرافضة بالجبل.
وقلت لهم: يا شبه الرافضة، يا بيت الكذب! -فإن فيهم من الغلو والشرك والمروق عن الشريعة ما شاركوا به الرافضة في بعض صفاتهم، وفيهم من الكذب ما قد يقاربون به الرافضة في ذلك، أو يساوونهم أو يزيدون عليهم؛ فإنهم من--------------------------------------------
(1) رواه ابن أبي حاتم في آداب الشافعي ومناقبه (ص: 137).
(2) قال في القاموس (ص 1553): «الزرجنة: التخارج، والخب، والخديعة».
(3) يعني: في وقعة جبل الكسروان، انظر تفاصيلها في مجموع الفتاوى (28/ 398 - 410).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 345)
أكذب الطوائف حتى قيل فيهم: (لا تقولوا: أكذب من اليهود على الله، ولكن قولوا: أكذب من الأحمدية على شيخهم)(1). وقلت لهم: -أنا كافر بكم وبأحوالكم: {فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ} [هود:55].
ولما رددت عليهم الأحاديث المكذوبة، أخذوا يطلبون مني كتباً صحيحة ليهتدوا بها، فبذلت لهم ذلك.
وأُعيد الكلام: أنه من خرج عن الكتاب والسنة ضُربت عنقه، وأعاد الأمير هذا الكلام واستقر الكلام على ذلك.
والحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده»(2).
المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرات:
المسألة الأولى: مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة:
وذلك من وجهين:
الوجه الأول: بيان أصل الشبهة.
إن أعظم ما كان الرفاعية يحتجون به على تسويغ أحوالهم المنكرة، وهيئاتهم المحرمة، من شرك بالله، ودخول للنيران، وأكل للحيات، وإخراج للزبد من الحلوق، ولبس للسلاسل والأغلال، واضطراب في الحركات، وعويل وصراخ في الصلوات وغيرها من الأمور المنكرات، هي اعتقادهم أنه لا يجب عليهم الالتزام بالكتاب والسنة، بل يجوز لهم الخروج عن حكم الشريعة، وذلك بحجة أن لهم أحوالاً تخصهم لا يطلع عليها غيرهم، وطريقاً خاصاً يُسلم لهم بها، وأن--------------------------------------------
(1) لم أقف على قائل لهذا المثل، ولم أجده في غير هذا الموضع، والله أعلم.
(2) مجموع الفتاوى (11/ 452 - 475). وقد حكى هذه المناظرة مختصرة عدة من العلماء منهم ابن كثير في البداية والنهاية (14/ 41)، وابن عبد الهادي في العقود الدرية (ص:210)، وشهاب الدين النويري في نهاية الأرب (32/ 100)، وتقي الدين المقريزي في السلوك لمعرفة دول الملوك (2/ 390).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 346)
لهم حقائقَ وأسرارًا وبواطن لا يطلع عليه أهل الشرع الظاهر.
ومن كان عنده علم الحقيقة فلا يجوز الإنكار عليه، بل الواجب الإقرار له بحاله، والتسليم له بطرقه ومكاشفاته؛ لأن ما يكون معصية ومنكراً في علم الشريعة قد يكون طاعة وقربة في علم الحقيقة، وبهذا التقرير يتم سد الطريق أمام كل من حاول الاعتراض عليهم بالنصوص الشرعية، والآيات الجلية والأوامر النبوية.
فهذا باختصار هو أصل شبهتهم التي احتجوا بها لتسويغ أفعالهم المنكرة، وأحوالهم الباطلة، وإقرار بدعهم وخرافاتهم(1)، وهذا قد ظهر واضحاً جلياً في هذه المناظرة، فإنهم ما جاءوا للأمير إلا ليطالبوه بإلزام شيخ الإسلام بالتسليم بطريقتهم وعدم الإنكار عليهم، ولطالما ردد مشايخهم هذه الشبهة خلال هذه المناظرة غير ما مرة، وفي غير ما موضع.
الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:
بين شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في هذه المناظرة أنه لا يسع أحداً كائناً من كان الخروج عن الشرع وأحكامه، وصاح في وجه مخالفيه مصرحاً بذلك: «الباطن والظاهر والمجالس والمدارس والشريعة والحقائق، كل هذا مردود إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ليس لأحد الخروج عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لا من المشايخ والفقراء، ولا من الملوك والأمراء ولا من العلماء والقضاة وغيرهم؛ بل جميع الخلق عليهم طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم»(2).
وقد بين رحمه الله في غير موضع من كتبه أن محمداً صلى الله عليه وسلم بعث برسالة كاملة شاملة عامة لجميع الخلق، ويجب على جميع الخلق الإيمان بما جاء به والالتزام بشرعته وملته، ولا يجوز لأحد الخروج عنها كائنا من كان، فإن الله لا يرضى ديناً سوى دين الإسلام، ولم يرتض طريقاً إلا طريق محمد -عليه أفضل صلاة وسلام-،--------------------------------------------
(1) انظر: مجموع الفتاوى (11/ 418).
(2) مجموع الفتاوى (11/ 465).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 347)
قال شيخ الإسلام رحمه الله: «فمحمد صلى الله عليه وسلم أرسل إلى كل أحد من الإنس والجن، كتابيهم وغير كتابيهم، في كل ما يتعلق بدينه، من الأمور الباطنة والظاهرة، في عقائده وحقائقه وطرائقه وشرائعه، فلا عقيدة إلا عقيدته، ولا حقيقة إلا حقيقته، ولا طريقة إلا طريقته، ولا شريعة إلا شريعته، ولا يصل أحد من الخلق إلى الله وإلى رضوانه وجنته وكرامته وولايته، إلا بمتابعته باطناً وظاهراً؛ في الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة في أقوال القلب وعقائده، وأحوال القلب وحقائقه، وأقوال اللسان وأعمال الجوارح، وليس لله ولي إلا من اتبعه باطناً وظاهراً، فصدقه فيما أخبر به من الغيوب، والتزم طاعته فيما فرض على الخلق من أداء الواجبات وترك المحرمات.
فمن لم يكن له مصدقًا فيما أخبر، ملتزمًا لطاعته فيما أوجب وأمر في الأمور الباطنة التي في القلوب، والأعمال الظاهرة التي على الأبدان، لم يكن مؤمنًا، فضلاً عن أن يكون وليًا لله، ولو حصل له من خوارق العادات ماذا عسى أن يحصل، فإنه لا يكون مع تركه لفعل المأمور وترك المحظور، من أداء الواجبات من الصلاة وغيرها بطهارتها وواجباتها، إلا من أهل الأحوال الشيطانية المبعدة لصاحبها عن الله، المقربة إلى سخطه وعذابه»(1).
وبين رحمه الله أنه لا طريق للولاية ولا سبيل لتحصيلها إلا باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والالتزام بهديه فـ "كل من بلغه رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، لا يكون وليا لله إلا باتباع محمد صلى الله عليه وسلم "(2).
ومن قال إنه لا يأخذ من الشريعة إلا علم الظاهر، وأما علم الباطن فإنما يأخذه عن مشايخ طريقته، فهو ممن قد آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وكذلك هذا الذي يقول: إن محمدا بعث بعلم الظاهر، دون علم الباطن آمن ببعض ما جاء به، وكفر ببعض، فهو كافر، وهو أكفر من أولئك، لأن--------------------------------------------
(1) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (1/ 178 - 179) وانظر: جامع المسائل (ص: 498).
(2) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (ص:94).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 348)
علم الباطن، الذي هو علم إيمان القلوب ومعارفها وأحوالها، هو علم بحقائق الايمان الباطنة، وهذا أشرف من العلم بمجرد أعمال الاسلام الظاهرة. فإذا ادعى المدعي أن محمدا صلى الله عليه وسلم إنما علم هذه الأمور الظاهرة، دون حقائق الايمان، وأنه لا يأخذ هذه الحقائق عن الكتاب والسنة؛ فقد ادعى أن بعض الذي آمن به مما جاء به الرسول، دون البعض الآخر، وهذا شر ممن يقول: أومن ببعض، وأكفر ببعض، ولا يدعي أن هذا البعض الذي آمن به، أدنى القسمين»(1).
وبين رحمه الله تعالى أن مثل هذا الأمر من موجبات الردة، ونواقض الملة التي تستوجب قتل صاحبها، قال رحمه الله: «ومن فضل أحداً من المشايخ على النبي صلى الله عليه وسلم أو اعتقد أن أحداً يستغني عن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم استتيب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وكذلك من اعتقد أن أحداً من أولياء الله يكون مع محمد صلى الله عليه وسلم كما كان الخضر مع موسى عليه السلام، فإنه يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه؛ لأن الخضر لم يكن من أمة موسى عليه السلام، ولا كان يجب عليه طاعته، بل قال له: إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه؛ وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه. وكان مبعوثاً إلى بني إسرائيل. كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم: (وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة)(2)، ومحمد صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى جميع الثقلين: إنسهم وجنهم، فمن اعتقد أنه يسوغ لأحد الخروج عن شريعته وطاعته فهو كافر يجب قتله»(3).
وبهذا يتبين بوضوح فساد شبهتهم، وانحراف طريقتهم، ومخالفتهم للكتاب والسنة والإجماع، بما يوجب الردة عن الإسلام، والمروق عن الشرعة والدين، والله المستعان.--------------------------------------------
(1) المصدر السابق (ص:95).
(2) رواه البخاري، كتاب الصلاة، باب (قول النبي صلى الله عليه وسلم: جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) (438)، ومسلم، كتاب المساجد (523).
(3) مجموع الفتاوى (3/ 422). وانظر: مجموع الفتاوى (4/ 318).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 349)
المسألة الثانية: الأحوال والإشارات والمخاريق التي يدعيها الرفاعية:
كانت أكثر محاورات شيخ الإسلام مع أتباع هذه الطريقة هي حول ما يدعونه من هذه المخاريق والأحوال والإشارات؛ وذلك لأن القوم ليسوا أهل علم وأدلة ولا نصوص وبراهين حتى يحتجوا بها على صحة طريقتهم ومعتقدهم، بل إن غاية ما عندهم وأكبر ما لديهم مما يثبتون به ولايتهم وصحة مسلكهم ومذهبهم، هي هذه الأحوال التي يدعونها، والخوارق التي يزعمونها، فيروجونها على ضعاف العقول، وجهلة الناس وعامتهم، بزعم أنها لم تظهر على أيديهم إلا ولهم من الولاية النصيب الأكبر، ومن صحة الطريقة والمسلك الحظ الأوفر، ويوجبون على الناس التسليم لهم، وعدم الاعتراض على طريقتهم، أو إنكار بدعتهم وضلالتهم؛ لأن لهم أحوالاً وأموراً وإشارات وكرامات لا يرتقي لها آحاد الناس، ولما كان أكثر الناس لا يفرقون بين كرامات الأولياء والصالحين، وأحوال الكذبة والمفترين، من السحرة وأهل البدع والمارقين، فقد التبس عليهم الأمر، فحسبوا السراب ماء والورم شحماً والخيال حقيقة، ولكن مثل هذه الأغلوطات لا تنطلي على العلماء العارفين والدعاة الصادقين الذين عرفوا حقيقة الدين، وما جاء به الشرع الكريم، وعلموا ما يناقضه من البدع والمنكرات والأهواء والضلالات، فانبرى شيخ الإسلام رحمه الله ليبين حقيقة القوم وما يجري على أيديهم من مخاريق وما يدعونه من أحوال وإشارات، فأزال الغبش وأظهر الحق وأزهق الباطل وبين السنة من البدعة والهدى من الضلالة بالأدلة الدامغة والحجج الساطعة، ففند ما زعموه وأبطل ما أظهروه في هذه المسألة المهمة والقضية الجليلة العظيمة التي هي: "من أعظم المسائل التي يحتاج إليها جميع الناس، فإنه من لم يفرق بين الخوارق التي تكون آيات وبراهين ومعجزات للأنبياء، وتكون مما يكرم الله به الأولياء؛ وبين الخوارق التي تكون للسحرة والكهان وغيرهم من حزب الشيطان، وإلا اشتبه عليه الأنبياء وأتباعهم أولياء الله المتقون بالمنتسبين الكذابين وشبههم الكذابين الضالين، ولهذا اضطرب في هذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 350)
الأصل كثير من أهل النظر والكلام في أصول الدين والعلوم الإلهية، ومن أهل العبادة والزهد والفقراء والصوفية. وأما اشتباه ذلك على عموم الناس، ومن شدا طرفاً من العلم(1)، أو كان له حظ من العبادة، فأعظم من أن يوصف، والله سبحانه بعث رسوله وأنزل كتابه لبيان الفرق بين هذا وهذا، وختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم أفضل رسول بعثه بأفضل كتاب إلى أفضل أمة بأفضل شريعة، فرق الله به بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، وأولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وجند الله المفلحين وحزب إبليس اللعين"(2).
وذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن هؤلاء الذين تظهر على أيديهم مثل هذه الخوارق هم أحد صنفين، إما أهل حال شيطاني أو مُحال بهتاني، فإما أنهم ممن يستعينون بالجن والشياطين لعمل مثل هذه الخوارق وهم أهل الحال الشيطاني وهم خواص هؤلاء القوم، وإما أنهم يعتمدون في مخاريقهم على الحيل والخداع والكذب والتلبيس، وهم أهل الحال البهتاني، وهم جمهور أهل هذه الطائفة وأكثرهم، قال رحمه الله: «وكل من أظهر هذه الإشارات البدعية التي هي فشارات، مثل إشارة الدم واللاذن والسكر وماء الورد والحية والنار، فهم أهل باطل وضلال وكذب ومحال، مستحقون التعزير البليغ والنكال، وهم إما صاحب حال شيطاني، وإما صاحب حال بهتاني، فهؤلاء جمهورهم، وأولئك خواصهم»(3). وقال رحمه الله: «وهؤلاء إذا أظهر أحدهم شيئا خارقًا للعادة لم يخرج عن أن يكون حالاً شيطانيًا أو حالاً بهتانياً فخواصهم تقترن بهم الشياطين كما يقع لبعض العقلاء منهم وقد يحصل ذلك لغير هؤلاء، لكن لا تقترن بهم الشياطين إلا مع نوع من البدعة: إما كفر، وإما فسق، وإما جهل بالشرع؛ فإن الشيطان قصده إغواء(4) بحسب قدرته--------------------------------------------
(1) قال في تهذيب اللغة (11/ 271): «والشادي: الذي تعلم شيئا من العلم».
(2) جامع المسائل (1/ 95 - 96).
(3) المصدر السابق (3/ 153).
(4) كذا ولعل الصواب (إغواؤهم).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 351)
فإن قدر على أن يجعلهم كفاراً جعلهم كفاراً، وإن لم يقدر إلا على جعلهم فساقاً، أو عصاة، وإن لم يقدر إلا على نقص عملهم ودينهم ببدعة يرتكبونها يخالفون بها الشريعة التي بعث الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم فينتفع منهم بذلك»(1). وقال رحمه الله: «وأصحاب هذه الإشارات ليس فيهم ولي لله بل هم بين حال شيطاني ومُحال بهتاني من حال إبليس ومحال تلبيس»(2).
وهؤلاء الذين وقعت لشيخ الإسلام المناظرة معهم يظهر من حالهم أنهم من جنس أهل التلبيس والأحوال البهتانية؛ ولذلك كان غاية ما عندهم هو الكذب والتلبيس والخداع واستخدام الطرق والأساليب الماكرة من أجل إظهار هذه الأحوال المزيفة والمخاريق الباطلة. فبين شيخ الإسلام رحمه الله في مناظراته لهم كثيراً من خداعهم ومكرهم وأحوالهم الكاذبة التي هي في الحقيقة من هذا الباب ومن هذا القبيل، وناقشهم وخاصمهم في أنواع من هذه الحيل وبين أن كل ما يدعونه من مخاريق وأحوال إنما بُني على الكذب والتدليس والخداع والتموية، وذكر أن من أمثلته أنواعاً كثيرة، وهي كالآتي:
أولاً: تلبيسهم فيما يدعونه من مكاشفات: فمن حيلهم التي بينها شيخ الإسلام في ذلك أنهم كانوا يرسلون إلى بيت الأمير الأيدمري من النساء من يستخبر عن الأحوال الباطنة لبيت هذا الأمير، ثم يأتون إليه فيخبرونه بهذه الأحوال بزعم أنهم عرفوا وعلموا عن طريق المكاشفة(3).
ثانيًا: تلبيسهم فيما يدعونه من القدرة على إظهار رجال الغيب ورؤيتهم: ومن ذلك أنهم وعدوا الأمير الأيدمري أن يروه رجال الغيب، فصنعوا خشباً طوالاً وجعلوا عليها من يمشي، فجعلوا يمشون على جبل المزة والأمير يرى من بعيد--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (1/ 82).
(2) المصدر السابق (11/ 537) وانظر: الجواب الصحيح (2/ 338، 343)، مجموع الفتاوى (11/ 667) و (27/ 498).
(3) انظر: مجموع الفتاوى (11/ 458).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 352)
قوما يطوفون على الجبل وهم يرتفعون عن الأرض، وأخذوا على هذه الحيلة أموالاً كثيرة(1).
ثالثًا: تلبيسهم فيما يدعونه من تكلم الموتى: ومن ذلك أنهم ذهبوا بنائب السلطنة قفجق إلى المقابر، وكانوا قد ادخلوا رجلا في القبر يتكلم، ليوهموا نائب السلطنة بقدرتهم على التحدث مع الموتى(2).
رابعًا: تلبيسهم على الناس بقضية دخول النار دون تأثر بها: وهذه الحيلة تعد من أكبر حيلهم، وأكثرها رواجاً، ولبسوا بها على خلق كثير من الناس، حتى ظنها الكثير خارقة من خوارقهم وكرامة من كرامتهم، وقد رد شيخ الإسلام عليهم وكشف ما يصنعونه من حيلة بدخولهم للنار من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: بيان طريقتهم التي تمكنوا بها من دخول النار دون أذى: فبين رحمه الله أن عدم احتراقهم بالنار ليس لكرامة لهم أو ولاية؛ وإنما لأنهم يطلون أجسادهم بأنواع من النباتات والأدوية التي تمنع احتراق الأجساد، من دهن الضفادع وباطن قشر النارنج وحجر الطلق وغيرها من الأعشاب، وبهذا يخدعون الناس(3).
الوجه الثاني: تحدي شيخ الإسلام لهم بدخول النار: فتحداهم رحمه الله أن يدخل هو وهم النار بعد أن يغتسلوا جميعاً بالخل والماء الحار؛ وذلك لأنهم إن اغتسلوا سيذهب مفعول الأدوية والاعشاب التي طلوا بها أجسادهم خديعة للناس، ولذلك لما رأوا أن شيخ الإسلام قد كشف أمرهم واكتشف حيلتهم وخافوا من عاقبة السوء، أظهروا للأمير طلب الصلح وإطفاء الأمر وإنهائه(4)،--------------------------------------------
(1) انظر: المصدر السابق (11/ 458).
(2) انظر: المصدر السابق (11/ 458).
(3) انظر: مجموع الفتاوى (11/ 447، 459، 456، 467) والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (ص:199) وجامع المسائل (5/ 224).
(4) انظر: مجموع الفتاوى (11/ 447، 459، 456، 467).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 353)
وتحدى الشيخ مرة أخرى شيخهم عبد الله الكذاب لما أظهر قدرته على دخول النار، أن يدخل أصبعه وأصبع شيخ الإسلام في قنديل بعد غسلها بما ذكر، فتغير وجه هذا الشيخ الضال واصفر وذل وبهت ولم يحر جوابا(1).
الوجه الثالث: بيان أن ظهور مثل هذه الأمور على أيديهم لا تدل على كرامتهم وصحة طريقتهم: بين ذلك شيخ الإسلام بعد توضيحه لطريقتهم، وتحديه لهم، أنهم حتى لو اغتسلوا ودخلوا النار دون تأثر وفعلوا ما فعلوا من الخوارق، فإن هذا كله لا يدل على صحة ما يدعون إليه الناس من مخالفة الشرع، فإن هذه الخوارق وأعظم منها قد تظهر على أيدي أهل السحر والكفر والنفاق، بل إن الدجال يأتي بخوارق أعظم من هذه الخوارق التي يصنعونها بكثير، ومع ذلك فإنه دجال كذاب ملعون، فالخوارق منها ما هو كرامات رحمانية ومنها ما هو خوارق شيطانية، والكرامات لا تكون إلا لأولياء الله المتبعين للكتاب والسنة الملتزمين بالشرع غير المخالفين له، أما ما يحدث للمنابذين للشريعة والحائدين عنها والمخالفين لها من خوارق فإنما هي في الحقيقة أحوال شيطانية فلا يغتر بها ولا بأصحابها، وذكر رحمه الله شيئا من نصوص السلف في ذكر هذا الأمر وبيانه(2).
فهذه بعض الحيل التي أظهر شيخ الإسلام طريقة القوم في القيام بها، وكيفية خداعهم للناس وتلبيسهم عليهم من خلالها.
المسألة الثالثة: التعبد ولبس الأغلال:
قد سبق في المبحث الثالث دراسة هذه المسألة وبيان الشبهة فيها والجواب عليها، وفي هذه المناظرة قام أحد مشايخ الرفاعية -ويدعى بشيخهم المشتكي- بالإنكار على شيخ الإسلام، والاحتجاج بحجج متهافتة على مشروعية ما يفعلونه من لبس الأغلال وتقلد الأطواق، فاحتج بأن وهب بن منبه رحمه الله روى: أنه كان--------------------------------------------
(1) انظر: المصدر السابق: (11/ 466).
(2) انظر: المصدر السابق (11/ 466 - 467).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 354)
في بني إسرائيل عابد، وأنه جعل في عنقه طوقا(1).
فأجاب شيخ الإسلام على هذه الشبهة من عدة أوجه:
الأول: أنها حكاية من حكايات بني إسرائيل لا تثبت ولا تصح.
الثاني: أنه لا يجوز لنا أن نتعبد الله في ديننا بشيء من الاسرائيليات المخالفة لشرعنا.
الثالث: أنه لا يجوز لنا اتباع موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء عليهم السلام فيما علمنا وتيقنا أنه قد أنزل عليهم من الله حتى يكون موافقاً لشرعنا، أما إذا كان مخالفاً لشرعنا، فلا يجوز لنا اتباعهم في ذلك، فإذا كان هذا مع الأنبياء، فكيف يجوز لنا أن نتبع عُباد بني إسرائيل في أمر مخالف للشرع، وحكاية لا تعلم صحتها(2)؟!
ثم احتج هذا الشيخ: بأنهم قوم شافعية، وأن هذا الأمر قد أجازه بعض علماء المذهب(3).
وأجاب شيخ الإسلام عن هذا الأمر من ثلاثة وجوه:
الأول: أنه ليس لأحد الخروج عن الشريعة ولا عن الكتاب والسنة مهما كان قدره وعلمه، إذ العصمة في الرد لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة.
الثاني: أن هذا الأمر غير مستحب ولا مشروع عند أحد من علماء المسلمين، بل كلهم ينهى عن التعبد به ويعده بدعة من البدع المحدثة.
الثالث: أن الشافعية براء من هذا الفعل، وطلب شيخ الإسلام شهادة مفتي الشافعية وقاضيها ابن الزملكاني، فشهد الزملكاني أن هذا الأمر منكر، وأنه بدعة غير مستحبة أمام الملأ، وأخرج بعض الحاضرين فتوى فيها خطوط طائفة من--------------------------------------------
(1) انظر: مجموع الفتاوى (11/ 462)
(2) انظر: المصدر السابق (11/ 463).
(3) انظر: المصدر السابق (11/ 464).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 355)
العلماء بتحريم ذلك، فظهر كذب قولهم، وزيف دعواهم(1).
المسألة الرابعة: إصدار الأصوات المزعجة وصياحهم وصراخهم أثناء الصلوات وفي الميادين والطرقات:
من الأحوال التي طالب الرفاعية شيخ الإسلام بالتسليم لهم بها، وقام شيخ الإسلام بإنكارها وطالبهم بالتوبة منها، ما يحدث منهم أثناء الصلوات وخارجها من صراخ وصياح واستغاثات شركية، وألفاظ بدعية.
وقد بين شيخ الإسلام رحمه الله-في بعض فتاويه(2) أن مثل هذه الأحوال إنما يعذر أصحابها في حالين اثنين:
1) إذا لم يتمكن من العلم بحرمتها ومخالفتها للشرع، كأن يكون مجنوناً لا يميز، أو عالماً مجتهداً اجتهد فرأى جواز مثل هذا الفعل.
2) إذا لم يقدر على دفع هذه الحال؛ بأن غلب عليه الحال، ولم يتعمده ولا قصده، فهذا يعذر إذا لم يكن وقوعها بسبب مباشرته لأسباب محرمة، وكان مغلوباً عليها فلم يقدر على دفعها.
وهذان الصنفان وإن كانوا معذورين في أنفسهم إلا أنه لا يجوز لأحد اتباعهم ولا تقليدهم في هذا، ولا يكون فعلهم حجة في الإباحة ولا الاستحباب لأمر ظهر مخالفته للشرع الكريم.
وأما من لم يكن من أحد الصنفين، وهم أهل التصنع والمكر والكذب والدجل كهؤلاء الرفاعية، ونحوهم ممن عرف عنهم الكذب وتصنع هذه الأمور لكي لا ينكر عليهم أحد، فهؤلاء يجب أن لا يقروا على مثل هذا بل يجب أن ينكر عليهم ويبين كذبهم، ويعاقبوا على فعلهم، قال شيخ الإسلام: «وأما الذي لا يسلم إليه حاله: فمثل أن يعرف منه أنه عاقل يتوله ليسقط عنه اللوم، ككثير من المنتسبة--------------------------------------------
(1) انظر: مجموع الفتاوى (11/ 464).
(2) انظر: مجموع الفتاوى (10/ 378 - 384).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 356)