Arabic source text

📘 আল মুনাজারাতুল আকিদিয়্যাহ লি শাইখিল ইসলাম ইবনে তাইমিয়্যাহ (হায়সাম আল-হামরি)

📘 المناظرات العقدية لشيخ الإسلام ابن تيمية (هيثم الحمري)

📘 আল মুনাজারাতুল আকিদিয়্যাহ লি শাইখিল ইসলাম ইবনে তাইমিয়্যাহ (হায়সাম আল-হামরি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
يخاطب بأسرارهم؟!
إنما الناس عندهم كالبهائم، حتى قال لي شيخ مشهور من شيوخهم لما بينت(1) له حقيقة قولهم، فأخذ يستحسن ويعظم معرفتي بقولهم، وقال: هؤلاء الفقهاء صم بكم عمي فهم لا يعقلون.
فقلت له: هب أن الفقهاء كذلك، أبالله(2) أهذا القول موافق لدين الإسلام؟ فيتحير المجتهدون ويضطربون إذا شبه عليهم؟!
وقال لي بعض من كان يصدق هؤلاء الاتحادية، ثم رجع عن ذلك، فكان من أفضل الناس ونبلائهم وأكابرهم: ما المانع من أن يظهر الله في صورة بشر؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في
الدجال: (إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور)، فلولا جواز ظهوره في هذه الصورة لما احتاج إلى هذا في كلام له. وأخذ يحتج بذلك على إمكان أن يكون ابن هود الله.
فبينت له امتناع ذلك من وجوه، وتكلمت معه في ذلك بكلام طال عهدي به، لست أضبطه الآن حتى تبين له بطلان ذلك.
وذكرت له أن هذا الحديث لا حجة فيه، والله سبحانه قد بين عبودية المسيح وكفر من ادعى فيه الإلهية بأنواع غير ذلك؛ كقوله تعالى: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ} [المائدة:75] فأكل الطعام لازم لكل بشر. وقال تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [المائدة:17]، وقال تعالى: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} [البقرة:255]، وقال تعالى: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص:4]، وأمثال ذلك»(3).--------------------------------------------
(1) في المطبوع: (بنت) ولعله خطأ.
(2) في المطبوع: (أبا الله) ولعله خطأ.
(3) بغية المرتاد (ص:520 - 522).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 277)

‌‌المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة:
‌‌المسألة الأولى: بطلان شبهتهم في اعتقاد ألوهية ابن هود:
ودراسة هذه المسألة من وجهين:

‌‌الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:
في هذه المناظرة كانت شبهة هذا الرجل الاتحادي شبهة نقلية وهي استدلاله بما جاء في وصف الدجال: (إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور)(1)، على جواز ظهور الله في صورة بشر، وبالتالي جواز ظهوره في صورة شيخهم ابن هود، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الآية والعلامة التي يعرف بها كذب المسيح الدجال في ادعائه الألوهية هي العور، فزعموا أن هذا يدل على إمكانية ظهور الله في صورة البشر، وإلا لما احتاج في تقرير نفي ألوهية المسيح الدجال لمثل هذا الكلام(2).
والاستدلال بالنصوص وإن كان ليس من طريقة أهل الاتحاد، إلا أن من عادة أهل الباطل بعد تقرير باطلهم بطرقهم المبتدعة، أن يبحثوا ويفتشوا عما يتعلقون به من نصوص الشرع للاحتجاج به على مذهبهم الذي قرروه، وطريقتهم التي سلكوها، ومن هذا الباب جاء استدلالهم بهذا الحديث.

‌‌الوجه الثاني: الجواب عن الشبهة:
أجاب شيخ الإسلام عن استشهاد هؤلاء الاتحادية بهذا الحديث من عدة أوجه:
أولاً: أن هذا الفهم السيء للحديث إنما دخل عليهم بسبب ظنهم أن ذكر صفة العور في الحديث إنما جاء؛ لأنها هي العلامة الفارقة الوحيدة التي يمكن التمييز بها بين الخالق جل وعلا والمسيح الدجال، والصواب أن ذكر صفة العور في--------------------------------------------
(1) سبق عزوه.
(2) انظر: بغية المرتاد (ص: 521).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 278)

الحديث الشريف ليس المراد به أنها هي العلامة الفارقة والمميزة الوحيدة، وليس هناك علامة غيرها، بل الحديث ظاهر في أنها إحدى العلامات، وإن كانت هناك علامات أخرى غيرها، ويؤكد ذلك ما يلي:
1. أنه قد جاء في إحدى روايات الحديث، قوله صلى الله عليه وسلم: (لأقولن لكم فيه قولاً لم يقله نبي لأمته؛ إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور)، فبين أن سبب تخصيصه لهذه الصفة بالذكر، أنه أول من يبينه ويوضحه من الأنبياء، حيث لم يذكر هذه العلامة أحد قبله.
2. أنه لو كان هذا هو الدليل الوحيد على كذب هؤلاء لوجب على الأنبياء كلهم أن يبينوا ذلك؛ لوجوب بيان كذبه، وتحذير أمتهم منه، ومع ذلك فقد أخبر في الحديث أنه أول من يبين هذا الأمر وهذا الدليل، فدل على أنها ليست العلامة الوحيدة الفارقة.
3. أنه قد جاء في الأحاديث نفسها ذكر علامات وأوصاف أخرى للدجال تدل على كذبه في دعواه(1) ومنها أنه (مكتوب بين عينيه كافر (ك ف ر) يقرؤها كل مؤمن)(2) ومنها: أنه يُرى في الدنيا، وقد أخبر في الحديث: (واعلموا أنّ أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت)(3)، ومنها: أنه يريد أن يقتل ذلك المؤمن الذي قتله أولا فيعجز عن قتله مرة ثانية(4)(5).--------------------------------------------
(1) انظر: بغية المرتاد (ص:516 - 517).
(2) رواه البخاري، كتاب الفتن، باب ذكر الدجال (7131)، ومسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة (2933).
(3) رواه مسلم باب: ذكر ابن صياد (2931).
(4) حديث أبي سعيد، قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً حديثا طويلا عن الدجال، ثم قال: (فيخرج إليه يومئذ رجل، وهو خير الناس - أو من خيار الناس - فيقول أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه، فيقول الدجال: أرأيتم إن قتلت هذا، ثم أحييته، هل تشكون في الأمر؟ فيقولون: لا، فيقتله ثم يحييه، فيقول: والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم، فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه) رواه البخاري، كتاب الفتن، باب لا يدخل الدجال المدينة (7132).
(5) انظر: الجواب الصحيح (1/ 418) (6/ 419).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 279)

ثانياً: أنه إنما خص ذكر هذه العلامة؛ لأنها علامة ظاهرة لكل أحد ويعرفها ويقر بها جميع الناس، فإن قيل: أفلا يكفي في بيان بطلان ألوهية المسيح الدجال إثبات أنه بشر من بني آدم، والرب ليس كذلك؟
قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتف ببيان بشرية المسيح الدجال؛ لأنه علم أن كثيرًا من الخلق سيضل في هذا الباب، فيجيز حلول الله بخلقه وظهوره في صورة البشر وحلوله واتحاده بهم، كما وقع هذا لكثير من الأمم، فالنصارى ادعت اتحاد الله بالمسيح عليه السلام، وادعى اليهود من بني إسرائيل أن العجل هو إله موسى مع وجود نبي الله فيهم وهو هارون عليه السلام، وكثير ممن ينتسب إلى الإسلام والقبلة يدعي حلول الله واتحاده ببعض المشايخ والأولياء، بل أصحاب وحدة الوجود يعتقدون أن كل شيء في الوجود هو الله عز وجل.
فلما علم صلوات الله وسلامه عليه، أن هذه العلامة -وهي بيان بشرية المسيح الدجال- لن تكون كافية في بيان المقصود بالنسبة لهؤلاء، ذكر علامة أظهر وأوضح يقر بها الجميع وهي (العور).
فإنه لو قال: أن الله ليس ببشر. لما أقر بذلك كثير من الناس ولنازعوا في ذلك، فاحتاج لذكر أمور ظاهرة لا يحتاج فيها إلى ذكر موارد النزاع(1).
ثالثاً: يلزمكم إذا جوزتم دعوى الألوهية في ابن هود وغيره ممن ظهرت على أيديهم بعض الخوارق، أن تجوزوا دعوى المسيح الدجال بذلك، بل إن الدجال أولى بدعوى الألوهية ممن ذكرتم وذلك لوجهين:
1. أن جميع خوارق هؤلاء لا تعد شيئا بالنسبة لخوارق الدجال.
2. أن كثيراً ممن يعتقد فيهم الحلول والاتحاد لم يدَّعو ذلك لأنفسهم بل قد ينكرونه، ومع ذلك جوزتم الحلول لهم، بينما الدجال قد صرح بادعائها لنفسه،--------------------------------------------
(1) انظر: الجواب الصحيح (3/ 325)، ومجموع الفتاوى (2/ 476) (3/ 392)، ومجموعة الرسائل والمسائل (1/ 180)، والوصية الكبرى (ص:80).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 280)

ويأتي بخوارق عظيمة يستدل بها على ذلك، أفلا يكون أحق بجواز اتحاد الله وحلوله به؟! -سبحانه وتعالى عما يشركون-.
والخلاصة: أنكم إما أن تعتقدوا صحة دعوى المسيح الدجال للألوهية وهذا هو الكفر بعينه، وإما أن تمنعوها فيه فيكون امتناعها في حق غيره كابن هود وغيره أولى وأحرى(1).
رابعاً: أن في الحديث الذي احتجوا به دليل على بطلان قولهم، ونقض عقيدتهم في الاتحاد، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (واعلموا أن أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت)، فأخبر - صلى الله عليه وسلم أن الله لا يراه أحد في الدنيا بعينيه، ومن المعلوم أن كل البشر يمكن رؤيتهم بالعين المجردة، فلو جاز اتحاد الله بالبشر وحلوله بهم، لأمكن رؤيته بالعين، وهذا باطل(2).

‌‌المسألة الثانية: بطلان اعتقادهم أن ابن هود هو عيسى بن مريم:
من عجيب أمر هؤلاء الاتحادية وتناقضهم، أنهم مع اعتقادهم أن ابن هود هو الله، فإنهم يعتقدون أيضا أنه هو المسيح بن مريم كما ذكر ذلك شيخ الإسلام، ولعل هذا اعتقاد طائفة أخرى من معظمي هذا الشيخ، وقد يكون هو اعتقاد الطائفة نفسها وهذا لا يستبعد لما هو معروف من تناقض القوم وتخليطهم واضطراب أقوالهم ومعتقداتهم، وقد أشار شيخ الإسلام إلى أن مما ساعدهم على مثل هذا الاعتقاد الفاسد هو أن أم ابن هود كان اسمها مريم وكانت نصرانية فزعموا أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ينزل فيكم ابن مريم)(3)، هو هذا وأن روحانية عيسى تنزل عليه.
وهذه الدعوى وإن كانت ظاهرة البطلان ومجرد ذكرها يغني عن بيان بطلانها،--------------------------------------------
(1) انظر: مجموع الفتاوى (2/ 481)، الجواب الصحيح (3/ 325)، بغية المرتاد (ص: 483)
(2) انظر: الجواب الصحيح (3/ 324).
(3) سبق عزوه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 281)

إلا أن شيخ الإسلام رحمه الله قد بين في مناظرته لهم بطلان هذه الدعوى واستحالتها وقد اشتمل جوابه لهم على ثلاثة أمور:
الأول: احتجاجه بالأحاديث الصحيحة الواردة في نزول عيسى عليه السلام على فساد دعواهم أن ابن هود هو المسيح، فإن الأوصاف التي جاءت فيها لا تنطبق على ابن هود، قال رحمه الله: «حتى بينت لهم فساد دعواهم بالأحاديث الصحيحة الواردة في نزول عيسى بن مريم، وأن ذلك الوصف لا ينطبق على هذا»(1)، ومن تلك الأوصاف التي جاءت في الاحاديث الصحيحة، (كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل)(2)، وأنه (رجل مربوع إلى الحمرة والبياض)(3)، وأما ابن هود فقال الذهبي: «وكان أشقر، أزرق»(4)،
والمسيح عليه السلام، إنما ينزل فجأة عند المنارة البيضاء شرقي دمشق في صلاة الصبح، ويقتل المسيح الدجال(5)، وتحدث قبل نزوله أحداث كثيرة، لا تصدق على حال ابن هود وزمنه.
الثاني: حلف لهم شيخ الإسلام أن ما ينتظرونه على يد ابن هود -ظنا منهم أنه هو المسيح- لا يتم بحال ولا يكون.
الثالث: طلب منهم المباهلة على هذا إن لم يصدقوه.
وقد أبر الله يمين شيخ الإسلام فكشف لهم بطلان دعواهم في هذا الرجل، ولم يحدث لهم شيء مما كانوا يتوقعون، ولا وقع لهم شيء مما كانوا يرجون ويؤملون، فظهر الحق وبطل ما كانوا يعتقدون.
* * *--------------------------------------------
(1) بغية المرتاد (ص:26).
(2) رواه أحمد (9270) وأبو داود (4324)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5386).
(3) رواه البخاري باب إذا قال أحدك آمين (3239) ومسلم كتاب الإيمان (165).
(4) تاريخ الإسلام (52/ 400).
(5) الحديث رواه مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة (2937).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 282)

‌‌المبحث الرابع: مناظرته مع بعض أكابر الاتحادية في الفرق بين التوحيد والإلحاد: ويشتمل على مطلبين:
‌‌المطلب الأول: عرض المناظرة:
‌‌تمهيد:
حكى شيخ الإسلام رحمه الله في غير موضع من كتبه مناظرة وقعت بينه وبين شيخ من أكابر شيوخ الاتحادية يدعى حسام الدين الكرماني(1)، ويلقبه أصحابه بـ (سلطان الأقطاب)، وهو من المعظمين جداً لابن عربي وابن حمويه(2)، وقد دار الحوار بينه وبين شيخ الإسلام رحمه الله في أمور كثيرة مما يتعلق بالاتحادية وحقيقة مذهبهم ومعتقدهم، وقد استطاع شيخ الإسلام بقوة حجته وحسن منطقه، وغزارة علمه، بعد توفيق الله، أن يقنع الخصم وينقذه من ضلالات الاتحادية وخرافاتهم، حتى رجع عن تعظيم من كان يعظم من الاتحادية، وكفر بما يقوله ابن عربي--------------------------------------------
(1) لم أقف على ترجمته، إلا ما ذكر شيخ الإسلام في هذه المناظرة عن حاله ومناظراته معه ورجوعه عن مذهب الاتحادية. والله أعلم.
(2) هو أبو إبراهيم سعد الدين محمد بن المؤيد بن عبد الله بن علي بن محمد بن حمويه الجويني الصوفي، كان صاحب رياضات وأحوال، وله كلام في التصوف على طريقة أهل الوحدة والاتحاد (ت:650 هـ). انظر: تاريخ الإسلام (14/ 644)، الوافي بالوفيات (5/ 69)، الأعلام للزركلي (7/ 120).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 283)

من الكفريات، وتبين له ضلال كثير من الفقهاء المنتسبين لمذهب الاتحادية حتى قال: «هؤلاء الفقهاء لا يفهمون هذا، صُمٌ بكمٌ عميٌ فهم لا يعقلون»(1)، وقال شيخ الإسلام: «وجَرَتْ لنا معه فصول أظهرَ اللهُ بها الحقَّ وبيَّنَ حالَ التوحيد وتلبيسَ هؤلاء المنافقين»(2).‌‌ نص المناظرة:
حكى شيخ الإسلام رحمه الله هذا المناظرة في عدة مواضع من كتبه نوردها بنصها كما أتت:
الموضع الأول: «ولهذا حدثني بعض أكابر هؤلاء الاتحادية(3) عن صاحب هذه المقالة(4)؛ أنه كان يقول: ليس بين التوحيد والإلحاد إلا فرق لطيف.
فقلت له: هذا من أبطل الباطل، بل ليس بين مذهبين من الفرق أعظم مما بين التوحيد والإلحاد، وهذا قاله بناء على هذا الخلط واللبس الذي خلطه؛ مثل قوله إن العلويات والسفليات لو ارتفعت لانبسط نور الله؛ بحيث لا يظهر فيه شيء»(5).
الموضع الثاني: «وهكذا حدثني بعض أكابر مشايخ هؤلاء الاتحادية، وكنتُ لما بينتُ له حقائقَ أمرِهم يتعجبُ من ذلك ويستعظمه ويقول: هؤلاء الفقهاء لا يفهمون هذا، صُمٌ بكمٌ عميٌ فهم لا يعقلون، حدثني أن سعد الدين ابن حمويه كان يقول: ليس بين التوحيد والإلحاد إلا فرقٌ لطيف.
وهذا حقيقة هذا القول المحكيّ عنه، فإن الإلحاد المحض نفي الصانعِ بالكلية، وأن هذا العالم الموجود ليس له صانع!--------------------------------------------
(1) جامع المسائل (4/ 424).
(2) المصدر السابق (4/ 394).
(3) هو حسام الدين الكرماني، كما سبق توضيحه.
(4) هو سعد بن حمويه كما نص عليه في المواضع الأخرى.
(5) مجموع الفتاوى (2/ 196)، مجموعة الرسائل (4/ 41).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 284)

فإذا قال القائل: إن هذا العالم الموجود هو الصانع، وهو الصانع المصنوع، فقوله مثل قول الملحدة المحضة في جحود ربّ العالمين؛ لكن ذاك لا يحتاج أن يقول: ظهرَ فيه صانعُه، وهذا يقول: هو صانعُه وما هو غير صانعه، لكن الصانع له ذات، وهو الوجود المطلق المرئي الذي له اسم ولا صفة، وله أسماءٌ وصفات، وهي نسبةُ ذلك الوجود إلى مظاهرِه ومجاليه أو نحو هذه العبارات التي ليس لها حقيقة في الخارج، وإنما كلّ منهم يتخيَّلُ نوعًا من الكفر ويقوله، ويقول: إنه غاية التحقيق ونهاية التوحيد وحقيقة النبوة»(1).
الموضع الثالث: «حدثني الشيخ الملقب بحسام الدين القادم السالك طريق ابن حمويه الذي يلقبه أصحابه (سلطان الأقطاب)؛ وكان عنده من التعظيم لابن عربي وابن حمويه؛ والغلو فيهما أمر عظيم، فبينت له كثيراً مما يشتمل عليه كلامهما من الفساد والإلحاد والأحاديث المكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم، وجرى في ذلك فصول؛ لما كان عنده من التعظيم مع عدم فهم حقيقة أقوالهما وما تضمنته من الضلالات»(2).
الموضع الرابع: «وما يروى في هذا الباب من الأحاديث: هو من هذا الجنس مثل كونه [أي النبي صلى الله عليه وسلم] كان نوراً يسبح حول العرش أو كوكباً يطلع في السماء ونحو ذلك … فإن هذا المعنى رووا فيه أحاديث كلها كذب حتى أنه اجتمع بي قديماً شيخ معظم من أصحاب ابن حمويه يسميه أصحابه "سلطان الأقطاب"، وتفاوضنا في كتاب "الفصوص" وكان معظما له ولصاحبه؛ حتى أبديت له بعض ما فيه فهاله ذلك وأخذ يذكر مثل هذه الأحاديث فبينت له أن هذا كله كذب»(3).
الموضع الخامس: «وقد قَدِم علينا أكبر مشايخ تلك البلاد من السعدية حسام الدين الكرماني حاجًّاً، وخاطبتُه في حالِ هؤلاء، وبيّنتُ له من كلام ابن العربي--------------------------------------------
(1) جامع المسائل (4/ 425).
(2) مجموع الفتاوى (7/ 594).
(3) مجموع الفتاوى (2/ 239) ومجموعة الرسائل (4/ 72).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 285)

وغيرِه ما كان طالبًا له، حتى رَجَعَ عن تعظيم هؤلاء، وكَفَر بما يقوله ابن العربي من الكفريات، وقال: ما كُنّا نَعرِف حقيقةَ حالِ هؤلاء، ولا نعرف أن كلامَهم مشتمل على هذا كله! مع أنه كان من أكثر المشايخ تعظيمًا لابن العربي، وهو من الغلاة في سعد الدين. وجَرَتْ لنا معه فصول أظهرَ اللهُ بها الحقَّ وبيَّنَ حالَ التوحيد وتلبيسَ هؤلاء المنافقين»(1).

‌‌المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة:
‌‌المسألة الأولى: مناقشة قول ابن حمويه: (ليس بين التوحيد والإلحاد إلا فرق لطيف):
‌‌الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:
يرى ابن حمويه أن وجود الله بالنسبة لوجود العالم كنور العين بالنسبة للعين، فالله هو نور العين، والعالم العلوي هو الأجفان العلوية للعين، والعالم السفلي هو الأجفان السفلية للعين، والله هو النور الذي يظهر بوجود هذه الأجفان، فإن الأجفان هي التي تحافظ على ظهور النور وهي شرط في ظهوره، وكذلك العالم هو الذي يظهر به الإله، ولولا هذه الأجفان لتفرق نور العين وانتشر بحيث لا يرى شيئاً أصلاً، وكذلك العالم لو عدم لما أمكن ظهور الله لأن وجوده إنما هو وجود مطلق لا يتقيد برسم ولا صفة ولا قيد(2).
وهذا الاعتقاد هو أصل شبهة هذا الرجل والتي بنى عليها قوله بأنه لا يوجد فرق بين التوحيد والإلحاد إلا فرق لطيف، وقد أشار شيخ الإسلام إلى هذا فقال مبيناً سبب هذه المقولة: «وهذا قاله بناء على هذا الخلط واللبس الذي خلطه؛ مثل قوله إن العلويات والسفليات لو ارتفعت لانبسط نور الله؛ بحيث--------------------------------------------
(1) جامع المسائل (4/ 394).
(2) انظر: (الرد على مذهب الاتحاديين) ضمن مجموع الفتاوى (2/ 186 - 199)، رسالة في (الرد على بعض أتباع سعد الدين ابن حمويه) ضمن جامع المسائل (4/ 389 - 390).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 286)

لا يظهر فيه شيء»(1).
وتوضيح هذه الشبهة أن يقال: إن ابن حموية وأتباعه اعتقدوا أن الله بالنسبة للعالم كنور العين بالنسبة للعين، وعندهم أن هذا هو غاية التوحيد، وبناءً على هذه المقالة لا يكون بين التوحيد والإلحاد إلا فرق لطيف، بل لا يكون هناك فرق بينهما أصلاً، وذلك أن أهل الإلحاد إنما يثبتون وجود العالم وينفون وجود الخالق له، وأهل الاتحاد يثبتون الخالق ولكن يجعلون الخالق هو العالم نفسه، أو جزء منه كما أن نور العين جزء من العين، فيكون غاية قولهم هو إثبات العالم فحسب، هذا من وجه.
ومن وجه آخر: أن توحيد أهل الاتحاد هو الاعتقاد أن الله هو الوجود المطلق تجلى وظهر بأحكام الممكنات، ولذلك شبهوه هنا بنور العين، وشبهوا العالم بالأجفان العلوية والسفلية للعين، لأنهما يحافظان على ظهور النور فهما شرط في وجود النور وبذهابهما يذهب النور، فإذا ارتفع العالم ارتفعت حقيقة الله، وهذا ما نص عليه التلمساني والقونوي وابن عربي في كثير من كلامه، أن وجود الله هو عين وجود المخلوقات ليس غيرها، وعلى هذا فلا يتصور وجوده مع عدم المخلوقات، كما لا يتصور بقاء النور مع عدم الأجفان، وهذا القول إذا تأملته وجدت أنه لا فرق بينه وبين الإلحاد الذي هو حقيقة هذا المذهب وغايته(2).
وخلاصة قولهم أنهم أقروا بوجود العالم، وأنكروا أن فوقه رب، كما أن أهل الإلحاد أقروا بوجود العالم، وأنكروا أن يكون فوقه ربا، والفرق بينهما أن الملاحدة لم يجعلوا العالم إلها، وهم جعلوه إلها(3).
وبهذا نخلص إلى أن الخطأ الذي وقع فيه ابن حموية كان من جهتين:
أولاً: تقريره لمذهب الاتحادية، وأن الله بالنسبة للعالم كنور العين--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (2/ 196).
(2) انظر: مجموع الفتاوى (2/ 197 - 198).
(3) انظر: المصدر السابق (2/ 191 - 192).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 287)

بالنسبة للعين.
ثانياً: ظنه أن حقيقة التوحيد هي القول بالاتحاد المذكور الذي قرره بالشبهة السابقة.
وبعد تأمله في حقيقة التوحيد المزعوم وما ضربه عليه من مثال، تبين له أنه شبيهٌ بقول أهل الإلحاد، إلا أن هناك فرقاً يسيراً بينهما، فقال هذه المقولة الفاسدة.

‌‌الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:
استطرد شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في بيان فساد مذهب ابن حمويه ومن سلك طريقه وذلك من وجوه كثيرة، ويهمنا هنا أن نلقي الضوء على الشبهة التي حملت ابن حمويه على القول بمثل هذه المقولة، فأما خطأه في فهم التوحيد فقد تبين في فصول سابقة حقيقة التوحيد الذي جاءت به الرسل وبطلان ما تسميه كثير من الطوائف توحيداً(1)، وأما شبهة ابن حمويه التي بنى عليها مقالته: وهي اعتقاده أن الله بالنسبة للعالم كالنور بالنسبة للعين، والعالم أجفان هذه العين، فقد أجاد شيخ الإسلام وأفاد في رد هذا التصور والاعتقاد، وذلك من وجوه كثيرة أبرزها ما يلي:
الوجه الأول: أن هذا الكلام ما هو إلا "دعوى مجردة بلا حجة ولا دليلٍ، وإذا كان من تكلَّم في مسألة من مسائل الاستنجاء أو الإجارة لم يُقبَل منه إلاّ بالحجة والدليل، فمن تكلم في خالقِ الخلق وربّ العالمين بكلامٍ لا يوجَد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا قاله أحدٌ من السلف ولا شيخ من المشايخ الذين لهم لسان صدقٍ في عمومه، بل جميعُ أهل العلم والإيمان والمشايخ المقبولون يُكفرون من يقوله، ولم يأتِ عليه لا بحجةٍ ولا دليلٍ، كيف يُقبَل منه؟ "(2).--------------------------------------------
(1) راجع ص: 215.
(2) جامع المسائل (4/ 396).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 288)

الوجه الثاني: أن هذا القول مخالف لمذهب جميع المسلمين، بل وسائر أهل الملل من اليهود والنصارى والمقرِّين بالصانع من أنه سبحانه حق موجود بنفسه، متميز عما سواه، وهو ربّ العالمين وخالق الخلق، وأنه ليس في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في مخلوقاتِه شيء من ذاته، وأن جميع الكائنات عبادٌ لله فقراءُ إليه، وهو مالكهم وربهم وخالقُهم(1).
الوجه الثالث: أن لهذا القول لوازم فاسدة كثيرة، منها:
1) يلزم منه أن يكون الله محتاجًا للعالم مفتقراً له وذلك أن "نور العين مفتقر إلى العين محتاج إليها لقيامه بها فإذا كان الله في العالم كالنور في العين؛ وجب أن يكون محتاجا إلى العالم"(2).
2) يلزم منه أن يكون الله مفتقراً في وجوده إلى وجود مخلوقاته وذلك أنه جعل وجود الباري تبارك وتعالى مشروطاً بوجود العالم بحيث لولا مخلوقاته لانتشرت ذاته وتفرقت وعدمت، كما أن نور العين مشروط بوجود الأجفان بحيث لولا الأجفان لانتشر نور العين وتفرق وعدم(3).
الوجه الرابع: قال شيخ الإسلام: «فمن يكون في قبضته السموات والأرض، وكرسيه قد وسع السموات والأرض، ولا يئوده حفظهما، وبأمره تقوم السماء والأرض، وهو الذي يمسكهما أن تزولا، أيكون محتاجاً إليهما مفتقرا إليهما؟! إذا زالا تفرق وانتشر؟!»(4).
الوجه الخامس: أن كفر هذا القول من الوضوح بمكان لا يخفى، "وإذا كان المسلمون يكفرون من يقول: إن السماوات تقله أو تظله؛ أو أنه محتاج للعرش لحمله … فكيف بمن يقول إنه مفتقر إلى السموات والأرض وأنه إذا ارتفعت--------------------------------------------
(1) انظر: المصدر السابق (4/ 416).
(2) مجموع الفتاوى (2/ 195).
(3) انظر: المصدر السابق (2/ 186 - 187).
(4) المصدر السابق (2/ 187).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 289)

السموات والأرض: تفرق وانتشر وعدم؟! "(1).
الوجه السادس: أن يقال لهؤلاء أنتم بين أمرين:
1. إما أن تقولوا بقدم السماوات والأرض وقدم العالم: وهذا كفر بين.
2. وإما أن تقولوا بحدوثهما، وعليه فيكون الله قبل خلقهما منتشراً متفرقاً معدوماً ثم لما خلقهما صار موجوداً مجتمعاً؟ وهذا من أقبح الكفر أيضاً!
فيكون قولهم دائرا بين نوعين من أنواع الكفر، مع غاية الجهل والضلال(2).
الوجه السابع: قد ثبت في الصحيح من حديث أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن ربه: (حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه)(3)، فأخبر الصادق المصدوق أن الله لو كشف حجابه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من السموات والأرض وغيرهما، فمن تكون سبحات وجهه تحرق السموات والأرض لولا الحجاب، أيكون نوره إنما يحفظ بالسموات والأرض(4)؟!.
الوجه الثامن: من المعلوم أن صور العالم ومخلوقاته، تزيد وتنقص وتموت وتحيا، وفيهم الكافر والمؤمن، والبر والفاجر، وقد جعلها ابن حمويه هي أهداب جفن حقيقة الله، ويلزم على هذا ثلاث لوازم فاسدة:
الأول: أن تكون أهداب جفن حقيقة الله لا تزال مفرقة كاشرة فاسدة، تزيد وتنقص(5).
الثاني: أن يكون المشركون واليهود والنصارى والفجار من أجفان حقيقة الله! وقد لعن الله من جعلهم أبناءه على سبيل الاصطفاء فكيف بمن--------------------------------------------
(1) المصدر السابق (2/ 188) باختصار.
(2) انظر: مجموع الفتاوى (2/ 188).
(3) رواه مسلم، كتاب الإيمان. (179).
(4) انظر: مجموع الفتاوى (2/ 189).
(5) انظر: المصدر السابق (2/ 190).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 290)

جعلهم من نفسه(1)؟!.
الثالث: أنه كلما عدم شيء من مخلوقات الله ينتقص من نور الحق ويتفرق بقدر ما عدم من ذلك، وكلما زاد شيء من ذلك زاده نوره واجتمع(2).
الوجه التاسع: أن كلام ابن حمويه وأضرابه من أئمة الاتحادية في غاية الاضطراب والتناقض، وهذا من أعظم الأدلة على بطلان قولهم، فإن علامة الباطل تناقضه واختلافه، وابن حمويه كان كما أخبر شيخ الإسلام: «أكثرهم تناقضاً وهذياناً»(3)، قال شيخ الإسلام: «فسعد الدين-مع ما فيه من الإسلام والمتابعة- فيه تخليط كثير، فإنه أحيانًا يتكلم بكلام الاتحادية؟ وأحيانًا يُجرد الاتحادَ تجريدَهم، بل يَسلُك لنفسِه مسلكًا أبلقَ لا أبيضَ ولا أسودَ؛ وأحيانًا يتكلم بكلام أهل الإسلام الموافق للكتاب والسنة؛ وأحيانًا يحتج بأحاديث موضوعة لا أصل لها عن النبي صلى الله عليه وسلم»(4).

‌‌المسألة الثانية: بيان حال ابن عربي وابن حمويه وغيرهم من أئمة الاتحادية:
كان من أعظم ما بينه شيخ الإسلام رحمه الله لمناظره الشيخ حسام الدين الكرماني، حال أئمة الاتحادية كابن عربي والتلمساني والقونوي وصدر الدين ابن الرومي وابن حمويه وغيرهم من أصحاب مذهب الاتحاد ووحدة الوجود، حيث كان الشيخ حسام الدين الكرماني ممن يعظمهم ويحسن الظن بهم بل من الغالين في تعظيمهم وتبجيلهم، لعدم فهمه حقيقة أقوالهم وما تضمنته من كفر وضلالات.
والناظر في كتب شيخ الإسلام رحمه الله يجد أنها قد امتلأت ببيان حال هؤلاء،--------------------------------------------
(1) انظر: المصدر السابق (2/ 190).
(2) انظر: مجموع الفتاوى (2/ 187 - 188).
(3) المصدر السابق (2/ 186)
(4) جامع المسائل (4/ 395).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 291)

وكشف ضلالهم وكفرهم وتلبيساتهم، ولو جمع كلام شيخ الإسلام رحمه الله في ابن عربي وطائفته، لبلغ عدة مجلدات، وذلك لكثرة انتشار هذا المذهب في عصره واغترار الناس بهؤلاء وأمثالهم وإحسان الظن بهم، وعدم فهم حقيقة مذهبهم وأقوالهم، وسأكتفي في هذا الموضع ببيان شيء يسير مما ذكره شيخ الإسلام في بيان حقيقة مذهبهم واعتقادهم، وما حواه من كفر عظيم، وإلحاد برب العالمين، وتحريف للشرعة والدين.
بين شيخ الإسلام رحمه الله أن غاية مذهب الاتحادية هو إنكار وجود الله والإلحاد به وبأسمائه وصفاته، كما سبق توضيح ذلك في المبحث الأول من هذا الفصل، وكل اعتقاداتهم التي يقررونها في الباري عز وجل إنما هي أوهام وخيالات لا وجود لها في الحقيقة، ولا تمت للواقع بأي صلة(1)، وحقيقة مذهبهم ترجع للإلحاد برب العالمين، حيث إنه لا فرق في الحقيقة بين ما يذكرونه من توحيد وبين مذهب الملاحدة الذين ينكرون وجود الصانع كما تم توضيح ذلك في المطلب الأول من هذا المبحث، وبين شيخ الإسلام أنهم يجعلون وجود الله نفس وجود الحيوانات والحشوش والأخلية والنجاسات والأقذار! ويجعلون رب العزة سبحانه هو عين المخلوقات ويصفونه بجميع النقائص والآفات التي يوصف بها كل كافر وكل فاجر وكل شيطان وكل سبع وكل حية من الحيات، فتعالى الله عن إفكهم وضلالهم وسبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا(2)، وصرح بعض أئمتهم أن القرآن الذي بين أيدينا كله شرك وأن التوحيد إنما هو في كلامهم وحسب؛ وذلك لأن القرآن يفرق بين الرب والعبد وحقيقة التوحيد عندهم أن الرب هو العبد(3)، وأنكروا الخلق والملك والربوبية والرزق والرحمة والهداية(4)، وأشركوا بالله كل--------------------------------------------
(1) انظر: جامع المسائل (4/ 404 - 405)
(2) انظر: مجموع الفتاوى (2/ 126).
(3) انظر: مجموع الفتاوى (2/ 127) (2/ 201).
(4) انظر: المصدر السابق (2/ 248).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 292)

شيء حتى الكلاب والقردة والخنازير جعلوها ألهة معبودة مع الله -والعياذ بالله-(1)، ويفضلون أنفسهم على الأنبياء بل حتى على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم(2)، ويعتقدون أن فرعون كان مؤمناً بل كان موحدا غاية التوحيد وكان قوله: أنا ربكم الأعلى. حق لا مرية فيه، وأن عباد الأصنام ما عبدوا شيئاً إلا الله، وعباد العجل ما عبدوا إلا الله(3)، ويصححون دين الكفار وكل المذاهب والملل والأديان، ويجوزون للمرء أن يكون يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً، لا فرق في ذلك كله؛ لأن كل معبود هو في الحقيقة الله، وينكرون ما جاء في اليوم الآخر والوعيد بالنار وعذابها(4)، وينكرون القدر، ويحرفون نصوص القرآن على معان باطنية قبيحة، ولا يحرمون فرجاً حتى المحارم، ولذلك لما سئل زعيمهم القبيح التلمساني، فقيل له: فإذا كان الوجود واحداً فلمَ كانت الزوجة حلالاً والأم حراماً؟ فقال: الكل عندنا واحد، ولكن هؤلاء المحجوبون قالوا: حرام. فقلنا: حرام عليكم(5).
وغيرها من الأمور الكثيرة التي يستبشعها من كان في قلبه ذرة إيمان، ويستشنعها من كان لديه أدنى مسكة عقل، والتي حكايتها تغني عن ردها وإبطالها فلا يعلم مذهب جمع من الكفريات ولا حوى من الضلالات وشنيع المقالات مثل ما جمعه مذهب هؤلاء الاتحادية، ولذلك قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وهؤلاء إذا قيل في مقالتهم إنها كفر: لم يُفهِم هذا اللفظ حالها؛ فإن الكفر جنس تحته أنواع متفاوتة بل كفر كل كافر جزء من كفرهم»(6).--------------------------------------------
(1) انظر: المصدر السابق (2/ 201).
(2) انظر: المصدر السابق (2/ 201).
(3) انظر: المصدر السابق (2/ 365).
(4) نظر: المصدر السابق (2/ 242).
(5) انظر: المصدر السابق (2/ 365).
(6) المصدر السابق (2/ 127).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 293)

قال شيخ الإسلام: «وبيّنتُ له من كلام ابن العربي وغيرِه ما كان طالبًا له، حتى رَجَعَ عن تعظيم هؤلاء، وكَفَر بما يقوله ابن العربي من الكفريات، وقال: ما كُنّا نَعرِف حقيقةَ حالِ هؤلاء، ولا نعرف أن كلامَهم مشتمل على هذا كله!»(1).
* * *--------------------------------------------
(1) جامع المسائل (4/ 394).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 294)

‌‌المبحث الخامس: مناظرته مع بعض شيوخ الاتحادية في رفضه قتال التتار لاعتقاده أن هذا قتال لله: ويشتمل على مطلبين:
‌‌المطلب الأول: عرض المناظرة:
‌‌تمهيد:
يضرب لنا شيخ الإسلام رحمه الله في هذه المناظرة مثالاً آخر يظهر من خلاله عظم ما وصل له هؤلاء الاتحادية من الانحراف والضلال، حيث كانت مناظرته هذه مع رجل من هؤلاء الاتحادية، يناقشه فيها عن التتار هل هم الله -سبحانه- أم ليسوا الله؟!
وإن تعجب فحق لك أن تعجب من عقول وصل بها الحال إلا أن تعتقد مثل هذا المعتقد المخالف لكل عقل ودين وفطرة سليمة، وبمثل هذا تعلم سبب إكثار شيخ الإسلام رحمه الله في نقد هذا المذهب وبيان بطلانه في مختلف رسائله وفتاواه ومصنفاته، وذلك لشدة بشاعته، وعظم شناعته، مع انتشاره عند كثير من الناس في زمانه، وإلى نص المناظرة كما يحيكها شيخ الإسلام رحمه الله.

‌‌نص المناظرة:
قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وقد خاطبني مرة شيخ من شيوخ هؤلاء الضلال لما قدم التتار آخر قدماتهم وكنت أحرض الناس على جهادهم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 295)

فقال لي هذا الشيخ: أقاتل الله؟!
فقلت له: وهم من شر الخلق، هؤلاء إنما هم عباد الله خارجون عن دين الله،
وإن قدر أنهم كما يقولون: فالذي يقاتلهم هو الله ويكون الله يقاتل الله.
وقول هذا الشيخ لازم لهذا وأمثاله»(1).
وقال رحمه الله: «وهذا يقوله كثير من شيوخ هؤلاء الحلولية الاتحادية حتى إن أحدهم إذا أُمر بقتال العدو يقول: أقاتل الله؟ ما أقدر أن أقاتل الله! ونحو هذا الكلام الذي سمعناه من شيوخهم وبينا فساده لهم وضلالهم فيه غير مرة»(2).

‌‌المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة:
‌‌مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة والجواب عليها:
وذلك من وجهين:

‌‌الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:
رفض هذا الاتحادي وغيره ممن ينتحل مذهبه قتال التتار بحجة أن هؤلاء التتار هم الله، حتى إنهم أنكروا على شيخ الإسلام دعوته لجهادهم ودفعهم عن بلاد المسلمين، فقال هذا الشيخ متعجباً منكراً لتحريض شيخ الإسلام على قتالهم: أقاتل الله؟!
وأصل شبهة هؤلاء القوم التي دفعتهم للامتناع عن قتال التتار، ونهي الناس عن ذلك، بل ودفعت ببعضهم لمعاونة التتار والقتال معهم: هي اعتقادهم أن جميع أفعال الخلق إنما هي أفعال الله في الحقيقة، وليست أفعالا للعباد حقيقة وإنما تضاف للعباد على سبيل المجاز لا غير، وأن العارف بالله يغلب عليه شهود القدر والقيومية فلا يرى فرقا بين الأشياء، وينطق برد جميع الأشياء إلى خالقها كما--------------------------------------------
(1) الرد على البكري (1/ 369).
(2) مجموع الفتاوى (2/ 333 - 334)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 296)